Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:32–40
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
٣٢ - ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ﴾ الذي ذُكر في قصة ابني آدم، وقتل أحدهما أخاه ظلماً وعدواناً ﴿كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم، وفرضنا أو أوجبنا عليهم، وأعلمناهم. والمعنى: أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكَتْب المذكور على بني إسرائيل، ولعلّه خصّهم بذلك، لكونهم أول أمّة نزل عليها الوعيد في قتل الأنفس عمداً وعدواناً، ولكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء، و إلا فالكتب يصدق على الناس كافة. وأصل معنى الأجل: الجناية التي يُخاف منها آجلاً. يقال: أَجل الرجل على أهله شراً، يأجله- بضم الجيم وكسرها- أجْلاً: إذا جناه، أو: أثاره وهيّجه، ثم استعمل في تعليل الجنايات، كما في قولهم: من أجلك فعلت كذا، أي: من جَرّاك وجنايتك، ثم اتُّسع فيه، فاستعمل في كل تعليل.و الآجل على القوم:الجاني عليهم. وعليه، فيكون المعنى: من أجل هذه المفاسد الحاصلة بسبب هذه الجريمة، شرعنا القصاص، وكتبنا في التوراة تعظيم القتل العمد العدوان وشددّنا على بني إسرائيل فيه لشيوعه فيهم، فهم أول أمّة نزل الوعيد عليهم في القتل العمد العدوان مكتوباً. ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا﴾ محرمة عمداً وعدواناً ﴿بِغَيۡرِ﴾ قتل ﴿نَفۡسٍ﴾ يوجب قصاصاً، واستحلّ قتلها بغير حق، وبلا سبب موجب من جنايةٍ أو قصاص أو نحو ذلك، ﴿أَوۡ﴾ قتلها بغير ﴿فَسَادٖ﴾ أتاه ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ يوجب إهدار دمها من كفر، أو شرك، أو ردة، أو زناً. وقيل: الفساد في الأرض: هو قطع الطريق، وسفك الدماء ظلماً، وهتك الحرُم، ونهب الأموال، والبغي على عباد الله، وهدم البنيان، وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار وإهلاك الحرث والنّسل، ونحو ذلك ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ لأن من قتل نفساً واحدة حرَّمها الله بغير حق، واستحل دم امرئ بغير سبب من قصاص ونحوه، فهو كمن قتل الناس جميعاً، لما فيه من هتك حرمة الدماء وتجرئة الناس على ذلك ﴿وَمَنۡ أَحۡيَاهَا﴾ بامتناعه عن قتل تلك النفس التي حرم الله إلا بالحق أو بالعفو عن القتل ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ﴾ لأن من حرّم قتل نفس إلا بحقّ، وحرَّم دم امرئ إلا بسبب موجب من قصاص ونحوه، فهو كمن أحيا الناس جميعاً . وفي الآية: تعظيمٌ لتعاطي القتل وتعاطي أسبابه ودواعيه إلا بالحق وتعظيم لإحياء النفس. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ :«لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». ﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا﴾ [و في قراءة:باسكان السين : (رُسْلُنا)] أي: بني إسرائيل ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحات، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم﴾ أي: من بني إسرائيل ﴿بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ ومجيء الرسل بالآيات ﴿لَمُسۡرِفُونَ﴾ أي: لمجاوزون الحدّ بارتكاب المعاصي والآثام- ومنها القتل بغير حقّ- ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والمعجزات. والإسراف: مجاوزة حدّ الحقّ، أو هو التباعد عن حدّ الاعتدال، مع عدم المبالاة به. فائدةوقد دلّت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: الأول: أن يقتل نفساً حرمها الله بغير حق، عمداً وعدواناً، فإنه يحلُّ قتله، إن كان مكلفاً مكافئاً، وليس بوالد للمقتول. الثاني: أن يكون مفسداً في الأرض إما بإفساد دين الناس، أو أبدانهم، أو أموالهم، كالمرتدين ودعاة الأهواء وأصحاب البدع، أو كالمحاربين وقُطَّاع الطرق ونحوهم، فهؤلاء ومن على شاكلتهم يجوز قتلهم. وأمر القتل: مردّه ومرجعه إلى الحاكم المسلم، لا إلى آحاد الناس وأفرادهم. ودلّ حديث ابن مسعود في الصحيحين على أن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: الأول: الثيب الزاني، أي: الزاني المحْصَن، وهو الذي حصل منه وطء، ولو مرة بعد التكليف، في نكاح صحيح، رجلاً كان أو امرأة، فإنه يُرجم حتى يموت. وقد دلَّت عليه الآية ضمنياً في باب الفساد في الأرض. الثاني: النفس بالنفس: فالقاتل عمداً و عدواناً، بغير حق، يُقتل قصاصاً، وهذا دلّت عليه الآية أيضاً. الثالث: التارك لدينه المفارق للجماعة، أي: المرتد عن الإسلام، فإنه يُقتل بعد استتابته، وعدم توبته، وهذا دلت عليه الآية ضمنياً في باب الفساد في الأرض . أما تنفيذ أمر القتل: فمرجعه إلى الحاكم المسلم، وليس لأحد من أفراد المسلمين أن يدّعي هذا الحق لنفسه أبداً.
5:33Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
٣٣ - أسباب نزول الآية:روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، وكذا الحافظ ابن مردويه-:«أن نفراً من عُكْل، ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة - أي:وجدوها رديئة المناخ- وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأذن لهم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فلما صحّوا، قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأُتي بهم، فقطَّع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم- أي: فقأها بحديدة- فتُركوا في الحرَّة، حتى ماتوا على حالهم» وإنما فعل بهم ذلك، لأنهم فعلوا بالرعاة مثله. وعند البخاري عن أبي قلابة:«فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله». وروى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك:«أن ناساً من عُرينة قدموا المدينة، فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحّوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فجيء بهم، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة حتى ماتوا، ونزلت: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)». ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بالمعصية، ومخالفة الأمر، والخروج عن الطاعة، والمبارزة بالعداوة، و محاربة المسلمين، بالخروج عليهم بالسلاح، وقطع الطريق، وإخافة السّبل، وأخذ الأموال، وهتك الحرم، والفتك بالنفوس من غير شُبهة، ولا إرادة إصلاح، أو دفع فساد. ﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ أي: يعيثـون فيـها مفسدين بالكفر، والشرك، والردة، والقتل بغير حقّ، وقطع الطريق، وإخافة السبيل، والسرقة، وإهلاك الحرث والنّسل. والمحاربة: المضادّة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، والإفساد في الأرض بأنواع الشرور والمهالك. والآية عامة في المشركين وغيرهم من المسلمين ممن حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وقطع الطريق وأخاف السبيل، وأهلك الحرث والنّسل، واعتدى على الحقوق الشرعية- كمنع الزكاة مثلاً- كما فعل أبو بكر في حرب مانعي الزكاة. ﴿أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ﴾ أي: تُقطّع أيديهم اليمنى، وأرجلهم اليسرى ﴿أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: يُبعدوا إلى بلد آخر، أو يُسجنوا دون إخراج من البلد. ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الجزاء المذكور من القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، والنفي من الأرض ﴿لَهُمۡ خِزۡيٞ﴾ أي:ذُلّ وفضيحة وعقوبة ﴿فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عذاب النّار. وهذا الخزي في الدنيا والنّكال في الآخرة، يشمل المشركين والمحاربين من المسلمين ما لم يتوبوا، أو يقام عليهم حدّ الحرابة في الدنيا قبل موتهم. فائدة فقهيةهذه الآية في أحكام الحرابة والمحاربين وقُطاع الطريق، و فيها:قوله تعالى: (أن يُقتّلوا أو يُصلبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) فهذا جزاؤهم ونكالهم عند إقامة الحدِّ عليهم، واختلف فيه على قولين: الأول: فذهب ابن عباس وسعيد بن المسيّب ومجاهد، والضحاك: إلى أن ظاهر «أو» في الآية للتخيير، كقوله في كفارة الفدية: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)البقرة(١٩٦)، وقوله في كفارة اليمين: (إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة)المائدة(٨٩). وعليه: فحكم الإمام فيمن حارب الله ورسوله، وقطع الطريق، وأفسد في الأرض : الخيار بين هذه العقوبات المذكورة في الآية. قال ابن عباس: من شَهَر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفر به، وقُدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطَّع يده ورجله. الثاني: وذهب الجمهور: إلى أن «أو» لترتيب الأحوال، وليست للتخيير، فالآية منزَّلة على أحوال، كما قال الشافعي عن ابن عباس في حكم قطّاع الطريق أنهم: إذا قتلوا وأخذوا المال، قُتلوا وصُلِّبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا حداً ولم يُصلَّبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال نُفوا من الأرض.قلت: و تنزيل الآية على أحوال ، كما ذهب إليه الجمهور، عن ابن عباس، أولى عندي، لوضوحه. و الله أعلم. واختلفوا في الصلب على قولين: الأول: فقيل: يُصلب حياً و يُترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، تنكيلاً لغيره من المفسدين. الثاني: وقيل: يُقتل أولاً- برمح أو نحوه- ثم يصلب تنكيلاً وتشديداً لغيره من المفسدين في الأرض. وهو الراجح. واختلفوا في النفي- أيضاً- على أقوال: الأول: فذهب البعض: إلى أن المراد بالنفي: أن يُطلب قاطع الطريق حتى يُقدر عليه، فيُؤخذ ويقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإسلام. وهذا رواه ابن جرير عن ابن عباس. الثاني: وذهب الشافعي: إلى أنه يُنفى ويُخرج من بلده إلى بلد آخر- من بلاد الإسلام- ويُطلب لإقامة الحد عليه. الثالث: وذهب مالك: إلى أنه يُنفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره- من بلاد الإسلام- ويحبس فيه. واختاره ابن جرير. الرابع: وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أن المراد بالنّفي: السجن، دون إخراج من البلد.قلت: والظاهر من الآية: أنه يُطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع، من غير سجن ولا غيره. قوله: (ويسعون في الأرض فساداً): اختُلف في حكم المحاربة: أهو في الطرقات أم في الأمصار؟ على قولين: الأول: فذهب مالك والشافعي وأحمد: إلى أن حكم المحاربة في الأمصار و الطرقات على السّواء، واحتجوا بعموم هذه الآية. قال مالك- في الذي يغتال الرجل، فيخدعه، حتى يُدخله بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه-: إن هذه محاربة، ودمه إلى السّلطان، لا إلى وليّ المقتول، ولا اعتبار بعفو وليّ المقتول عن القاتل في إسقاط حقّ القتل عنه. الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أن المحاربة لا تكون إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق، لبعده عمن يغيثه ويعينه. قلت: والأول أوْلى وأظهر، لعموم الآية، و عدم الدليل على التخصيص. قوله: (ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم): اختُلف فيها على قولين: الأول: فذهب البعض: إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، لأن هذا الجزاء خزي لهم في الدنيا، مع ما ادخره الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، قالوا: فأما أهل الإسلام: ففي «صحيح مسلم» من حديث عبادة بن الصامت قال:«أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه- أي: يرمى بالإفك والكذب والبهتان- بعضنا بعضاً، فمن وفىَّ منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعوقب به، فهو كفارة له، ومن ستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه». وعند أحمد والترمذي وابن ماجه، من حديث علي، قال: قال رسول الله ﷺ :«من أذنب ذنباً في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل أن يثنّي عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه». الثاني: وذهب غيرهم: إلى أن الآية عامة في المشركين والمحاربين من المسلمين. وعليه: فيكون قوله: (ذلك لهم خزي في الدنيا) أي: عار ونكال وذل وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك، أو لم يُقَم عليهم حدّ الحرابة، حتى هلكوا، فلهم في الآخرة مع الجزاء الذي جوزوا به في الدنيا والعقوبة التي عوقبوا بها فيها، عذاب عظيم ، هو عذاب جهنم، قاله ابن جرير. قلت: وهذا أظهر عندي دلالة، لعموم الآية أيضاً.و الله تعالى أعلم.
5:34Page 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
٣٤ - ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾ من المشركيـن، والمحاربـين من المسلمين، وقطّاع الطريق، ورجعوا عن الحرابة، وأنابوا إلى الله، ﴿مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ أي: من قبل أن تتمكنوا منهم بالأسر وإلقاء القبض عليهم. ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لهم ما أتوه من الذنوب والآثام والمعاصي ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم.فائدةالتوبة في الحرابة، قبل القدرة، تكون على حالين: الأولى: إن كان المحارب مشركاً، ثم تاب فأسلم قبل القدرة عليه والتمكن منه، سقط عنه ما كان لله من تحتّم حدّ القتل والصلب أو القطع والنفي، وسقط عنه حقّ الآدمي أيضاً، لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله. الثاني: وإن كان المحارب مسلماً، وتاب قبل القدرة عليه، فعلى قولين: يسقط عنه تَحتُّم حدّ القتل والصّلب أو القطع و النفي، فلا يطالب بشيء من العقوبات المنصوص عليها في الآية السابقة، لأن ظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه لا يَسقط عنه بتوبته- قبل القدرة عليه- إلاّ حدود الله، دون حقوق الآدميين، فلا يَسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين- بالتوبة قبل القدرة- كالقتل وأخذ المال.قلت: و الأول أوْلى، لظاهر الآية وعمل الصحابة، و الله تعالى أعلم. وأما التوبة بعد القدرة عليه، فلا تفيد شيئاً، ولا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية، فمفهوم الآية دلّ على هذا. أمر المحاربين إلى الإمام، فليس إلى وليّ الدم من أمرهم شيء، ولا يجوز له عفو، بل الأمر في الحرابة بعد القدرة إلى إمام المسلمين، أو من ينوب عنه. إذا كانت التوبة قبل القدرة تمنع من إقامة الحدّ في الحرابة، فغيرها من الحدود- إذا تاب فاعلها قبل القدرة عليه- من باب أوْلى. المحاربون لله ورسوله بالعصيان والفساد في الأرض، واجب على الإمام قتالهم وعلى المسلمين المعونة له ،وكفُّهم عن فعلهم.
5:35Page 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
٣٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ باجتناب المعاصي ظاهراً وباطناً، التي منها المحاربة، وقطع الطريق، والفساد في الأرض، وافعلوا الطاعات، التي منها التوبة والاستغفار، ودفع الفساد. ﴿وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ﴾ أي: اطلبوا الزلفى إليه، والقربى منه، بطاعته، والعمل بما يرضيه، وهجر معاصيه.والابتغاء لغة :الطلب.و الوسيلة: القربة التي يُتَوصل بها إلى تحصيل المقصود، وهي هنا ما يُتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات كالواجبات والمستحبات واجتناب المنكرات، من وَسَل إلى كذا، أي: تَقرّبَ إليه بشيء. وتصدُق على التقوى وغيرها من خصال البر والخير و الطاعة. وقيل: الوسيلة: الحاجة، والمعنى: اطلبوا متوجهين إليه تعالى حاجتكم، فإن بيده مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجّهين إلى غيره. والوسيلة- أيضاً-: عَلَم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ ، وثبت منها: حديث جابر بن عبد الله عند البخاري في «صحيحه»، قال: قال رسول الله ﷺ :«من قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلاَّ حلَّت له الشفاعة يوم القيامة». وعند مسلم في «صحيحه»، قال ﷺ :«إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلّت عليه الشفاعة». وعند أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة:«إذا صليتم عليّ، فسلوا لي الوسيلة، قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». و عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :«سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها عبد لي في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة». ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ﴾ بأموالكم وأنفسكم، نصرة لدينه، وإعلاءً لكلمته، وابتغاءً لمرضاته، وعملاً بطاعته. ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ أي: تفوزون وتظفرون بكل مطلوب ومرغوب، وتنجون من كل مرهوب.فائدةالتوسل شرعا يُراد به معان ثلاثة:التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى ، كما في الحديث عند ابن ماجه:«اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد» و هو الدعاء باسم الله الأعظم.التوسل إلى الله بالإيمان والطاعة و العمل الصالح، كما في قوله تعالى:(ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا و قنا عذاب النار)آل عمران(١٦). و كما في حديث النفر الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسَّلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فكشف عنهم، وهو في الصحيحين.التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح في حياته ، كتوسل الأعرابي بدعاء رسول اللهﷺ في حياته أن يُنزل الله المطر ، فنزل بدعائه. و كما ثبت عن عمر بن الخطاب، أنه كان يقول:«اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا-أي:بدعائه-فتسقينا، و إنا نتوسل إليك بعم نبينا-أي: بدعاء عمه العباس- فاسقنا» فكان العباس يدعو، و هم يُؤمِّنون على دعائه. و ما عدا ذلك من أنواع التوسل، فغير جائز مطلقا، لكونها مبتدعة، أو شركية كفرية ، لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع. و الله تعالى أعلم.
5:36Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
٣٦ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيـعٗا﴾ مـن الأمـوال وغيرهـا ومـن ملئـها ذهــباً ﴿وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ﴾ أنفسهم ﴿مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ الذي قد أحاط بهم وتيقَّنوا وصوله إليهـم ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ﴾ ذلك فداءً وعوضاً، بل لا محيص عنه، ولا مناص منه ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ موجع، لأن محل الافتداء في الدنيا قد فاتهم. وفي الحديث عند مسلم والنسائي، عن أنس بن مالك، مرفوعاً:«يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شرّ مضجع، فيقال له: هل تفتدي بقراب الأرض ذهباً؟ قال: فيقول: نعم، يا ربّ، فيقول الله تعالى: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك، فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار». ولفظ البخاري:«فيقال له:قد كنت سُئلت ما هو أيسر من ذلك، ألا تشرك بي».
5:37Page 114
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
٣٧ - ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ ويتمنون ذلك ويطلبونه قائلين: (ربنا أخرجنا منها)المؤمنون(١٠٧). ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ﴾ فلا سبيل لهم إلى ذلك أبداً. وعدم الخروج منها خاصّ بأهل الشرك والكفر، أما عُصاة المسلمين فيخرجون منها بفضل الله و رحمته، بعد أن يُعذبوا فيها بعدل الله و حكمته ، وبسبب ما أصابوا من الذنوب والآثام، ثم يدخلون الجنة. ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ﴾ دائم مستمر، لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها. روى الحافظ ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:«يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة». وفي رواية:«يخرجون من النار بعدما دخلوا». وهذا في عُصاة المسلمين.
5:38Page 114
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨
[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
٣٨ - ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ لما ذكر سبحانه حُكم من يأخذ المال جهاراً، وهو المحارب، عَقّبَهُ بذكر من يأخذ المال خِفية، وهو السّارق. والسّرقة لغة: أخذ الشيء في خِفية عن الأعين. وشرعاً: أخذ مال الغير المحترم خِفية من حرز مثله بغير رضاه، على وجه لا يمكن الاحتراز منه. وتثبت السّرقة بالإقرار، أو بالشهود العدول. ﴿فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ أي: اليد اليمنى من كل واحد منهما- كما في قراءة ابن مسعود التفسيرية :«فاقطعوا أيمانهما». والخطاب في الأمر بالقطع لرسول الله ﷺ ، أو لولاة الأمور، ومن أُذن له في إقامة الحدود. وحدّ اليد لغة: من رؤوس الأصابع إلى الرسغ. وقيل: حدّ اليد عند الإطلاق إلى الكوع، والأول أرجح. وقيّدت السّنة عموم الآية في قطع يد السّارق من وجهين: أولهما: الحِرزْ: فلا بد أن تكون السّرقة من حرز. وحرز كل مال: ما يُحفظ به عادة، فلو سرق من غير حرز، فلا قطع عليه. وشرط الحرز مأخوذ من لفظ السّرقة ومعناها، فإن لفظ السّرقة: أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز منه، وذلك أن يكون المال مُحرزاً، فإن كان غير مُحرز، لا تصدق عليه السّرقة باللفظ الشرعي. وثانيهما: النِّصاب: فلا بد أن يكون المسروق نصاباً، وهو ربع دينار فصاعداً، أو ثلاثة دراهم فصاعداً، أو ما يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه. وفي الحديث:«لا تقطع يد السّارق، إلا في ربع دينار فصاعداً»، رواه البخاري ومسلم واللفظ له. والحكمة في قطع اليد في السرقة: حفظ الأموال والاحتياط لها، ولقوله ﷺ :«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، فإن عاد السّارق، قطعت رجله اليسرى، من مفصل القدم، فإن عاد، قطعت اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، وبعد ذلك يُعزّر بما يراه الإمام من عقوبة، روى ذلك البيهقي في «سننه» وأبو يَعْلى. وقيل: يُحبس حتى يموت. ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا﴾ من السّرقة، أي: ذلك الحكم بالقطع جزاء للسارق بما سرق، فاليد هي آلة الكسب ﴿نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ أي: عقوبة منه تعالى على انتهاك حرمة الأموال، وترهيباً للسارق وردعاً له عن فعلته. مأخوذ من النَّكل: و هو القيد . وذهب بعضهم: إلى أنه لا يسقط حدّ السرقة بعفو المالك، لهذه الآية. ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه قوي لا يُغالب ﴿حَكِيمٞ﴾ في أمره ونهيه، وشرعه وقدره. فائدة فقهية واختلف في شرطي النّصاب والحرز على قولين: الأول: فذهب أهل الظاهر: إلى أنه متى سرق السّارق شيئاً، قُطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لعموم قوله تعالى: (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما) فلم يعتبروا نصاباً ولا حرزاً، بل أخذوا بمجرد السّرقة، وتمسّكوا- أيضاً- بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:«لعن الله السّارق، يسرق البيضة فتُقطع يده، و يسرق الحبل فتقطع يده». الثاني: وذهب الجمهور: إلى اعتبار النّصاب والحِرزْ في السّرقة، وأجابوا عمّا تمسّك به الظاهرية من حديث أبي هريرة المخرّج في الصحيحين بأجوبة منها: أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث عائشة عند البخاري ومسلم بلفظ:«تُقطع يد السّارق في ربع دينار فصاعداً». أنه مؤوَّل ببيضة الحديد وحبل السّفن، حكاه البخاري وغيره عن الأعمش. أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه اليد، قالوا: ويحتمل أن يكون هذا الحديث خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السّارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة. قلت: ومذهب الجمهور في تقييد القطع في السّرقة بالحرز والنصاب، مترجح عندي لأدلته. والله تعالى أعلم. واختلف الجمهور في قدر النّصاب على أقوال: الأول: فذهب مالك: إلى أن النّصاب ثلاثة دراهم، مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر:«أن رسول الله ﷺ قطع في مجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم». أخرجاه في الصحيحين. الثاني: وذهب الشافعي: إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعداً، واحتجّ في ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال:«تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً»، ولمسلم:«لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً». فهذا الحديث فاصل في المسألة ونصٌّ في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. ولكنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ثمن المجنّ: بأن الدينار إذ ذاك كان باثني عشر درهماً، فربع الدينار يساوي ثلاثة دراهم، فلا خلاف إذن. الثالث: وذهب أحمد بن حنبل: إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مُرادٌ شرعي. فمن سرق واحداً منهما أو ما يساويه قُطع، عملاً بحديث ابن عمر وبحديث عائشة جميعاً، ووقع في لفظ عند أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال:«اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك»، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار باثني عشر درهماً، وفي لفظ للنسائي:«لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجنّ». قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار. فهو كما تقدم عن مالك والشافعي. الرابع: وذهب أبو حنيفة وزفر وسفيان الثوري: إلى أن النّصاب عشرة دراهم مضروبة خالصة- أي: غير مغشوشة- واحتجوا بأن ثمن المجنّ الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم، لما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال:كان ثمن المجنّ على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ :« لا تقطع يد السارق دون ثمن المجنّ» وكان ثمن المجنّ عشرة دراهم. قالوا: فهذا ابن عباس وابن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجنّ، والاحتياط: الأخذ بالأكثر فالأكثر- أي: الأخذ بالزيادة، كما تقرر في الأصول- ولأن الحدود تُدرأ بالشبهات. الخامس: وذهب بعض السلف منهم عليّ وابن مسعود وإبراهيم النخعي: إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم، أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحداً منهما. والدينار عشرة دراهم. والحق الذي يجب المصير إليه في قدر النّصاب: هو قول أحمد وأن كلاً من ربع الدينار والثلاثة دراهم مراد شرعي، لثبوتهما في الصحيحين. قلت: وهو كذلك عندي، والله تعالى أعلم.
5:39Page 114
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
٣٩ - ﴿فَمَن تَابَ﴾ إلى الله ﴿مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ﴾ أي: من بعد سرقته، ورجع عنها، وأناب إلى الله. وقيل: من بعد أن قُطعت يده بسبب السرقة ﴿وَأَصۡلَحَ﴾ أمره وعمله خالصاً لله ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ﴾ فيما بينه وبينه، فيسقط بتوبته حق الله تعالى، ولكن لا يسقط حق الآدمي، من القطع ورد المال، أو بدله، بالتوبة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال للسّارق بعد قطع يده:«تُب إلى الله، ثم قال: تاب الله عليك». ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لمن تاب وأناب ﴿رَّحِيمٌ﴾ به. وفيه دلالة على سقوط حق الله بالتوبة، أما الآدمي فلا يسقط حقه- من القطع ورد المال- بالتوبة. فائدةواختلف الأئمة في حكم ردّ الأموال إلى أصحابها بعد قطع يد السارق، على قولين: الأول: ذهب الجمهور: إلى أنه لا بُدَّ من رد الأموال إلى أصحابها أو بدلها، أي: عينُها أو قيمتها. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أنه متى تمّ القطع، وقد تلفت الأموال في مقابل يده، فإنه لا يُرد بدلها.قلت: و الأول أولى و أظهر دلالة، والله تعالى أعلم. وإذا عفا صاحب الحق، فعلى وجهين: الأول: إن عفا صاحب الحق عن السارق قبل رفع أمره إلى الإمام، سقط عنه القطع، وعليه الشافعي- قياساً على التوبة في الحرابة قبل القدرة عليه-. الثاني: أما إذا كان العفو بعد الرفع إلى الإمام فلا يسقط القطع: لما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن أول حدّ أقيم في الإسلام، على رجل أُتي به وقد سرق، فشهدوا عليه، فأمر به النبي ﷺ، فقُطع، فتأثر رسول الله ﷺ وهو يراه تقطع يده، فلما رأوا ذلك منه، قالوا: فأرسله- أي: اتركه، ولا تقطع يده- قال:«فهلاَّ قبل أن تأتوني به؟ إن الإمام إذا أُتي بحدّ، لم يَسُغ له أن يُعطِّله». وأخرج أحمد والترمذي والنسائي و الحاكم وصححه و غيرهم: أن رجلاً شفع في سارق سرق له رداءه عند رسول الله ﷺ ، لما أمر بقطع يده، فقال له:«هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به؟» وفي تأثره ﷺ : حث لصاحب الحق على الستر والعفو، أملاً في صلاح أمر السّارق وتوبته. وقد ورد في السُّنة: أن من أُقيم عليه حد من حدود الله، فقد تاب إلى الله، ويدل له: ما رواه أحمد، عن عبد الله بن عمرو، أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله ﷺ:«اقطعوا يدها»، فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال:«نعم، أنت اليوم من خطيئتك، كيوم ولدتك أمّك». فأنزل الله: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح)- الآية، وهي المرأة المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين. وحديث المرأة التي زنت، فرُجمت، فقال النبي ﷺ : «لقد تابت توبة لو وُزِّعت على أهل الأرض لوسعتهم جميعاً».متفق عليه.
5:40Page 114
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.
٤٠ - ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ﴾ الاستفهام فيه للتقرير ﴿أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: له السلطان القاهر فيهما تدبيراً وتصريفاً، وخلقاً وعبيداً، المالك لجميع ذلك، والحاكم فيه، لا معقب لحكمه. ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ تعذيبه،بعدله ﴿وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ﴾ المغفرة له،بفضله ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ ومنه التعذيب والمغفرة، فهو الفعّال لم يريد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences