Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الذاريات
Adh-Dhariyat
The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs
١ - ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾ قسم من الله تعالى بالرّياح التي تذرو وتفرّق التراب وغيره ذَرْواً، لقوّتها فتنقله من مكان إلى آخر، حتى يتطاير، وتنشر الأبخرة في الجوّ حتى تنعقد سحاباً. و«الذاريات»: من ذَرَت الريحُ التراب وأذرته تذروه ذرواً وتَذْرية وذَرْياً – من بابي: عَداَ ورَمَى -: إذا سَفَتْهُ وطيّرته. و« ذرواً »: مصدر مؤكد. وذرا: فرّق وبدّد ما رفعه عن مكانه.
٢ - ﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ﴾ أي: فالسّحب التي تحمل الأمطار ﴿وِقۡرٗا﴾ أي: حِمْلاً وثِقْلاً. مفعول به.والوِقر – بكسر الواو -: كالحِمْل وزناً ومعنىً.
٣ - ﴿فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ﴾ أي: فالسّفن التي تجري في البحار ﴿يُسۡرٗا﴾ أي: جرياً هيّناً سهلاً، ميسّرة إلى حيث سُيّرت. صفة مصدرٍ محذوف بتقدير مضاف.وقيل: هي السّحب – أيضاً - تجري بأثقالها من الماء جرياً سهلاً هيّناً إلى حيث يريد الله لها أن تُمطر.وقيل: هي النجوم تجري يُسراً في أفلاكها، فيُهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر.
٤ - ﴿فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا﴾ هي الملائكة التي تُقسّم الأمور المقدّرة بين الخلق على ما أُمرت به. و «أمراً » مفعول به.
٥ - ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ به من البعث والنّشور و قيام الساعة ﴿لَصَادِقٞ﴾ أي: لموعود صادق أو كائن لا محالة، وهو جواب القسم.
٦ - ﴿وَإِنَّ ٱلدِّينَ﴾ أي: الجزاء على الأعمال، بعد الحساب، من ثواب وعقاب ﴿لَوَٰقِعٞ﴾ أي: حاصل لا محالة، أو: كائن لا بدّ منه.والآيات: قسم من الله تعالى بمخلوقاته من الرياح، والسحاب، والسفن أو النجوم، والملائكة على أن ما وعدوا به من البعث صادق، وأن الجزاء يوم القيامة محقّق واقع.والمراد: أن من قدر على خلق هذه الأمور العجيبة، يقدر على إعادة ما أنشأه أوّلاً.
٧ - ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ﴾ قسم من الله تعالى بالسماء ذات الطرق التي تسير فيها الكواكب، وهي من بدائع الصّنع وعجائبه.جمع حبيكة، كطريقة وزناً ومعنىً. أو حباك، كمُثل ومثال.والحبيكة والحباك: الطريقة في الرّمل ونحوه، ويقال: حُبُك، لما يُرى في الماء أو الرّمل إذا مرّت به الريح الليّنة من التكسّر والتثنّي.أو: ذات الخلق السويّ الجيّد، من قولهم: حبك الثوب يَحْبِكه حَبْكاً: إذا أجاد نسجه، وكل شيء أحكمته وأحسنت عمله، فقد حبكته واحتبكته.وجواب القسم قوله تعالى:
٨ - ﴿إِنَّكُمۡ﴾ يا أهل مكّة في شأن النبي ﷺ أوفي شأن القرآن ﴿لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ﴾ أي: متخالف متناقض. أو: مضطرب غير متلائم، فتقولون في شأن النبي ﷺ تارة: مجنون، وأخرى: ساحر، أو كاهن أو شاعر.وفي شأن القرآن: سحر، أو شعر، أو كهانة.وفي أمر الله تعالى: تقولون: إنه خالق السماوات والأرض وتعبدون الأصنام من دونه أو معه. وفي أمر البعث والنشور: تنكرونه تارة، وتزعمون أخرى: أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله يوم القيامة.قال العلاّمة حسنين مخلوف: والنكتة في هذا القسم: تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي مناحيها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها.
51:9Page 521
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.
٩ - ﴿يُؤۡفَكُ عَنۡهُ﴾ أي: يُصرف عن القرآن، أو عن الإيمان به و بما جاء به محمد ﷺ ومنه: البعث والجزاء ﴿مَنۡ أُفِكَ﴾ أي: من صُرف عن الهداية في علم الله تعالى، الصرفَ الذي لا أشدّ منه ولا أعظم.أو: من صرفه الشيطان عن الهداية لسوء اختياره وطبعه.من الأَفْك: وهو صرف الشيء عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه.
١٠ - ﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ﴾ أي: لُعن وقُبِّح الكذّابون أصحاب القول المختلف، المرتابون في وعد الله ووعيده. أو: قاتلهم الله، كقوله:(قُتل الإنسان ما أكفره)عبس(١٧).والآية دعاء عليهم باللّعن أو بمقاتلة الله إيّاهم، وأُطلق على اللّعن قتل: لأن الملعون بمنزلة المقتول الهالك.و الخرّاصون: جمع خرّاص، وهو الكذّاب. يقال: خرص يخرُص خرْصًا، أي: كذب، كخَلَق واخْتَلَق.وأصل الخرْص: الظنّ والتخمين، ثم تُجوِّز به عن الكذب، لأنه ينشأ غالباً عن الظنّ.
51:11Page 521
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
Who are within a flood [of confusion] and heedless.
١١ -﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ﴾ أي: في جهالة غامرة تغمرهم، كالماء الذي يغمر ما فيه، أو: في لجّة من الكفر والشك والضلال ﴿سَاهُونَ﴾ أي: غافلون عن أمر الآخرة، لا هون عنه، وعمّا أمروا به.والغمْرة: ما ستر الشيء وغطّاه، ومنه: نهر غَمْر، أي: يغمر من دخله. والسّهو: الغفلة عن الشيء.
١٢ - ﴿يَسۡـَٔلُونَ﴾ سؤال تكذيب واستهزاء، وشكّ واستبعاد وإنكار: ﴿أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ﴾ أي: متى يوم الجزاء والحساب على الأعمال، أي: متى مجيئه ؟
51:13Page 521
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
[It is] the Day they will be tormented over the Fire
١٣ - ﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ أي: يُحرقون ويعذّبون فيها. والآية جواب لقولهم: (أيان يوم الدين)، أي: يقع يوم الدين والجزاء، يوم يُحرقون في النّار، ويعذّبون فيها.من قولهم: فَتَنْتُ الذّهب: أي: أذبته، ليُختبر ويظهر خبثُه، ثم استُعمل في الإحراق والتعذيب.وعُدّي الفعل ب «على» لتضمّنه معنى «يُعرضون». أو: «على» بمعنى «في».
51:14Page 521
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."
١٤ - ﴿ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ﴾ أي: يقال لهم ذلك يوم القيامة تقريعاً وتوبيخاً، أي: ذوقوا عذابكم ﴿هَٰذَا﴾ العذاب هو ﴿ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ حصوله في الدنيا، أي: تطلبون تعجيله استهزاء منكم وتكذيباً.
51:15Page 521
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥
Indeed, the righteous will be among gardens and springs,
١٥ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه في الدنيا ﴿فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ﴾ أي: يكونون يوم القيامة في بساتين وعيون تجري فيها، لا يبلغ وصفها الواصفون.
51:16Page 521
ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦
Accepting what their Lord has given them. Indeed, they were before that doers of good.
١٦ - ﴿ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ﴾ أي: قابلين ما أعطاهم من الخير والنعيم والثواب والكرامة راضين به.حال من قوله: (في جنّات وعيون)، أي: فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون، آخذين ما آتاهم ربهم من النّعيم والكرامة.وقيل: (آخذين ما آتاهم ربهم) أي: عاملين بأمره، مؤدّين لفرائضه التي افترضها عليهم.﴿إِنَّهُمۡ﴾ أي: لأنّهم ﴿كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ﴾ أي: في الدنيا ﴿مُحۡسِنِينَ﴾ في أعمالهم وعبادتهم طائعين، يراقبون الله في السّر والعلانية.
51:17Page 521
كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧
They used to sleep but little of the night,1
١٧ - ﴿كَانُواْ﴾ أي: في الدنيا ﴿قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ﴾ أي: ما ينامون، بل يصلّون أكثره وينامون أقلّه.و«ما»:إمّا نافية، تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، أي: لا ينامونه، بل يصلّون أكثر الليل، وينامون أقلّه.أو مصدريّة، وتقديره: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم. أي: كانوا ينامون من الليل زماناً قليلاً، ويقومون أكثره.والهجوع: النوم ليلاً، وقيّده بعضهم بالقليل – أي: بالنوم القليل ليلاً – وبابه: خضع.وفي الحديث عن عبد الله بن سلام أنه سمع النبي ﷺ لما قدم المدينة، يقول: «يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».رواه الترمذي.وروى أحمد في مسنده عن عبد الله ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة غُرفاً، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائماً والناس نيام».
51:18Page 521
وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨
And in the hours before dawn they would ask forgiveness,
١٨ - ﴿وَبِٱلۡأَسۡحَارِ﴾ و هي أواخر الليل ﴿هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ الله تعالى من ذنوبهم، فهم مع هذا الاجتهاد في العبادة وقيام اللّيل، يعدّون أنفسهم مذنبين، ويطلبون من الله المغفرة بالأسحار، لوفور علمهم بالله، وأنهم لا يَقْدُرون الله حقّ قدره مهما اجتهدوا في العبادة والطاعة. و الآية كقوله تعالى:(والمستغفرين بالأسحار)آل عمران(١٧).والأسحار: جمع سَحَر، وهو الجزء الأخير من الليل.وقيل: معناه: يصلّون بالأسحار لطلب المغفرة.وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، حتى يطلع الفجر».
51:19Page 521
وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩
And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.
١٩ - ﴿وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ﴾ أي: جـزء مـقسوم قــد أوجبوه على أنفسهم ﴿لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ تقرّبا إلى الله تعالى يصلون به الأرحام والفقراء والمساكين.والحقّ هنا: غير الزكاة المفروضة، إذ السورة مكّية، والزكاة إنما فُرضت بالمدينة.والسائل: هو من يسأل الناس لفاقته.وفي الحديث عند أحمد وأبي داود: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس».والمحروم: هو المتعفّف عن السؤال مع الحاجة، فيُحرم الصّدقة من الناس لظنّهم فيه الغنى.وفي الصحيحين: «ليس المسكين بالطوّاف الذي تردّه اللقمة واللّقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه». واختار ابن جرير: أن المحروم هو الذي لا مال له بأي سبب كان، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو هلك ماله بآفة، أو جائحة، أو نحوها.
51:20Page 521
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠
And on the earth are signs for the certain [in faith]
٢٠ - ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ﴾ أي: دلائل واضحات، وعلامات ظاهرات، وعبر وعظات على كمال قدرة الله تعالى ووحدانيّته ﴿لِّلۡمُوقِنِينَ﴾ بالله، الموحّدين له، الذين سلكوا الطريق السويّ الموصل إلى اليقين.وخُصّوا بالذكر: لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها، والتفكر والتدبّر والاعتبار.
٢١ - ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ﴾ آيات أيضاً تدلّ على كمال قدرة الله ووحدانيّته، أي: في نشأتها وأطوارها، وسائر أحوالها، من مبدأ الخلق إلى منتهاه.﴿أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ ذلك بعين البصيرة والتأمل والاعتبار، فتستدلّون به على الخالق الرازق المتفرّد بالألوهية؟.وقيل: المراد بالأنفس: الأرواح، أي: وفي نفوسكم التي بها حياتكم، آيات للمتبصّرين.
51:22Page 521
وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢
And in the heaven is your provision and whatever you are promised.
٢٢ - ﴿وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ﴾ أي: سبب رزقكم من الزروع والثمار، وهو المطر، فإنه سبب الأقوات، والسماء: السّحاب ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ به من المآب والثواب والعقاب، والبعث والخير والشرّ في الدنيا والآخرة، أي: والذي توعدون به مكتوب كذلك في السماء مدوّن في اللّوح المحفوظ.
51:23Page 521
فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣
Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.
٢٣ - ﴿فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ قسم من الله تعالى بنفسه الكريمة الذي خلقهما للاستدلال بهما على حقيقة ما أخبر عنه ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: ما توعدون به، من أمر القيامة والبعث والجزاء والرزق، أو: جميع ما ذُكر من أول السورة إلى هنا ﴿لَحَقّٞ﴾ ثابت لا مرية فيه، كائن لا محالة.﴿مِّثۡلَ﴾ – بفتـح اللام وضمّـها صـفـة، قراءتـان – ﴿مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ﴾ أي: كمثل نُطقكم المعلوم لكم ضرورة.أي: فكما أنكم لا تشكّون في نطقكم، فكذلك لا تشكّوا في وعد الله ووعيده.
51:24Page 521
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤
Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -
٢٤ - ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ﴾ يا محمد ﴿حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ﴾ وهم الملائكة الذين نزلوا عنده على صورة أضياف، وكان إرسالهم لإهلاك قوم لوط.قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام.والضّيف في الأصل: مصدر بمعنى: الميْل، ولذلك يطلق على الواحد والأكثر.
51:25Page 521
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥
When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."
٢٥ - ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ﴾ أي: على إبراهيم عليه السلام ﴿فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ﴾ أي: نسلّـم عـليـك سـلاماً ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿سَلَٰمٞ﴾ [و في قراءة (سِلْم)] أي: سلام عليكم، والرفع أقوى وأثبت من النصب لأن الجملة الاسمية دالّة على الثبوت والاستمرار، فردّه أفضل من تسليمهم وأكمل وأتمّ.﴿قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ﴾ أي: أنتم قوم غرباء، لا أعرفكم مِن قبل، فمن أنتم؟
51:26Page 521
فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦
Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.
٢٦ - ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ﴾ أي: عدل ومال إليهم في خفية من ضيوفه.يقال: راغ فلان إلى كذا: مال إليه لأمر يريده منه بالاحتيال، وراغ الثعلب رَوْغَاً ورَوَغاناً: ذهب يمنة ويسرة في سرعة وخديعة، فهو لا يستقر في جهة.﴿فَجَآءَ﴾ ضيفه ﴿بِعِجۡلٖ سَمِينٖ﴾ أي: من خيار ماله قد أنضجه شيّا، كما في سورة هود:(فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)هود(٦٩) أي: مشويّ على الرَّضْف – وهي الحجارة المحماة -.
51:27Page 521
فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧
And placed it near them; he said, "Will you not eat?"
٢٧ - ﴿فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ﴾ أي: أدناه منهم ووضعه بين أيديهم ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿أَلَا تَأۡكُلُونَ﴾ منه على سبيل العرض عليهم، والتلطّف لهم في العبارة، فلم يجيبوه.قال ابن كثير: وهذه الآية انتظمت آداب الضّيافة: فإنه أتى بطعام من حيث لا يشعرون، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل سمين، ثم قرّبه إليهم ووضعه بين أيديهم، ثم عرض عليهم الأكل على سبيل التلطّف ولم يأمرهم أمرا يشقّ على سامعه بصيغة الجزم.وفي الآيات: مشروعية الضيافة، وقد ذهب أحمد إلى وجوبها.
51:28Page 521
فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨
And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.
٢٨ - ﴿فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ ﴾ أي: أضمرها، أو: أحسّ و شعر منهم في نفسه خوفاً، حين رأى إعراضهم عن طعامه، كما قال تعالى:(فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة)هود(٧٠) لظنّه أنهم أرادوا به سوءاً.﴿قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ﴾ إنا رُسل ربّك، فأعلموه، أنهم ملائكة مرسلون إليه عن أمر الله تعالى.﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ أي: ذي علم كثير، وهو إسحاق عليه السلام.
51:29Page 521
فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩
And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"
٢٩ - ﴿فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ﴾ أي: في صيحة وضجّة، وصرخة ورنة، تعجّباً من هذه البشرى.من الصّرير: وهو الصّوت، ومنه صرير الباب، أي: صوته.﴿فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا﴾ أي: ضربته أو لطمته بيديها تعجباً، كما هي عادة النساء وفعلهنّ إذا تعجّبن من شيء. والصّكّ: الضرب الشديد بالشيء العريض.﴿وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ﴾ أي: كيف ألد وأنا عجوز عقيم عاقر. استبعدت ذلك لكبر سنّها ولكونها عقيماً لا تلد.
51:30Page 521
قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠
They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."
٣٠ - ﴿قَالُواْ كَذَٰلِكِ﴾ أي: مثل قولنا لك في البشارة ﴿قَالَ رَبُّكِۖ﴾ أي: قدّر ذلك وأمضاه، فلا تشكّي في ذلك ولا تعجبي منه. ﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى ﴿هُوَ ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بخلقه، الذي وسع كلّ شيء علماً.
51:31Page 522
۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١
[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"
٣١ - ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ أي: ما حالكم وأمركم أو شأنكم الخطير، الذي لأجله أُرسلتم سوى هذه البشرى؟
51:32Page 522
قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢
They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1
٣٢ - ﴿قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِين﴾ لمؤاخذتهم وهم قوم لوط عليه السلام.
٣٣ - ﴿لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ﴾ أي: لنرجمهم بها، على كفرهم وتكذيبهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.
51:34Page 522
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤
Marked in the presence of your Lord for the transgressors."
٣٤ - ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: معلّمة عند الله بعلامات تُعرف بها، قد أعدّها الله لرجم من قضى برجمه منهم. أو: مرسلة.﴿ لِلۡمُسۡرِفِينَ ﴾ في العصيان، المجاوزين الحد في الفجور، المتمادين في الضلالة.من السومة: وهي العلامة.
51:35Page 522
فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥
So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.
٣٥ - ﴿فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا﴾ أي: في قرى قوم لوط لمّا أردنا إهلاكها ﴿مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ من قومه، وهم: لوط وأهل بيته، إلاّ امرأته.
51:36Page 522
فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦
And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1
٣٦ - ﴿فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا﴾ أي: في قـرى قـوم لوط ﴿غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴾ وهم: لوط وأهل بيته، إلاّ امرأته.وُصفوا بالإيمان والإسلام، أي: هم مصدّقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات.
51:37Page 522
وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧
And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.
٣٧ -﴿وَتَرَكۡنَا فِيهَآ﴾ أي: في قرى قوم لوط بعد إهلاكها ﴿ءَايَةٗ﴾ أي: علامة ودلالة على إهلاكهم، أو عبرة وعظة ﴿لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ﴾ من المؤمنين، فلا يفعلون مثل فعلهم.
51:38Page 522
وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨
And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1
٣٨ - ﴿وَفِي مُوسَىٰٓ﴾ أي: وتـركـنا، أو: جـعلـنا فـي قصّة موسى وإهلاك عدّوه آية وحجّة. معطوف على «فيها».﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بحجّة ظاهرة واضحة وبرهان بيّن، وهي العصا واليد وما معهما من الآيات البيّنات.
51:39Page 522
فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩
But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."
٣٩ - ﴿فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ﴾ أي: أعرض فرعون عن الآيات، وأدبر عن الإيمان بموسى بجانبه، استكباراً وعناداً.فالركن: جانب البدن وعِطْفُه، وهو مِثْل: نأى بجانبه، وثنى عطفه.أو: أعرض عن الإيمان بجمعه وجنوده الذين كان يتقوّى بهم، فهم الرّكن، لأنه يركن إليهم ويتقوّى ويتعزّز بهم.أو: تولّى معرضاً بقوته وسلطانه. والركن هنا: العزّة و المنعة.﴿وَقَالَ﴾ فرعون في حقّ موسى: ﴿سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ﴾ أي: إمّا أن تكون ساحراً أو مجنوناً، فيما جئتنا به، وهو يعلم أنه صادق، كما قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّا)النمل(١٤).
51:40Page 522
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠
So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.
٤٠ - ﴿ فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ﴾ أي: طرحناهم وألقيناهم ﴿فِي ٱلۡيَمِّ﴾ أي: في البحر، فغرقوا جميعاً، ﴿وَهُوَ﴾ أي: فرعون ﴿مُلِيمٞ﴾ أي: آت بما يُلام عليه من الكفر والطغيان، مستحقّ للّوم حين ادّعى الربوبيّة، وكفر بالله، وطغى في عصيانه.من ألام: إذا أتى ما يُلام عليه؛ كأغرب: إذا أتى أمراً غريباً.
51:41Page 522
وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١
And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1
٤١ - ﴿وَفِي عَادٍ﴾ أي: وتركنا في قصّة عاد – قوم هود – وإهلاكهم آية ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ﴾ أي: الشديدة المهلكة لهم التي لا خير فيها، من إنشاء مطر، أو إلقاح شجر، وهي ريح الهلاك والعذاب، القاطعة لنسلهم. وُصفت بالعُقم: لأنها لمّا أهلكتهم وقطعت نسلهم، أشبهت الإهلاك بعدم الحمل، لما فيه من إذهاب النّسل.
51:42Page 522
مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢
It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.
٤٢ - ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ﴾ أي: لا تترك شيئاً مرّت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم.﴿إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ أي: كالهشيم البالي المفتّت.يقال: للنّبت إذا يبس وتفتّت: رميم وهشيم، ورمّ العظمُ: بَلِيَ. ويقال للبالي: رُمام، كغُراب.وقد ثبت في الصحيحين: «نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور» والدبور: هي الريح العقيم.
51:43Page 522
وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣
And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."
٤٣ - ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي: وتـركـنا فـي قـصة ثمـود – قوم صالح – آية وحجّة كذلك ﴿إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ﴾ بعد عقـرهم النـاقة: ﴿تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ﴾ أي: إلى وقت انقضاء آجالكم، أو: إلى وقت الهلاك، كما في سورة هود:(فعقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام)هود(٦٥).
51:44Page 522
فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤
But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.
٤٤ - ﴿فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ﴾ أي: استكبروا عن طاعة ربهم وعَلَوْا عن امتثال أمره. و العاتي: العاصي التارك لأمر الله.﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ﴾ [وفي قراءة (الصعقة)] أي: أهلكتم، وهي: كلّ عذاب مُهلك، أو: هي الصيحة العظيمة المهلكة، كما قال تعالى:(فأخذتهم صاعقة العذاب الهون)فصلت(١٧). ﴿وَهُمۡ يَنظُرُونَ﴾ أي: يرونها عياناً، أو: وهم ينتظرون ما وعدوا به من العذاب بعد الثلاثة الأيام. وذلك أنهم وُعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام، فأصبحوا في اليوم الرابع منتظرين له، كقوله:(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام)هود(٦٥).
51:45Page 522
فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥
And they were unable to arise, nor could they defend themselves.
٤٥ - ﴿فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ﴾ أي: من نهوض ولا هرب، حين نزل العذاب بهم، أو: من دفاعٍ له.﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ أي: ممتنعين من عذاب الله بغيرهم.
51:46Page 522
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦
And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.
٤٦ - ﴿وَقَوۡمَ نُوحٖ﴾ أي: وأهلكنا قوم نوح ﴿مِّن قَبۡلُۖ ﴾ أي: من قبل إهلاك هؤلاء المذكورين، فإن زمنهم متقدّم على زمن فرعون وعاد وثمود.[وفي قراءة: (وقومِ نوح) بالجرّ عطفاً على ثمود، أي: وفي إهلاك قوم نوح بالطوفان آية].﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله مخالفين أمره، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يُبق منهم أحداً.
51:47Page 522
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧
And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.
٤٧ - ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ﴾ أي: متلبّسة بقوّة وقدرة عظيمة.يقال: آد الرجل يئيد – من باب: باع -: اشتدّ وقوي.﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لقادرون، لا نعجز عن ذلك ولا عن غيره. من الوُسْع، بمعنى: الطاقة.يقال:أوسع الرجل، أي: صار ذا وُسْع، أو ذا سعة وقوّة، كأورق الشجرُ: أي: صار ذا ورق.ويحتمل أن المعنى: (لموسعون) لأرجائها وأنحائها، أي: قد وسّعناها توسيعاً كبيراً.أو: لموسعون على عبادنا بالرّزق والإحسان إليهم والإنعام عليهم.
51:48Page 522
وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨
And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.
٤٨ - ﴿وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا﴾ أي: مهّدناها كالفراش و بسطناها للاستقرار عليها ﴿فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ﴾ نحن، المسوّون المصلحون لها.يقال: مهّدت الفراش: إذا بسطته ووطّأته.
51:49Page 522
وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩
And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.
٤٩ - ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ﴾ أي: صنفين أو نوعين متقابلين مختلفين كالذكر والأنثى، واللّيل والنّهار، والنور والظلام، والهدى والضلال، إلى غير ذلك في جميع المخلوقات. ﴿لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ ذلك فتعتبرون وتعلمون أن خالق الأزواج واحد لا شريك له، فتُخلصون له العبادة والدّين.
51:50Page 522
فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠
So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.
٥٠ - ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: الجأوا إليه واعتمدوا عليه في أموركم. أو: اهربوا من عقابه إلى رحمته وثوابه، بالتوبة والإنابة، ومن معصيته إلى طاعته بالإيمان به واتباع أمره. أو: ارجعوا إلى الله فراراً مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً، إلى ما يحبّه، ظاهراً وباطناً، أي: فراراً من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر.﴿إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ أي: منذر بيّن الإنذار، أنذركم عقابه، وأخوّفكم عذابه.
51:51Page 522
وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١
And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.
٥١ - ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ ﴾ أي: لا تشركوا به شيئاً، فراراً من اتّخاذ آلهة غير الله، إلى الإخلاص له والرجاء والدعاء والإنابة.﴿إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن الإنذار. والآية تأكيد لما قبله من الإنذار، وإيجاب الفرار من عذاب الله وغضبه.
51:52Page 523
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢
Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."
٥٢ - ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: الأمر كذلك ﴿مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم﴾ أي: من قبل مشركي مكّة ﴿مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ﴾ أي: الأمم المكذبة قبلهم لرسلهم هو: ﴿سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ﴾. والمعنى: مثل تكذيب هؤلاء المشركين لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون، تكذيب الأمم قبلهم رُسلهم بقولهم ذلك، فأمْر أمّتك كأمر السابقين من الأمم.
51:53Page 523
أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣
Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.
٥٣ - ﴿أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ﴾ أي: أجمعهم على هذا التكذيب و القول الشنيع في الرّسل وصيّةُ بعضهم بعضاً به، حتى قالوه جميعاً، كأنما أوصى أوّلهم آخرهم به، وتواطأوا جميعاً عليه.استفهام بمعنى النفي، وفيه معنى التعجب.﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ﴾ أي: لم يتواصوا بذلك، بل الجامع لهم على هذا القول طغيانهم ومجاوزتهم الحدّ في الكفر، حيث تشابهت قلوبهم في الكفر والطغيان، فتشابهت أعمالهم وأقوالهم، كقوله:(كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم)البقرة(١١٨).
51:54Page 523
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤
So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.
٥٤ - ﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد، واتركهم حتى يأتي أمر الله فيهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ﴾ عند الله، لأنك قد أدّيت ما عليك، وبلغت رسالة ربّك،وأنذرت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences