Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:64–96
56:64Page 536
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
٦٤ - ﴿ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ﴾ أي: تُنبتونه وتنشئونه حتّى يشتدّ ويقوم على سوقه ويبلغ الغاية ﴿أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ أي: بل أنحن المنبتون له، المنشئونه زرعاً؟وأصل الحرث: تهيئة الأرض للزراعة وإلقاء البذر فيها. والمناسب هنا: حمله على البذْر الذي يُلقى.والزرع: الإنبات، يقال: زرعه الله، أي: أنبته.
56:65Page 536
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
٦٥ - ﴿لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: ذلك الزرع﴿حُطَٰمٗا﴾ أي: هشيماً متحطماً، متكسّراً متفتّتا لشدّة يُبْسه، لا نفع فيه، بعدما أنبتناه لكم﴿فَظَلۡتُمۡ﴾ أي: فصرتم بسبب ذلك ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أي: تتعجّبون من سوء حاله ومصيره، بعد خضرته ونضارته. أو: تندمون على ما تعبتم فيه،وأنفقتم عليه من غير طائل، أو: تحزنون على ما فاتكم وما أصابكم في زرعكم، وتقولون:
٦٦ - ﴿إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ﴾ أي: لمهلكون بهلاك أقواتنا ورزقنا! من الغرام، وهو الهلاك.أو: لمُلزمون غرامةً بنقص رزقنا، أو: لمُغْرمون نفقة رزقنا.من الغُرْم: وهو ذهاب المال بلا عوض.[و في قراءة: (أئنا لمغرَمون)].
٦٧ - ﴿بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ﴾ نفعه وخيره، أي: ممنوعون الرزق بالكليّة بهلاك زرعنا، أو: مجدودون، لاحظ لنا في رزقنا.وأصل التفكّه: التنقّل بصنوف الفاكهة، ثم استعير للتنقّل بالحديث، وهو هنا ما يكون بعد هلاك الزّرع، وكُنّي به في الآية عن التّعجب أو النّدم. وأصله: «تتفكّهون» حُذفت منه إحدى التاءين في الأصل.وقال الكسائي: تفكّه من الأضداد: تقول العرب: تفكّهت بمعنى: تنعّمت، وتفكّهت بمعنى: حزنت.وقوله: (فظلْتم): أصله: ظَلِلْتُم – بكسر اللام الأولى – وحُذفت تخفيفاً.
56:68Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
٦٨ - ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ﴾ أي: اخبروني! الماء الذي تشربونه فتسكنون به عطشكم.
56:69Page 536
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
٦٩ - ﴿ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ﴾ أي: من السّحاب، أو: أبيضه، جمع مُزنة. ﴿أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ﴾ أي: بل أنحن المنزلون له بقدرتنا وأمرنا؟
56:70Page 536
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
٧٠ - ﴿لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: ذلك الماء ﴿أُجَاجٗا﴾ أي: مِلْحاً زُعاقاً مُرّا، لا يصلح لشرب ولا لزرع، ﴿فَلَوۡلَا﴾ أي: فهلاّ ﴿تَشۡكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليكم من إنزال المطر عذباً فُراتاً، تشربون منه، وتنتفعون به.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ أنه كان إذا شرب الماء، قال: «الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا».
٧١ - ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ أي: أخبروني! النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرّطب أو تقدحون الزّناد لاستخراجها.
56:72Page 536
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
٧٢ - ﴿ ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ ﴾ أي: خلقتم شجرتها التي منها الزّناد، كالمرخ والعفار،واخترعتم أصلها؟﴿أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ﴾ أي: بل أنحن الخالقون لها بقدرتنا وأمرنا؟ كقوله: (الذي جعل من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون)يس(٨٠).والعرب تقدح بعودين - من شجرتين: إحداهما: المرخ، والأخرى: العفار - يحكّ أحدهما على الآخر، فيتناثر من بينهما شرر النّار، ويسمّون الأعلى: الزّند، والأسفل: الزّندة، تشبيها بالفحل والطروقة، فيوُري.يقال: ورى الزّند – كوَعَى ووَليَ – يَرِي وَرْياً: خرجت ناره، وأوراه غيره: استخرج نارَه. وجمعه زناد،كسهم وسهام.
56:73Page 536
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2
٧٣ - ﴿نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا﴾ أي: نار الدنيا ﴿تَذۡكِرَةٗ ﴾ للعباد بنعمة ربّهم عليهم، أو: تذكيراً وعبرة وعظة لنار جهنم الكبرى، ليعتبر بها الناس،ويحذروا ما أوعدوا به من عذاب الآخرة، إن أقاموا على الكفر والمعاصي.﴿وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ﴾ أي: بلاغاً ومنفعة للمسافرين في القواء – أي: القَفْر – أو المحتاجين إليها.من أقوى الرجل: إذا دخل القواء – بالمدّ والقصر -: وهو القفْر الخالي من العمران.وإطلاق المقوين على المسافرين، لأنهم كثيراً ما يسلكون القَفْراء والمفاوز، فتخصيصهم بالذكر، لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين، وخاصّة في البوادي ليلاً.قال السعدي في تفسيره: ولعلّ سبب الاختصاص بالمسافرين، أن الدنيا كلّها دار سفر، وأن العبد فيها مسافر إلى ربّه، فجعلها الله متاعاً للمسافرين في هذه الدّار، وتذكرة لهم بدار القرار.أو: منفعة للمحتاجين إليها على العموم، ينتفعون بها في سفرهم وإقامتهم وسائر شئونهم. كأنه تُصّور من حال الحاصل في القَفْر: الفَقْرُ، فقيل: أقوى فلان، أي: افتقر.كقولهم: أترب وأرمل، ثم أريد منه مطلق المحتاج إليها، بعلاقة اللّزوم.
٧٤ - ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ﴾ أي: وإذ قد علمت ما عُدّد من بدائع الصنعة، وجلائل النّعم، الموجبة للثناء عليه سبحانه وشكره وعبادته، فدُم على التسبيح بذكر اسم ربّك، أو بذكر ربّك العظيم، منزّها له تعالى عمّا يقول الجاحدون لوحدانيته وقدرته، الكافرون بنعمه مع كثرتها وعظمها.أو شاكراً له تعالى على تلك النّعم الجليلة.أو متعجّبا من غمط هؤلاء الكفّار لها مع جلالة قدرها، فإنه تعالى المستحقّ لأن يُشكر فلا يُكفر، ويذكر فلا يُنسى، ويطاع فلا يُعصى.وأقْبل على إنذارهم بالقرآن والاحتجاج عليهم به، حيث أقسم إنه لقرآن كريم،كما سيأتي.
٧٥ - ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [و في قراءة: على الإفراد (موقع النجوم)] أي: أقسم بها.ومواقع النجوم: مساقطها و مغاربها في السّماء، جمع موقع، من الوقوع، بمعنى: السقوط و الغروب، أو: منازلها.ولله تعالى أن يُقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته تعالى.قال أكثر المفسّرين: «لا» مزيدة للتأكيد، مثلها في ذلك، كما في قوله تعالى:(لئلا يعلم أهل الكتاب)الحديد(٢٩).وقيل: إن «لا» زيدت جرياً على سنن العرب من زيادتها قبل القسم، كما في قولهم: «لا وأبيك» كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه، فيفيد التأكيد.وقيل: هي للنّفي، أي: لا أقسم بها، إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أي: أنه لا يحتاج إلى قسم أصلاً، فضلاً عن هذا القسم العظيم.وقال آخرون: ليست «لا» زائدة، بل يؤتى بها في أوّل القسم، إذا كان مقسماً به على منفيّ، وتقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر وكهانة، بل هو قرآن كريم.
56:76Page 536
وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦
And indeed, it is an oath - if you could know - [most] great.
٧٦ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: القسم بمواقع النجوم ﴿لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ﴾ ما هو وما قدره﴿عَظِيمٌ﴾ أي: لو كنتم من ذوي العلم، لعلمتم عظم هذا القسم وقدره.وإنما عظّم المقسم به،وهو مواقع النجوم، لما في النجوم وجريانها، ومواقعها، ومنازلها، من الآيات الدالّة على كمال قدرته تعالى، وجلال كبريائه وعظمته.وجواب القسم:
٧٧ - ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: الوحي المتلوّ عليكم ﴿لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ﴾ أي: نفّاع، كثير الخير، جمّ الفوائد والمنافع، لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد. أو: رفيع القدر والشأن.
٧٨ - ﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ﴾ أي: مستور مصونٍ عن غير المقرّبين من الملائكة، وهو اللّوح المحفوظ. أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللّوح المحفوظ مصون محفوظ فيه مستور، معظّم عند الله، وعند ملائكته في الملأ الأعلى. وقيل: مصونٍ عن التبديل والتغيير، وهو المصحف، ويتضمّن ذلك الإخبار بالغيب، لأنه لم يكن إذ ذاك مصاحف.قلت: والقول الأوّل عندي أوْلى وأظهر، والله تعالى أعلم.
56:79Page 537
لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩
None touch it except the purified [i.e., the angels].
٧٩ - ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ﴾ أي: الكـتاب المـكـنون ﴿إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ أي: الملائكة المقرّبون، الذين طهّرهم الله من الآفات والذنوب والعيوب.قلت: وهو الأظهر و الأوْلى.أو: لا يطلّع عليه قبل نزوله إلاّ الملائكة المقرّبون: وكنّي عن ذلك بالمسّ للزومه له.وقيل: لا يمسّ القرآن – أي: المصحف - إلاّ المطهّرون من الأحداث والجنابة، وهو خبر بمعنى النّهي.واستدلوا لهذا: بما رواه مالك وأبو داود في «المراسيل» من كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم،وفيه: «ولا يمسّ القرآن إلاّ طاهر».قلت: و ليس هذا بمستقيم عندي، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إن المسلم - و في لفظ: المؤمن - لا ينجس». و عليه فيجوز مسّ المصحف للمحدث وغيره.واستدلّوا على أن المراد بالقرآن: المصحف: بما رواه مسلم في الصحيح عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ، مخافة أن يناله العدوّ». أو: لا يجد طعم القرآن وحلاوته ونفعه وبركته إلاّ المؤمنون به، الذين طهّروا أنفسهم من الشرك، والنّفاق، ورذائل الأخلاق، وهو ما ارتآه البخاريّ.قلت: وعوْد الضمير على الكتاب المكنون، وأنه لا يمسّه إلاّ الملائكة المقرّبون، أوْلى عندي وأظهر، لأن لفظ «المطهّرون» لا يصدق إلا على الملائكة، أما الإنس وغيرهم فهم متطهّرون، والله تعالى أعلم.
٨٠ - ﴿تَنزِيلٞ﴾ أي: أن هذا القرآن منزّل ﴿مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فليـس الأمر كما يزعمون من أنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا حقّ بعده.
56:81Page 537
أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ٨١
Then is it to this statement that you are indifferent
٨١ - ﴿أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ﴾ أي: أتُعرضون! فبهذا القرآن العظيم الذي ذكرت نعوته الجليلة ﴿أَنتُم مُّدۡهِنُونَ﴾ أي: متهاونون؟ كمن يُدهن في الأمر، أي: يُلين جانبه ولا يتصلّب فيه، تهاوناً به.والإدهان في الأصل: جعل الأديم ونحوه مدهوناً بشيء من الدّهن، ليلين، ثم صار حقيقة عرفيّة في المداراة والملاينة، ثم تُجوّز به هنا عن التهاون، لأن المتهاون في الأمر يُلين جانبه ولا يتصلّب فيه.أو: أنتم مكذّبون! إذ التكذيب من فروع التهاون.أو: منافقون، أو: ممالئون للكفّار على كفرهم بالركون إليهم ولين القول لهم.والمدهن: المنافق: يُلين جانبه، ليُخفي كفره، فهو شبيه بالدّهن في سهولة ظاهره.
56:82Page 537
وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢
And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?
٨٢ - ﴿وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ﴾ أي: شكر رزقكم إذا مُطرتم وسقيتُم وغير ذلك.﴿أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ﴾ بكونه من الله تعالى! فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.أو: أنكم تكذّبون بنعمة الله، فتضعون التكذيب موضع الشكر!أو: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن، التكذيب به. أو: تجعلون حظّكم من كتاب الله أنكم تكذّبون به!روى أحمد وابن أبي حاتم والترمذي - وقال: حسن غريب – عن عليّ قال، قال رسول الله ﷺ: «(وتجعلون رزقكم) يقول: شكركم (أنكم تكذّبون) تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا».
56:83Page 537
فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣
Then why, when it [i.e., the soul at death] reaches the throat
٨٣ - ﴿فَلَـوۡلَآ﴾ أي: فـهلاّ ﴿إِذَا بَلَغَـتِ﴾ الـرّوح ﴿ٱلۡحُلۡقُومَ﴾ أي: الحَلْق،وذلك وقت الاحتضار، كما قال تعالى:(كلا إذا بلغت التراقي)القيامة(٢٦).
٨٤ - ﴿وَأَنتُمۡ﴾ يا من حضرتم المحتضر ﴿حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ﴾ إليه، وما يكابده من سكرات الموت.
56:85Page 537
وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥
And We [i.e., Our angels] are nearer to him than you, but you do not see -
٨٥ - ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ﴾ بعلمنا وقدرتنا، أو: بملائكتنا ورسلنا الذين يتولّون قبض روحه.﴿وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ﴾ ذلك، أي: لا تبصرون ملائكة الموت ولا ترونهم.أو: ولكن لا تعلمون ذلك، من التبصرة بمعنى: العلم.
56:86Page 537
فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦
Then why do you not, if you are not to be recompensed,
٨٦ - ﴿فَلَوۡلَآ﴾ أي: فهلاّ ﴿إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: غير مربوبين ومملوكين لنا، ومقهورين بسلطاننا.أو: غير مجزيّين ولا محاسبين بأن تُبعثوا، أي: غير مبعوثين بزعمكم.
٨٧ - ﴿تَرۡجِعُونَهَآ﴾ أي: تردّون الروح إلى الجسد بعد أن بلغت الحلقوم.﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في زعمكم أنكم غير مدينين!والمعنى: أنكم إن كنتم غير مربوبين، أو غير مجزيين محاسبين، أو غير مبعوثين، كما تقتضيه أقوالكم وأعمالكم، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت الحلقوم، وتردّونها كما كانت بقدرتكم وسلطانكم !و «لولا» حرف تحضيض بمعنى: هلاّ، و«لولا» الثانية: تأكيد لها. و «إذا» ظرف لقوله: (ترجعونها) أي: تردّونها، وهو جواب الشرطين: (إن كنتم غير مدينين) و (إن كنتم صادقين).و(غير مدينين): أي: غير مربوبين لنا، من دان السلطانُ الرعيّة: إذا ساسهم وتعبدّهم.وجملة: (وأنتم حينئذ تنظرون) حال من فاعل (بلغت).وجملة: (ونحن أقرب إليه منكم) مستأنفة لتأكيد توبيخهم على صدور ما يدلّ على سوء اعتقادهم في ربّهم.والآيات: (٨٣ - ٨٧) توبيخ لهم على تكذيبهم الآيات الدالّة على أنهم تحت سلطانه وقهره سبحانه، من حيث ذواتُهم، وطعامهم، وشرابهم، وسائر أسباب معايشهم.
56:88Page 537
فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٨٨
And if he [i.e., the deceased] was of those brought near [to Allāh],
٨٨ - ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ﴾ أي: المحتضر أو المتوفَّى – والذي بُيّن حاله في الآيات السابقة - ﴿مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ أي: السابقين إلى الله، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبّات، وتركوا المحرّمات والمكروهات، وفضول المباحات.
56:89Page 537
فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ٨٩
Then [for him is] rest and bounty and a garden of pleasure.
٨٩ - ﴿فَرَوۡحٞ﴾ أي: فله رحمة، أو: فرح وسرور، أو: راحة، وطمأنينة، واستراحة﴿وَرَيۡحَانٞ﴾ أي: رزق حسن، أو: طيب رائحة عند قبض روحه، وفي قبره، وعند بعثه، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٖ﴾ أي: ذات تنعّم في آخرته.وقد تقدّم في حديث البراء: «أن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة، في الجسد الطيّب، اخرجي إلى روْح وريحان وربّ غير غضبان». وروى الإمام أحمد، عن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ، قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يَعْلَق – أي: يأكل - في شجر الجنّة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه». وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» الحديث.
56:90Page 537
وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩٠
And if he was of the companions of the right,
٩٠ - ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ﴾ المحتضر ﴿ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ﴾ وهم الذين أدّوا الواجبات، وتركوا المحرّمات، ولكن حصل منهم بعض التقصير في بعض الحقوق والواجبات.
56:91Page 537
فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩١
Then [the angels will say], "Peace for you; [you are] from the companions of the right."
٩١ - ﴿فَسَلَٰمٞ لَّكَ﴾ يا صاحب اليمين ﴿مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ﴾ أي: من إخوانك أصحاب اليمين. أي: تقول الملائكة للمتوفّى من أصحاب اليمين عند قبض روحه، وفي قبره، وفي الجنّة: سلام لك، يا صاحب اليمين من أصحاب اليمين.أو: تسلّم عليه الملائكة، وتقول له: سلام لك من الآفات والعذاب ومما تكره، لأنك من أصحاب اليمين الذين سلموا من الموبقات والبليّات.
56:92Page 537
وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢
But if he was of the deniers [who were] astray,
٩٢ - ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ﴾ المحتضر ﴿مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بالحقّ والبعث ﴿ٱلضَّآلِّينَ﴾ عن الهدى،وهم أصحاب الشمال المتقدّم ذكرهم.
٩٣ - ﴿فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ﴾ أي: فله نُزُل، أي: قِرىً وضيافةٌ وإكرامٌ من حميم، وهو الماء الذي قد تناهت حرارته، أو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود.
٩٤ - ﴿وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وإدخال له في النّار التي تغمره من جميع جهاته، أو: مقاساةٌ وإذاقةٌ لحرّها.يقال: أصلاه النار و صلاّه: إذا جعله فيها.والمعنى: له عذاب شديد في البرزخ، وإدخال في النار في الآخرة. والآية تهكم بهم و وعيد شديد لهم.روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، يبلغ به رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه، قال: فأكبّ القوم يبكون، قالوا: إنا نكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكنه إذا احتضر: (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم) فإذا بُشّر بذلك، أحبّ لقاء الله، والله للقائه أحبّ، (وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم و تصلية جحيم) فإذا بُشر بذلك، كره لقاء الله، والله للقائه أكره».
٩٥ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ أي: الذي قصصناه عليك يا محمد في هذه السّورة من أحوال الفرق الثلاثة وعواقبهم ﴿لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ أي: محض اليقين وخالصه، أو: الحقّ الثابت الذي لا شك فيه، ولا مرية.واليقين: هو العلم المتيقّن الذي لا شكّ فيه.
٩٦ - ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ﴾ أي: نزّهه تعالى عمّا لا يليق بشأنه وكماله وجلاله، قولاً وعملاً. روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، قال:« لما نزلت على رسول الله ﷺ: (فسبح باسم ربك العظيم) قال: اجعلوها في ركوعكم ، ولما نزلت : (سبح اسم ربك الأعلى)الأعلى(١) قال: اجعلوها في سجودكم».وفي الصحيح عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللّسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم».انتهى تفسير سورة الواقعة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences