Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:41–47
5:41Page 114
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
٤١ - سبب نزول الآية : روى أحمد ومسلم وغيرهما عن البراء بن عازب،قال: مرّ على رسول الله ﷺ يهودي مُحمَّم مجلودٌ، فدعاهم، فقال:«أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟» فقالوا: نعم، فدعا رجلاًَ من علمائهم، فقال:«أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟» فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حدّ الزاني في كتابنا: الرجم، ولكنه كثُرَ في أشرافنا ، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا، حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم- أي: صبغ الوجه بالسّواد- والجلد، فقال النبي ﷺ :«اللهم إنّي أول من أحيا أمرك إذ أماتوه»، قال: فأمر به فرُجم، قال: فأنزل الله: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتحميم و الجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: في اليهود، إلى قوله: (فأولئك هم الظالمون) قال: في اليهود، إلى قوله: (فأولئك هم الفاسقون) قال: في الكفار كلها. وقد انفرد به مسلم دون البخاريّ. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ﴾ [و في قراءة بالبناء للمفعول: (لا يُحْزِنْك)] أي: لا يؤلمك صنيع ﴿ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ﴾ أي: يقعون فيه وفي أسبابه بسرعة ورغبة، ويُظهروا الكفر إذا وجدوا لذلك فرصة، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدّمين آراءهم وأهواءهم على شرع الله، أي: فإني ناصرك عليهم، فلا تأس عليهم ﴿مِنَ﴾ للبيان ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم ﴿وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ﴾ فأبطنوا الكفر، وهم: المنافقون. ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ﴾ وهم اليهود، قوم ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ﴾ الذي تفتريه أحبارهم، سماع قبول. أو: هم جميعاً- المنافقون واليهود- مستجيبون للكذب، قابلون له.وفيه دليل على أن سامع المحظور في الإثم كفاعله. ﴿سَمَّٰعُونَ﴾ أي: مستجيبون ﴿لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ﴾ منهم ﴿لَمۡ يَأۡتُوكَۖ﴾ بل أعرضوا عنك ولم يحضروا مجلسك، ولم يسمعوا منك، تكبرا وتمردا وعتواّ. وقيل: المراد: أنهم يتسمَّعون الكلام منك لأجل قوم آخرين ممن لا يحضر مجلسك من أعدائك، أي: يسمعون كلامك للتجسس لآخرين.و السمّاعون: هم كثيروا التسمع للكذب و الافتراء. ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ﴾ الذي في التوراة، كآية الرجم، ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ﴾ التي وضعها الله عليها، من حيث لفظه، أو من حيث معناه، أي: يبدلون جنس الكلم ويُميلونه عن مواضعه، ويتأولونه على غير تأويله، حسب أهوائهم و أغراضهم. ﴿يَقُولُونَ﴾ لأتباعهم عند محاكمتهم إليك: ﴿إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا﴾ الحكم المحرَّف الذي يوافق هواكم - أي: الجلد- من قِبَل محمّد، أي: إن أفتاكم وحكم لكم به ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: فاقبلوه منه، واعملوا به، لموافقته هواكم ﴿وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ﴾ أي: وإن لم يحكم لكم به، بل أفتاكم بخلافه، وأتاكم بغيره، وخالـف هواكم ﴿فَٱحۡذَرُواْۚ﴾ أن تقبلوه منه، وتتابعوه على ذلك، بل ارفضوه، واحذروا من قبوله، واتّباعه، والعمل به، لمخالفته هواكم ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ﴾ أي: ضلالته، أو إضلاله، أو إهلاكه بسبب انحرافه وكفره ﴿فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ ﴾ أي: فلن تستطيع-يا محمد- دفع ذلك عنه، ولن تقدر على نفعه وهدايته. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ﴾ لكمال علمه، وجلال حكمته ﴿أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ ويزكي نفوسهم من رجس الكفر، ودنس النّفاق، لإصرارهم عليهما ﴿لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ ﴾ أي: ذل وهتك ستر، بافتضاح أمر المنافقين، وازدياد غمّهم بانتشار الإسلام وقوّة شوكته، و بضرب الجزية على اليهود وإجلائهم من ديارهم، وظهور تحريفهـم، وكذبهـم، وكتمهـم لما في التـوراة، ﴿وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ هو عذاب النّار، وبئس المصير. والآيات نزلت في اليهوديّين الذيْن زنيا، وكان أحبارهم قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أُحصن منهم، فحرفوه، واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم- أي: تسويد الوجوه- فلما وقعت تلك الحادثة بعد الهجرة، قالوا فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمّد، فإن حكم بالجلد والتحميم، فخذوا عنه، واجعلوه حجّة بينكم وبين الله، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك. ففي الصحيحين- واللفظ للبخاري- من حديث ابن عمر: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ :«ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام- وكان من أحبار اليهود ثم أسلم-: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما، فرُجما. ولم يذكر فيه أن الآية نزلت بسبب هذه الحادثة.
5:42Page 115
سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢
[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.
٤٢ - سبب نزول الآية : روى أحمد وأبو داود والنسائي، عن ابن عباس، قال: إن الآيات التي في المائدة: قوله: (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم)- إلى قوله-: (المقسطين) إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدّى لهم نصف الدّية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق، فجعل الدّية في ذلك سواء. وروى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القريظي رجلاً من النضير، قُتل به، وإذا قَتل النضيري رجلاً من قريظة، وُدى بمائة وسق من تمر، فلما بُعث رسول الله ﷺ ، قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله، فنزلت: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط). ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ﴾ أي: هم مستجيبون للباطل وكذب أحبارهم، قابلون له مروِّجون له ﴿أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ﴾ [و في قراءة: بضم الحاء: (للسُّحُت)] أي: المال الحرام، كالربا والرشوة. وسمّي سحتاً: لأنه يُسحت الطاعات ، أي: يُذهبها ويمحو أجرها، من سحته: إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة، أي: مقطوعها، أو لأنه يُذهب فضيلة الإنسان ويستأصلها. واليهود أرغب النّاس في المال الحرام، وأحرصهم عليه، وقد جمعوا في هذه الآية بين اتّباع الكذب وأكل الحرام. ﴿فَإِن جَآءُوكَ﴾-يا محمد- يتحاكمون إليك، ويترافعون بين يديك ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ﴾ لكونهم اتخذوك حكماً ﴿أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ﴾ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتّباع الحق بل ما يوافق أهواءهم. وفيه تخيير لرسول الله ﷺ - إذا ترافع إليه أهل الكتاب- بين الحكم بينهم، والإعراض عنهم. فالتخيير ثابت بهذه الآية، وبيان كيفيّة الحكم عند اختياره، ثابت بقوله تعالى: (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله)المائدة(٤٩) وأنه لا يحكم بينهم إلا بأحكام الإسلام. وعليه: فإذا تحاكم مسلم وذمّي، فإنه يجب الحكم بينهما بأحكام الإسلام، اتفاقاً وإجماعاً .واختُلف في أهل الذمّة إذا ترافعوا وتحاكموا عند الحاكم المسلم فيما بينهم، على قولين: الأول: يجب الحكم بينهم بأحكام الإسلام، وهو أصح قولي الشافعي. الثاني: جواز الحكم بينهم، لا وجوبه، وله أن يردهم ولا يحكم بينهم بشيء، وهو الراجح. ﴿وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ﴾ أي: عن الحكم بينهم- والإعراض عن الشيء: الصدّ عنه- لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتّباع الحق بل موافقة أهوائهم وشهواتهم. ﴿فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ ﴾ لأنه لا سبيل لهم عليك، فإن الله هو الذي بيده النفع و الضرّ. ﴿وَإِنۡ حَكَمۡـتَ﴾ أي: وإن اختـرت الحـكـم بينهـم ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ أي: بالحق والعدل الذي أمرك الله به وأنزله عليك، وهو ما جاء به الإسلام من الشرائع والأحكام، وهذا الأمر بالعدل في الحكم ثابت حتى في حقّ أعداء الإسلام. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ أي: العادلين في الحكم وفيما ولُوا من أمور القضاء والفصل، ويُثيبهم على فضيلة العدل في الحكم بين الناس أوفر الثواب ويرضى عنهم.وفي الآية: إثبات صفة المحبة لله تعالى على اللائق بجلاله و كماله.
5:43Page 115
وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣
But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.
٤٣ - ﴿وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ﴾ التي جاءهم بها موسى من عند الله ﴿فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ﴾ بالرجم ونحوه، وهو استفهام تعجيب له ﷺ من تحكيمهم إياه، مع أنهم لا يؤمنون به، ولا بما جاء به من عند الله، ومع أنّ ما يُحكِّمونه فيه، هو موجود عندهم في التوراة- كالرجم ونحوه- فتحكيمهم لرسول الله ﷺ لم يقصدوا به معرفة الحق، بل طمعاً منهم في أن يوافق حكمه تحريفهم وأهواءهم وشهواتهم. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ﴾ أي: يعرضون عن حكمك ﴿مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ ﴾ التحكيم الموافق لكتابهم، ﴿وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ برسالتك ولا بكتابهم، لأنهم جعلوا أحكام الله وشرائعه تابعة لأهوائهم، وموافقة لشهواتهم وآرائهم.
5:44Page 115
إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤
Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.
٤٤ - ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ﴾ على موسى ابن عمران عليه السلام ﴿فِيهَا هُدٗى﴾ من الغي والضلالة وإرشاد إلى الحق ﴿وَنُورٞۚ﴾ يستضاء به في ظلمات الجهل والحيرة، والشبهات والشهوات، و بيان للأحكام والشرائع، وفيها التبشير بمحمد ﷺ وإيجاب اتّباعه. ﴿يَحۡكُمُ بِهَا﴾ أي: بالتوراة ﴿ٱلنَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل ﴿ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ﴾ لله عزّ وجل، وانقادوا له ولحكم ربهم فيها، وأطاعوه ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: لليهود. والمعنى: يحكم بالتوراة لليهود أنبياؤهم الذين بُعثوا فيهم بين موسى وعيسى- عليهما السلام- وانقادوا لله تعالى وأطاعوا أمره، بإقامة شرعها، وتنفيذ أحكامها فيهم. وقوله: (الذين أسلموا): صفة مادحة لأنبياء بني إسرائيل، وفيه إرغام لليهود بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمّد ﷺ ، فأنبياء الله كلّهم مسلمون.وهاد:بمعنى: تاب و رجع إلى الحق. ﴿وَ﴾ يحكم بها لهم كذلك ﴿ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ﴾ وهم: العُبَّاد الزّهاد من بني إسرائيل، أو العلماء الفقهاء،أو الحكماء بسياسة الناس و تدبير مصالحهم.والربانيون: مفرد رباني:نسبة إلى الرب، و هو الذي يسوس الناس بالعلم و يربيهم.﴿وَٱلۡأَحۡبَارُ﴾ وهم العلماء العاملون منهم. جمع حَبْر، مأخوذ من التحبير والتّحسين، فهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه. وقيل: الربانيون: علماء النّصارى، والأحبار: علماء اليهود. ﴿بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ أي: بما استُودعوا من كتاب الله، الذي أُمروا أن يُظهروه ويعملوا به، ويحفظوه من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، والجحد والكتمان، ويعلِّموه النّاس. والمعنى: أن الله استحفظ الربانيين والأحبار كتابه، وجعلهم أمناء عليه بحفظه وتعليمه. وقيل: إن النبيين هم الذين استحفظوا الربانيين والأحبار التوراة، أي: سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل والتّحريف. ﴿وَكَانُواْ﴾ أي: الربانيون والأحبار ﴿عَلَيۡهِ﴾ أي: على كتاب الله الذي بأيديهم ﴿شُهَدَآءَۚ﴾ بالحق، رُقباء على حفظه وصيانته من التغيير والتبديل والتحريف، بحيث يُرجع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه. ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ﴾ أي: لا تخافوا منهم. خطاب لرؤساء اليهود، المعاصرين له ﷺ ، وحثٌّ لهم على الاقتداء بمن سلفهم من النبيين والربانيين والأحبار، في إقامة التوراة، وحفظها من التحريف والتبديل، وعلى إظهار ما كتموه فيها من نعته ﷺ وصفته، وحكم الرجم وغير ذلك. وهذا الخطاب يتناول غيرهم بطريق الدلالة. ﴿وَٱخۡشَوۡنِ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء: (واخشوني)] في عدم إقامتها، وحفظها، وكتمان ما فيها. ﴿وَلَا تَشۡتَرُواْ﴾ أي: ولا تستبدلوا ﴿بِـَٔايَٰتِي﴾ وأحكامي ﴿ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ﴾ ومتاعاً زائلاً في الدنيا ، كالرشوة والجاه ورضا الناس والرياسة، تأخذونه على كتمان الحق، وإظهار الباطل وإيثار الدنيا على الدين، فلا تتركوا الحكم بما أنزل الله خوفاً من أحد، أو رغبة في مصلحة دنيوية، أو متاع فان. ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّه﴾ من الحق المبين، والنّهج القويم، ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ كُفراً مخرجاً عن ملة الإسلام إن اعتقد وجوب الحكم بغير ما أنزل الله، أو جوازه، أو استحلّه. أو كُفْرُ نعمة إن لم يعتقد ذلك ولم يستحلّه.فائدةواختلف فيمن نزلت فيهم هذه الآية: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) والآيتان بعدها: (فأولئك هم الظالمون) آية (٤٥)، و (فأولئك هم الفاسقون) آية (٤٧)، على أقوال عدة، ووجه الصواب فيها يندرج تحت أمور ثلاثة: الأول: أن هذه الآيات هي لجميع الأمم، المسلمين منهم وأهل الكتاب على السواء، وإن نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وهذا هو القول الصحيح، وهو قول ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، والبراء بن عازب، وقول سعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، كما ذكره عنه عبد الرزاق في «مصنفه». الثاني: أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» وغيرهما عن ابن عباس في الآيات الثلاث المذكورات، أنه قال: « هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق». وعنه أنه قال:« ليس بكفر ينقل عن الملّة»، وبيانه: أن الله وصف من لم يحكم بما أنزله بأوصاف ثلاثة: هي «الكفر» و«الظلم» و«الفسق» وصفاً عاماً مطلقاً، والسبب في هذه الأوصاف المتعددة واحد، وهو:«الحكم بغير ما أنزل الله». وعليه فلا يصحّ الحكم بإطلاق وصف واحد منها على من لم يحكم بما أنزل الله، لأن السبب للأوصاف الثلاثة واحد. فالكفر في اللغة على معنيين: أحدهما: ضد الإيمان، والآخر: ضد الشكر، وهو جحود النّعمة، كما ويقال للكفر بمعنييه: إنه «ظلم» وإنه «فسق»، ومنه قوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم)لقمان(١٣). وقوله: (إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه)الكهف(٥١). وعليه، فلا يلزم من ذِكْر «الكفر» حملُه بالضرورة على المعنى المخرج عن الملّة، بل قد يراد به ما دون ذلك من الأعمال، ويؤيده: ما ذكره البخاري في «كتاب الإيمان»: باب :«كفران العشير، وكفر دون كفر»، فالكفر متنوع، متفاوت زيادة ونقصاناً، فيطلق اسمه على بعض المعاصي. ما ذكره النووي في «شرح مسلم»: باب:«بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر، على غير الكفر بالله، ككفر النّعمة والحقوق»، وفيه: أن النبي ﷺ سمّى الطعن في النّسب، والنياحة: كفراً، وسمّى إباق العبد-أي:هروبه - من سيده: كُفراً، والمراد بذلك: التشديد والتغليظ، لا الكفر الذي ينقل عن الملّة، أو بيان أن هذه الأفعال من أخلاق الكفار، فهذا كفر دون كفر.والظلم عند الإطلاق: يُفهم منه ما دون الكفر من الذنوب، ولكن قد يُقصد به الكفر أيضاً، فمن أكل حقّ غيره، يقال له:«ظالم»، ومن كفر بالله فهو «ظالم» أيضاً، فهذا ظلم دون ظلم. والفسق أيضاً عند الإطلاق: يُفهم منه ما دون الكفر من الذنوب، وقد يُقصد به الكفر أيضاً، فمن شرب الخمر من غير استحلال لها، فهو «فاسق»، ومن كفر بالله فهو «فاسق» أيضاً، فهذا فسق دون فسق. وعليه: فالكافر بالله، يُقال له: كافر وظالم وفاسق، والعاصي أيضاً- قد يوصف بكفر النّعمة وبالظلم وبالفسق، ولهذه المسألة نظائر معروفة منها: أن الشرك نوعان: «الشرك الأكبر» وهو المخرج عن الإيمان، و«الشرك الأصغر»، وهو الرياء، فهذا شرك دون شرك. والنّفاق نوعان:«نفاق الاعتقاد» وهو كفر خالص، و«نفاق العمل» وهو خصال سيئة، لا يخرج فاعلها عن الإسلام بفعلها، كالحديث الذي في الصحيحين:«إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فهذا نفاق دون نفاق وهكذا. الثالث: روى ابن جرير عن ابن عباس قال:« من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فهو كافر، ومن أقرّ به ولم يحكم به، فهو ظالم فاسق» وعليه: فإذا كان الحاكم لا يحكم بما أنزل الله جحوداً منه لحكم الله، أو استهزاءً، أو استخفافاً به، أو استحلالاً للحكم بغير ما أنزل الله، أو شكاً في صلاحه للحياة، أو نحو ذلك، فهو «كفر» مخرج عن الإسلام، وهو في الوقت نفسه «ظلم» «وفسق»، مخرجان عن الإسلام . وأما إذا كان يؤمن بأن حكم الله هو الحق، وهو الصالح لكل زمان ومكان، والمصلح لكل حال ومآل، لكنه لسبب ما في نفسه، من ضعف إيمان، أو حبّ للدنيا، أو نحو ذلك، فحكم بغير ما أنزل الله، فهذا يقال في حقه: إنه كفر بنعمة الله- لأن حُكْم الله من نِعَم الله- وفعله هذا: ظلم وفسق، لكنه كفر دون كفر الأول، وظلم دون ظلمه، وفسق دون فسقه.و الله تعالى أعلم.و قد قيل: إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت لاعتبارات مختلفة:فالكفر:لإنكارهم الحكم بما أنزل الله و جحده و عدم الإيمان به، يقينا و اعتقادا.و الظلم: لوضعهم حكم الله في غير موضعه.و الفسق: لخروجهم عن الحق والصواب في حكم الله.
5:45Page 115
وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥
And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
٤٥ - ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ﴾ أي: وفرضنا على بني إسرائيل في التوراة القصاص، وذلك ﴿أَنَّ ٱلنَّفۡسَ﴾ تُقتل ﴿بِٱلنَّفۡسِ﴾ إذا قتلتها، بشرط العمد والعدوان، والمكافأة، كبيرة كانت أو صغيرة، ذكراً كانت أو أنثـى. ﴿وَٱلۡعَيۡنَ﴾ تُفقـأ أو تُقلع ﴿بِٱلۡعَيۡنِ﴾ بشرط العمد وعدم الرؤية بها والمماثلة، فلا تُفقأ اليمنى باليسرى مثلاً، ولا تُقلع بها.﴿وَٱلۡأَنفَ﴾ يُجدع أو يُقطع ﴿بِٱلۡأَنفِ﴾ بشرط العمد والمماثلة، في الجدع أو القطع.﴿وَٱلۡأُذُنَ﴾ تُقطـع﴿بِٱلۡأُذُنِ﴾ بشرط العمد والمماثلة أيضاً، فلا تقطع اليمنى باليسرى مثلاً، [وفي قراءة: بإسكان الذال في الموضعين: (والأذْنَ بالأذْن)] ﴿وَٱلسِّنَّ﴾ يُنزع أو يُقلع ﴿بِٱلسِّنِّ﴾ بشرط العمد والمماثلة، لا فرق بين الثنايا، والأنياب، والأضراس، والرباعيات، فيؤخذ بعضها ببعض، إذ لا فضل في القصاص لبعضها على بعض. وينبغي أن يكون القصاص في النفس بشرط العمد والمكافأة، وفيما دون النّفس من هذه الأطراف ونحوها بشرط العمد والمماثلة بين الجاني والمجني عليه، دون حَيْف. ﴿وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ﴾ فتُقتص الجراح بالجراح، بشرط العمد والمماثلة. والاقتصاص: أن يُفعل بالجاني كما فُعل بالمجني عليه. والجراح نوعان: جراح يمكن القصاص فيها، كجراح اليد والرِّجل ونحو ذلك، فيقتص فيها من الجاني، إن جرح غيره عمداً، بجرح مثله حدّاً، وموضعاً، ومقداراً- أي: طولاً أو عرضاً أو عمقاً- إن كان لا يُخشى من القصاص تلف النفس. وجراح لا يمكن القصاص فيها، ككسر العظم وجروحها، ففيها الحكومة ، أو الدية، أوالتعويض بالعدل، وذلك بأن تقدر جراحة المجني عليه، والتي لا يمكن القصاص فيها، ثم يُنظر إلى نسبة النّقص الذي سببه العدوان في قيمته، فيؤخذ مثلها من الدّية. وهذا الحكم- أي: القصاص في النّفس والعين والأنف والأذن، والسنّ والجروح- وإن كُتب وفُرض على بني إسرائيل ، فهو مُقرَّر في شرعنا أيضاً، لما ذهب إليه الجمهور من الأصوليين والفقهاء: أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا حُكي مقرراً، ولم يُنسخ، وعليه العمل عند جميع الأئمة. قال ابن عباس- في قوله تعالى: (والجروح قصاص): تُقتل النّفس بالنّفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف- وكذا الأذن بالأذن- وتنزع السنّ بالسنّ، وتُقتص الجراح بالجراح، يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس وما دون النّفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم، إذا كان عمداً في النّفس، وما دون النّفس. رواه ابن جرير.[وفي قراءة:بالرفع في المواضع الخمسة:(و العينُ، والأنفُ، والأذنُ، و السنُّ و الجروحُ )]﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ﴾ أي: بالقصاص في النّفس، أو فيما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا صاحب الحقّ عن القصاص- بعد ثبوت الحق له- وتصدّق به على الجاني ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ﴾ أي: كفارة للعافي المتصدِّق، عن ذنوبه وزلاته، فإنه كما عفى عمّن جنى عليه، وعما يتعلق به من حقّ، فإن الله يعفو عنه، ويُكفِّر بها ذنوبه. وقيل: كفارة للجاني وأجر للمجني عليه، لأن المجني عليه عفا عن حقّه، والله أحق وأوْلى بالعفو عن حقه، إن تاب الجاني إليه وأناب. وقيل: (فمن تصدّق به) أي: بالقصاص، بأن مكَّن الجاني المجني عليه من نفسه ليقتص منه (فهو كفارة له) أي: كفارة للجاني لما أتاه واقترفه من جنايته، وأجر للمجني عليه. و عند أحمد و الترمذي من حديث أبي الدرداء قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من مسلم يُصاب بشيء من جسده ، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، و حطَّ به عنه خطيئة». و عند النسائي من حديث عبادة بن الصامت ، قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من رجل يُجرح من جسده جراحة، إلا كفَّر الله عنه مثل ما تصدق به».﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: فهو ظلم أكبر وكفر مُخرج عن الملّة، إن اعتقد حلّه وجوازه، وظلم كبير، دون الأول، إن فعله غير مُستحلّ له وغير معتقد جوازه. فاليهود خالفوا نص التوراة في قصاص النّفس بالنّفس عمداً وقصداً، فهم يقيدون النضّري من القُرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، وخالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن، وعدلوا به إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار، فأي كفر و ظلم بعد هذا؟.فائدةحكم القصاص في النّفس: شرطه: العمد والعدوان، والمكافأة بين القاتل والمقتول، واختُلف في أمور منها: هل يُقتل الرجل بالمرأة، أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن الرجل يُقتل بالمرأة، و استدلوا: بعموم الآية .وبما رواه النّسائي وغيره أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم:«أن الرجل يُقتل بالمرأة»و بما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عمرو:«المسلمون تتكافأ دماؤُهم». الثاني: وذهب علي بن أبي طالب فيما روي عنه، وأحمد في رواية له: إلى أن الرجل إذا قتل المرأة لا يُقتل بها، بل يَدفع أولياؤه إلى أوليائها نصف الدية، لأن ديتها على النّصف من دية الرجل. قلت: والقول الأول هو الصواب عندي لما تقدم من أدلته. والله تعالى أعلم. وهل يُقتل المسلم بالكافر الذمّي أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن المسلم لا يُقتل بالكافر، لما وَرد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:«لا يُقتل مسلم بكافر»، فجعلوا الحديث مخصِّصاً لعموم هذه الآية. ولعدم شرط المكافأة في الدين بين المسلم والكافر. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أن المسلم يُقتل بالذمّي الكافر، لعموم هذه الآية. قلت: والأول أوْلى وأظهر دليلا. وهل يُقتل الحر بالعبد، أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أنّ الحرّ لا يُقتل بالعبد، لعدم شرط المكافأة- بين الحرية والرقّ- وجاء في ذلك أحاديث، لكنها لا تصحُّ سنداً، والآثار عن السّلف متعددة في أنهم كانوا لا يقتلون الحرّ بالعبد، ولا يقيدون العبد من الحرّ، وحكى الشافعي الإجماع على ذلك. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أن الحرّ يُقتل بالعبد لعموم الآية- أيضاً-والإجماع الذي حكاه الشافعي على خلاف قول الحنفية، لا يلزم منه بطلان قولهم، إلا بدليل مخصِّص للآية. قلت: و عندي أنه يقتل به ، لظاهر حديث:«من قتل عبده قتلناه»، عند النسائي و غيره.و الله تعالى أعلم.أما قول الأصوليين والفقهاء: من أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يُنسخ: فيؤيده: ما أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث أنس بن مالك: أن الرُّبيِّع بنت النّضر- عمة أنس- كسرت ثنيَّة جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا- يعني إلا القصاص- فأتوا رسول الله ﷺ فقال: «القصاص»، فقال أخوها أنس بن النّضر: يا رسول الله، تكسر ثنيَّة فلانة- أي: الرُّبيَّع-؟ فقال رسول الله ﷺ :«يا أنس، كتاب الله القصاص» قال: فقال أنس بن النّضر: لا، والذي بعثك بالحق، لا تُكسر ثنيَّة فلانة- أي: الرُّبيِّع- قال: فرضي القوم، فعفوا، وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ :«إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه». ولكن يشكل على هذا: ما رواه أبو داود عن عمران بن حُصين: أن غُلاماً لأناس فقراء، قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهلُه النّبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أُناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئاً. وقد أجيب عنه: بأن الجاني كان قبل البلوغ، فلا قصاص عليه، أو لعله ﷺ تحمّل دية ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء، أو استعفاهم عنه. وأمّا حكم القصاص فيما دون النّفس من الأطراف والجراح: فشرطه: العمد والمماثلة، و ذلك على وجهين : الأول: تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرجل والكفِّ والقدم، ونحو ذلك. الثاني: وتارة تكون في عظم ، لا في مفصل، فعلى أقوال: قال مالك: في العظم القصاص، إلا في الفخد وشبهها، لأنه مخوف خطر. وقال الشافعي- وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس والمشهور من مذهب أحمد-: إنه لا يجب القصاص في العظم مطلقاً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظم إلا في السنّ، واحتج: بحديث الرّبيِّع بنت النّضر- على أنه لا قصاص في العظم إلا في السنّ. ولكن حديث الربيع لا حجة له فيه، لأنه ورد بلفظ «كُسرت ثنيَّة جارية»، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر، فلا يجب القصاص، والحالة هذه، بالإجماع.وبما رواه ابن ماجه عن جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف، من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النّبي ﷺ ، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال:«خذ الدية بارك الله لك فيها». ولم يقض بالقصاص.قلت: و عدم وجوب القصاص في العظم، هو المترجح عندي دليلا. قال العلماء: لا يجوز للمجني عليه أن يقتص في الجراحة من الجاني، قبل أن تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص المجني عليه من الجاني قبل الاندمال، ثم زاد جُرحه، فلا شيء له. والدليل عليه: ما رواه أحمد، وتفرد به، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنّ رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء- أي: المطعون- إلى النّبي ﷺ فقال: أقدني، فقال:«حتى تبرأ»، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله، عرجت، فقال:«قد نهيتك، فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك» ثم نهى رسول الله ﷺ أن يُقتصّ من جرح حتى يبرأ صاحبه- أي: المجني عليه-. واختلف فيما لو اقتصّ المجني عليه من الجاني، فمات الجاني من القصاص، على أقوال: الأول: فذهب مالك والشافعي وأحمد، والجمهور من الصحابة والتابعين: إلى أنه لا شيء على المجني عليه إن اقتصّ من الجاني فمات من القصاص. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أن الدّية تجب في مال المقتصّ له- أي: المجني عليه-. الثالث: وقال عطاء: تجب الدّية على عاقلة المقتص له. الرابع: وقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي: يسقط عن المقتصّ له قدر تلك الجراحة التي أوقعها قصاصاً بالمقتصّ منه، ويجب الباقي في ماله لأولياء المقتصّ منه.قلت: و الذي ذهب إليه الجمهور هو الأظهر دليلا عندي، و الله أعلم.
5:46Page 116
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦
And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.
٤٦ -﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ﴾ أي: وأَتْبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم- عليه السلام- فأرسلناه بعدهم، أي: جعلناه يقفو آثارهم ويتّبعهم. ﴿مُصَدِّقٗا﴾ أي: موافقاً ﴿لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ أي: قبله ، أو ما سبقه ﴿مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ﴾ فهو شاهد لموسى عليه السلام، ولما جاء به من التوراة، بالحقّ والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية. ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ﴾ موافقاً للتوراة ﴿فِيهِ هُدٗى﴾ من الضلالة إلى الحق، والإرشاد لتوحيد الله وأحكامه ﴿وَنُورٞ﴾ يستضاء به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات، وبيان الأحكام ﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ﴾ أي: ومتَّبعاً لها، وموافقاً، غير مخالف لما فيها من الأحكام إلا بعضها- كقوله: (ولأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم)آل عمران(٥٠) وذلك التصديق كائن بتثبيتها والشهادة لها. ﴿وَهُدٗى﴾ أي: وجعلنا الإنجيل هُدىً يُهتدى به في ظلمات الجهل والضلالة ﴿وَمَوۡعِظَةٗ﴾ أي: زاجراً عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ الله، المتقين وعيده وعقابه، بامتثال ما أمر، واجتناب ما نهى الله عنه وزجر. وخصَّ المتقين، لأنهم المنتفعون بعلم الله.
5:47Page 116
وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧
And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.
٤٧ - ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ﴾- بالجزم ، على أن اللام لام أمر- ﴿أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ﴾ من الشرائع والأحكام، والدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ من غير تحريف ولا تبديل، وليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به، من اتّباع محمد ﷺ ، وتصديقه، [ وفي قراءة: (ولِيحكمَ)- بالنصب، وكسر اللام، على أن اللام لام «كي»، والواو استئنافية- أي: وآتيناه الإنجيل ليحكمَ أهل ملته به في زمانهم]. وهذا الأمر حقّ قبل بعثة محمد ﷺ ، أما بعدها، فقد أُمر أهل الكتاب بمتابعة محمد ﷺ، وتصديقه، والعمل بما أنزل الله عليه في القرآن، لأن القرآن ناسخ لما سبقه من الكتب السماوية المنزّلة. ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ ظاهر السّياق: أن هذه الآية نزلت في النّصارى، ولكنها تصدق على غيرهم. ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، التاركون للحق، المائلون إلى الباطل، الفاسقون فسقاً مخرجاً عن الملة إن اعتقدوا حلّه وجوازه، وفسقاً دون ذلك إن لم يعتقدوا حلّه وجوازه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences