Al-Jami' al-WajizAl‑An'am · 6:40–58

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:40–58

6:40Page 132

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠

Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"

٤٠ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، العادلين به سواه: ﴿أَرَءَيۡتَكُمۡ﴾ أي: أخبروني عن حالتكم أو عجيب أمركـم ﴿إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ﴾ في الدنيـا ﴿أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ﴾ بغتة، وهي القيامة وما اشتملت عليه من أهوال وكروب، ﴿أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ﴾ في كشف ضر، أو دفع كرب- وأنتم في هذه الحالة من مجيء العذاب أو قيام الساعة- أم تدعون الله ربكم؟ ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في اتخاذكم آلهة معه، أو أن أصنامكم تضر وتنفع. والهمزة: في (أرأيتكم) للاستفهام، ورأي بمعنى: علم، وتتعدى إلى مفعولين، والتاء ضمير الفاعل، وما بعده حرف خطاب يدل على اختلاف المخاطب، أُتي به للتأكيد، والمفعول الأول محذوف تقديره: أغير الله تدعون لكشفه؟ والمعنى: أرأيتكم عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم؟ أو هل تكشف عنكم ضركم؟ أي: أخبروني عن ذلك إن كنتم صادقين في أنّ أصنامكم آلهة، وأن عبادتكم لها نافعة. وفي استعمال أرأيت بمعنى: أخبرني، تجوُّز إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب له، وجعْلُ الاستفهام بمعنى الأمر- أي: «أرأيتكم» بمعنى «أخبرني»- بجامع الطلب في كل منهما. والسؤال للتبكيت والإلزام.

6:41Page 132

بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

٤١ - ﴿بَلۡ﴾إضراب لإبطال ما تقدّم ﴿إِيَّاهُ﴾ أي: لا غيره ﴿تَدۡعُونَ﴾ في الشدائد والملمّات، وتخلصون له الدعاء في هذه الأحوال المُهمّات، ﴿فَيَكۡشِفُ﴾ الله ويرفع ﴿مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ﴾ أن يكشفه ويرفعه عنكم من العذاب والضر، ودفع الكُربات ﴿إِن شَآءَ﴾ كشفه ورفعه وإزالته ودفعه ﴿وَتَنسَوۡنَ﴾ أي: تتركون ﴿مَا تُشۡرِكُونَ﴾ معه من الأصنام والأنداد، فلا تدعونها، ولا ترجون منها كشف ما بكم ولا رفعه ولا دفعه، بل تعرضون عنها إعراض النّاسي لها، التارك لسؤالها، فإذا كان هذا حالكم مع أندادكم عند الشدائد، تنسونهم، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وتخلصون لله الدعاء، لعلمكم أنه هو النافع الضار، المجيب دعوة المضطر إذا دعاه، فما بالكم في الرخاء تشركون به، وتجعلون له شركاء ونظراء؟! وهذا كقوله سبحانه: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)الإسراء(٦٧).

6:42Page 132

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

٤٢ - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ﴾ رسلاً ﴿إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ ممن مضى أثرهم، وسلف عهدهم، فكذبوا رسلنا، وجحدوا آياتنا ﴿فَأَخَذۡنَٰهُم﴾ أي: فانتقمنا منهم ﴿بِٱلۡبَأۡسَآءِ﴾ أي: بالفقر والبؤس والضيق في المعايش، والمصائب في الأموال ﴿وَٱلضَّرَّآءِ﴾ أي: بالمرض والأسقام والزمانة والعلل والآلام، والمصائب في الأبدان. وعن سعيد ابن جبير، قال:«البأساء والضراء»: خوف السلطان، وغلاء الأسعار، أي: يسلط الله عليهم ولاة ظالمين، وتصبح معيشتهم في الدنيا لا سعادة فيها ولا هناء. ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ﴾ إلى الله، أي: يتذللون له، ويخشعون له، ويتوبون من كفرهم ويخلصون له في العبادة والإنابة. من الضراعة: وهي الذلة، والهيئة المنبئة عن الانقياد والطاعة، يقال: ضَرع الرجل يضرَعُ ضراعةً، خَضع وذل، فهو ضارع وضرع.

6:43Page 132

فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

٤٣ - ﴿فَلَوۡلَآ﴾ أي: فهلاّ ﴿إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا﴾ أي: أتاهم عذابنا وانتقامنا ﴿تَضَرَّعُواْ﴾ إلينا ، أي: استكانوا وذلوا وخضعوا؟ أي: لم يفعلوا ذلك، مع قيام ما يقتضيه من مجيء العذاب والانتقام. ﴿وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾ أي: صَلَبت وغلظت، فلم تلن للإيمان والحق. والمعنى: لم يتضرعوا لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر، فما رقّت قلوبهم ولا خشعت. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي: حسّن بالغواية والتسويل لهم ﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ من المعاصي والآثام، فأصروا عليها، واستمروا على كفرهم وشركهم، مع التصميم والإصرار.

6:44Page 132

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤

So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

٤٤ - ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ﴾ أي: فلما تركوا ما وُعظوا، وخُوّفوا به من البأساء والضراء، وأعرضوا عن ذلك، وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، ولم يتعظوا به. أو: تركوا العمل بما أُمروا به. ﴿فَتَحۡنَا﴾ [و في قراءة: بالتشديد: (فتَّحنا)] ﴿عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ﴾ من النّعم والرّزق والصحة وأنواع الخير ورخاء الدنيا ويسرها وسعتها، بدل البأساء والضراء- إلزاماً للحجة، واستدراجا وإملاءً لهم. وفي الحديث عند أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر عن النّبي ﷺ قال:«إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا، وهو مقيم على معاصيه، فإنما هو استدراج». وفي رواية:«إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج». ثم تلا رسول الله: (فلما نسوا ما ذكروا به)- الآية. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ﴾ فرح بطر وأشر وعجب ﴿بِمَآ أُوتُوٓاْ﴾ من النّعم والرزق، وأنواع الخير، وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقاً وصواباً. ﴿أَخَذۡنَٰهُم﴾ بالعذاب ﴿بَغۡتَةٗ﴾ أي: فجأة، أو على غرة وغفلة من غير ترَقّب منهم لذلك. ﴿فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير، ومن النّجاة والرحمة. من الإبلاس: وهو اليأس والقنوط. يقال: أبلس من رحمة الله، أي: يئس. أو: (فإذا هم مبلسون) أي: مكتئبون متحسرون نادمون. وقيل : مخذولون متروكون. فالمبلس:الذي قد نزل به شرّ لا يقدر على دفعه . و أصل الإبلاس: انقطاع الحجة و السكوت عندها. و قيل: الحزن على الشيء و الندم عليه .و في الحديث عند ابن أبي حاتم وأحمد في «مسنده» عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ كان يقول:«إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء، رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعاً فتح لهم- أو عليهم- باب خيانة: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون)».

6:45Page 133

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.

٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ﴾ أي: استؤصلوا بالعذاب استئصالاً عن آخرهم- فلا يعودون بعد ذلك إلى النّماء والتكاثر.ودابر القوم: آخرهم الذي يدبرهم، أي: يكون في أدبارهم. والدّابر: التّابع من الخلف. يقال: دَبَر القوم يدبرهم دُبوراً: إذا كان آخرهم في المجيء. ﴿وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ على ما قضاه وقدره، من نُصرة المرسلين والمؤمنين، وهلاك الكافرين والمكذبين. وفي الآية: إرشاد وتعليم للمؤمنين كيف يحمدون الله، عند نزول النّعم والتي من أجلِّها هلاك الظلمة، الذين يفسدون في الأرض ولا يُصلحون.

6:46Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦

Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.

٤٦ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمّـد لهـؤلاء المكذبين المعانديـن ﴿أَرَءَيۡتُمۡ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ﴾ أي: أذهبه فأصمّكم ﴿وَأَبۡصَٰرَكُمۡ﴾ فأعماكم، أي: سلبكم إياها وأخذ القوى منها كما أعطاكموها في قوله: (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار)الملك(٢٣)، وهذا هو السّلب الحسي. ويحتمل أن يكون هذا السلب والأخذ معنوياً، كمنع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي، أي: فأصمّكم عن سماع الحق، وأعماكم عن إبصار الهدى. ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم﴾ أي: طبع عليها، فلا تفقه قولاً، أو تعقل شيئاً مفهوماً، كقوله: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)الأنفال(٢٤) فبقيتم بلا سمع، ولا بصر، ولا عقل، ولا إدراك. ﴿مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم، إذا سلبه الله وأخذه منكم؟ لا، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه. فإذا لم يكن غير الله يأتيكم به، فلم عبدتم معه من لا قدرة له على شيء من ذلك؟ ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمد- تعجيباً لهم من حالهم - أو كل من يتأتى منه النّظر ﴿كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نقلِّبها على وجوه متنوعة ونكررها على أنحاء مختلفة، وننوعها على أحوال متباينة، فتارة إنذار، وتارة إعذار، وتارة ترغيب، وتارة ترهيب. أو: كيف نبين الآيات الدّالة على وحدانية الله، ونوضحها ونفسرها ﴿ثُمَّ هُمۡ﴾ مع هذا التنوّع في الآيات والبيان التّام ﴿يَصۡدِفُونَ﴾ عن آيات الله، أي: يعرضون عنها مكذبين بها، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل، أو يصدّون النّاس عنها وعن اتّباعها. يقال: صدف عن الشيء، يَصْدف صدفاً وصَدُوفاً: إذا أعرض عنه. وأصدفه عن كذا: أماله عنه وصرفه، وأصله: صدفة الجبل، أي: جانبه ومنقطعه.

6:47Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"

٤٧ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد ﴿أَرَءَيۡتَكُمۡ﴾ أي: أخبروني (إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ﴾ وانتقامه ﴿بَغۡتَةً﴾ أي: فجأة، من دون أمارات أو مقدّمات تدل عليه، بل في غفلة عنه، ﴿أَوۡ جَهۡرَةً﴾ أي: ظاهراً عياناً، بعد ظهور مقدمات تدل عليه، وتعلمون بها وقوعه ﴿هَلۡ يُهۡلَكُ﴾ هلاك عذاب وسخط واستئصال ﴿إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك بالله والكفر به؟ أي: ما يُهلك إلا هم.

6:48Page 133

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

٤٨ - ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن وأطاع وعمل صالحاً بالجنّة والثّواب، والجزاء الحسن، والسعادة والخيرات ﴿وَمُنذِرِينَۖ﴾ من كفر وعصى بالنّار، والعذاب والشّقاوة، والعقوبات. فهذا خلاصة ما أرسل الله به المرسلين: البشارة والنّذارة، وذلك مستلزم لبيان المبشَّر والمبشَّر به، والأعمال التي إذا عملها العبد حصلت له البشارة، وكذا المُنْذَر، والمُنْذَر به، والأعمال التي إذا عملها حقّت عليه النّذارة، فانقسم النّاس بحسب إجابتهم لدعوة الرسل وعدمها إلى قسمين: الأول: ﴿فَمَنۡ ءَامَنَ﴾ بما جـاءت به الرسـل ﴿وَأَصۡلَحَ﴾ نيّته وقصده، وعمله وحاله لله باتباع الرسل واتباع ما جاءوا به ﴿فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمر الدنيا. أما القسم الثاني منهم:

6:49Page 133

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩

But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.

٤٩ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ الدالة على صدق الرسل و صحة ما جاءوا به ﴿يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ أي: يباشرهم ويصيبهم وينالهم النّكال ﴿بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ أي: يخرجون عن طاعة الله وأمره، بارتكاب معاصيه، وانتهاك حرماته، وكفرهم بما جاءت به الرسل من ربهم.

6:50Page 133

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

٥٠ - ﴿قُل﴾ لهم، أي: لمقترحي الآيات على الله، أو عليك ، تعجيزاً وتعنّتاً: ﴿لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ﴾ أي: مرزوقاته أو مقدوراته أو مفاتح رزقه وقدرته ورحمته، فلا أدّعي أنّ عندي مقدورات الله، أي: لست أملكها، ولا أتصرف فيها كيف أشاء، فآتيكم بما اقترحتم علي من الآيات. والخزائن: جمع خزانة، وهي ما يُخزن فيه الشيء النّفيس، وخَزْن الشيء: إحرازه حيث لا تناله الأيدي. ﴿وَلَآ﴾ أنّي ﴿أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ﴾ أي: ما غاب عنّي من علم الله وأمره، ولم يوح إليّ، فأخبركم بما سيكون في مستقبل أيّامكم، فإنّما الغيب كلّه لله، لا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، فهو وحده عالم الغيب والشهادة كقوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً)الجنّ(٢٦). والغيب: ما غاب عن جميع الخلق واستأثر الله بعلمه. ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ﴾ من الملائكة، حتى تكلفوني من الأعمال الخارقة للعادة ما لا يقوى على مثلها البشر، وحتى لا آكل ولا أشرب ولا أتزوج ولا أمشي في الأسواق، إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ من ربي، فلست أدّعي منزلة فوق منزلتي التي أنزلني الله بها. ﴿إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ﴾ من ربي، فهذا غاية أمري، ومنتهى شأني، فما أنا إلا عبد الله، أتبع وحيه، وأمره بتبليغه إليكم. فكيف تقترحون عليّ ما لا شأن لي به؟! وإذا كان الأنبياء لم يؤتوا القدرة على التصرف فيما وراء الأسباب فمن باب أولى غيرهم من الأولياء والصالحين. ﴿قُلۡ﴾ لهم مجيباً: ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ ﴾ أي: الكافر الذي عمي عن أمر الله، والمؤمن؟ أو الضّال عن الحق، والمهتدي إليه؟ لا، لا يستوي هـذا ولا ذاك ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك، فتؤمنون، وتنزلون الأشياء منازلها، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟ وهذا كقوله: (أفمن يعلم أنّما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى)الرّعد(١٩).

6:51Page 133

وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١

And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

٥١ - ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ﴾ أي: وخوّف بالقرآن الذي أوحي إليك يا محمّد، القوم ﴿ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ﴾ يوم القيامة، غير منصورين ولا مشفوعاً لهم، والمراد بهم: عصاة المؤمنين. وقيل: إنّ هذا القرآن نذارة للخلق كلّهم، فيشمل: المؤمنين بالبعث، المقرّين به، الجازمين به أصلاً، من المسلمين، والمنكرين له، المتردّدين في أمره، من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم. ففي الآية أمر من الله لرسوله بتذكير النّاس جميعاً وإنذارهم بالقرآن، وفيها -أيضاً- تنديد بالمشركين الذين لا ينفع فيهم وعظ ولا تذكّر. والحق: أنّ الذي ينتفع بنذارة القرآن من الخلق كلهم (الذين هم من خشية ربهم مشفقون)المؤمنون(٥٧) و(الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)الرّعد(٢١)، المتيقنون للانتقال من هذه الدّار إلى دار القرار، فلذا يستصحبون ما ينفعهم، ويدعون ما يضرّهم، فالموعظة فيهم أنجع، والتذكير لهم أنفع. ﴿لَيۡسَ لَهُم﴾ يومئذ ﴿مِّن دُونِهِۦ﴾ أي من دون الله، أو غيره ﴿وَلِيّٞ﴾ يواليهم، ويتولى أمرهم، أو نصير ينصرهم ﴿وَلَا شَفِيعٞ﴾ يشفع لهم عند الله، ليدفع عنهم المحذور، ويحصل لهم المطلوب، فإنّ الخلق كلهم ليس لهم يومئذ من أمر الله شيء. وجملة النّفي: (ليس لهم من دونه...) حال من ضمير: «يحشروا»، أي: حال كونهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴿لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، أي: أنذرهم هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، فإن الإنذار موجب للتّقوى، وسبب من أسبابها. وفي الآية: ردّ على من زعم من الكفار المعترفين بالبعث والحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو أنّ أصنامهم تشفع لهم، وهم المشركون. إذ لا شفاعة يومئذ إلا لله وحده، ولمن يأذن له ويرضى من خلقه.

6:52Page 133

وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

٥٢ - أسباب نزول الآية: أخرج مسلم أحمد والنّسائي وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، وثلاثة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، قال بعض العرب لرسول الله ﷺ: اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النّبي ﷺ ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله هذه الآية: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). وروى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش برسول الله ﷺ، وعنده بلال وصهيب وعمّار وخبّاب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم، فلعلّك إن طردتهم نتّبعك، فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهما عن خبّاب بن الأرت، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري إلى رسول الله ﷺ، فوجداه مع صهيب وبلال وعمار وخبّاب قاعداً في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتياه فخليا به، وقالا: إن نريد أن تجعل لنا منك مجلساً، تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبُد، فإذا جئناك، فأقمهم عنّا، فإذا فرغنا، فاقعد معهم إن شئت. قال:«نعم»، فنزلت الآية. ﴿وَلَا تَطۡرُدِ﴾ أي: ولا تبعــد عنــك وعـن مجلسـك ﴿ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم﴾ أي: يعبدونه تعالى ويسألونه ﴿بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ﴾ في أول النّهار وآخره، أي: دواماً، والمراد به: الصلوات المكتوبة [وفي قراءة: (بالغُدْوة)]. ﴿يُرِيدُونَ﴾ بعبادتهم وسؤالهم ﴿وَجۡهَهُۥۖ﴾ تعالى، لا شيئاً من أعراض الدنيا، وأغراضها، فهم مخلصون له في عبادتهم وسؤالهم وطاعتهم. والمعنى: لا تُبعد عنك- يا محمد- وعن مجالستك ضعفاء المؤمنين الذين سارعوا إلى الإيمان بك، واستداموا على عبادة ربهم، وسؤاله وطاعته، يبتغون بذلك وجهه الكريم، رغبة وأملاً في إسلام رؤساء المشركين وساداتهم، الذين استنكفوا منهم. فإن أولئك الضعفاء عند الله أفضل وأزكى من هؤلاء الرؤساء، فاجعلهم جلساءك وأخصاءك وأولياءك، لما هم عليه من الدين والفضل، فهم الصفوة و إن كانوا ضِعافاً فقراء، والأعزاء-عند الله- وإن كانوا- عند النّاس- أذلاء ضُعفاء. وهذا كقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرطاً)الكهف(٢٨). وفي الحقيقة لم يقع منه ﷺ طرد لهم أو إعراض عنهم، وإنّما همّ بإبعادهم وقت حضور هؤلاء السّادة، لمصلحة أخرى، وهي التّلطف لهم أملاً في إسلامهم وإسلام أتباعهم. والغداة لغة: كالبُكرة، ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، والعشي: آخر النّهار. أو من الزوال إلى الغروب، والمراد بهما هنا: جميع الأوقات. وفي الآية: إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تحريف. ﴿مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ﴾ إن كانوا غير مخلصين فحسابهم على أنفسهم لا يتعدّى إليك ﴿وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ﴾ فحسابك على نفسك لا يتعدى إليهم. أي: فكل له حسابه وله عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)المدثر(٣٨) وقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)الأنعام(١٦٤). فإن المشركين لما قالوا في حق ضعفاء المؤمنين: إنهم ما قبلوا دينك ولازموك إلا لحاجتهم إلى المأكول والملبوس، ردّ الله عليهم: إن كان الأمر كما زعموا، فما يلزمك يا محمد منهم إلا اعتبار الظاهر، فحسابهم على الباطن لا يتعدى إليك، كما أنّ حسابك لا يتعدى إليهم. وقد سبق مشركي مكة قوم نوح إلى ذلك فقالوا: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)هود(٢٧)، وطلبوا منه أن يطردهم، فأجاب نوح عليه السلام: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنّي أراكم قوماً تجهلون ٢٩ ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ٣٠)هود(٢٩-٣٠). قال تعالى: ﴿فَتَطۡرُدَهُمۡ﴾ جواب لقوله تعالى: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) أي: فعلام تطردهم؟ بل أقبل عليهم وجالسهم، فإنهم أهل الدين والفضل. ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ إن طردتهم، أو أعرضت عنهم، وهو جواب لقوله تعالى : (ولا تطرد)، والمعنى: فتكون من الذين يضعون الشيء في غير موضعه إن فعلت ذلك معهم. وقد امتثل ﷺ أمر ربّه أشد امتثال، فكان إذا جلس فقراء المسلمين معه، صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وقرّبهم منه، فكانوا أكثر أهل مجلسه ﷺ.

6:53Page 134

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣

And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1

٥٣ - ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا﴾ أي: ابتلينا وامتحنا واختبرنا، و نحن أعلم بهم ﴿بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ﴾ أي: الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والقوي بالضعيف. والمعنى: جعلنا بعضهم لبعض فتنة وابتلاء واختباراً تظهر به حقائق أنفسهم غير مشوبة بالشوائب التي تلتبس بها عادة، فابتلينا الأغنياء بالفقراء، والكبراء بالضعفاء، والشرفاء بالوضعاء، فإذا منّ الله بالإيمان على الفقير أو الضعيف أو الوضيع، كان ذلك محل محنة وفتنة للغني والقوي والشريف، فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركة من هو دونه في الغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقاً في طلب الحق واتّباعه كانت هذه الفتنة عقبة تردّه عن ذلك. ﴿لِّيَقُولُوٓاْ﴾ أي: جعلنا بعضهم لبعض فتنة، ليقول الشرفاء والأغنياء منكرين محتقرين لمن يرونهم دونهم: ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ﴾ الفقراء الضعفاء ﴿مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ ﴾ أي: أنعم عليهم بالهداية، وأكرمهم دوننا بإصابة الحق واتّباعه؟ استهزاءً بهم، أي: لو كان ما هم عليه من الأمر هدىً وخيراً، ما سبقونا إليه. أو: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير والهدى، لو كان ما صاروا إليه هدىً وخيراً ويدعُنا! وهذا كقولهم: (لو كان خيراً ما سبقونا إليه)الأحقاف(١١). قال الله تعالى في جواب هؤلاء المعترضين عليه في هداية الضعفاء، وعدم هدايته إياهم: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ﴾ له بأقوالهم وأفعالهم، وسرّهم وعلانيتهم، المعترفين بفضله ونعمته، المقرّين بها، القائمين بشكرها، و بما يقتضيه ذلك من العمل الصالح، فيوفّقهم ويهديهم؟ بلى، هو أعلم بالشاكرين. فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل. وفي الحديث الصحيح:«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وعند مسلم بلفظ:«إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وقد كان من أمر رسول الله ﷺ أنّ غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء النّاس من الرجال والنّساء، والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح عليه السلام: (أنؤمن لك واتّبعك الأرذلون)الشعراء(١١١). وفي الصحيحين: أن هرقل سأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ، فقال: أفأشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: و كذلك هم أتباع الرسل.

6:54Page 134

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

٥٤ - ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ وهم ضعفاء المؤمنين الذين نهاه الله عن طردهم، وأمره بإكرامهم وإعظامهم، ومجالستهم، والإقبـال عليهـم ﴿فَقُلۡ﴾ لهم ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ﴾ أي: أمنة من الله لكم تطييباً لخواطرهم، وإكراماً لشأنهم، وإعظاماً لحالهم، وقد كان ﷺ- بعد نزول هذه الآية- إذا رآهم بدأهم بالسّلام والتّحية والإكرام ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ أي: قضى وأوجب على نفسه الكريمة والذّات المقدّسة الرحمة لعباده، إيجاب فضل وإحسان وامتنان، فكان هذا من جملة ما أمر الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك تبشيراً لهم بسعة مغفرة الله وعظيم رحمته. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت- وفي رواية: سبقت- غضبي». ﴿أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا﴾ أي: ذنباً ﴿بِجَهَٰلَةٖ﴾ أي: حالة كونه متلبساً بجهالة وسفاهة- لا بتعمّد وإصرار- أو: وهو جاهل بمقدار ما يستحق عليه من العقاب، وما يفوته من الثّواب. أو : لإيثاره اللذّة العاجلة على الآجلة.فكل ذنب بجهالة، وكل من عصى الله أو أساء فهو جاهل حتى يرجع إليه بالتوبة والإنابة. وقوله: ﴿أنّه﴾- بدل من «الرّحمة»-[وفي قراءة: (إنّه)- بالكسر- أي: الشأن أو الأمر]. ﴿ثُمَّ تَابَ﴾ وأناب ﴿مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي: من بعد عمله، فرجع عمّا كان عليه من المعاصي والآثام وأقلع عنها، وندم عليها، وعزم ألا يعود إليها ﴿وَأَصۡلَحَ﴾ ما أفسده بالمعصية من عمله، فراجع الصواب، وعمل بطاعة الله في مستقبل أمره. فلا بد إذن مع ترك الذنوب، والإقلاع عنها، والنّدم عليها، و العزم على عدم معاودة الذنب ، من إصلاح العمل، وإصلاح ما فسد منه ظاهراً وباطناً. فإذا قام العبد بكل هذا ﴿فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ﴾ له ﴿رَّحِيمٞ﴾ به، أي: فالمغفرة له والرّحمة به. [وفي قراءة: بالكسر: (فإنه) أي: الله (غفور) للمستغفرين (رحيم) بالتائبين].

6:55Page 134

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

٥٥ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: كما بينّا ما ذكر من الحجج القاطعة، والدلائل الساطعة على طريق الهداية والرشاد، وذمّ المجادلة والعناد ﴿نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نوضّحها ونبيّنها، ونميِّز بين طريق الهدى والضلال، والغي والرشاد، ليظهر الحق، ويتبين، فيعُمل به، ويهتدي به وبمسلكه العالمون العاملون.﴿وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر وتتضح طريق المجرمين، المخالفين للرسل، الموصلة لعذاب الله وسخطه، فتُجتنب. فإن سبيلهم إذا استبانت واتّضحت، أمكن اجتنابها والبعد عنها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصد الكريم. [وفي قراءة: (وليستبين) بالياء بدلاً من التاء. وفي أخرى: (ولتستبين سبيلَ المجرمين) بالتاء، ونصب «سبيلَ»، خطاب للنّبي ﷺ، أي: لتستبين أنت سبيلهم].

6:56Page 134

قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

٥٦ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد- لهؤلاء المشركين، الذين يدعون مع الله آلهة أخرى-: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ أي: صُرفت وزُجرت ﴿أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ﴾ أي: تعبدون وتسألون ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ من الأوثان والأنداد التي لا تملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿قُل﴾ لهم ﴿لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ﴾ في عبادتها ودعائها وسؤالها، ولا أتبع مقاصدكم الفاسدة، الموقعة في الغيّ والضّلال، وذلك فيما طلبتموه منّي من عبادة معبوداتكم، وطرد من أردتم طرده من ضعفاء المسلمين. ﴿قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا﴾ إن اتبعت أهواءكم ﴿وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ إن فعلت ذلك. وأمّا ما أنا عليه من توحيد الله وإخلاص القصد والعمل له، فإنه الحق والعدل الذي قامت به السموات والأرض.

6:57Page 134

قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."

٥٧ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد: ﴿إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي﴾ أي: على بيان وبرهان من ربي بصحة وصدق ما جاءني به، أو على يقين وبصيرة من شريعته التي أوحاها إليّ، وأمرني بإبلاغها. ﴿وَ﴾ لكنكم أيها المشركون قد ﴿كَذَّبۡتُم بِهِۦۚ﴾ أي: بالله، حيث أشركتم به، أو بالبينة والحق الذي جاءني من عنده. فالله لا يستحق هذا منكم، بل لا يليق به سبحانه إلا التوحيد له والتصديق بما أنزل عليّ. أو: و الحال أنكم كذّبتم بالحق والقرآن الذي جاءني من عند الله. ﴿مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ﴾ من العذاب، أي: ليس في مقدرتي واستطاعتي إنزال العذاب الذي استعجلتموه بقولكم: (فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم)الأنفال(٣٢). فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاءً. وقيل: (ما عندي ما تستعجلون به) من الآيات المقترحة على الله أو الآيات التي تقترحونها عليّ. والاستعجال: المطالبة بالشيء قبل وقته وأوانه. ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ وحده، في كل شيء، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة. فإنما مرجع أمر ذلك ومردّه إلى الله وحده، إن شاء عجّل لكم ما سألتموه من العذاب أو الآيات، وإن شاء أنظركم وأجّلكم، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وعليه فجماع الحكم لله، سواء في ذلك الحكم الشرعي، من أمر ونهي، أو الحكم الجزائي، من ثواب وعقاب بحسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. ﴿يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ﴾ أي: يتّبعُ الحق والحكمة فيما يقدره ويحكم به. من قص الأثر: أي تتبّعه. أو: يبيّن الحق فيما يحكم به ويقدر بياناً شافياً. أو: يقص القصص الحق على عباده في وعده ووعيده ، أي: يقول الحق الذي يقطع به معاذيرهم وتنقطع له حجتهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة. [وفي قراءة: (يقْض الحق)- بالضاد المعجمة بدلاً من الصاد المهملة- أي: يقضي القضاء الحق]. ﴿وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ﴾ أي: خير من يفصل ويميز بين الحق والباطل بما يقضي به بين عباده بحكمه العدل، وقوله الفصل. أو هو خير الحاكمين بالحق والعدل والفصل بين عباده في الدنيا والآخرة. والفصل: القضاء والحكم.

6:58Page 134

قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."

٥٨ - ﴿قُل﴾ لهم: ﴿لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ﴾ من العذاب والآيات المقترحة، أي: لو أنّ عندي ما تطلبون تعجيله، بأن يكون إنزاله بكم أو إيقاعه عليكم مقدوراً لي ، و في وسعي وطاقتي، أو أنّ مرجع ذلك إليّ ﴿لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ﴾ بأن أعجله لكم، فأوقعه عليكم أو أنزله بكم. ولكن أمر العذاب أو الآيات لله، فعلْم ذلك كله عند الله. ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ لا يخفى عليه من أحوالهم وأمورهم شيء، فهو أعلم متى يُعاقبهم، فيمهلهم ولا يهملهم، لحكمة يعلمها سبحانه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском