Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6–13
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
٦ - أسباب نزول الآية: روى البخاري من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سقطت لي قلادة بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ، ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً، وأقبل أبو بكر، فلكزني لكزةً شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتُمس الماء فلم يوجد، فنزلت الآية - أي: آية التيمم - وقد صرح البخاري في روايته بأنها آية المائدة. وذهب غيره إلى أنها آية النساء. وروى الطبراني من طريق عباد ابن عبد الله بن الزبير، عن عائشة نحوه، وفيه:«فأنزل الله الرخصة في التيمم». والحديث يدل على أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول الآية، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء. قال ابن عبد البر: والحكمة في نزول آية الوضوء، مع تقديم العمل به، ليكون فرضه متلواً بالتنزيل. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ﴾ أي: أردتم القيام ﴿إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ على غير طهر من نوم أو حدث، أي: وأنتم محدثون حدثاً أصغر - من بول أو غائط أو ريح - فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب. فالوضوء لكل صلاة مندوب على غير المحدث، ولا يجب إلا على من أحدث حدثاً أصغر، لحديث:«لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».وفي الحديث عن أنس بن مالك عند البخاري وأهل السُّنن قال:«كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فقيل له: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نُحدث». وفي الصحيح عند مسلم وأهل السنن: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح، توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال:«إني عمداً فعلته يا عمر». وأخرج أبو داود عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». وفي الآية جملة فوائد، منها:الأمر بالنية للصلاة، لقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة) أي: بقصدها ونيتها. اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بالطهارة عند القيام إلى الصلاة ، والأصل في الأمر: الوجوب. الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما عند إرادة الصلاة. كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، في الفرض والنفل، وفرض الكفايات، كالجنازة ونحوها، تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر، والأكبر بالأوْلى، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر، تشترط له الطهارة. قلت: والراجح عندي عدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة والشكر، لعدم الدليل عليه. والله تعالى أعلم. ﴿فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ بالماء، وحَدُّه: من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ويدخل فيه: المضمضة، والاستنشاق والاستنثار بالسنَّة، وتخليل اللحية. والغَسل: إمرار الماء على المحل - أي: العضو المغسول - حتى يسيل عنه. و الوجوه:جمع وجه،و هو ما تقع به المواجهة.فائدةاستدل طائفة من العلماء بقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) على وجوب النية في الوضوء، قالوا: لأن تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها. وقد ثبت في الصحيحين:«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال:«لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». قلت: لم يثبت هذا الحديث ولم يصح، لكن كثرة طرقه يُقوِّي بعضها بعضاً. ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:«إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء، قبل أن يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». أما تخليل اللحية: فقد أخرج أبو داود عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه، يُخلِّل به لحيته، وقال:«هكذا أمرني ربي عز وجل». قال البيهقي: وروينا تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ ، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي. أمـــا المضمضــة و الاستنشــاق : فاختلــف في مشروعيتهما في الوضوء والغسل على ثلاثة أقوال: الأول: ذهب أحمد: إلى أنهما واجبان في الوضوء والغسل، وفي رواية عنه أنه يجب الاستنشاق دون المضمضة، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:«من توضأ فليستنشق» وفي رواية:«إذا توضأ أحدكم، فليجعل في منخريه من الماء، ثم لينثر» . والانتثار : إخراج ما في الأنف من الماء بالنفس. الثاني: وذهب الشافعي ومالك: إلى أن المضمضة والاستنشاق مستحبان في الوضوء والغسل، لحديث الأعرابي عند الترمذي و الحاكم :«توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك». ولم يأمره بالمضمضة والاستنشاق. الثالث: وذهب أبو حنيفة: إلى أنهما يجبان في الغسل دون الوضوء. قلت: وقد رجحت في «موسوعة أحاديث الأحكام» ندبيتهما و استحبابهما في الوضوء والغسل، فليراجع. ﴿وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ﴾ أي: واغسلوا أيديكم مع المرافق، ف «إلى» بمعنى:«مع»، كما قال جمهور المفسرين، ومثله قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم)النساء(٢)، أي: مع أموالكم. والمرفق: هو المفصل الذي بين الساعد والعضد. فالواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق، كما بيَّنته السُّنة، فيما رواه البزار والطبراني في «الكبير» من حديث وائل بن حجر الحضرمي:«أن النبي ﷺ غسل في وضوئه يمينه ويساره، حتى جاوز المرفق، ثلاثاً، وغسل رجليه، حتى جاوز الكعب». فائدةويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه، لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :«إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». وفي «صحيح مسلم» عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». ﴿وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ﴾ أي: وامسحوا رؤوسكم بالماء. والمسح: إمساس المحل بالماء بحيث لا يسيل. واختلف في الباء في قوله: (برؤوسكم): هل هي للإلصاق أو للتبعيض، أو غير ذلك؟ على أقوال ثلاثة: الأول: للإلصاق: أي: ألصقوا المسح برؤوسكم، من غير إسالة ماء، وهم اسم جنس، وهو الأظهر. الثاني: للتبعيض: أي: امسحوا ببعض رؤوسكم، وفيه نظر، وبه قال الشافعي وأصحابه. الثالث: وذهب بعض الأصوليين: إلى أن هذا مجمل، فيرجع في بيانه إلى السنة. وأن «الباء» للتأكيد.فائدةواختلف في قدر مسح الرأس، كله أو بعضه، على أقوال ثلاثة: الأول: فذهب مالك وأحمد: إلى أنه يجب تكميل مسح جميع الرأس، لما ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى الراوي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد:«نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه». وروى أبو داود مثله في صفة وضوء رسول الله ﷺ من حديث معاوية والمقداد بن معدي كرب. الثاني: وذهب الحنفية: إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية. قلت: ولا أدري ما الدليل على هذا الحد! الثالث: وذهب الشافعية: إلى وجوب ما يطلق عليه اسم مسح، ولا يتقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، لحديث المغيرة بن شعبة عند مسلم في «صحيحه» وغيره، قال:«تخلف النبي ﷺ ، فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كُمّ الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه».و فيه دليل على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، كما قال الجمهور. قلت: و تعميم الرأس بالمسح أولى وأظهر دليلا. واختلفوا: هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثاً، أو مسحة واحدة؟ على قولين: الأول: ذهب أحمد وغيره: إلى أنه يستحب مسح الرأس مسحةً واحدةً، لحديث حمران بن أبان في الصحيحين، قال:«رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا». وقد ورد - أيضاً - في سنن أبي داود في صفة وضوء رسول الله ﷺ من حديث عثمان:«أنه مسح رأسه مرة واحدة». الثاني: وذهب الشافعي في المشهور عنه: إلى أنه يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثاً، مستدلاً بعموم حديث عثمان عند مسلم في «صحيحه»:«أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً». وبما رواه أبو داود - أيضاً - من حديث حمران قال:«رأيت عثمان بن عفان توضأ» فذكر نحواً من حديث الصحيحين، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق وفيه: «ثم مسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا». وفي رواية أنه قال:«من توضأ هكذا كفاه»، وهذا الحديث تفرد به أبو داود، ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة. قلت: وهو الصواب عندي. ويدخل في مسح الرأس بالسُّنة مسح الأذنين - كالمضمضة والاستنشاق في غسل الوجه - وذلك بأن يدخل أصبعيه السبابتين، فيمسح بهما باطن أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما. الواجب في الآية: المسح، فلو غسل رأسه، ولم يمر يده عليه، لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به. وقيل: بل يُجزئ، وهو الراجح، والله تعالى أعلم. ﴿وَأَرۡجُلَكُمۡ﴾ [و في قراءة : بالجر:(و أرجُلِكم)] ﴿إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم - أي: أقدامكم - مع الكعبين، ف «إلى» هنا بمعنى:«مع» كما تقدم ذكره في اليدين. والكعبان: العظمان الناتئان في كل رجل، في أسفل عظم الساق، عند مفصل الساق والقدم. فائدةقوله: (وأرجلكم): فيه قراءتان:الأولى: بالنصب عطفاً على قوله: (وأيديكم)، وهي ظاهرة في وجوب غسل القدمين - إذا كانتا مكشوفتين- لأنه عطفها على غسل الوجه واليدين إلى المرفقين. الثانية: بالجر على الجوار وتناسب الكلام، كقول العرب: جُحر ضب خرب، وكقوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضرٍ واستبرق)الإنسان(٢١)، وهذا شائع سائغ في لغة العرب. واستدل الشافعي وغيره بقراءة الجر على مشروعية المسح على الخفين - أي: مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان - وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواترة. وقال غيره: هي دالة على مسح الرجلين، أي: غسلهما غسلاً خفيفاً، واستدلوا على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف: بما رواه البيهقي عن علي:«أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس، حتى حضرت صلاة العصر، فأُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قال:«هذا وضوء من لم يحدث» ورواه البخاري في الصحيح ببعض معناه. وأما احتجاج الشيعة بقراءة الجر على وجوب مسح الرجلين، لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس، فهذا غير صحيح لمخالفته الأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين. أما ابن جرير فإنه حاول الجمع بين القراءتين: بالجر، على المسح وهو الدلك، وبالنصب، على الغسل، فأوجب الغسل والدلك معاً، أخذاً بالجمع بين هاتين القراءتين.ولا قائل به. واختلف في مشروعية الترتيب في الوضوء، على قولين: الأول: ذهب الجمهور: إلى وجوب الترتيب في الوضوء أي: الترتيب في غسل الأعضاء - قالوا: لأن الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة، بالرأس الممسوح، يفيد وجوب الترتيب، في طهارة هذه الأعضاء. فإدخال الممسوح بين مغسولين دليل على إرادة الترتيب. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى عدم الوجوب، فلم يشترط الترتيب في الوضوء، بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ووجهه أجزأه ذلك، لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب. والأحاديث الصحيحة ترده. وجوب ترتيب الأعضاء مخصوص بالأربعة المذكورة في هذه الآية، أما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب. ولكن يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليدين والرجلين، وكذا تقديم مسح الرأس على مسح الأذنين. أما الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين، فمنها:حديث عثمان بن عفان:»أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً على اختلاف روايات هذا الحديث. حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه، ثم قال:«هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». وفي الصحيحين عن عبد الله ابن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة: صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». وفي رواية عند الحاكم والبيهقي:«ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار». وعند أحمد من حديث جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ في رِجْل رَجُل مثل الدرهم لم يغسله. فقال:«ويل للأعقاب من النار». ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وهو أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما -بدلاً من غسلهما- أو أنه يجوز ذلك فيهما، لما توعَّد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، فدل على أن الفرض: الغسل، لا المسح. وعند مسلم في «صحيحه» من حديث عمر بن الخطاب: أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ وقال:«ارجع فأحسن وضوءك». وعند أحمد من حديث خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنه رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ:«أن يعيد الوضوء» وزاد أبو داود في روايته:«والصلاة». قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي صحيح. وفي حديث عمرو بن عبسة، عند أحمد في «مسنده»، وفيه:«ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله»، وهو في «صحيح مسلم» من وجه آخر وفيه:«ثم يغسل قدميه كما أمره الله». فدل هذا على أن القرآن يأمر بالغسل. أما مشروعية المسح على الخفين في قراءة الخفض فقد ثبت عنه ﷺ : أنه مسح على الخفين بعد نزول آية المائدة: ففي مسند أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي قال:«أسلمت بعد نزول المائدة، ورأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت». وفي الصحيحين عن همام قال:«بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل:تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه». وعند أبي داود من حديث أوس بن أبي أوس قال:«رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم، فبال وتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه». وعليه: فقد ثبت بالتواتر عنه ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وفعلاً. وشرطه: أن يُلبس الخف على طهارة، ومدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا﴾ أي: محدثين حدثاً أكبر من جنابة ونحوها الموجبة للغسل، كجماع، أو إنزال مني، أو حيض أو نفاس ﴿فَٱطَّهَّرُواْۚ﴾ أي: فاغتسلوا بالماء. والغسل: الواجب فيه: نية رفع الحدث الأكبر، وغسل البدن كله. وكيفية غسله ﷺ رواها الشيخان عن عائشة - واللفظ لمسلم - قالت:«كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه». فائدةوالجنب يصدق على من أنزل المني، يقظةً أو مناماً، أو جامع ولو لم يُنزل. أما من ذكر احتلاماً، ولم يجد بللاً، فلا غسل عليه، لأن الجنابة لا تصدق عليه، وكذا من أنزل من مرض، فلا غسل عليه. يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، فمن وقع منه الحدثان، فإن تعميم البدن بالماء بنية الغسل كافٍ لرفعهما معاً، دون إعادة وضوء، لأن الوضوء داخل في عموم قوله: (فاطهروا). ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ﴾ مرضا يضره الماء ﴿أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾أي: مسافرين ﴿أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ﴾ محدثاً حدثاً أصغر، أي: بخروج بول، أو غائط، أو ريح. و الغائط: موضع قضاء الحاجة، وهو كناية عن الحدث. ﴿أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ أي: واقعتموهن - كناية عن الجماع- وهو الصحيح. [وفي قراءة: بحذف الألف: (أو لمستم)] أي: أو مسستم بشرتهن، وعليه الشافعي. واللمس والملامسة: كلاهما كناية عن الوقاع عند الجمهور، و هو الصحيح. ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ﴾ بعد طلبه في الوقت ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ أي: اقصدوا، وفيه: وجوب نية التيمم ﴿صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ أي: تراباً، أو وجه الأرض، طاهراً ﴿فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم﴾ إلى الرسغين - وهو الصحيح عند المالكية والحنابلة-وقيل: إلى المرفقين، وعليه الشافعي. و الأول أرجح دليلا. ﴿مِّنۡهُۚ﴾ بضربتين على الصعيد الطاهر، ضربة للوجه وأخرى لليدين. وقيل: بضربة واحدة للوجه و اليدين، و هو الصحيح. والباء في قوله: (بوجوهكم) للإلصاق، أي: إلصاق المسح بالوجه واليدين. وبيَّنت السُّنة - في حديث صحح الأئمة وقفه على ابن عمر- : أن المراد: استيعاب العضوين بالمسح. وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء ، آية (٤٣).﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ بما فرض عليكم من الوضوء والغَسل والتيمم ﴿لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ﴾ أي: ضيق في دينه وتشريعه أو مشقة و عسر ﴿وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾ من الأحداث والنجاسات حسيا، والخطايا والذنوب معنويا ، فلذا سهَّل عليكم ويسَّر. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾ بالإسلام، وببيان شرائع الدين. أو بالترخيص لكم في التيمم عند عدم الماء، توسعة عليكم ورحمة بكم ﴿لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ نعمه عليكم، فتستعملونها في طاعته ورضوانه، فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين. فائدةوالتيمم: الواجب فيه: نية التيمم، والصعيد الطاهر- فلا يصح التيمم بالتراب النجس، لكونه خبيثاً- وهو بدل عن الوضوء والغسل، أو عن أحدهما، إذا فقد الماء، أو تعذر استعماله لمانع،كمرض ونحوه. أما أسباب جواز التيمم: فالمرض الذي يضره الماء واستعماله، ولو كان الماء موجوداً.السفر، والإتيان من البول والغائط، والجنابة عند عدم الماء، ولو كان في الحضر. استدل بهذه الآية من قال: لا ينقض الوضوء إلا بول أو غائط أو جنابة، أما لمس الفرج بحائل وبدونه فلا ينقض. قلت: وهو المترجح عندي- كما بيَّنته في «موسوعة أحاديث الأحكام»- أن لمس الفرج- أي: الذَّكر- بغير حائل و لغير شهوة، لا ينقض الوضوء، لحديث طلق بن علي في الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ قال ﷺ :«لا، إنما هو بَضْعَة منك». و في لفظ:«مضغة».رواه الخمسة وصححه ابن حبان. يبطل التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله، ولو كان المتيمم في الصلاة، لأن شرط التيمم عدم الماء، أو تعذر استعماله لمانع شرعي. يجزئ التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب وغيره. وعلى هذا يكون قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه):إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون للصعيد غبار يُمسح منه، ويعلق بالوجه واليدين. وإما أن يكون إرشاداً للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار، فهو أولى. واختلف في جواز التيمم لنجاسة البدن- أي: النجاسة الحسية- على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم، لأن سياق الآية في الأحداث الأصغر والأكبر. الثاني: وذهب غيرهم: إلى أن نجاسة البدن تدخل في حكم التيمم، لأن الله جعل التيمم بدلاً عن طهارة الماء، ولإطلاقه في الآية دون تقييد. قلت: والأول أولى، لعدم الدليل على القول الثاني، و الله تعالى أعلم. لو نوى من عليه حدثان- أصغر وأكبر- التيمم عنهما، فإنه يجزئ، أخذاً من عموم الآية وإطلاقها.يشترط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، لأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
5:7Page 108
وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
٧ - ﴿وَٱذۡكُرُواْ﴾ أيها المسلمون ﴿نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُم﴾ بالإسلام والهداية لهذا الدين ﴿وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ﴾ أي: واذكروا عهد الله الذي عاهدكم عليه، ﴿إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا﴾ قولك، سمع فهم وإذعان وانقياد ﴿وَأَطَعۡنَاۖ﴾ أمرك، طاعة قبول، وامتثال لما أمرت به، واجتناب عما نهيت عنه، في العسر واليسر والمنشط والمكره . وهذا شامل لجميع شرائع الدين، الظاهرة منها والباطنة. وليس المراد بذلك: أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق، وإنما المراد : أنهم بإيمانهم بالله ورسوله ومتابعته ومناصرته والقيام بدينه والإبلاغ عنه، قد التزموا طاعتهما، وقطعوا على أنفسهم عهداً مع الله ومع رسوله. وقيل: هو الميثاق والعهد الذي أخذه النبي ﷺ في مبايعته للمسلمين عند إسلامهم، كقولهم:« بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله»، وذلك كبيعة العقبة، وبيعة الشجرة يوم الحديبية. وقيل: هو الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم، في قوله سبحانه: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)الأعراف(١٧٢). والقول الأول أظهر. وإضافة الميثاق إلى الله لصدوره عن أمره وإذنه، كقوله: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)الفتح(١٠)، وهذه الآية متصلة بقوله في أول هذه السورة: (أوفوا بالعقود). ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ في جميع أحوالكم، وفي ميثاقه أن تنقضوه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بما تخفيه القلوب وبما يختلج في الضمائر، من الأسرار والخواطر.
5:8Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨
O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.
٨ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ﴾ أي: قائمين بالحق أتم قيام وأدومه. جمع قوَّام: وهو المبالغ في القيام بالشيء والإتيان به تاماً كاملاً ﴿لِلَّهِ﴾ أي: لأجله سبحانه- لا لأجل الناس والسمعة- في كل ما يلزمكم القيام به، تعظيماً لأمره، وطمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، وعملاً بطاعته، واجتناباً لمنهياته. ﴿شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ أي: وكونوا شاهدين بالعدل في أقوالكم وأفعالكم، على القريب والبعيد، والصديق والعدو. وقد تقدم تفسير مثله في سورة النساء، آية: (١٣٥). وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير، أنه قال: نحلني أبي نحلاً- أي: أعطاني عطيّة- فقالت أمّي: لا أرضى حتى تُشهد عليه رسول الله ﷺ، فجاءه أبي ليشهده على صدقتي، فقال:«أكل ولدك نَحَلْت مثله؟» قال: لا، فقال:«اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وفي رواية:«فإني لا أشهد على جوْر». قال: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة. ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ﴾ أي: ولا يحملنكم أو لا يكسبّنكم ﴿شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ﴾ أي: بغضهم ﴿عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ﴾ أي: على ترك العدل فيهم، وكتم الشهادة التي تنفعهم، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم، فاشهدوا له. فالعدل واجب في كل أحد قريباً كان أو بعيداً، صديقاً كان أو عدواً، فالحق لا يُردُّ لقول أحد أو فعله، إذ الأقوال والأفعال تُعرف بالحق، ولا يُعرف الحق بها. ﴿ٱعۡدِلُواْ﴾ في القريب والبعيد، والعدو والصديـق ﴿هُوَ﴾ أي: العدل ﴿أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ أي: أقرب لأن تتقوا الله. أو: لأن تتقوا النار. فكلما حرصتم على العدل واجتهدتم فيه قولاً وعملاً، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم من تركه، فإن تمّ العدل كملت التقوى. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ فيما تأتون وتذرون ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ فيجازيكم بما علم من أعمالكم، خيرها، وشرها، صغيرها، وكبيرها، جزاءً عدلاً، عاجلاً أو آجلاً.
5:9Page 108
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩
Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.
٩ - ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾- ومن جملتها العدل والتقوى- وعدا حسنا على إيمانهم، وصلاح أعمالهم، ومن أوفى منه وعداً، سبحانه، ﴿لَهُم مَّغۡفِرَةٞ﴾ لذنوبهم، بالعفو عنها، وعن عواقبها ﴿وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ أي: ثواب وافر، هو الجنة، لا يدخلونها بأعمالهم، بل برحمة من الله وفضل، وإن كانت أعمالهم سبباً لوصول رحمة الله إليهم، وعظيم فضله.
5:10Page 109
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠
But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.
١٠ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ الدالة على الحق، وصدق الرّسل ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه. وهذا من كمال عدله تعالى وحكمته.
5:11Page 109
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
١١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ وهذا تذكير بنعمة خاصة، وهي إنجاؤهم من كيد أعدائهم، بعد التذكير بنعمة عامة، وهي الإسلام، والهداية إليه، والاستقامة عليه. ﴿إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ﴾ أي: يمدوا ﴿إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ﴾ ليبطشوا ويفتكوا بكم بالقتل والإهلاك. يقال: بسط يده إليه: إذا بطش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه. والبسط في الأصل: مطلق المد، وإذا استعمل في اليد واللسان، كان كناية عن البطش والشتم.﴿فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ﴾ ورد كيدهم في نحورهم، وعصمكم مما أرادوا بكم. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ فيما أمركم به بامتثاله، وفيما نهاكم عنه باجتنابه وفي رعاية حقوق نعمته، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: يعتمدوا عليه، ويثقوا به، في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، ويتبرأوا من حولهم وقوتهم، إلى حوله وقوته.قيل في سبب نزول هذه الآية: ما ثبت في الصحيح من حديث جابر ابن عبد الله:«أن النبي ﷺ نزل منزلاً، فتفرق الناس في العِضاه- أي: الشجر البري- يستظلون تحتها، فعلَّق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه، فأخذه فسلَّه، ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال:«الله»، فشام الأعرابي السيف- أي: أغمده- فدعا النبي ﷺ أصحابه، وأخبرهم بصنيع الأعرابي». وعن ابن عباس: أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجراً على النبي ﷺ ومن معه، فجاء جبريل فأخبره الخبر، فقام ومن معه، فنزلت الآية.
5:12Page 109
۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢
And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."
١٢ - ﴿وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: أخذ عليهم عهدهم المؤكد الغليظ، بما سيأتي ذكره في الآية ﴿وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ﴾ أي: وأقمنا من كل سبط- من أسباطهم الاثنا عشر- كفيلاً أو عريفاً أو أميناً يكون ضامناً على سبطه بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود، و شاهداً عليهم بالمبايعة على السمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه. من التنقيب: وهو البحث والتفتيش. والنقيب: من ينقب عن أحوال القوم وأسرارهم ودخائلهم ومصالحهم، فيكون شاهدهم، وضمينهم، وعريفهم وكفيلهم. وأصله: من النقْب: وهو الثقب الواسع، والطريق في الجبل. ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ﴾ لهم- أي: للنقباء والعرفاء الذين كفلوا قومهم وضمنوا وفاءهم -: ﴿إِنِّي مَعَكُمۡۖ﴾بالنصر والعون، والحفظ والكلاءة، والعلم والقدرة، فإن المعونة على قدر المؤنة، ثم ذكر مضمون الميثاق الذي أخذه عليهم فقال: ﴿لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: أديتموها على الوجه الأكمل، كما شرعها الله لكم تامة الأركان وافية الشروط ﴿وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ أي: الصدقات التي افترضها الله عليكم لمستحقيها ﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِي﴾ جميعهم، أي: صدقتموهم فيما يجيئونكم به من وحي الله، ﴿وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ﴾ أي: نصرتموهم، ووازرتموهم، وأعنتموهم على الحق. مع تعظيمهم وطاعتهم وتوقيرهم، ومتابعتهم والذب عنهم، والانقياد إليهم. من التعزير: وهو النصر والإعانة مع التعظيم والتفخيم، والاحترام والطاعة، والإعانة والمنعة. ﴿وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ بالإنفاق في سبيله، وفي وجوه الخير، ابتغاء مرضاته، مما كان عن طيب نفس، وطيب مكسب، لا يتبعه منّ ولا أذى. فإذا أقمتم على ذلك وقمتم بما واثقتكم عليه، ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ﴾ أي: لأمحونّ عنكم ذنوبكم، وأسترها عليكم، ولا أؤاخذكم بها، فضلاً منّي ورحمة ﴿وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ﴾ أنهار الماء واللبن والخمر والعسل. فجمع لهم بين دفع المحذور عنهم، بتكفير السيئات، وحصول المقصود لهم، بدخول الجنة يوم القيامة. ﴿فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ الميثاق، والعهد المؤكد، أي: من خالف هذا الميثاق والعهد بعد عقده وتوكيده وإقراره ﴿مِنكُمۡ﴾ عن عمد وعلم ﴿فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: فقد أخطأ طريق الحق، وعدل عن الهدى إلى الضلال. والسواء: الوسط. والآية: بيان لما كانوا عليه من نقض العهود والمواثيق، وتحريف التوراة والإعراض عنها، والخيانة للرسل.
5:13Page 109
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣
So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.
١٣ - ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق والعهد المؤكد الذي أخذه الله عليهم. ﴿لَعَنَّٰهُمۡ﴾ أي: طردناهم وأبعدناهم عن رحمتنا، وصرفناهم عن الحق والهدى، عقوبة لهم على ذلك ﴿وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ﴾ أي: غليظة صلبة، لا تعي خيراً، ولا تعقل موعظة، ولا تلين لقبول الإيمان، ولا تنتفع بالآيات والنذر، ولا تزيدها إلا غلظة وقساوة. [وفي قراءة: بدون الألف: (قَسِيَّة)]. ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ أي: يغيرونه، ويبدلونه، ويتأولونه بالباطل على غير تأويله، ويحملون مراده على غير مراد الله ورسوله، كتغييرهم نعت محمد ﷺ وصفته التي في كتبهم، وغير ذلك ﴿وَنَسُواْ حَظّٗا﴾ أي: وتركوا نصيبا وافراً ﴿مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ﴾ في التوراة، من العهود والمواثيق، واتباع محمد ﷺ . وهذا النسيان منهم لما في كتبهم، شامل لنسيان العلم به، وضياعه عنهم، عقوبة من الله لهم، وشامل لنسيان العمل أيضاً، وهو ترك العمل بما في كتبهم، فلم يُوفَّقوا للقيام بما أُمروا به، رغبةً عنه، فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة. ﴿وَلَا تَزَالُ﴾ أيها النبي ﴿تَطَّلِعُ﴾ أي: تظهر وتتعرف ﴿عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: على خيانة وغدر منهم أو فعلة خائنة، لك ولأصحابك، بكتمانهم الحق، ونقضهم العهود والمواثيق، وممالأتهم المشركين عليك. وخائنة: اسم وضع موضع المصدر، كقائلة، في موضع القيلولة. وتلك عادتهم في الخيانة مع الله ورسلهم، وهـي عـادة مستمـرة فيهم ﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ﴾ ممـن أسلم وتابع محمداً ﷺ ، فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه، فوفقهم وهداهم إلى صراط مستقيم. ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ﴾ أي: لا تؤاخذهم بما صدر منهم لك من الإساءة والأذى ﴿وَٱصۡفَحۡۚ﴾ عنهم بالإحسان إليهم، وهو بذل النفع الديني والدنيوي لهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ الذين يعفون ويصفحون عمن أساء إليهم، و يثيبهم ويجزل لهم العطاء. والإحسان في حق الله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك،كما في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب. وهذا الأمر بالعفو والصفح عنهم كان في أول الدعوة، فلما اشتد عودها، وقوي ساعدها، نزل قوله في سورة التوبة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)التوبة(٢٩).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences