Al-Jami' al-WajizAl‑An'am · 6:104–120

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:104–120

6:104Page 141

قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1

١٠٤ - ﴿قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ﴾ هي آيات القرآن، وبيّناته، ودلائله، وحججه، وبراهينه التي تبصرون بها الهدى من الضلالة، والتي اشتمل عليها القرآن، وجاء بها محمد ﷺ، هداية للنّاس إلى الحق. جمع بصيرة، و هي الدلالة التي توجب البصر بالشيء و العلم به . وهي للقلب بمنزلة البصر للعين، فهي النّور الذي يبصر به القلب، كما أنّ البصر هو النّور الذي تبصر به العين، وإطلاق البصائر على هذه الآيات من إطلاق اسم المسبَّب على السبب. ﴿فَمَنۡ أَبۡصَرَ﴾ تلك الآيات بقلبه، وعقلها عن ربه، فآمن بها، وعمل بمقتضاها.﴿فَلِنَفۡسِهِۦۖ﴾ أي: فنفع ذلك عائد لنفسه، لأن ثواب إبصاره له. ﴿وَمَنۡ عَمِيَ﴾ عنها، فلم يتعقّلها، ولا أذعن لها بقلبه وجوارحه، فضلَّ عن الحق ﴿فَعَلَيۡهَاۚ﴾ أي: فوبال إضلاله وضرره عائد على نفسه. ومثله قوله: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها)يونس(١٠٨) وقوله: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)الحج(٤٦). ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ﴾ أي: برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأحفظكم من الضلال، وإنما أنا منذر ورسول أبلغكم رسالات ربي، والله هو الذي يحصيها عليكم ويحفظها لكم، ويجازيكم بها.

6:105Page 141

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥

And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.

١٠٥ - ﴿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نكررها بأساليب مختلفة ونوردها على وجوه كثيرة متنوعة لتكمل الحجّة على المخالفين. والمعنى: وكما نوّعنا، وفصّلنا، وبيّنا الآيات الدالة على التوحيد في هذه السورة، تنويعاً رائعاً، وتفصيلاً بديعاً، وتبييناً مُحكماً، ننوِّع الآيات، ونفصّلها، ونبيّنها في كل موطن، في الوعد والوعيد، والوعظ والتنبيه، لتلزمهم الحجة ﴿وَلِيَقُولُواْ﴾ أي: المشركون، والكافرون، والمكذبون لآيات الله ورسله ﴿دَرَسۡتَ﴾ أي: قرأت يا محمد كتب الماضين على أهل الكتاب وتعلمت منهم، ثم جئتنا بهذا القرآن، تزعم أنّه من عند الله. يقال: درس الكتاب إذا أكثر قراءته و ذلَّله للحفظ. وأصله: من دَرَس الحنطة يدرسها دَرساً ودِراساً، إذا داسها، فكأن التّالي- أي: القارئ- يدوس الكلام، فيخفّ على لسانه. [وفي قراءة: (دارسْت) أي: قارأت أهل الكتاب، وذاكرتهم، فتعلمت منهم، من المدارسة بين الاثنين، أي: قرأت عليهم وقرءوا عليك]. وهذا كقوله: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً)الفرقان(٥). [وفي قراءة: (دَرَسَتْ):- بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء- أي: انمحت و تقادمت، أي: أنّ هذا الذي تتلوه علينا قد مرّ بنا قديماً وتطاولت مدّته]. و الكاف في قوله: (وكذلك) في موضع نصب صفة للمصدر المحذوف، والذي تقديره: نصرف الآيات تصريفاً، أي: ننوعها تنويعاً. والتصريف: التنويع، والتفصيل والتبيين. وقوله: (وليقولوا درست): جوابه محذوف، تقديره: نفعل ما نفعل من التصريف المذكور للآيات في كل موطن، لنلزمهم الحجة، وليقولوا درست. أو: (وكذلك نصرف الآيات) ونبيّنها ونفصّلها في الوعد والوعيد، ليعتبروا بها (وليقولوا) أي: المشركون والكفار في عاقبة أمرهم (درست) وقرأت علم أهل الكتاب، وتعلمت كتب الماضين الغابرين، فجئت بهذا القرآن منها. فقوله هنا: (وليقولوا درست) علّة لفعل محذوف، تعويلاً على دلالة السّياق عليه، أي: وليقولوا درست، نفعل ما نفعل من التصريف المذكور. ف«الواو»: اعتراضية، و«اللام»: للعاقبة والصّيرورة، أي: لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا: درست. وهو كقوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواّ وحَزناً)القصص(٨)، فهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً وحَزناً، وإنّما التقطوه ليصير لهم قرّة عين، ولكن صارت عاقبة أمرهم بالتقاطه إلى العداوة والحزن. وكذلك الآيات صُرّفت للتبيين وإلزام الحجة، ولم تصرّف ليقولوا: درست، ولكن صارت عاقبة أمرهم بتصريف الآيات وإلزام الحجة إلى قولهم: درست. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُۥ﴾ أي: القرآن ونوضّحه ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾الحقّ فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. كقوله: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً)البقرة(٢٦)،أي: بالقرآن ، وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً)الإسراء(٨٢)، وقوله: (قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمى)فصّلت(٤٤). و حاصل معنى الآية: ومثل هذا التنويع البديع في عرض الدلائل على وحدانيّتنا، نعرض آياتنا في القرآن منوّعة مفصّلة، لنقيم الحجة على الجاحدين المعاندين، فلا يجدوا الاختلاق والكذب، فيتّهموك بأنك تعلمت من النّاس، لا من الله، ولنبيّن ما أنزل إليك من الحقائق، من غير تأثّر بهوى، لقوم يدركون الحق، ويذعنون له.

6:106Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

١٠٦ - ﴿ٱتَّبِعۡ﴾ يا محمد ﴿مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ﴾ أي: القرآن، فاقتد به، واقتف أثره، واعمل بمقتضاه، فإنّ ما أوحي إليك من رّبك، هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنّه ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾ فلا معبود بحق في الوجود سواه ﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ فلا تعتد بأقوالهم الباطلة، ومن جملتها قولهم عناداً واستكباراً عن الحق: (وليقولوا درست)، ولا تبال بهم، بل اعف عنهم واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يأذن الله لك بقتالهم، ويفتح الله لك، وينصرك عليهم. وكان هذا قبل نزول آية القتال. وقيل: الإعراض: الهجران دون الإنذار، ودون ترك الموعظة.

6:107Page 141

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

١٠٧ - ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ إيمانهم ﴿مَآ أَشۡرَكُواْۗ﴾ أي: لو شاء الله لهداهم، ولكن تركهم لاستعدادهم واختيارهم، وهو أعلم بهم. فاعلم أنّ لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى النّاس جميعاً، ولو شاء لجمعهم على الهدى، فله المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يُسألون. وفي الآية: بيان أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله، إذ لو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه بفضله، ولكن علم منهم اختيار الشرك، فأشركوا بمشيئته وعدله، فالأمر بيده، فلا تحرص عليهم وعلى إيمانهم كل الحرص. ﴿وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ﴾ أي: رقيباً تُحصي عليهم أعمالهم، وتجازيهم بها. أو حافظاً تحفظ عليهم أقوالهم وأفعالهم. ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ﴾ أي: بموكل على أرزاقهم وتدبير أمورهم، وقيّم بما فيه نفعهم وصلاحهم، فتجبرهم على الإيمان، إن عليك إلا البلاغ، كقوله: (فذكر إنّما أنت مذكر ٢١ لست عليهم بمصيطر ٢٢)الغاشية(٢١-٢٢)، وقوله: (فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرّعد(٤٠).

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

١٠٨ -سبب نزول الآية:أخرج عبد الرزّاق في «مصنّفه»، عن قتادة السدوسيّ، قال: كان المسلمون يسبّون أصنام الكفار. فيسب الكفار الله، عَدْواً بغير علم، فأنزل الله الآية. ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: لا تسبّوا الأصنام والأنداد والأوثان، وآلهة المشركين التي يدعونها دعاء عبادة وسؤال من دون الله، وإن كان فيه مصلحة وتقرّب إلى الله، إلا أنّه يترتب عليه مفسدة أعظم منه، وهي: ﴿فَيَسُبُّواْ﴾ أي: المشركون المتخذون مع الله آلهة أخرى ﴿ٱللَّهَ عَدۡوَۢا﴾ أي: اعتداءً وظلماً، وتجاوزاً عن الحق إلى الباطل ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ﴾ أي: جهلاً منهم بالله، وبما يجب له تعالى من التقديس والتنزيه عن كل آفة وعيب، وسبّ وقدح، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والسبّ: الشتم الوجيع، وذكر المساوئ لمجرد التحقير والإهانة، والعَدو: الاعتداء والتّجاوز عن الحق إلى الباطل. [وفي قراءة: بضم العين والدّال وتشديد الواو: (عُدُوّاً)]. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما زيّنّا لهؤلاء القوم ما عليه من حبّ أصنامهم، والمحامـاة عنـها، والانتصـار لهـا في الباطـل ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية على الضلال، المقيمة على الباطل ﴿عَمَلَهُمۡ﴾ الذي كانوا فيه، فرأوه حسناً، فذبّوا عنه، وانتصروا له بكل وسيلة وسبيل. أو: (زينّا لكل أمة عملهم) من الخير والشّر، فأتوه. فللّه الحجّة البالغة، والحكمة التّامة فيما يشاؤه ويختاره. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ﴾ أي: معادهم، ومصيرهم، ومآلهم في الآخرة، بالبعث بعد الموت ﴿فَيُنَبِّئُهُم﴾ أي: يخبرهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا من خير وشر، فيجازيهم به. وفي الصّحيح: أنّ رسول الله ﷺ قال:«ملعون من سبّ والديه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسبّ الرّجل والديه؟ قال: يسبّ أبا الرّجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه، فيسبّ أمّه». فكيف بمن تسببّ إلى سبّ الله تعالى تقدّس وتنزّه؟ وكيف يكون حال من زُيّن له أن يسبّ ربه تبارك وتعالى، وتقدّس وتنزّه، انتصاراً لصنم أو طاغوت؟ نعوذ بالله من ذلك، ونبرأ إليه من كل خذلان. وفي الآية الكريمة: دليل على القاعدة الشرعية: «ترك المصلحة لمفسدة أعظم أو أرجح منها». فالوسائل تُعتبر بالأمور الموصلة إليها، فكل ما أفضى إلى الحرام-وإن كان جائزاً- فهو حرام، وكل ما أدى إلى المكروه، فهو مكروه، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب.فائدة أصوليةهذه الآية نصّ في القاعدة الأصولية الشرعية:«سدّ الذرائع»، وهو كل عقد أو فعل جائز في الظاهر، يؤول أو يفضي أو يُتوصل به إلى محظور. فالوسائل بمقاصدها، وما أدّى إلى شيء أخذ حكمه، وإن لم يكن هو كذلك، فما أدّى إلى الحرام- وإن كان فيه مصلحة أو جواز- فهو حرام، وما أدى إلى المكروه، فهو مكروه، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب. فالأكل في الأصل- مثلاً- مباح، ولحفظ الحياة واجب، وفوق الحاجة مكروه، وإن بلغ حدود الضرر، فهو حرام.

6:109Page 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.

١٠٩ - سبب نزول الآية:أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلّم رسول الله ﷺ قريشاً، فقالوا: يا محمد، تُخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، وأنّ عيسى كان يحي الموتى، وأنّ ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتّى نصدّقك، فقال رسول الله ﷺ:«أي شيء تحبّون أن آتيكم به؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، قال:«فإن فعلت تصدّقوني» قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنّك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل، فقال: إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذّبنّهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال:«بل يتوب تائبهم»، فأنزل الله الآية. قال ابن كثير: هذا مرسل، وله شواهد من وجوه أخرى. ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: مشركو مكة، وكانوا يعتقدون أنّ الله هو الإله الأعظم. ﴿جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، أي: حلفوا بالله أيماناً مؤكدة مغلظة، أبلغ ما في وسعهم وجهدهم وقدرتهم في تغليظ الحلف وتوكيده وتوثيقه ﴿لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ﴾ أي: معجزة مما اقترحوا، تدل على صدق محمد ﷺ. ﴿لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ﴾ أي: ليصدّقنّها. ﴿قُلۡ﴾ يا محمد- لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتاً وكفراً وعناداً لا على سبيل الهدى والرّشاد-: ﴿إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ﴾ أي: إنّما مرجع هذه الآيات التي تقترحونها عليّ إلى الله وحده، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء منعها عنكم، فمرجع الآيات كلّها إلى حكم الله خاصّة، يقضي فيها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فلا قدرة لأحد عليها، فكيف أتصدّى لاستدعاء إنزالها، وأمرها لله وحده؟ ﴿وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ﴾ [وفي قراءة: بسكون الرّاء: (وما يشعرْكم)] أي: وما يدريكم، أيها المؤمنون، الرّاغبون في إنزالها طمعاً في إسلامهم ﴿أَنَّهَآ﴾ [وفي قراءة: بكسر الهمزة:(إنها)] ﴿إِذَا جَآءَتۡ﴾ أي: الآيـات ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ لما سبق في علم الله أنّهم إذا جاءتهم لا يؤمنون، وأنتم - أيها المؤمنون-لا تعلمون ذلك، ولذا توقعتم إيمانهم، ورغبتم في نزولها طمعاً في ذلك. فالاستفهام هنا في قوله: (وما يشعركم) في معنى النّفي، وهو إخبار عن المؤمنين بعدم العلم، لا إنكار عليهم. وقيل: إن قوله: (أنّها) بمعنى: لعلها، أي: وما يدريكم حالهم عند مجيء الآيات، لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون، فما لكم تتمنّون مجيئها! [وفي قراءة: (لا تؤمنون)- بالتاء بدلا من الياء- خطاباً لمشركي مكة،أي: وما يدريكم أيها المشركون أنّ الآيات إذا جاءت لا تؤمنون بها]!

6:110Page 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

١١٠ - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ﴾ أي: ونحوّل قلوبهم عن الحق، فلا يفهمونه ولا يتّبعونه ﴿وَأَبۡصَٰرَهُمۡ﴾ عن الهدى، فلا يبصرونه، وعن الصراط المستقيم، فلا يسلكونه. أي: نحول بينهم و بين الإيمان بالآيات، فلا يؤمنون بها ولو جاءتهم كل آية. وهم المشركون الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم. ﴿كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ﴾ أي: بالقرآن ﴿أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ حين دعاهم محمد ﷺ للإيمان به. ﴿وَنَذَرُهُمۡ﴾ أي: نتركهم وندعهم ﴿فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ﴾ أي: في تجاوزهم الحدّ في العصيان. أو: في كفرهم وضلالهم ﴿يَعۡمَهُونَ﴾ أي: يعمون عن الرشد. أو: يترددون متحيّرين. وقيل: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) في نار جهنّم يوم القيامة (كما لم يؤمنوا به) أي: بالقرآن أو بما أنزل من الآيات (أوّل مرّة) وهم في الدنيا، فلو ردّوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الإيمان والهدى، كما حيل بينهم وبينه أوّل مرّة. (ونذرهم) في الدنيا (في طغيانهم) وكفرهم وضلالهم (يعمهون) أي: يترددون ويتحيّرون. وقيل: (ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم): عطف على (لا يؤمنون)- في الآية قبلها- أي: وما يشعركم أنّا نقلّب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه (كما لم يؤمنوا به) أي: بما جاء من الآيات (أوّل مرّة) أي: قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها (ونذرهم في طغيانهم يعمهون). أو: (و) ما يشعركم أن الآيات إذا جاءت أيضاً فإنّا (نقلّب أفئدتهم) عن الحق (وأبصارهم) عن الهدى، فلا يؤمنون بها (كما لم يؤمنوا به) أي: بالقرآن (أوّل مرّة) حين دعاهم الرسول ﷺ للإيمان به، (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) فلا يهتدون إلى الحق و الصواب .

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

١١١ - ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا﴾ أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها. وآتيناهم من الآيات ما اقترحوا ف ﴿نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ﴾ حتى رأوهم عياناً، تخبرهم بصدقك وصدق ما جئت به، وتشهد لك بالنّبوة والرّسالة، كما سألوا، فقالوا: (أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً)الإسراء(٩٢). وقالوا: (لولا أُنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا)الفرقان(٢١). ﴿وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ بعد إحيائنا لهم، يشهدون عياناً بصدقك، وصدق ما جاءت به الرسل من قبلك. ﴿وَحَشَرۡنَا﴾ أي: وجمعنا ﴿عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ مما سألوه من الآيات، حتّى يكلّمهم ﴿قُبُلٗا﴾ [وفي قراءة: بكسر القاف وفتح الباء: (قِبَلاً)] أي: مواجهة، ومقابلة ومعاينة ومشاهدة، فيشهدون لك بالنّبوة والرسالة، أو: كُفلاء وضُمناء بصدقك، وصدق ما جئت به من البِشارة والنّذارة. أو: جمعناهم فوجاً فوجاً، أو جماعةً جماعة، أو صنفاً صنفا، فشهدوا بصدق نبوّتك. ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ﴾ أي: ما استقام لهم الإيمان، لما سبق في علم الله من سوء استعدادهم، وفساد فطَرِهم ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ إيمانهم فيؤمنوا إيماناً اختيارياً، لا جبريا، فالهداية إليه، لا إليهم، يهدي ويضل من يشاء لعلمه وحكمته ، وفضله وعدله. فلا تكترث لعدم إيمانهم، فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وهذا كقوله سبحانه: (إنّ الذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ٩٧)يونس(٩٦-٩٧). ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ﴾ ذلك، فلا يلتجئون إلى الله تعالى، ملتمسين منه الهداية والتوفيق.أو: يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله ، لا بخوارق العادات .أو: و لكن أكثر المسلمين يجهلون نفوس الكفار و ما انطوت عليه، فيميلون إلى إنزال الآيات المقترحة عليهم ، لعلهم يؤمنون . والحشر: الجمع، وفعله: حَشر من باب قتل، أي: جمع. (وقُبُلاً)-بضمّتين-بمعنى :مواجهة، ومعاينة ومقابلة، تقول: لقيته قُبُلاً ومقابلة وقبيلاً ، أي: مواجهة. وفي قراءة: (قِبَلاً)- بكسر القاف وفتح الباء- وهي بمعنى قُبُلاً- بضمّتين- أي: مواجهة ومعاينة. وقيل: قُبُلاً: جمع قبيل، بمعنى: كفيل و ضمين، أو بمعنى: جماعة جماعة، أو فوجاً فوجا، أو صنفاً صنفا.

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

١١٢ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك، ويعادونك، ويردّون دعوتك ﴿جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ من قبلك ﴿عَدُوّٗا﴾ أي: أعداء من كفار قومهم، فلا يحزنك ذلك، ويبدل منه: ﴿شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ﴾ أي: مردة النّوعين. والشيطان: كل عات متمرد من الإنس والجنّ. ﴿يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ﴾ أي: يوسوس، أو: يُسرّ، أو: يُزيّن بعضهم إلى بعض، أو يلقي بعض شياطين الجنّ إلى بعض شياطين الإنس. ﴿زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ﴾ أي: باطله الذي زُيّن ومُوّه بالكذب ﴿غُرُورٗاۚ﴾ أي: خداعاً وأخذاً على غرّة ليغروهم، ويخدعوهم به ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ﴾ أي: معاداة الأنبياء أو الإيحاء المذكور، فكل ذلك بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته.﴿فَذَرۡهُمۡ﴾ أي: فدع الكفار، المنكرين نبوّتك، الجاحدين رسالتك، ﴿وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾ أي: يكذبون على الله، من الكفر وغيره، ممّا زيّن لهم أولياؤُهم، وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.و الإيحاء: الإعلام مع السرعة والخفاء، و المراد به هنا: ما توسوس به الشياطين من الجن و الإنس . وأصل الزخرف: الزّينة المزوّقة، ومنه قيل للذّهب: زُخرف، ولكل شيء حسن مُموّه: زُخرف. والغرور: الخداع، والأخذ على غِرّة. ونظير هذه الآية قوله: (وكذلك جعلنا لكل نّبي عدوّاً من المجرمين)الفرقان(٣١)، وقوله: (ولقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذبوا وأوُذوا حتى أتاهم نصرنا)الأنعام(٣٤). وفي الحديث عند البخاري في باب «بدء الوحي»: أنّ ورقة بن نوفل قال لرسول الله ﷺ:«إنّه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي». وفي الآية: بيان على وجود شياطين من الجنّ ، وهم: إبليس وذرّيته وجنوده، وشياطين من الإنس، وهم: أصحاب الضلال والفسوق والمعاصي من بني آدم، الذين يغرون النّاس ويخدعونهم ويصرفونهم عن طريق الحق، بالكلام المعسول، والقول المزخرف، كالكُهان، والسّحرة، ورؤساء الكفر. وفي الحديث، عند ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ:«يا أبا ذر تعوّذت من شياطين الجنّ والإنس؟ قال: يا رسول الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، (شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زُخرف القول غروراً)». فَيُعلّم بعضهم بعضاً طرق الغواية والضلال، ويُلقي بعضهم إلى بعض القول المزيّن المزخرف، ليُغروهم به، ويخدعوهم بباطله.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

١١٣ - ﴿وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ﴾ أي: ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل ﴿أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: قلوب الكافرين وعقولهم وأسماعهم. وقوله: (ولتَصغى) عطف على (غروراً) المنصوب على أنّه مفعول له. وأصل الصّغو: الميل. يقال: صَغى يَصغو و يصغى صَغواً، وَصَغِيَ يصغى صغاً وصُغياً: مال. وأصغى إليه: مال بسمعه، وأصغى الإناء: أماله. وصَغوهُ معك: أي: ميله وهواه معك. ﴿وَلِيَرۡضَوۡهُ﴾ لأنفسهم بعد الإصغاء إليه، والميل إلى ذلك الباطل المزخرف بالكذب ونحوه ﴿وَلِيَقۡتَرِفُواْ﴾ أي: وليكتسبوا ﴿مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ﴾ أي: مكتسبون من الآثام والذنوب والمعاصي، أو من الأعمال والأقوال الخبيثة، فيعاقبوا عليها. وأصل القَرْف والاقتراف: قشر اللحاء عن الشجر، والجلدة عن الجرح. واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا، ولكنه في الإساءة أكثر، فيُقال: قرفته بكذا: إذا عبته واتهمته. قال أبو حيّان: ترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة، لأنّه أولاً يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الاقتراف والكسب، فكل واحد مسبَّب عمّا قبله. ومن حكمته تعالى في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أعواناً وأنصاراً ودعاة، قائمين بالدّعوة إليه: أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميّز الصّادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمته أيضاً: أنّ في ذلك بياناً للحق وتوضيحاً له، فإنّ الحق يستنير ويتّضح، إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه، فحينئذ تتبيّن أدلة الحق وشواهده الدّالة على صدقه وحقيقته، وفساد الباطل وبطلانه.

6:114Page 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

١١٤ - ونزل لمّا طلبوا من النّبي ﷺ، أن يجعل بينه وبينهم حكماً فيما اختلفوا فيه، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين، منكراً عليهم ما طلبوه منه: ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا﴾؟ أي: أأطلب قاضياً بيني وبينكم، أحاكم إليه، وأتقيّد بأمره ونهيه، أعدل من الله؟ فالله هو الحكم العدل بيني وبينكم. ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنـزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰـبَ﴾ أي: القــرآن ﴿مُفَصَّلٗاۚ﴾ أي: مُبيَّناً فيه الحق من الباطل، موضحاً فيه الحلال والحرام، والأحكام الشرعية، وأصول الدين وفروعه، مستوفياً لكل قضية على التّمام والتفصيل. ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: الكتب السّابقة، من اليهود والنّصارى ﴿يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ﴾ أي: القرآن ﴿مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ﴾ والعدل والصّدق الذي لا شك فيه، بما عندهم من الدلائل والبشارات على ذلك في كتب الله المنزّلة عليهم، كالتوراة والإنجيل. [وفي قراءة: (مُنْزلٌ) بالتخفيف]. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِيـنَ﴾ أي: من الشّاكين في أنّ أهل الكتاب يعلمون أنّ القرآن منزل من عند ربك بالحقّ. والخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء والشّك، أو للرسول ﷺ، والمقصود أمّته. وهذا من باب التهييج والإلهاب. والمراد بذلك: التقرير للمشركين بأنّ القرآن حقّ. وهذا كقوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)يونس(٩٤). وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه. ولذا جاء عن رسول الله ﷺ أنّه قال:«لا أشك ولا أسأل».

6:115Page 142

وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

١١٥ - ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ﴾ [وفي قراءة: بالجمع:(كلمات)] ﴿رَبِّكَ﴾ أي: وكَمُلَ كلامه تعالى- وهو القرآن- كافياً وافياً في الإعجاز، وبلغ الغاية ﴿صِدۡقٗا﴾ في الإخبار والأخبار ﴿وَعَدۡلٗاۚ﴾ في الأوامر والنّواهي والأحكام. وقيل: (وتمّت كلمة ربّك) أي: تمّ وعده ووعيده، وكمل شرعه وحكمه ودينه (صدقاً) في الأخبار والمواعيد (وعدلاً) في الأوامر والأقضية والأحكام. فكل ما أخبر به ، فحقّ، وكل ما أمر به أو نهى عنه، فعدل وصدق ﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ﴾ أي: لا مُغيِّر لها بخُلْف في الأخبار، أو نقض في الأحكام، أو تحريف أو تبديل، وهذا ضمان من الله تعالى لكتابه بالحفظ، ولا مُعقِّب لحكمه في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بنيّاتهم وأعمالهم، الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والماضي والمستقبل، الذي يجازي كل عامل بعمله.

6:116Page 142

وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1

١١٦ - ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ من النّاس ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: عن دينه أو الطريق الموصل إلى دينه، فأكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وعلومهم وأعمالهم، فأديانهم فاسدة، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق، وأعمالهم تبع لأهوائهم. وهذا كقوله: (وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف(١٠٣)، وقوله: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)الصافات(٧١). والخطاب له ﷺ ولأمّته. وقيل: له، والمراد: أمّته. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ في شأن خالقهم وأمر دينهم، وإنّ الظن لا يغني من الحق شيئا. ﴿وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ أي: يكذبون فيما ينسبونه إلى الله. والمعنى: أنّ شأنهم الكذب، فهم مستمرون عليه، مع ما هم عليه من اتباع الظّن في شأن خالقهم وأمر دينهم، ومن ذلك تحريم الحلال، وتحليل الحرام.أو: إلا يحدسون و يخمّنون و يقدرون، فاعتقادهم مبني على الحدس والتخمين لا على الحجة و اليقين . والخرص: الحزر والتخمين والحدس والتقدير. والخارص: الذي يقطع بما لا يجوز القطع به ، إذ لا يقين معه. وأصل الخرص: القول بالظّن، يقال: خَرصت النّخل خرصاً- من باب قَتل- حزرت ثمره، وقدرته بالظن والحدس والتخمين. واستعمل في الكذب، لما يُداخله من الظنون الكاذبة، فيقال: خرص في قوله- كنصر- أي: كذب. وفي الآية: دلالة على أنّه لا يُستدل على الحق بكثرة أهله، وأنّ قلّة السالكين لأمر من الأمور لا يدل على كونه غير حقّ.

6:117Page 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

١١٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ﴾ أي: عالم ﴿مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ﴾ ودينه فييسِّره لسبل الغواية، ﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ فيُيسِّرهم لسبل الهداية، ويجازي كلاً بعمله، فكلّ مُيسَّر لما خُلق له.

6:118Page 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].

١١٨ - سبب نزول الآية: روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: أتى ناس إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله - يعني:الميتة - ؟ فأنزل الله الآية. ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ﴾ أي: ذُكر على ذبحه اسم الله خاصة، دون ما ذكر عليه اسم غيره، كالأوثان، أو اسم مع اسمه تعالى، أو ما ذُبح على النُّصب، أو مات حتف أنفه من غير تذكية شرعية. والخطاب في الآية للمسلمين. وقد نزلت رداً على المشركين من العرب، فيما رواه أبو داود والطبراني وابن ماجه عن ابن عباس: أنهم قالوا للمسلمين: تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله؟ - يعني: الميتة - ومفهوم الآية: أنه لا يُباح أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، لقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)الأنعام (١٢١). ﴿إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ﴾ وأحكامه من الأوامر والنـواهي ﴿مُؤۡمِنِينَ﴾ أي: مصدقين ومتبعين. فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله، فهو حلال، إن كان مما أباح الله أكله. وفي الآية: دلالة على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، ما لم يرد من الشارع نص بتحريم شيء منها، فما سكت الله عنه فهو عفو وحلال، لأن الحرام قد فصله الله وبيَّنه.

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

١١٩ - ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ﴾ أي : وما المانع لكم من أكل ما ذُبح على اسم الله تعالى،أو:ما سميتم عليه عند أكله، بعد أن أذن الله لكم بذلك ؟﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي : بيّن لكم ما حرمه عليكم من المطعومات بياناً مفصلا، يدفع الشك، ويزيل الشبهة، بقولة تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أُهِلَّ لغير الله به )الأنعام (١٤٥)، و قوله:(حرمت عليكم الميتتة و الدم و لحم الخنزير وما أهل لغير الله به...)المائدة(٣).أو بوحي غير متلوّ، وهي : ما بينته السُّنة و وضحته وفصلته. [وفي قراءة: (وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم) بالبناء للمفعول في الفعلين. وفي أخرى: (وقد فَصَّل لكم ما حُرِّم عليكم) بالبناء للفاعل في الأول وللمفعول في الثاني] .﴿إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ﴾ أي : إلا ما دعتكم الضرورة، وألجأتكم إليه، من جميع ما حرمه عليكم ، ففي حال الاضطرار وحدود الضرورة الملجئة يباح لكم أكل ما حرّم عليكم .والضرورة : هي الحالة الملجئة لتناول ما هو ممنوع شرعا،فهي عذر لصاحبها ، تسمح له بتعاطي المحرَّم، كالخمر والميتة، بما يدفعُها عنه . و الضرورات تبيح المحظورات، ولأن الضرورة ضررٌ ف «الضرر» يزال بمقدار الضرورة.﴿وَإِنَّ كَثِيـرٗا﴾ مـن الناس ﴿لَّيُضِلُّونَ﴾ غيرهــم ﴿بِأَهۡوَآئِهِم﴾ أي : بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وما ذكر عليه غير اسم الله، وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ﴾ ولا حجة ولا دليل يعتمدونه في ذلك التحليل والتحريم إلا اتباع الأهواء الفاسدة والآراء الضالة المضلة [وفي قراءة :بفتح الياء: (ليَضلون) أي : هم بأهوائهم واتباعها] (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ المتجاوزين الحلال إلى الحرام والحق إلى الباطل، بالهوى والرأي .

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

١٢٠ - ﴿وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ﴾ أي : اتركوا جميع المعاصي والآثام علانيتها وسرَّها ، ما كان منها ظاهرا كسيء الأقوال وأفعال الجوارح، وباطنا ، كأفعال القلب ، من العقائد الفاسدة والنوايا الخبيثة. والمراد بالإثم هنا :جميع المعاصي التي توقع العبد في الإثم والحرج، المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده، و هي كقوله:(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن)الأعراف(٣٣).﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ﴾ ظاهره وباطنه ، علانيته وسره ﴿سَيُجۡزَوۡنَ﴾ على حسب كسبهم وعلى قدر ذنوبهم ، قَلّت أو كثـرت في الدنيا أو في الآخرة.﴿بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ﴾ منه، أي: يكتسبون من الإثم. وفي الحديث: عند ابن أبي حاتم عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم، فقال:«الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском