Al-Jami' al-WajizAl‑Ma'idah · 5:100–109

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:100–109

5:100Page 124

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.

١٠٠ - ﴿قُل﴾ يا محمد - مرغباً في الخير، ومحذراً عن الشر-: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ﴾ من كل شيء، فلا يستوي ولا يعدل الحرام والحلال، والكفر والإيمان، والمعاصي والطاعات، والصالح والطالح. ﴿وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ﴾ أي: سرّك أيها الإنسان ﴿كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾ لأن خُبْث الشيء يُبطل فائدته، ويمحق بركته، ويذهب بمنفعته، ويضره في دينه ودنياه. فقليل محمود خير من كثير مذموم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في اجتناب الخبيث من الأقوال والأعمال، والمكاسب والأموال، وامتثال الطيب منها. ﴿يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، لأنهم المنتفعون بموافقة الله في أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ أي: تفوزون بالمطلوب، وتنجون من المرهوب، في الدنيا والآخرة. وفي الحديث:«ما قلَّ وكفى خير مما كثُر وألهى»، وروى البغوي عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال لثعلبة بن حاطب - وكان قد سأل رسول الله أن يدعو الله له أن يرزقه مالاً-: «قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». وفي الآية:بيان أن الحلال النافع ولو كان قليلاً، خير من الحرام الضار ولو كان كثيراً. فاللهم ارزقنا الحلال ولو كان قليلاً وبارك لنا فيه، وباعد بيننا وبين الحرام ولو كان كثيراً كما باعدت بين المشرق والمغرب. وقد أخرج الواحدي والأصبهاني،في سبب نزول الآية، عن جابر: أن النبي ﷺ ذكر تحريم الخمر، فقام أعرابي فقال: إني كنت رجلاً، كانت هذه تجارتي، فاعتقبت منها مالاً، فهل ينفع ذلك المال إن عملت بطاعة الله؟ فقال النبي ﷺ:«إن الله لا يقبل إلا الطيب» فأنزل الله تصديقاً لرسوله هذه الآية.

5:101Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

١٠١ - أسباب نزول الآية:روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة، فقال رجل: من أبي؟ قال:«أبوك فلان» - وكان يُطعن فيه - فنزلت هذه الآية.وروى البخاري عن ابن عباس أيضاً قال: كان قوم يسألون رسول الله استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل - تضلّ ناقته- : أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية.وأخرج ابن جرير مثله من حديث أبي هريرة بإسناد جيد: أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر يوماً، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال:«في النار»، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال:«أبوك حذافة» فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولا، ونزلت هذه الآية. وروى أحمد ومسلم والترمذي والحاكم عن علي قال: لما نزلت:(ولله على الناس حج البيت)آل عمران( ٩٧). قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال:«لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم». فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير مثله من حديث أبي هريرة وأبي أمامة وابن عباس. قال الحافظ ابن حجر: ولا مانع من أن تكون الآية نزلت في الأمرين معاً، وإن كان حديث ابن عباس عند البخاري أصح إسناداً. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ﴾ النبي ﷺ ﴿عَنۡ أَشۡيَآءَ﴾ لا حاجة لكم بالسؤال عنها، مما لا فائدة فيها، ولا طائل منها، ولا هي مما يعين على أمور دينكم، فإنها ﴿إِن تُبۡدَ لَكُمۡ﴾ أي: إن تُظهر وتُبيَّن لكم ﴿تَسُؤۡكُمۡ﴾ وتحزنكم، لما في إبدائها من المشقة والشدة والعنت والحرج، إما لكون التكليف بها شاقاً - كسؤالهم عن الحج: هل يجب في كل عام؟ -وإما لكونها مستورة، وفي إظهارها حرج للسائل عنها -كسؤال بعضهم عن أبيه: أين أبي؟ فقال:«أبوك في النار» - فظاهر الآية: النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا بُيِّنت لهم ساءتهم وأحزنتهم، لما فيها من المشقة في التكليف، أو الحرج في إبدائها وبيانها، فالأوْلى الإعراض عنها وتركها. وفي الحديث عند أحمد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:«لا يُبلغني أحد عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». أما السؤال الذي لا يترتب عليه مشقة في التكليف، أو حرج في إبدائه وبيانه، فهو مأمور به، كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)النحل(٤٣). ﴿وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا﴾ أي: عن أشياء، في زمن النبي ﷺ، وافقت محلها، كأن تسألوا عن مجمل آية أشكلت، أو حكم شرعي خفي وجهه عليكم ﴿حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ [وفي قراءة: بالتخفيف: (يُنْزَل القرآن)] والوحي على رسول الله ﷺ ﴿تُبۡدَ لَكُمۡ﴾ أي: تُظهر وتُبيَّن لكم حينئذ لاحتياجكم إليها، وذلك بما ينزل به الوحي، أو بما يجيبكم به النبي ﷺ. وقيل: المراد بقوله: (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) أي: وإن تستأنفوا السؤال عن الأشياء التي نُهيتم عن السؤال عنها وقت التنزيل، فقد ينزل القرآن بإبدائها وبيانها، مما قد يكون سبباً في التشديد عليكم والمشقة، والحرج والتضييق. وفي الحديث عند البخاري:«أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته».ولكن إذا نزل القرآن بها مجملةً، فسألتم عن بيانها، بُيَِّنت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ﴾ أي: عما كان منكم قبل ذلك من المسائل المنهي عنها. أو: عفا الله عنها بالسكوت وعدم التكليف، فلا تسألوا عنها، فكل ما سكت الله عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته. وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:«ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم، كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».وفي الحديث أيضاً:«إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تسألوا عنها».رواه الدارقطني. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب وأناب، وأطاع الله في أمره ونهيه، (والله غفور) لا يعجل بالعقوبة، ولا يبادر عباده بها، بل يُملى لهم ويمهل، ولكن لا يُهمل.

5:102Page 124

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

١٠٢ - ﴿قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: قد سأل السابقون أنبياءهم عن أمثال وأشباه هذه المسائل المنهي عنها، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فأجابوهم ببيان أحكامها ﴿ثُمَّ أَصۡبَحُواْ﴾ أي: صاروا ﴿بِهَا كَٰفِرِينَ﴾ أي: بسببها، وذلك أنهم بعد بيانها والإجابة عنها، لم يؤمنوا بها، ولم ينتفعوا ببيانها، ولم يقوموا بما كُلِّفوا به من الأمر بها لمشقتها، فضلوا بترك العمل بها، لكونهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه التعنت والاستهزاء والعناد. وفي الحديث الصحيح:«ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، فإنما أهلك من كان قبلكم: كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم». وعن عكرمة أنه قال - في قوله تعالى: (قد سألها قوم من قبلكم)- : المراد بهذا: هو النهي عن سؤال وقوع الآيات واقتراحها على الله، كما سألت قريش الرسول ﷺ أن يجري لهم أنهاراً، وأن يجعل لهم الصفا ذهباً، وغير ذلك، وكما سألت اليهود رسول الله أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ونحو ذلك من أسئلة التعنت والعناد والاقتراح على الله.

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

١٠٣ -﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ﴾ أي: ما شرع الله هذه المحرمات التي حرمتموها على أنفسكم، وزعمتم أنّ الله حرّمها عليكم، كذباً وافتراءً على الله. وكانوا في الجاهلية قد حرّموا على أنفسهم شيئاً من مواشيهم وأنعامهم، على حسب أهوائهم، وآرائهم الفاسدة. فرد الله عليهم ذلك، لكونهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وحرموا على أنفسهم ما أحل الله. والبحيرة: النّاقة إذا ولدت خمسة أبطن، آخرها ذكر، شقوا أذنها، ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم، لا تُنحر، ولا يُحمل عليها، ولا تُطرد عن ماء أو مرعى، وسمّوها:«البحيرة» أي: مشقوقة الأذن، من «البحر» وهو الشق. والسائبة: النّاقة التي تُسيّب بنذر على الرجل، إن قدم من سفر وبلّغه الله منزله، أو برأ من مرض، أو نجت ناقته من حرب، سيّب ناقته وخلاّها، وجعلها كالبحيرة، فلا تُركب ولا تُحبس عن رعي ولا ماء. وقيل: هي النّاقة التي تُعتق للأصنام، وتُنذر لها. والوصيلة: النّاقة التي تُبكِّر بأنثى، ثم تُثنّي بأنثى، فكانوا يتركونها للطواغيت، ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. وقيل: هي الشاة، إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإذا ولدت ذكراً وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. والحامي: فحل الإبل إذا لَقح ولدُ ولَدِه، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يُركب ولا يُحمل عليه، ولا يُمنع ماء ولا مرعى حتى يموت. يقال: حماه يحميه: إذا حفظه. وقيل: هو الفحل إذا نُتج من صلبه عشرة، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يُركب ولا يُمنع من كلأ ولا ماء. وقد روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال:«البحيرة»: هي التي يُمنح درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من النّاس، «والسائبة»: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، فلا يُحمل عليها شيء، «والوصيلة»: النّاقة البكر، تُبكر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثمّ تثني بعدُ بأنثى، وكانوا يُسيِّبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداها بأخرى، ليس بينهما ذكر، و«الحامي»: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوْه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلا يُحمل عليه شيء، وسمّوه: الحامي. وأول من ابتدع هذه المنكرات بين العرب عمرو بن لُحي، وكان قد ملك مكة، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وغيَّر دين إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- فدعا الرعاع من النّاس إلى عبادتها والتقرب إليها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها. وفي الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«رأيت عمرو بن عامر الخُزاعي يجُرُّ قُصبه- أي: أمعاءه - في النّار، وكان أول من سيّب السوائب». وروى البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ:«رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عَمْراً يجر قُصبه، وهو أول من سيّب السوائب». وعند أحمد، عن ابن مسعود، عن النّبي ﷺ قال:«إن أول من سيّب السوائب، وعبد الأصنام: أبو خُزاعة، عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النّار». وعند عبد الرزاق في«مصنّفه» عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ:«إني لأعرف أول من سيّب السوائب، وأول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لُحي، أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قُصبه في النّار، وإني لأعرف أول من بَحرَ البحائر، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرّم ألبانهما، فلقد رأيته في النّار وهما يعضانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما». ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ ﴾ في كل ذلك وفي نسبته إلى الله ﴿وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ عن الله دينه وشرعه، لأنهم قلّدوا آباءهم فيما حرّموا على أنفسهم ظناً منهم أنها قُربة يتقربون بها إلى الله، فعطلوا العقل والفكر.

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

١٠٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ من الكتاب المبيِّن للحلال والحرام ﴿وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ الذي أُنزل عليه الكتاب، أي: إذ دُعوا إلى دين الله وشرعه وحكمه فيما حرّموا من الحلال على أنفسهم، وجعلوه شرعاً وديناً لهم. ﴿قَالُواْ﴾- معرضين عن سماع الحق وقبوله- ﴿حَسۡبُنَا﴾ أي: كافينا ﴿مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ من الدين والشريعة والطرائق والمسالك. قال الله تعالى راداً عليهم: ﴿أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ أي: أَحسْبُهم ذلك، ولو كان آباؤهم لا يعرفون الحق ولا يفهمونه، ولا يهتدون إليه؟ والاستفهام للإنكار. أي: فكيف يُقلدون من لا علم عندهم ولا هدي ولا دراية؟ لا جرم أنّ المقلِّدين أجهل وأضل سبيلاً من المُقلَّدين أنفسهم.

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

١٠٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ﴾ أي: احفظوها من المعاصي، وقوموا بصلاحها، واجتهدوا في إصلاحها وكمالها، والزموا العلم والعمل بطاعة الله، فأتوا بما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه باتباع كتاب الله وسنة رسوله. ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ أي: لا يضركم ضلال من ضل وكفر من كفر إذا أقمتم العمل بطاعة الله، وأديتم حق الله فيمن ضل من الناس، بما ألزمكم الله به، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم، فإن أبى إلا النزوع إلى الشر، بعد بيان الحق وتبيُّنه، فلا ضير عليكم إذا تمادى في غيه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله في أنفسكم وفيما أمر به ونهى عنه. ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا﴾ يوم القيامة، فمآلكم إليه، واجتماعكم في الآخرة بين يديه، بعد الموت والبعث. ﴿فَيُنَبِّئُكُم﴾ أي: يخبركم ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ من خير أو شر، فيجازى كل عامل بحسب عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وليس في الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكناً وفق استطاعته وطاقته، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة عن أبي بكر الصديق قال: إنكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» .وفي رواية:«إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله أن يعمهم بعقابه». وروى الحاكم والترمذي وصححه من حديث أبي ثعلبة الخُشني، أنه سئل عن هذه الآية فقال: سألت عنها رسول الله ﷺ فقال:«ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر». وفي رواية:«أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم».

5:106Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."

١٠٦ - أسباب نزول الآية : روى البخاري:«أن رجلاً من بني سهم، خرج مع تميم الداري، وعدي بن بدّاء - وهما نصرانيان - فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً - أي: إناءً - من فضة، مخوصاً أي: منقوشاً - بالذهب، فرُفعا إلى النبي ﷺ، فنزلت الآية، فأحلفهما، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فنزلت الآية الثانية، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا». وفي رواية الترمذي:«فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم هو المطلب بن أبي وداعة فحلفا، وكانا أقرب إليه». وروى أبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب، عن ابن عباس قال:«خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، فنزلت فيهم الآية». وفي رواية عند الترمذي:فمرض السهمي، فأوصى إليهما - أي: إلى تميم وعدي - وأمرهما أن يبلّغا ما ترك أهله، فلما مات، أخذا الجام، ودفعا إلى أهله ما بقي، وسألوهما عن الجام، فقالا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره، فلما أسلم تميم تأثم من ذلك، فأتى أهله وأخبرهم الخبر، ودفع لهم خمسمائة درهم، وأخبرهم أن عند عدي مثلها، فأتوا به رسول الله ﷺ، فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه، فحلف، فأنزل الله الآية إلى قوله: (أن ترد أيمان بعد أيمانهم) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنُزعت الخمسمائة درهم من عدي. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ﴾ أي: فُرض عليكم شهادة ما بينكم. والشهادة هنا بمعنى: الحضور أو الإحضار، تقول: شهدت وصية فلان، بمعنى: حضرت. ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ أي: أسبابه، ومقدماته، وعلاماته وأماراته. ﴿حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ﴾ تنبيها على أنها من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها. ﴿ٱثۡنَانِ﴾ أي: شهادة اثنين من رجالكم. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، أي: ليشهد الوصية بينكم اثنان ﴿ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ أي: من المسلمين. وقيل: من أهل الموصي ﴿أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ﴾ من غير أهل ملتكم، أي: من غير المسلمين، من أهل الكتاب أو الذمة أو الكفار. وقيل: من غير أهل الموصي. وقيل: (اثنان ذوا عدل منكم) هذا في الوصية عند الموت، يُوصي ويُشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، ويكون هذا في الحضر (أو آخران من غيركم) أي: في السفر وليس بحضرته أحد من المسلمين.والمعنى: فُرض عليكم، إذا حضر أحدكم الموت، أن يشهد الوصية بينكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين ، وذلك عند الضرورة والحاجة وعدم غيرهما من المسلمين .﴿إِنۡ أَنتُـمۡ ضَرَبۡتُـمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: سافرتـم فيهـا ﴿فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾ أي: فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهوداً عليها من المسلمين، فأشهدوا غيرهما من أهل الكتاب أو الذمة. وفي الآية: دليل على جواز شهادة أهل الكتاب أو الذمة على المسلمين في السفر، وفي خصوص الوصايا في السفر عند عدم المسلمين.﴿تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ أي: توقفانهما للحلف واليمين بعد صلاتهما في دينهما- أي: صلاة أهل ملتهم- أو بعد صلاة المسلمين، أو بعد صلاة العصر- أو غيرها من الصلوات- والمراد: أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع النّاس فيها بحضرتهم. ومن قال: بعد صلاة العصر، فلأنه الوقت الذي يجتمع فيه النّاس عادة، ومن قال: بعد صلاة أهل الأديان، فلأنهم يتحاشون الكذب في الحلف بعد صلاتهم.و قد قال ابن عباس لأبي موسى الأشعري-وكان قد أراد أن يستحلف الشاهديْن الكافريْن بعد العصر، عندما ارتاب فيهما أهل الميت-: «إنهما لا يباليان صلاة العصر، و لكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما». فيقوم الشاهدان على الوصية بحضرة النّاس بعد الصلاة ﴿فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ﴾ أي: فيحلفان به أنّهما صَدَقا، وما غيّرا ولا بدّلا، وهذا الحلف كائن ﴿إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ﴾ في شهادتهما، وشككتم فيهما بخيانة أو أخذ شيء من تركة الميت، وظهرت لكم منهما ريبة أنّهما خانا أو بدَّلا، أو غيّرا، فإن صدَّقتموهما فلا حاجة إلى القسم بذلك. ويقولان في حلفهما: ﴿لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ﴾ أي: بالله أو بأيْماننا ﴿ثَمَنٗا﴾ أي: عوضاً نأخذه بدله من الدنيا، بأن نحلف بالله كذباً، أو نشهد كذباً لأجله، أو لأجل المال الذي ادّعيتموه علينا. والمعنى: لا نحلف بالله كذباً لأجل عرض من الدنيا، أو لا نبيع حظّنا من الله بعوض حقير من الدنيا. ﴿وَلَوۡ كَانَ﴾ المُقسَم له، أو المشهود له ﴿ذَا قُرۡبَىٰ﴾ أي: ذا قرابة منّا، فإنّا نؤثر الحق والصدق، ولا نحابيه أو نراعيه لأجل قُربه منّا. ويقولان- أيضاً في حلفهما-: ﴿وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ﴾ التي أُمرنا بحملها وأدائها وإقامتها، بل نؤديها على وجهها الأكمل، حسب ما سمعناها من الموصي. وإضافة الشهادة إلى الله إضافة تشريف لها وتعظيم لأمرها.﴿إِنَّآ إِذٗا﴾ إن فعلنا ذلك من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها، أو كتمانها. ﴿لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ﴾أي: المستقرين في الإثم المستحقين لعقاب الله.فائدةواختلف في جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين على قولين: الأول: فذهب أحمد بن حنبل وشريح - فيما رواه عنه ابن جرير - إلى جواز شهادة اليهود والنصارى على المسلمين بشرط أن تكون في سفر وفي وصية السفر، واستدلوا بعموم هذه الآية. الثاني: وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي: إلى القول بعدم جواز شهادة أهل الذمة من اليهود والنصارى على المسلمين، لا في سفر، ولا حضر، ولا وصية. وأجاز أبو حنيفة شهادة الذِّمِّيين فيما بين بعضهم بعضاً. وروى ابن جرير عن الزهري قال: مضت السُّنة على أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. واستدلوا بقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله)الطلاق(٢). قلت: والأول أوْلى لعموم الآية. واختلف في قوله: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم): هل المراد به: أن يوصي إليهما، أو يشهدهما على وصيته؟ على قولين: الأول: أن يوصي إليهما، فقد سُئل ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدرُه، فإن وجد رجلين من المسلمين، دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. الثاني: أن يكونا شاهدين فقط على الوصية، وهو ظاهر سياق الآية، فإن لم يكن معهما وصيّ ثالث، فقد اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة، كما جاء في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء.

5:107Page 125

فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧

But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

١٠٧ - ﴿فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا﴾ أي: فإن اطُّلع واشتُهر-وأصل العثر: الوقوع على الشيء-أو: ظهر وتحقق، بعد حلف الشاهديْن أو الوصييْن، على أنهما فعلا ما يوجب الإثم: من خيانة، أو كذب في الشهادة، أو في اليمين، بأن وُجد عندهما- مثلا- ما اتُّهما به- كأن يدَّعيا أنهما ابتاعاه من الميت الموصي، كما في القصة، أو أنه وصّى لهما به- أو أنهما غلاَّ شيئاً من المال الموصَى به إليهما، وظهر عليهما ذلك، وثبت ما يدل على كذبهما وخيانتهما. ﴿فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾- بدلاً منهما للشهادة- أي: فحالفان آخران يقفان موقف الحالفيْن الأوَّليْن: في الحبس من بعد الصلاة، والحلف بالله، و يكونان من أهل الميت ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ﴾ أي: وجبت لهم التركة أو الوصية، وهم الورثة ﴿ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ﴾ بالميت، الأقربان إليه، الوارثان له، الأحقَّان بالشهادة، لعلمهما واطلاعهما. [وفي قراءة: ببناء الفعل للمفعول: (استُحِقَّ عليهم الأوَّلين): جمع«أوَّل»، صفة أو بدل من «الذين»]. والمعنى: فمتى تحقق كذب الحالفيْن الأوَّليْن- وهما الشاهدان أو الوصيّان- وثبتت خيانتهما، فليقم اثنان من أولياء الميت- أي: من الورثة- المستحقين للتركة، وليكونا من أوْلى من يرث الميت. أي: من أقرب الأولياء إليه ﴿فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ﴾ على خيانة الشاهديْن الأوَّليْن، ويقولان: ﴿لَشَهَٰدَتُنَآ﴾ أي: علْمُنا المشاهد على أنهما كاذبان خائنان، أو: قولنا أنهما كذبا وخانا، أو: يميننا ﴿أَحَقُّ﴾ وأصدق، وأصح، وأثبت ﴿مِن شَهَٰدَتِهِمَا﴾ أي: من يمينهما السّابق على أنهما صادقان أمينان، لأنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ﴿وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ﴾ عليهما فيما قلنا فيهما من الكذب والخيانة، وما تجاوزنا الحق في الشهادة، ولا الصدق في اليمين. ﴿إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم إن اعتدينا، وظلمنا، وشهدنا بغير الحق، و وضعناه في غير موضعه وحلفنا عليهما كذباً وبهتاناً وزوراً. فتُرد شهادة الكافرين، وتقبل شهادة الأولياء. و(الأوْليان): تثنية أوْلى، بمعنى: أقرب، وهي بدل من «آخران». وقيل: فاعل «استحق». والمراد ب (عليهم): أهل الميت أو الورثة، وب (الأوْليان): الأقربان إلى الميت، الوارثان له، الأحقان بالشهادة. والشهادة في قوله: (لشهادتنا) بمعنى: العلم المشاهد، أو ما هو بمنزلته، أو بمعنى: اليمين.

5:108Page 125

ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

١٠٨ - قال تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة، وتأكيدها بالحلف واليمين، وردّها على أقرب أولياء الميت حين تظهر من الشاهديْن الأوَّليْن الخيانة والكذب في الشهادة واليمين: ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: شرعية الحكم المذكور من تحليف الشاهديْن الكتابييْن أو الذّمييْن إذا استُريب بهما، وردّ اليمين والشهادة على الورثة ﴿أَدۡنَىٰٓ﴾ أي: أقرب وأحرى إلى ﴿أَن يَأۡتُواْ﴾ أي: الشهود على الوصية، أو الأوصياء ﴿بِٱلشَّهَٰدَةِ﴾ التي تحمَّلوها ﴿عَلَىٰ وَجۡهِهَآ﴾ أي: على حقيقتها، أداءً من غير تحريف ولا تبديل، ولا خيانة ولا كتمان، فيصدُقوا في حلفهما ولا يكذبا أو يخونا فيه، خوفاً من عذاب الآخرة. ﴿أَوۡ﴾ أقرب إلى أن ﴿يَخَافُوٓاْ﴾ أي: الشهود أو الأوصياء ﴿أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ﴾ على الورثة وأولياء الميت ﴿بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ﴾ أي: بعد أيمان الشهود على الوصية، فيحلف الورثة على خيانة شهود الوصية وكذبهم، فتبطُل أيمانهم وتُؤخذ أيْمان الورثة، فيفتضحون، و يُغرّمون، ويستحق الورثة عليهم ما يدّعون. فيكون الحامل لشهود الوصية على الإتيان بها على وجهها: هو تعظيم الحلف بالله، ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين النّاس إن رُدّت اليمين على الورثة. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في جميع أموركم، وبترك الخيانة والكذب، في الشهادة واليمين. ﴿وَٱسۡمَعُواْۗ﴾ ما تؤمرون به سماع قبول و طاعة واستجابة ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾الخارجين عن طاعته، ومتابعة شريعته، إلى سبيل الخير. وحاصل معنى الآيات(١٠٦-١٠٨): أنّ من حضره الموت من المسلمين، وأراد الوصية، فليُحضر من يشهد على وصيّته، أو فليوص إلى عدلين اثنين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شاهدين مسلمين، وكان في سفر ونحوه- مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- ووجد كفاراً أو ذمّيين، أو أهل كتاب، جاز له أن يُشهد رجلين كتابيين كافرين أو ذمّيين على وصيته. فإن جاءا بما عندهما من وصيته، ووقعت ريبة من قِبل ورثة الموصي في كتم بعضه، أو في الخيانة فيه، أو في دفعه إلى غير من أوصى له به، حلفا بالله- أي: الشاهدان الكافران- على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئاً، ولا خانا مما تركه الميت، ولا غيّرا في وصيته أو بدَّلا شيئاً منها، فإنهما مودعان مصدّقان بيمينهما. فإن تبيّن بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه، أو ظهور شيء من تركة الميت، أو وُجد ما خانا فيه، وادّعيا أنهما تملّكاه بشراء ونحوه، أو أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه، ولا بيّنة لهما على ذلك، حَلف رجلان من أقرب أولياء الموصي على كذب الشاهدين الكافرين، وأنه لا علم لهما بما ادّعياه من التملك، وأنه مِلْكٌ لمورِّثهما لا نعلم انتقاله عن مُلْكه. فيستحق أولياء الميت من الشاهدين الكافرين ما ادّعوا في حقهما من تركة الموصي، فيُغرّم الشاهدان الكافران بما ظهر عليهما من خيانة أو كذب أو نحوهما، ويدفعان لأولياء الميت كامل تركته على حسب وصيّته. والله تعالى أعلم.

5:109Page 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -

١٠٩ - اذكر يا محمد ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ﴾ وأممهم يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ﴾ الله عز وجل للرسل: ﴿مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ﴾ أي: أيّ إجابة أجابتكم بها أممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ أهي إجابة قبول واتباع، أم إجابة رد وإباء؟ وهذا كقوله تعالى: (فلنسألن الذين أُرسل إليهم ولنسألن المرسلين)الأعراف(٦)، وقوله: (فوربّك لنسألنهم أجمعين* عمّا كانوا يعلمون)الحجر(٩٢-٩٣). ﴿قَالُواْ﴾ أي: الرسل إظهاراً لعجزهم وتفويضاً إلى الله ﴿َا عِلۡمَ لَنَآۖ﴾ بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، سرّه وعلانيته، ظاهره وباطنه. وقيل: إنهم قالوا ذلك لشدة هول يوم القيامة، وفزعهم يوم المحشر، ثم يشهدون على أممهم لما يسكنون ويطمئنون. والأول أظهر. ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [وفي قراءة: بكسر الغين: (الغِيوب)] تعلم ما غاب عن العباد، وذهب عنهم علمه من الأمور الغائبة والحاضرة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском