Al-Jami' al-WajizQaf · 50:1–39

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

ق

Qaf

The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs

50:1Page 518

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١

Qāf.1 By the honored Qur’ān...2

١ - ﴿قٓۚ﴾ وهي للبيان والتنبيه، والتحدّي والإعجاز، وقد تقدّم الكلام على هذه الحروف المقطّعة في أوائل السّور، في أول سورة البقرة، والله تعالى أعلم بمراده بذلك.﴿وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ﴾ أي: أقسم بالقرآن ذي المجد والشرف، الكريم الكثير الخير، إنّا أنزلناه إليك لتُنذر به الناس - و هو جواب القسم – وحَذْفُ جواب القسم للدلالة عليه بقوله: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم).والمجيد: الكريم على الله، الكثير الخير. فكلّ من طلب منه مقصوداً، وجده فيه، وكلّ من لاذ به، استغنى به عن غيره، وإغناء المحتاج، غاية الكرم.مأخوذ من المجد: وهو السّعة في الكرم، وأصله: من مَجَدت الإبل وأَمْجدت: إذا وقعت في مرعىً كثير واسع.

50:2Page 518

بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢

But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.

٢ - ﴿بَلۡ عَجِبُوٓاْ﴾ أي: كفّار مكة وغيرهم ﴿أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: رسول من أنفسهم، يخوّفهم بالقرآن عذاب اليوم الآخر، إن هم أصرّوا على كفرهم وعنادهم.و «بل» للإضراب، وهو إضراب عمّا يدلّ عليه جواب القسم، أي: فلم يؤمنوا، بل قابلوا المنذِر – وهو رسول الله ﷺ – والمنذَر به بالإنكار والتعجّب ﴿فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا﴾ أي: البعث الذي أنذر به محمّد، أو كون الرسول بشراً منهم ﴿شَيۡءٌ عَجِيبٌ﴾ أي: أمر يُتعجّب منه. و الآية كقوله تعالى: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس)يونس(٢).ثم قرّروا التعجّب بقولهم:

50:3Page 518

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣

When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."

٣ - ﴿ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ﴾ أي: أحين نموتُ ونصير تراباً نرجع ونُبعث، كما يقول؟ ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: البعث بعد الموت والرجوع إلى الحياة ﴿رَجۡعُۢ بَعِيدٞ﴾ عن الأفهام، أو العادة، أو الإمكان، أي: في غاية البُعد.يقال: رَجَعْتُه أرجعُه رَجْعاً، ورَجَعَ هو، يَرْجع رُجوعاً.والمعنى: أنهم يعتقدون استحالة البعث وعدم إمكانه، وأن رجوعهم إلى الحياة غير ممكن.

50:4Page 518

قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤

We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.

٤ - ﴿قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم بعد الموت، فكيف يستبعدون أن نرجعهم أحياءً كما كانوا ؟﴿وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ﴾ أي: وعندنا – مع علمنا بذلك – كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلّها، كلّياتها وجزئيّاتها، ومنها: أجزاؤهم، وعددهم، وأسماؤهم، وأعمالهم، محفوظ عن التغيير والتبديل، وهو اللوح المحفوظ.والآية تأكيد لعلمه تعالى بها، بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده سبحانه.

50:5Page 518

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥

But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.

٥ - ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالقرآن والنبـوّة ﴿لَمَّا جَآءَهُمۡ﴾ الحقّ، أي: بل جاءوا بما هو أشدّ من تعجّبهم، وهو تكذيبهم بالقرآن وبالنبوّة الثابتة بالمعجزات الظاهرة، من غير تفكّر وتدبّر – المستلزمُ لتكذيب أمر البعث والمعاد والتوحيد وغيرها.﴿فَهُمۡ﴾ في شأن القرآن والنبوة والبعث ﴿فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس، أو: فاسد منكر، أو: قلق مضطرب، فتارة يزعمون أن النبي لا يكون بشراً، وأخرى أن الأحق بالنبّوة أهل الجاه والثراء، وتارة يزعمون أن النبوة سحر، وأخرى أنها كهانة، وأن النبي شاعر، ويستبعدون البعث، ويتعجّبون منه مرّة، ويجحدونه أخرى. فأيّ اضطراب، وفساد، واختلاط في الرأي، أشنع من هذا؟يقال: مرِج الدّين والأمر – من باب: طرِب -: اختلط، ومرجت أمانات الناس: فسدت، ومرج الخاتم في أصبعه: إذا قلق من الهزال.

50:6Page 518

أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦

Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?

٦ - ﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ﴾ أي: أغفلوا وعَمُوا فلم ينظروا بعيونهم ولم يعتبروا بعقولهم، حين أنكروا البعث،﴿إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا﴾ أي: أحكمنا بناءها، ورفعناها بغير عمد.﴿وَزَيَّنَّٰهَا﴾ بالكواكب والنجوم ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ﴾ أي: شقوق وفتوق وصدوع ؟جمع فَرْج: وهو الشق بين الشيئين.والمراد: سلامتها من كل عيب وخلل،كقوله تعالى:(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور)الملك(٣).و الآية شروع في بيان بعض أدلّة القدرة التامّة على البعث، ردّا لاستبعادهم إيّاه، وهي سبعة أدلّة.

50:7Page 518

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧

And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,

٧ - ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا﴾ أي: بسطناها في رأي العين للاستقرار عليها، وهذا لا ينافي كرويّتها لمكان عظمها.وقوله: (والأرض) معطوف على موضع: (إلى السماء)، أي: والأرض كيف مددناها ﴿وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ﴾ أي: جبالاً ثوابت تمنعها من المَيَدان والاضطراب، جمع راسية.﴿وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿مِن كُلِّ زَوۡجِۭ﴾ أي: من كل نوع أو صنف من النبات ﴿بَهِيجٖ﴾ أي: حسن نَضِرٍ، يسرّ الناظرين، بحسن ألوانه وأشكاله وروائحه وطيب ثماره.من البهجة: وهو الحُسن. يقال: بَهُجَ – كظَرُفَ - فهو بهيج، أي: حسن.

50:8Page 518

تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨

Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].

٨ - ﴿تَبۡصِرَةٗ﴾ أي: فعلنا ذلك تبصيراً منّا. مفعول له. ﴿وَذِكۡرَىٰ﴾ أي: وتذكيراً. أو: النظر إلى السماء والأرض وما فيهما من الآيات العظيمة (تبصرة وذكرى) أي: دلالة وتذكرة ﴿لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ﴾ إلى الله، راجع إليه بالتدبّر في بدائع صنعته ودلائل قدرته.

50:9Page 518

وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩

And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest

٩ - ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: السحاب ﴿مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا﴾ أي: كثير البركة والمنافع ﴿فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ﴾ أي: بالماء النازل من السماء ﴿جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين وحدائق ونحوها ﴿وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ﴾ أي: حبّ النبات الذي شأنه أن يُحصد ويُقتات ويُدّخر، كالقمح والشعير. والإضافة لأدنى ملابسة، وخُصّ بالذكر لأنه المقصود بالذّات.

50:10Page 518

وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠

And lofty palm trees having fruit arranged in layers -

١٠ - ﴿وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ﴾ أي: وأنبتنا به النّخل طوالاً شاهقات. أو: حوامل.من البُسوق: وهو الطول. يقال: بسق فلان على أصحابه – من باب: دخل -: إذا علاهم وطال عليهم في الفضل.والنّخل: اسم جنس يُذكّر ويؤنّث ويجمع. وخُصّ بالذكر، لمزيد فضله، وكثرة منافعه.﴿لَّهَا طَلۡعٞ﴾ أي: للنخل الباسقات طلع، وهو أوّل ما يخرج من ثمر النخل، قبل أن ينبسق.﴿نَّضِيدٞ﴾ أي: منضود، متراكب بعضه فوق بعض.من نَضَد المتاع يَنضِدُه: إذا وضع بعضه فوق بعض، كنضّده، والمراد: كثرة ما فيه من الثمر.

50:11Page 518

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

١١ - ﴿رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ﴾ أي: أنبتنا هذه الأشياء المذكورة رزقاً للعباد، مفعول له ﴿وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ﴾ أي: بذلك الماء ﴿بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ﴾ أي: أرضاً جدبة لا نماء فيها ولا زرع. وتذكير «ميتا» لكون البلدة بمعنى: المكان.﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي مثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة ﴿ٱلۡخُرُوجُ﴾ من القبور عند البعث أحياء. أي: فكما أن هذه مقدور لله، فذلك مقدور له أيضا، فكيف تنكرون ذلك، وتستبعدونه؟ والاستفهام للتقرير، والمعنى: أنهم نظروا وعلموا ما ذُكر.

50:12Page 518

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢

The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd

١٢ - ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ﴾ أي: قبل كفّار قريش ﴿قَوۡمُ نُوحٖ﴾ وأُنّث الفعل لمراعاة معنى «قوم» ﴿وأصحاب الرسّ﴾ أي: البئر التي كانوا مقيمين حولها، وكانوا قد رسّوا نبيّهم في البئر، فأهلكوا - وقد تقدم ذكرهم في سورة الفرقان، آية: ٣٨ - ﴿وَثَمُودُ﴾ قوم صالح عليه السلام.

50:13Page 518

وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣

And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot

١٣ - ﴿وَعَادٞ﴾ وهم قوم هود عليه السلام ﴿وَفِرۡعَوۡنُ﴾ وقومه ﴿وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ﴾ وهم القوم الذين بُعث فيهم، من أهل سدوم وعمورة، من أرض فلسطين.

50:14Page 518

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.

١٤ - ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ﴾ أي: سكّان الغيضة الكثيفة الملتفّة الشجر، وهم قوم شعيب عليه السلام - وتقدم ذكرهم في سورة الشعراء، آية:١٧٦.﴿وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ﴾ هو تبّع الحميري، أبو كرِب، وكانوا باليمن - وتقدم ذكرهم في سورة الدخان، آية: ٣٧ - ﴿كُلّٞ﴾ أي: من هؤلاء المذكورين ﴿كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كذّب رسوله الذي أرسله الله إليه، ومن كذّب رسولاً، فقد كذّب جميع الرّسل، ومثلهم قريش في تكذيب رسول الله ﷺ.﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾[وقرأ يعقوب الحضرمي بإثبات الياء وصلا و وقفا (وعيدي)] أي: فوجب ونزل بهم وعيدي، وحقّت عليهم كلمة العذاب.والآيات: بيانٌ لكون البعث ممّا أجمع الرسل على أحقّيته، وتهديد لكفّار مكة، وتسلية له ﷺ، وأن شأنه مع قومه، شأن الرسل السابقين مع أقوامهم، والعاقبة للمتّقين.

50:15Page 518

أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥

Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.

١٥ - ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ﴾ أي: أقصدنا الخلق الأوّل – حين خلقناهم ولم يكونوا شيئاً - فعجزنا عنه، حتى يُتوهّم عجزنا عن الإعادة؟ أي: لم نَعْي به ولم نعجز عنه، فلا نعيا بالإعادة ولا نعجز عنها. من عيي بالأمر: إذا عجز عنه، وانقطعت حيلته فيه، ولم يهتد لوجه مراده.﴿بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ﴾ أي: في خَلْط وشُبهة، وشكّ وحيرة ﴿مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ﴾ أي: مستأنف، وهو البعث بعد الموت، لما فيه من مخالفة العادة.يقال: لَبَس عليه الأمر – من باب: ضَرَب -: خلطه، وألبسه: غطّاه.والمعنى: إذا كانوا مقرّين بأنّا خلقنا الخلق الأوّل،فكيف ينكرون قدرتنا على إعادته؟كما قال تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧).وقال: (قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرة وهو بكلّ خلق عليم)يس(٧٩).وفي صحيح البخاري: «يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يقول: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته».

50:16Page 519

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦

And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.

١٦ - ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ﴾ أي: ما تحدّثه به وتضمره وتخطُره بباله، ممّا يختلج في قلبه وسرّه وضميره.والوسوسة: الصّوت الخفيّ.﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ أي: ونحن بعلمنا به، وبأحواله كلّها، أقرب إليه من أقرب شيء إليه، وهو عرق الوريد الذي في باطن عنقه، فكيف يخفى علينا شيء مماّ في قلبه؟وهو مثل في فَرْط القرب. والحَبْل: العِرْق. فالمراد: القرب بالعلم لا القرب في المكان لاستحالته على الله تعالى.أو: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، بإقدار الله لهم على ذلك، كما قال تعالى في المحتضر: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون)الواقعة(٨٥) أي: ملائكته.

50:17Page 519

إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧

When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.

١٧ - ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى﴾ أي: اذكر حين يكتب ويحفظ، أو يأخذ ويثبت ﴿ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ﴾ أي: الملكان الموكّلان بالإنسان في صحيفتي حسناته وسيئاته، ما يلفظ به، وما يعمله.﴿عَنِ ٱلۡيَمِينِ﴾ قعيد ﴿وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ منه ﴿قَعِيدٞ﴾ فأحدهما عن يمينه لكتابة الحسنات، والآخر عن شماله لكتابة السيئات.والقعيد: من يقعد معك.

50:18Page 519

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

١٨ - ﴿مَّا يَلۡفِظُ﴾ الإنسان ﴿مِن قَوۡلٍ﴾ من خير أو شرّ، أي: ما يتكلّم بكلمة ﴿إِلَّا لَدَيۡهِ﴾ مَلَك ﴿رَقِيبٌ﴾ أي: حافظ يكتب قوله، ويرقب عمله.﴿عَتِيدٞ﴾ أي: معدّ مهيّأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه. والمراد به: الملكان المتلقّيان، وأن كلاّ منهما رقيب عتيد.يقال: عَتُد الشيء – ككرُم – عَتادةً وعتاداً: حضر: فهو عتِد وعتيد، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أعتدَه صاحبه، وعتّده: إذا أعدّه وهيّأه.والآية كقوله: (وإن عليكم لحافظين ١٠ كراماً كاتبين ١١ يعلمون ما تفعلون ١٢)الإنفطار(١٠ -١٢).فائدة قال ابن كثير: وقد اختلف العلماء: هل يكتب المَلك كل شيء من الكلام - وهو قول الحسن وقتادة – أو يكتب ما فيه ثواب وعقاب - وهو قول ابن عباس-: على قولين.وظاهر الآية الأوّل، لعموم قوله: (ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد).وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث بلال بن الحارث المزني، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يظنّ أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه ».

50:19Page 519

وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩

And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.

١٩ - ﴿وَجَآءَتۡ﴾ أيها الناس ﴿سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ﴾ أي: شدّته وغمرته وكرْبُه ﴿بِٱلۡحَقِّۖ﴾ أي: بحقيقة الأمر من سعادة الميّت وشقاوته. أو: بنفس الموت، وهو الأمر الذي لابدّ أن يكون لكلّ حيّ.﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الموت هو ﴿مَا كُنتَ مِنۡهُ﴾ أيها الإنسان ﴿تَحِيدُ﴾ أي: تهرب وتفرّ في حياتك، أو تميلُ عنه، فلم ينفعك منه الهرب ولا الفرار. يقال: حاد عن الشيء، يحيد حيْدة وحيوداً: إذا تنحّى عنه وبَعُد.وفي قوله: (ما كنت منه تحيد): قولان:أحدهما: أن «ما» موصولة، أي: الذي كنت منه تحيد، أي: تبتعد وتفرّ، فإنه قد حلّ بك ونزل بساحتك.والثاني: أن «ما» نافية، بمعنى: ذلك الموت ما كنت تقدر على الفراق منه، ولا الحيد عنه.وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ: أنه لمّا تغشّاه الموت، جعل يمسح العرق عن وجهه، ويقول: «سبحان الله، إن للموت لسكرات».

50:20Page 519

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.

٢٠ - ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ﴾ للبعث والنّشور، وهي النفخة الثانية، ينفخها إسرافيل عن أمر الله تعالى.﴿ذَٰلِكَ﴾ اليوم الذي ينفخ فيه في الصّور هو ﴿يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ﴾ الذي أوعد الله به الكفّار بالعذاب في الآخرة. أو: هو يوم إنجاز الوعيد وتحقّقه بالعذاب.وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له». قالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال: «قولوا:حسبنا الله ونعم الوكيل».رواه الترمذي.

50:21Page 519

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١

And every soul will come, with it a driver and a witness.1

٢١ - ﴿وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ﴾ برّة أو فاجرة، أي: في ذلك اليوم ﴿مَّعَهَا سَآئِقٞ﴾ أي: ملَك يسوقها إلى المحشر ﴿وَشَهِيدٞ﴾ أي: ومَلَك يشهد لها أو عليها بعملها، أي: بما عملت في الدنيا من خير أو شرّ.وعن يحيى بن رافع قال: سمعت عثمان بن عفان يخطب، فقرأ هذه الآية، فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى، وشاهد يشهد عليها بما عملت.ثم يقال للإنسان من برّ وفاجر في ذلك اليوم:

50:22Page 519

لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢

[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."

٢٢ - ﴿لَّقَدۡ كُنتَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا﴾ اليوم ﴿فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ أي: أزلنا ورفعنا عنك الحجب التي كانت تحجبك في الدنيا عن أمور المعاد والآخرة.﴿فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ﴾ أي: نافذ قويّ حادّ، تُبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا.يقال: هو حديد النظر وحديد الفهم: إذا كان نافذاً قويّاً. وقيل: إن المراد بذلك: الكافر، ولكن الظاهر من السياق أن الخطاب مع الإنسان من حيث هو، مؤمناً كان أو كافراً، لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام والغفلة.

50:23Page 519

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣

And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."

٢٣ - ﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ﴾ أي: الملك الموكّل به وبعمـله ﴿هَٰذَا مَا لَدَيَّ﴾ أي: هذا الذي عندي من كتاب عملك ﴿عَتِيدٌ﴾ أي: معدّ حاضر مهيّأ للعرض، محفوظ.أو: قال شيطانه المقيّض له في الدنيا: هذا – أي: الكافر – الذي عندي وفي ملكتي، مهيّأ لجهنّم بإغوائي وإضلالي له.

50:24Page 519

أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤

[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,

٢٤ - ﴿أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ أي: يقال للسّائق والشهيد، أو للملكين من خزنة النّار: اطرحا في جهنّم ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ أي: مبالغ في الكفر والجحود ﴿عَنِيدٖ﴾ أي: شديد في العناد وإباء الانقياد للحقّ.

50:25Page 519

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥

Preventer of good, aggressor, and doubter,

٢٥ - ﴿مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ﴾ أي: كثير المنع له ﴿مُعۡتَدٖ﴾ ظالم متجاوز للحدّ ﴿مُّرِيبٍ﴾ أي: شاك في الله، وفي دينه، وفي وعده ووعيده.

50:26Page 519

ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦

Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."

٢٦ - ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ﴾ أي: أشرك بالله غيره، فعبده معه، ﴿فَأَلۡقِيَاهُ﴾ أمر للسائق والشهيد ﴿فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ﴾ وهو تأكيد للأمر الأوّل بإلقائه في نار جهنّم وبئس المصير.وفي الحديث عند أحمد في المسند: عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج عنق من النار يتكلّم، يقول: وُكلت اليوم بثلاثة: بكل جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنّم».

50:27Page 519

۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧

His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."

٢٧ - ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ﴾ أي: الشيطان المقيّض له في الدنيا – ردّا لقول ذلك الكافر: ربّ أطغاني شيطاني–: ﴿رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ﴾ أي: ما أضللته، فإنه لم يكن لي عليه سلطان ولا حجّة ولا برهان ﴿وَلَٰكِن كَانَ﴾ هو ﴿فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ عن الحقّ، فدعوته، فاستجاب لي، وأعنتُه على الضلال بالإغواء والتزيين، من غير قسر له ولا إلجاء، فتابعني باختياره. كما أخبر سبحانه عن الشيطان بقوله: (وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم..)إبراهيم(٢٢).

50:28Page 519

قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨

[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].

٢٨ - ﴿قَالَ﴾ أي: الربّ تبارك وتعالى، لذلك الإنسان وقرينه: ﴿لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ أي: عندي، أي: أن الله تعالى ينهى الكافرين وقرناءهم عن الاختصام بين يدي الحقّ تبارك وتعالى في موقف الحساب.﴿وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم﴾ في الدنيا ﴿بِٱلۡوَعِيدِ﴾ على الكفر، بإرسال رسلي، وإنزال كتبي، وإعذاري إليكم بالحجج والبراهين، فلا تطمعوا في الخلاص ممّا أنتم فيه بأعذاركم الباطلة.

50:29Page 519

مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩

The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."

٢٩ - ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغيّر القول في ذلك عندي، فلا خُلف لوعدي وقولي، بل هو كائن لا محالة وقد قضيت عليكم بالعذاب، فلا تبديل لقضائي.﴿وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ أي: بذي ظلم لهم، فلا أعذّبهم بغير جرم اجترموه، ولا ذنب أذنبوه، بل آخذهم بما قدّموا، وأعاقبهم بما أسلفوا، بعد قيام الحجّة عليهم، فلا أعذّب أحداً منهم بذنب غيره، فعذابهم عدل، لا شائبة للظلم فيه، كما قال تعالى: (لا ظلم اليوم)غافر(١٧).

50:30Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

٣٠ - ﴿يَوۡمَ نَقُولُ﴾ بالنّون والياء، قراءتان – أي: اذكر يوم نقول ﴿لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ﴾ وذلك يوم القيامة، والاستفهام للتحقيق، لوعده تعالى بملئها، كما في قوله:(لأملأن جهنم من الجنّة والناس أجمعين)هود(١١٩).﴿وَتَقُولُ﴾ أي: جهنّم: ﴿هَلۡ مِن مَّزِيدٖ﴾ أي: هل بقي شيء تزيدوني ؟ أي: أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها.روى البخاري عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: «يُلقى في النّار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع – الربّ – قدمه فيها، فتقول: قطْ قطْ -أي:حسبي -».ورواه أحمد ومسلم عن أنس بلفظ: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال جهنم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربّ العزّة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزّتك وكرمك، ولا يزال في الجنّة فضل، حتى يُنشئ الله لها خلقا آخر، فيسكنهم في فضول الجنّة». وروى البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «تحاجّت الجنة والنار، فقالت النّار: أوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقطهم ؟ قال الله عز وجلّ للجنّة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنّار: إنما أنت عذابي، أعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأمّا النار، فلا تمتلئ، حتى يضع – الربّ – رجله فيها، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأمّا الجنّة، فإن الله ينشئ لها خلقاً آخر».وقيل: (وتقول هل من مزيد) أي: هل بقي فيّ مزيد يسع شيئاً؟ أي: قد امتلأت.وذلك أن قوله تعالى: (هل امتلأت) إنما هو بعدما يضع عليها قدمه، فتنزوي، وتقول: قد امتلأت.والأوّل أوْلى لظاهر سياق الآية، ولدلالة الأحاديث عليه. وفي الأحاديث إثبات القدم أو الرّجل لله تبارك وتعالى على الوجه الذي يليق بكماله وجلاله، دون تشبيه ولا تأويل، ولا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل،(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)الشورى(١١).

50:31Page 519

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

٣١ - ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ﴾ أي: أُدنــيت وقُـرّبـت ﴿لِلۡمُتَّقِينَ﴾ ربّهم، بأداء فرائـضه، وامتـثال أوامره، واجتناب معاصيه ﴿غَيۡرَ بَعِيدٍ﴾ أي: في مكان غير بعيد منهم، فيروْنها.يقال: أزلفه: إذا قرّبه، ومنه: الزّلفة والزّلفى، بمعنى: القربة والمنزلة.

50:32Page 519

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

٣٢ - ويقال لهم: ﴿هَٰذَا﴾ أي: الذي ترونه من نعيم الجنّة هو ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ –بالتاء والياء، قراءتان – أي: ما كنتم توعدون به في الدنيا.﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: رجّاع إلى الله وإلى طاعته، بالتوبة والإنابة ﴿حَفِيظٖ﴾ أي: حافظ لحدود الله وفرائضه.أو: هو الذي يحفظ العهد مع الله، فلا ينقضه ولا ينكثه.أو: حفيظ على أوامر الله، بامتثالها على وجه الإخلاص والإكمال له.

50:33Page 519

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

٣٣ - ﴿مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: من خاف الله – على وجه المعرفة لربّه والرجاء لرحمته – ولم يره.أو: من خاف الله في سرّه ومغيبه عن أعين الناس، حيث لا يراه أحد إلاّ الله، كقوله ﷺ في حديث السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: «ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه » متفق عليه.﴿وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى الله تعالى، مخلص في طاعته، مقبل عليه، كقوله:(يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم)الشعراء(٨٩).

50:34Page 519

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

٣٤ - ويقال للمتقين أيضاً: ﴿ٱدۡخُلُوهَا﴾ أي: الجنة ﴿بِسَلَٰمٖۖ ﴾ أي: سالمين من عذاب الله، أو: بالسلامة من الآفات والشرور وكلّ مكروه، أو: بالسلامة من زوال النعم.أو: يسلّم عليهم الله وملائكته.﴿ذَٰلِكَ﴾ اليوم هو ﴿يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ﴾ في الجنّة، أي: الدوام فيها، فلا يموتون ولا يخرجون ولا يبغون عنهاحولاً.

50:35Page 519

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

٣٥ - ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّة، مما تشتهي أنفسهم، وتلذّ أعينهم، من أنواع الخير وفنون النعم، بحسب مشيئتهم ورغبتهم.وفي الحديث عند أحمد وابن ماجه والترمذيّ: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنّة، كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة واحدة».وزاد الترمذي:«كما اشتهى».﴿وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ﴾ أي: وعندنا زيادة على ما طلبوا، كقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)يونس(٢٦).وقد تقدّم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الروميّ: «أنها النظر إلى وجه الله الكريم».وأخرج البزّار في مسنده وابن أبي حاتم موقوفاً، عن أنس بن مالك في قوله تعالى:(ولدينا مزيد)، قال: «يظهر لهم الرب عز وجلّ في كل جمعة» ورواه الشافعي في مسنده، مرفوعاً.

50:36Page 520

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

٣٦ - ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم﴾ أي: وكثيراً أهلكنا قبل كفّار قريش وغيرهم ﴿مِّن قَرۡنٍ﴾ أي: من أمّة أو قوم أو جماعة مقترنين في زمن واحد، ﴿هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا﴾ أي: قوّة، أو: أخذاً شديداً في كلّ شيء، كعاد وثمود، وغيرهما. والبطش: السّطوة، أو: الأخذ بالعنف.﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ﴾ أي: طوّفوا فيها، وساروا في نقوبها، طلباً للهرب، أو للرزق والأمن، فلم يسلموا من الهلاك، لكفرهم. أو فتّشوا فيها. يقال: نقب في الأرض: ذهب، كأنقب ونقّب، وأصل النَّقْب: الخرق والدخول في الشيء، و منه: نقب الجدار، وجمعه: نقوب.﴿هَلۡ مِن مَّحِيصٍ﴾ أي: معدِل ومهرب من العذاب، أو الموت؟ أو: هل من مفرّ لهم من قضاء الله وقدره ؟ لا، فأنتم أيضاً -يا أهل مكة -لا مفرّ لكم ولا محيد! يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا: عدل وحاد.

50:37Page 520

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧

Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].

٣٧ - ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من إهلاك المكذّبين لرسلهم ﴿لَذِكۡرَىٰ﴾ أي: لعبرة وعظة ﴿ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ﴾ أي: عقل أو لبّ يعي به ﴿أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ﴾ أي: استمع الكلام، أو الوعظ، أو ما يتلى عليه من الوحي ﴿وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ أي: حاضر الفهم، أو القلب، غير غافل عنه. يقال: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد بقلب حاضر.

50:38Page 520

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨

And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.

٣٨ - ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ﴾ أي: خلقنا الأرض في يومين، ومنافعها وتقدير أقواتها في يومين، والسماء في يومين، ولو شاء الله لخلق الكلّ في أقلّ من لمح البصر، ولكنه تعالى من فضله، علّمنا التأنّي في الأمور كلّها (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)يس(٨٢).﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ﴾ أي: من تعب ونصب وإعياء. مصدر لغب – من باب: دخل - أي: أعيا.وهو ردّ على اليهود في قولهم: إن الله استراح يوم السّبت، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.والآية تقرير للبعث والمعاد، وأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى، بطريق الأوْلى والأحرى.

50:39Page 520

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩

So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,

٣٩ - ﴿فَٱصۡبِرۡ﴾ يا محـمـد ﴿عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: المكذّبون لك من قريش وغيرهم، من إنكار البعث والتوحيد والنبوّة. ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ﴾ أي: نزّهه تعالى عمّا لا يليق بكماله وجلاله، قائلاً: سبحان الله وبحمده. أو: صلّ له تعالى حامداً له، أي: متلبّسا بحمده.﴿قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ وهما وقتا الفجر والعصر، أو المراد: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.وفي الصحيحين: عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال:«أما إنكم ستعرضون على ربكم، فترونه، كما تروْن هذا القمر، لا تضامون فيه، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا ، ثم قرأ: (وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)». ورواه: أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском