Al-Jami' al-WajizAl‑An'am · 6:1–20

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الأنعام

Al-An'am

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

6:1Page 128

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

١ - ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ إعلام منه تعالى وإخبار عن حمده والثناء عليه، بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال، والتنزيه عن كل نقص وشين، والشكر بالجميل على فعله، والإيمان به، لكونه تعالى حقيق بالحمد والثناء، مستوجب لهما. والحمد: هو الوصف بصفات الجمال والكمال والجلال الثابتة لله سبحانه وتعالى، والمراد به: الإعلام بذلك للإيمان به، والثناء عليه. ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ على ما هما عليه من بديع الصنع والإحكام الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعظيم حكمته وجلال وحدانيته، وانفراده تعالى بالخلق والتدبير. وخصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين. والآية إخبار عن كمال قدرته الموجبة لاستحقاقه جميع المحامد. والخلق في اللغة: التقدير، أي: جعل الشيء بمقدار معين على حساب علمه تعالى. أو هو الإنشاء والإيجاد والإبداع. ﴿وَجَعَلَ﴾ أي: خلـق وأحـدث، أو: أنشـأ و أوجــد ﴿ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ﴾ وهذا شامل للحسي منها: كظلمات الليل، ونور النهار، منفعة للعباد، وآيات للمتفكرين، والمعنوي: كظلمات الكفر والشرك، والجهل والشك، والمعصية والغفلة، ونور الإيمان والعلم، واليقين، والطاعة. فجمع لفظ «الظلمات» لكثرة أسبابها وتنوع طرقها، و وحَّد لفظ «النور» لكون الطريق الموصلة إليه واحدة، لا تعدد فيها وهي طريق العلم بالحق، وهذا كقوله: (عن اليمين والشمائل)النحل(٤٨)، وقوله: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)الأنعام(١٥٣).و الجعل: إيجاد شيء له تعلق بشيء آخر، أو هو الإنشاء و الإبداع، كالخلق ، غير أن الخلق مختص بالإنشاء التكويني ، و فيه معنى التقدير و الإبداع ، و الجعل عام للإنشاء ، و قد يكون الجعل: التشريع و التقنين، كما في قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام) المائدة(٩٧) .وفي الآية دليل على وحدانيته، واستحقاقه تعالى للعبادة وإخلاص الدين له. ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مع قيام هذه الدلائل الظاهرة على وحدانيته، وكمال قدرته، وعظيم حكمته، وجلال تدبيره ﴿بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾ به سواه، أي: يجعلون له عدلاً مساوياً وشريكاً منافساً يسوون به غيره في العبادة والتعظيم مما لا يقدر على شيء من ذلك. فيكفرون به، ويجحدون نعمه، فأي شيء أعجب من ذلك وأبعد عن الحق والصواب! من العدل بمعنى: التسوية،يقال:عدلت هذا بهذا، إذا سويته أو ساويته به. وقوله: (بربهم) متعلق بقوله: (يعدلون). أو: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) أي: يميلون عنه، وينصرفون إلى غيره من خلقه، فيعبدون ما لا يستحق العبادة، من العدول بمعنى: الميل والانصراف، وقوله: (بربهم) متعلق بقوله: (كفروا).

6:2Page 128

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢

It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.

٢ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ﴾ أي: ابتـدأ خلقكم من المادة الطينية، بجعل أصلكم منها، أي: بخلق أبيكم آدم منها وبنيه من سلالته. و في الحديث عن أبي موسى الأشعري، عند أبي داود و الترمذي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر و الأبيض و الأسود و بين ذلك، والسهل و الحزن والخبيث والطيب» .﴿ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ﴾ لكـم، أي: كتب وقدر لكم حداً معيناً من الزمان للموت، تُبتلوْن فيه وتُمتحنون، ثم تموتون عند انتهائه. ﴿وَأَجَلٞ﴾ آخر ﴿مُّسَمًّى﴾ أي: معيَّن ومقدر للبعث والحساب والجزاء ﴿عِندَهُۥۖ﴾ تعالى، مستأثر بعلمه لا يعلم وقت حلوله سواه، وهو يوم البعث للحساب والجزاء. والأجل: المدة المضروبة للشيء. وقيل: الأجل الأول: ما بين خلق الإنسان إلى موته، والأجل الثاني: ما بين موته إلى مبعثه، وهو البرزخ. وقيل: الأجل الأول: هو تقدير الأجل العام: وهو عمر الدنيا بكمالها إلى حين انتهائها وانقضائها، وزوالها وانتقالها إلى الدار الآخرة، والأجل الثاني: هو تقدير الأجل الخاص: وهو عمر كل إنسان إلى حين موته. وقوله: (عنده) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: (إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)الأعراف(١٨٧). ﴿ثُمَّ أَنتُمۡ﴾ أيها الكفار ، مع هذا البيان التام، والحجة القاطعة ﴿تَمۡتَرُونَ﴾ أي: تشكـون في البعـث وأمر الساعة،أو : في وعد الله ووعيده ووقوع الجزاء يوم القيامة، أو تجادلون فيه، أو تجحدونه، مع قيام الدلائل الظاهرة على القدرة على ذلك كله. فمن قدر على الابتداء وإحياء ما لم يكن قبل ذلك، فهو قادر على إعادتها، إن شاء (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧). وقوله: (تمترون) من المِرية: وهي الشك والتردد في الأمر، وأصلها: من مَرَى الناقة يمريها: إذا مسح ضرعها للدر، واستعملت في الشك، لأنه سبب لاستخراج العلم، الذي هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم، أو: من المراء، بمعنى: المجادلة، أو: من مَرَى حقه، إذا جحده إياه.

6:3Page 128

وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣

And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

٣ - ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ﴾ المعبود بحق، المستحق للعبادة، والألوهية، والوحدانية ﴿فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ﴾أي: و هو الإله، المالك، المدبر المتصرف في السماوات و في الأرض، يعبده ويوحده ويقر له بالألوهية والعبودية والوحدانية كل من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، ويدعونه رغباً ورهباً، فقوله: (في السموات وفي الأرض) متعلق بلفظ الجلالة، باعتبار المعنى الوصفي الذي تضمنه. وهذا كقوله: (وهو الذي في السماء إلٰه وفي الأرض إلٰه)الزخرف(٨٤) أي: هو إلٰه من في السماء، و إلٰه من في الأرض. ﴿يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ﴾ أي: أعمال قلوبكم، وأعمال جوارحكم، من النوايا والأقوال والأعمال. وجملة: (يعلم سركم وجهركم) خبر أو حال. وقيل: المعنى: وهو الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر، فيكون قوله: (يعلم) متعلقاً بقوله: (في السماوات وفي الأرض) وتقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، فلا تخفى عليه خافية ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ﴾ أي: تعملون من خير وشر، فيجازيكم به. أو يعلم ما تستحقون على كسبكم وعملكم من ثواب أو عقاب. وقيل: المراد: يعلم ما تسرونه وما تجهرون به من أقوالكم وأعمالكم، وما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر من أعمالكم التي تكتسبونها بقلوبكم وجوارحكم، سراً وعلناً. واختار ابن جرير: أن الآية (وهو الله في السموات): وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: (وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) من جميع أعمالكم خيرها وشرها. فائدةوقد حمل الجهْمية المبتدعة ( أتباع الجهم بن صفوان) هذه الآية بقولهم: إن الله كائن في كل مكان- تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - بل هو في السماء مستوٍ على عرشه، استواء يليق بعظمته ، بائن من خلقه، جل جلاله، وتقدست أسماؤه وصفاته.

6:4Page 128

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

٤ - ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ الدالة على وحدانية الله وقدرته، وكمال ألوهيته على سائر خلقه، وإحاطة علمه بجميع أحوالهم، والدالة على صدق رسله، وصدق ما جاءوا به من الحق، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله، والآيات الدالة على يوم البعث وما فيه من حساب وجزاء وثواب وعقاب. ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ﴾ أي: صادين عنها تكذيباً واستهزاء.والإعراض: التولي عن الشيء، فلا يلقون لها بالاً، ولا يصغون لها سمعاً، ولا ينظرون إليها نظر تفكر واعتبار.

6:5Page 128

فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1

٥ - ﴿فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمد ﷺ ﴿لَمَّا جَآءَهُمۡ﴾ من عند الله. والفاء في قوله:«فقد» لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إذ التكذيب مرتب على الإعراض، والتولي عن سماع الحق، وقبوله، والاعتناء به، والحق أحق أن يتبع، فقابلوه بضده، ولذا توعدهم الله على سوء صنيعهم بقوله: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ﴾ أي: أخبار ﴿مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾أي: سيصيبهم الوعيد على ما هم فيه من الإعراض والتكذيب والسخرية والاستهزاء، كما أصاب من قبلهم من المكذبين لرسلهم من النكال الدنيوي، والعذاب الأخروي. وهذا وعيد من الله لهم بالعذاب والنكال في الدنيا والآخرة.

6:6Page 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

٦ - ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي: ألم يبصروا، أو: ألم يعرفوا ويعلموا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار؟ ﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا﴾ أي: كثيراً أهلكنا ﴿مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ﴾ أي: من أمة من الأمم الماضية الموجودة في عصر بعد عصر، كقوم نوح وعاد وثمود، فعلت مثل ما فعلوا، من تكذيب رسلهم وأنبيائهم، فأمهلناهم قبل ذلك الإهـلاك بأن ﴿مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: أعطينـاهم فيها من القوة والسعة، والبسطة في الأجسام والأموال، وكثرة الأولاد، وطول الأعمار، وقوة الأبدان، وعظم الجاه والسلطان. ﴿مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ﴾ أي: ما لم نعطكم فيها، والمعنى: إنا أعطينا القرون من قبلكم من الدنيا والتمكين في الأرض ما لم نعطكم منها، ومع ذلك أهلكناهم لما كذبوا الرسل، فإهلاككم - وأنتم دونهم - أهون علينا، إن فعلتم مثل ما فعلوا. والخطاب لأهل مكة ولكل من يصلح له الخطاب من الأمم المكذبة لرسلها. و«كم»: خبرية بمعنى: كثيراً، و«القرن»: مدة معينة من الزمان، وهو حقيقة في ذلك وفي أهله، والمراد هنا: أهله، ولا حاجة إلى تقدير مضاف، أي:«كم أهلكنا من قبلهم من أهل قرن». وقيل:«القرن»: حقيقة في الأول، أي: في المدة المعينة من الزمان، واستعماله في الأهل مجاز بالحذف. وأصله: من الاقتران، بمعنى: الاجتماع. وقوله:«مكناهم»: من التمكين، وهو إعطاء المَكِنة - بفتح الميم وكسر الكاف - أي: القوة والشدة. يقال مكنته ومكنت له - كنصحته ونصحت له - إذا أعطيته القوة والمنعة. ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ﴾ أي: المطر النازل من السحاب ﴿عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا﴾ أي: غزيراً متتابعاً كثير الصب، في أوقات الحاجة، رحمة منا وإنعاماً وتفضلاً عليهم، فعاشوا في خصب وسعة. يقال: درت السماء بالمطر تدِر وتدُر -بكسر الدال وضمها- دراً ودروراً، فهي مدرارٌ ، أي: صبته صباً، وأصله: من الدر: أي: سيلان اللبن وكثرته، ثم استعير للمطر الغزير. ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ﴾ وينابيع الأرض ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ﴾ أي: من تحت أشجارهم ومنازلهم ومساكنهم تُنبت لهم - بأمر الله - ما شاء من زروع وثمار، استدراجاً لهم وإملاءً. ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ﴾أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، بسبب كفرهم نعم الله وتكذيبهم أنبياءه ورسله. ﴿وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: ابتدأنا وأحدثنا من بعدهم جيلاً آخر لنختبرهم مثل من سبقهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون - من أهل مكة وغيرها - أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فهم مع ذلك التمكين في الأرض، أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم، فهلا اعتبرتم بهم وبأخبار من مضى قبلهم!

6:7Page 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

٧ - ونزل في النّضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، لمّا قالوا: لن نؤمن لك، حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه، أنه من عند الله، وأنك رسوله: ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا﴾ مكتوباً من عندنا ﴿فِي قِرۡطَاسٖ﴾ أي: في رَقّ أو صحيفة، كما اقترحوا. والقرطاس-بضم القاف، وكسرها، والكسر أشهر: ما يكتب فيه، من رق أو صحيفة. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ﴾أي: عاينوه، و تيقّنوه، ورأوا نُزوله، وباشروا معاينته باللمس والمس بأيديهم، حتى يجتمع لهم الإدراك بحاسّة البصر وحاسّة اللّمس، وقوله: «فلمسوه» أبلغ من عاينوه، لأن اللّمس أنفى للشك من المعاينة. ﴿لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ ﴾ منهم ظلماً وعدواناً، وتعنّتاً وعناداً: ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾أي: ما هذا المنزل من الله إلا سحر بيّن ظاهر، إمعاناً منهم في الجحود والعناد، لكونهم لم يؤمنوا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئي والمحسوس، فكيف يكون فيما هو مجرّد وحي إلى رسول الله ﷺ بواسطة مَلَك لا يرونه ولا يحسّونه. وهذا كقوله تعالى مخبراً عن مكابرتهم للمحسوسات: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ١٤ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ١٥) الحجر(١٤-١٥)، وكقوله: (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم)الطور(٤٤).

6:8Page 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.

٨ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أيضاً تعنتاً وعناداً- مبنياً على الجهل، وعدم العلم بالمعقول- والمراد: كفّار مكة ﴿لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ﴾ أي: هلا أُنزل على محمد مَلك نشاهده معه، ويصدّقه، ويخبرنا أنّه نبي مرسل من عند ربّه، فيكون معه نذيراً حتى نؤمن به ونتبعه؟ قال تعالى- في بيان رحمته ولطفه بعباده، حيث أرسل إليهم بشراً رسولاً-: ﴿وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا﴾ عليه كما اقترحوا، وعلى الصفة التي أرادوها وطلبوها من مشاهدته ومخاطبته ﴿لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾ بهلاكهم، وتعجيل عذابهم، إذا لم يؤمنوا، عند نزوله، ومشاهدتهم له. ﴿ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يُمهلون، لتوبة أو معذرة- بعد نزوله، ومشاهدتهم له، وعدم إيمانهم به- طرفة عين، وهذا كعادة الله فيمن قبلهم، من إهلاكهم عند وجود مُقترحهم، إذا لم يؤمنوا. من النّظر: يقال: نظرته وأنظرته، أي: أخرته. وقيل: و لو أنزلنا عليه ملكاً في صورته الحقيقية، وشاهدوه بأعينهم، لقضي الأمر بإزهاق أرواحهم من هول ما يشاهدون، لعدم احتمالهم ذلك وعدم استطاعتهم التلقّي عنه، ثم لا يُمهلون طرفة عين بعد إنزاله ومشاهدتهم له، ليؤمنوا.

6:9Page 129

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].

٩ - ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: النّذير الذي اقترحوا إنزاله على الرسول لمشاهدتـه ومخاطبته ﴿مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: الملـك ﴿رَجُلٗا﴾ على صورتـه، أي: لمثّلنا الملك رجلاً على صورة البشر، ليتمكنوا من معاينته ورؤيته ومخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، إذ لا قدرة للبشر على معاينة المَلك ورؤيته على صورته الأصلية التي خُلق عليها- وهذا على القول الثاني- على فرض عدم الهلاك برؤيته. ﴿وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ﴾أي: ولو أنزلناه وجعلناه رجلاً، لخلطنا وأشكلنا أو لشبّهنا عليهم- بتمثيله رجلاً- ما يخلطون ويشبهون هم على أنفسهم، بأن يقولوا له: إنما أنت بشر مثلنا ولست بمَلك، لأنهم إذا رأوه بشراً مثلهم قالوا: هذا بشر، وليس ملكاً، كما اقترحنا، فعاد أمرهم إلى اللبس والخلط وردّ الرّسالة وعدم بيان الحق بسبب ما لبّسوه على أنفسهم من اقتراحهم على الله إرسال رسول ملكي إلى البشر. وهذا كقوله سبحانه: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزّلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً)الإسراء( ٩٥)، فمن رحمة الله بخلقه أن أرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم لينتفعوا ببعضهم في المخاطبة والسؤال، كما قال سبحانه و تعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته) آل عمران(١٦٤). وقوله: (وللبسنا): من اللّبس، وهو الخلط، وأصله الستر بالثوب، ومنه اللّباس. ويستعمل في المعاني فيقال: لَبَس الحق بالباطل يلْبِسه، إذا ستره به، ولبست عليه الأمر: خلطت عليه، وجعلته مشتبهاً حتى لا يعرف جهته.

6:10Page 129

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

١٠ - ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ لما جاءوا أممهم بالبينات من ربهم، فكذبوهم، وسخروا منهم، واستهزأوا بهم وبما جاءوا به. والاستهزاء: السخرية والاستخفاف والاحتقار. ﴿فَحَاقَ﴾ أي: فنزل، أو: أحاط ﴿بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم﴾ أي: من الرسل ﴿مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾وهو العذاب. أي: أحاط، بالذين سخروا من الرسل واستهزأوا بهم، العذاب الذي كانوا يستهزءون به ويسخرون منه حين يخوفهم الرسل إياه. يقال: حاق به الأمر، يحيق حيقاً وحيوقاً، أي: أحاط به، كأحاق. والحَيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله. والسخرية: الاستهزاء والتهكم. والآية: تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، واستهزأ بما جاء به، ووعد له وللمؤمنين بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، ووعيد وتهديد لمن كذبه وسخر منه ومن دعوته.

6:11Page 129

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

١١ - ﴿قُلۡ﴾ لهـم : ﴿سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ سير نظـر واعتبار ﴿ثُمَّ ٱنظُرُواْ﴾ بعين البصيرة والتأمل والتفكر، أو بعين العقل والحكمة ﴿كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لرسلهم المعاندين لهم، أي: كيف كانت آخرتهم، ونهايتهم، من هلاكهم بالعذاب، وما حل بهم من أليم العقاب، في الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب في الآخرة، وكيف نجى الله رسله وعباده المؤمنين. والعاقبة: مصدر، كالعافية، وهي منتهى الشيء وما يصير، أو يؤول إليه.

6:12Page 129

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

١٢ - ﴿قُل﴾ لهؤلاء المعاندين المكذبين، من الكفار والمشركين، مقرراً وملزماً لهم بالتوحيد، أو بإقامة الحجة عليهم: ﴿لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ خلقاً وملكاً أي: من الخالق لذلك، المالك له، المتصرف فيه، المدبر لأمره؟ ﴿قُل﴾ لهم: هي ﴿لِّلَّهِۚ﴾ إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، فإن اعترفوا لله بالملك والتدبير، فكيف لا يعترفون له بالإخلاص في العبادة والتوحيد. ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ أي: قضى وأوجب على نفسه المقدسة، الرحمة لعباده، تفضلاً منه وإحساناً، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، حين يستوجبونها ويستحقونها، بل يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن رحمته بهم: إرسال الرسل وإنزال الكتب، ونصب الأدلة والحجج القاطعة على وحدانيته وألوهيته وربوبيته لجميع خلقه. وفيه تلطف منه تعالى في دعائهم إلى الإيمان. وفيه إثبات النفس لذاته المقدسة سبحانه وتعالى، على المعنى اللائق بجلاله و كماله. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«إن الله لما خلق الخلق - وفي رواية:لما قضى الله الخلق - كتب كتاباً، فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي - وفي رواية: إن رحمتي تغلب غضبي» . وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«لما خلق الله الخلق، كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي». فرحمته تعالى في الدنيا عامة لجميع الخلق بلا استثناء، فهو خالقهم ورازقهم، ومدبر أمورهم، أما في الآخرة، فإن رحمة الله لا تكون إلا للمؤمنين الموحدين، فهي نائلة-إن شاء الله -من مات لا يشرك بالله شيئاً. وأخرج مسلم وأحمد والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن سلمان الفارسي، عن النبي ﷺ قال:«خلق الله يوم خلق السموات والأرض، مائة رحمة، منها رحمة يتراحم بها الخلق، وتسع وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» أي: فتعود مائة رحمة يرحم الله بها عباده المؤمنين الموحدين يوم القيامة. ﴿لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ للحساب والجزاء، فلا يغرنكم هذا الإمهال في الدنيا. ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ أي: لا شك في وقوعه ومجيئه. واللام في قوله:«ليجمعنكم» هي الموطئة للقسم، أي: والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده إلى ميقات يوم معلوم، هو يوم الحساب والجزاء. والله أصدق المخبرين والقائلين. وقيل: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) جمعاً (لا ريب فيه). ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ أي: أهلكوها و غبنوها بالكفر والجحود، والمعاصي والآثام في الدنيا، وعرضوها للعذاب وأليم العقاب في الآخرة، والجملة مبتدأ، خبره: ﴿فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالميعاد والثواب والعقاب، ولا يخافون شر ذلك اليوم.

6:13Page 129

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

١٣ - ﴿وَلَهُۥ﴾ تعالى وحده جميع ﴿مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ﴾ أي: ما ثبت واستقر وحل فيهما. من السكنى ، فيتناول الساكن والمتحرك فيهما. وقال ابن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت، فهو من ساكن الليل والنهار. والمراد: ولله كل شيء، وكل دابة، وكل مخلوق في السموات والأرض، فالجميع ملكه وخلقه، وتحت قهره ومشيئته، وتصرفه وتدبيره، وهو رب كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء في السموات والأرض، من أمكنة وأزمنة. ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لكل ما يقال ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بكل ما يفعل، وبما كان، وبما يكون، وبما لم يكن، لو كان، كيف يكون، المطلع على الظواهر والبواطن، لا تخفى عليه خافية.

6:14Page 129

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤

Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"

١٤ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، مبيناً لهم عقيدة التوحيد بالدلائل والحجج القاطعة: ﴿أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا﴾ أي: ناصراً ومعيناً، أستنصره وأستعين به على النوائب، فضلاً عن أن أتخذه رباً معبوداً أعبده؟! من الولاية: بمعنى النصرة. كقوله: (قل أفغير الله تأمرونّي أعبد أيها الجاهلون)الزمر(٦٤) والمعنى: لا أتخذ ولياً ولا ناصراً ولا معيناً ولا معبوداً إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثيل له ولا نظير ولا عديل له ﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، أو مخترعهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، ومبتدئ خلقهما من العدم. من الفَطْر: وهو الإبداع والإيجاد من غير سبْق مثال. وأصله: الشق، وفصل شيء عن شيء، ومنه: فطر ناب البعير، أي: طلع، واستعمل فيما ذكر، لاقتضائه التركيب الذي سبيله الشق والتأليف، أو لما فيه من الإخراج من العدم إلى الوجود. ﴿وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ﴾ أي: يَرزق ولا يُرزق، فهـو الرزاق لجميع خلقه من غير احتياج إليهم. فله تعالى الغنى المطلق من كل الوجوه، والخلق جميعاً محتاجون إليه وجوداً وبقاءً، كقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ٥٦ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ٥٧ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ٥٨) الذاريات( ٥٦-٥٨). وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: دعا رجل من الأنصار النبي ﷺ على طعام، فلما طعم النبي وغسل يديه قال:«الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ومنّ علينا، فهدانا وأطعمنا وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودَّع ربي، ولا مكافىً ولا مكفور، ولا مستغنىً عنه» الحديث.رواه النسائي في «الكبرى» .﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ﴾ أمره ووجهه لله - من هذه الأمة - بالتوحيد ، وانقاد له بالطاعة، وخضع له بالعبودية. فبعدما أنكر عليهم اتخاذ غير الله ولياً، أُمر أن يقول لهم بأنه مأمور من ربه أن يكون أول من أسلم وجهه لله، وأول من استسلم لأمر الله من هذه الأمة، لكونه أوْلى من غيره بامتثال أوامر ربه. ﴿وَ﴾ قيل لي: ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ بالله، والمعنى: ونهيت -أيضاً - أن أكون من المشركين بالله، فهذا أفرض الفروض علي، وأوجب الواجبات لدي.

6:15Page 129

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

١٥ - ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي﴾ بعبادة غيره، أو مخالفة نهيه وأمره. ﴿عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾أي: شديد، هو: يوم القيامة، حين يحاسب العصاة على أعمالهم، ويعذبون إلا من رحم الله.

6:16Page 129

مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

١٦ - ﴿مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ﴾ العذاب ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ﴾ الله تعالى، بفضله وكرمه، وأراد له الخير كله [وفي قراءة بالبناء للفاعل: (من يَصرف عنه) الله العذاب فقد رحمه]. ﴿وَذَٰلِكَ﴾ أي: صرف العذاب أو الرحمة، هو ﴿ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: النجـاة الظاهرة، والربح البيّن والظفر الواضح. وهذا كقوله: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)آل عمران(١٨٥)، والفوز: حصول الربح، ونفي الخسارة.

6:17Page 129

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

١٧ - ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ﴾ أي: وإن يُنزل الله بك ضرراً أو بلاءً، من فقر، أو مرض، أو عسر، أو ألم، أو هم، أو غم، أو نحوه ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ﴾ أي: فلا رافع لهذا الضر أو البلاء ولا دافع له ﴿إِلَّا هُوَۖ﴾ وحده القادر على ذلك ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ﴾ من رخاء أو غنى أو صحة، أو عافية، أو يسر، أو نحوه. ﴿فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ ومن جملته المس بالضر والخير، فهو مالك الضر والنفع، المتصرف في خلقه بما يشاء وكيف يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. فإذا كان وحده النافع الضار، فهو المستحق أن يُفرد بالعبودية والإلهية. ومثله قوله: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده)فاطر(٢). وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول:«اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» - أي: لا ينفع صاحب الغنى والجاه منك، غناه وجاهه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة -.

6:18Page 129

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2

١٨ - ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ﴾ أي: الغالب بقدرته لكل شيء، مستعلياً ﴿فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ﴾ بفوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم. فهو الغالب لعباده، المقتدر عليهم، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يستطيع أحد من خلقه ردّ تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره. وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة: وهو منع الغير عن بلوغ المراد إلا بأمره. قال ابن جرير الطبري: القاهر: المتعبد خلقه، العالي عليهم. وإنما قال: (فوق عباده)، لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئاً، أن يكون مستعلياً عليه. والمعنى: والله الغالب عباده، المذلّل لهم، العالي عليهم بتذليله إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه. ﴿وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أمره ونهيه، وخلقه وصنعه، وحكمه وشرعه، وتدبيره وتقديره، الذي يضع الأمور مواضعها. ﴿ٱلۡخَبِيرُ﴾ ببواطـن الأمور وظواهرها، وبمواضـع الأشياء ومحالّها. وفي الآية: دليل على صفة العلو لله عز وجل، والاستعلاء المطلق و الفوقية على جميع خلقه بالقهر والغلبة.

6:19Page 130

قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

١٩ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد حين سألوك شاهداً يشهد لك بالنبوة والرسالة -: ﴿أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ﴾ أي: أيُّ شيء أعظم شهادةً على هذا الأصل العظيم - وهو التوحيد أو النبوة والرسالة-؟ فإن أجابوا، وإلا ف ﴿قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ﴾ يشهد لي بالحق، وعليكم بباطلكم، بما أنزله من القرآن، فهو أكبر معجزة، وأعظم دليل على صدقي فيما جئتكم به من ربي. وقيل: إن قوله: (أي شيء أكبر شهادة) تمييز محوّل عن المبتدأ، والأصل:«شهادة أي شيء أكبر؟» (قل الله) أكبر شهادة وأعظم، فهو (شهيد بيني وبينكم) على صدقي، يشهد لي بما جئتكم به من عنده ويُقرُّني عليه. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ﴾ أي: لأجل أن أنذركم به ﴿وَمَنۢ بَلَغَۚ﴾ أي: ولأجل أن أنذر به - أي: بالقرآن - من بَلَغه من الثقلين إلى يوم القيامة. فالاسم الموصول «مَنْ» في قوله: (ومن بلغ) معطوف على الضمير المفعول من «أُنذركم». أو: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به، وليُنذر به من بَلَغه من الثقلين إلى يوم القيامة، فالاسم الموصول: «مَنْ» معطوف هنا على ضمير الفاعل المستتر في «أُنذركم». وفي الآية: دلالة على عموم الرسالة المحمدية، وأن أحكام القرآن تعم الثقلين إلى يوم الدين. ففي الصحيح عند البخاري، قال ﷺ:«بلغوا عني ولو آية»، وعند الترمذي - وقال: حسن صحيح - أن رسول الله ﷺ قال:«نضّر الله امرأ سمع منا شيئاً، فبلّغه كما سمعه، فرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع». وأخرج أبو نُعيم في «الحلية»:«من بلغه القرآن فكأنما شافهته». وروى عبد الرزاق عن قتادة، أن رسول الله ﷺ قال:«بلِّغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله». والنذارة إنما تكون بذكر ما ينذرهم به من الترغيب والترهيب، وبيان الأعمال والأقوال، الظاهرة والباطنة، فكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، فكأنما أبلغه محمد ﷺ، وعلى كل ذي علم من كتاب الله وسنة نبيه، أن يبلغه إلى غيره. ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ﴾ -أيها المشركون من غير دليل أو حجة - ﴿أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ﴾ تستحق أن تُعبد من دونه؟ وهو استفهام إنكار. ﴿قُل﴾ لهم: ﴿لَّآ أَشۡهَدُۚ﴾ بذلك، كقوله: (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) الأنعام(١٥٠)، لكون هذه الشهادة من أبطل الباطل. ﴿قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ منفرد بالخلق والتدبير، لا يستحق العبودية والإلهية سواه. ﴿وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ به معه، من الأصنام والأوثان والأنداد والطواغيت، وكل ما أُشرك به مع الله. وفي الآية بيان لحقيقة التوحيد: وهي إثبات الإلهية لله، ونفيها عما عداه، وفيها بيان شهادة الله، وشهادة رسوله، على التوحيد، وشهادة المشركين على ضده. وفي الآية أيضا: جواز إطلاق «الشيء» على ذات الله العليّة في قوله: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله) ولكنها ليست شيئاً كعموم الأشياء، لقوله: (ليس كمثله شيء)الشورى(١١)، بل بما يليق بجلاله وكماله وعظمته .

6:20Page 130

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

٢٠ - ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى ﴿يَعۡرِفُونَهُۥ﴾ أي: محمداً ﷺ، وبما جاء به من النبوة والرسالة والتوحيد، بما عندهم من البشارات به في كتبهم، من نعته وصفته ﴿كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ﴾ فإن الإنسان لا يعرفه أحد، كما يعرفه أبوه وأمه. فالذين آمنوا به فازوا، و ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ منهم بعنادهم، وتمردهم وأوبقوها بإنكار ما علموا، وإدخالها النار المؤبدة عليهم ﴿فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ بما جاء به رسول الله ﷺ من الوحي والتوحيد و إخلاص العبودية لله .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском