Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:59–73
6:59Page 134
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩
And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.
٥٩ - ﴿وَعِندَهُۥ﴾ تعالى ﴿مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: علم الغيب، أو خزائن الغيب، والمراد بها: القدرة الكاملة على كل الممكنات، كما في قوله تعالى: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه)الحجر (٢١). أو: وعنده مفاتيح خزائن الغيب، وهي المفاتيح التي يُفتح بها الغيب.والغيب: ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومفاتحه بيان عن علمه تعالى جميع المعلومات، ما غاب عنّا وما لم يغب، لأن المفاتيح هي التي يُتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق، فمن علم كيف يفتح بها، ويتوصل إلى ما فيها، فهو عالم بما فيها، وبالطرق الموصلة إليها.و مفاتح: جمع مِفتح- كمنبر- بكسر الميم وفتح التاء: وهو آلة الفتح، وتسمّى المفتاح. أو جمع مَفْتح- كمسجد- بفتح الميم وكسر التاء: وهي الخزانة التي تُحفظ بها الأشياء، ﴿لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ﴾ وهي الخمسة التي في قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة)لقمان(٣٤). وفي الحديث عند أحمد والبخاري، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال:«مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله» ثم قرأ: (إنّ الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) لقمان(٣٤). و عند البخاري في رواية: أن رسول الله ﷺ قال:«مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله». فلا علم لأحد من الخلق، كائناً من كان، بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلمها. وفي الآية: ردٌّ ودفعٌ لأباطيل الكهان والعرّافين والمنجمين وغيرهم ممن يدعي علم الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله وحده: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول)الجن(٢٦ ). و في حديث عمر: أن جبريل حين تبدّى للنّبي ﷺ في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النّبي ﷺ لما سأل عن الساعة:«في خمس لا يعلمهن إلا الله»، ثم قرأ: (إنّ الله عنده علم الساعة...) الآية. ﴿وَيَعۡلَـمُ مَا فِي ٱلۡبَـرِّ وَٱلۡبَحۡـرِۚ﴾ مـن حيوان وجمـاد، ومخلوقات وموجودات، علماً مُفصّلاً ، أي: علم إحاطة وشمول. والمعنى: أن علمه الكريم محيط بجميع المخلوقات والموجودات بريِّها وبحريِّها لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ﴿وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من ورق الشجر، في بر ولا بحر ﴿إِلَّا يَعۡلَمُهَا﴾ ويعلم زمان سقوطها، ومكانه، فإذا كان علمه تعالى محيط بجميع الحركات في الجمادات، فهو محيط كذلك بجميع الحركات في الحيوانات وسائر المخلوقات، من جنّ وإنس وملائكة: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)غافر(١٩).﴿وَلَا حَبَّةٖ﴾ كائنة ﴿فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في الأمكنة المظلمة منها، أو في باطنها، إلا يعلمها، عطف على «ورقة» ﴿وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ﴾ وهذا شامل لجميع الموجودات والمخلوقات من رطب ويابس، فهو عموم بعد خصوص، إلا يعلمه، وهي عطف أيضاً على «ورقة».﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ أي: إلا في علمه تعالى المحيط بجميع الأشياء إحاطة الكتاب بما فيه، والاستثناء بدل كل من قوله: (إلا يعلمها). أو: في اللوح المحفوظ، الذي خُطّ فيه بقلم القدرة أزلاً، ما كان وما سيكون، والاستثناء هنا: (إلا في كتاب مبين) بدل اشتمال من الاستثناء قبله في قوله: (إلا يعلمها). وفي الآية: دلالة على كمال علمه تعالى المحيط بجميع الأشياء من غيب وشهادة وأحوال ظاهرة و باطنة، وكتابه المحيط بجميع الحوادث.
6:60Page 135
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.
٦٠ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ﴾ أي: يقبض أرواحكم من أجسادكم بالليل إذا نمتم، وهذا هو التوفِّي الأصغر. وأصل التوفِّي: أخذ الشيء وافياً كاملاً، يقال: توفيت الشيء، واستوفيته، بمعنى: أخذته وافياً. وهو كقوله تعالى : (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى)الزّمر(٤٢). فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى. وفي آية الأنعام: ذكر حكم الوفاتين: الصغرى: في قوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل)، ثم الكبرى وهو الموت.و في الحديث عند ابن مردويه بسنده عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال : «مع كل إنسان مَلَك ، إذا نام أخذ نفسه ، و يرد إليه، فإذا أذن الله في قبض روحه ، قبضه ، و إلا رد إليه، فذلك قوله:(و هو الذي يتوفاكم بالليل )». ﴿وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ﴾ علم إحاطة وشمول، أي: ما كسبتم فيه بجوارحكم من الخير والشّر. والاجتراح: الاكتساب. يقال: جرح- من باب نفع- واجترح: أي اكتسب بيده أو رجله أو فمه. والاجتراح: فعل الشّر خاصة. وفي الآية: دليل على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم وحال سكونهم وحركتهم. كقوله: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنّهار)الرّعد(١٠). وتخصيص التوفّي بالليل، والجرح بالنّهار، باعتبار الغالب، كقوله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنّهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله)القصص(٧٣)،وقوله: (وجعلنا الليل لباساً ١٠ وجعلنا النّهار معاشاً ١١) النّبأ(١٠-١١)، وإلا فقد يُعكس الأمر. ﴿ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ﴾ أي: يوقظكم في النّهار، أو في اليقظة، بردّ أرواحكم ﴿لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ﴾ أي: مُعيّن معلوم، مقدّر في علم الله، هو أجل الحياة الدنيا، لكل فرد من أفراد العباد، فيبلغ مدته ونهايته ﴿ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ﴾ يوم القيامة بالبعث والنّشور، بعد الموت ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم﴾ أي: يخبركم ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾من خير وشر، فيجازيكم به.
6:61Page 135
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١
And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].
٦١ - ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿ٱلۡقَاهِرُ﴾ مستعلياً ﴿فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ﴾ فوقية مطلقة تليق بجلاله و كماله ، الغالب على أمره فيهم، المتصرف في شئونهم والمدبّر لأمورهم، بإرادته الشّاملة، ومشيئته الكاملة ، وبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء .﴿وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً﴾ أي: ملائكة يكتبون أعمالكم، ويحصونها لكم ويحفظونها عليكم، لتعرض على رؤوس الأشهاد يوم الحساب، وهم الكرام الكاتبون، وهذا من جملة القهر لعباده، كقوله: (وإنّ عليكم لحافظين ١٠ كراماً كاتبين ١١ يعلمون ما تفعلون ١٢)الانفطار(١٠-١٢)، وقوله: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ١٧ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ١٨)ق( ١٧-١٨). وحفظة من الملائكة يحفظونكم وأبدانكم من الآفات بأمر الله، كقوله: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)الرّعد( ١١). فهذا حفظ الملائكة للعباد في حال الحياة الدنيا. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتۡهُ﴾ أي: استوفت روحه ﴿رُسُلُنَا﴾ أي: الملائكة الموكلون بقبض الأرواح، وهم أعوان مَلَك الموت.[وفي قراءة: (توفّاه رُسلنا)]. ﴿وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ في ذلك ، أي: لا يتوانون ولا يضيعون ولا يقصرون فيما يُؤمرون به من حفظ الأعمال وحفظ روح المتوفَّى وإنزالها حيث شاء الله من الإكرام، أو الإهانة، فلا يزيدون ساعة مما قدّره الله وقضاه ولا ينقصون من ذلك شيئاً.
6:62Page 135
ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢
Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.
٦٢ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد الموت ﴿رُدُّوٓاْ﴾ أي: الخلائق كلّهم ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ﴾ أي: مالكهم العدل، ليتولى الحكم فيهم بعدله وفضله، فيثيبهم على الحسنات والخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات، وهذا كقوله: (قل إنّ الأولين والآخرين ٤٩ لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ٥٠)الواقعة(٤٩-٥٠). وقيل: (ثمّ ردوا) أي: الملائكة بأرواح العباد بعد قبضها (إلى الله مولاهم الحق) الذي يتولاهم بحكمه القدري، فينفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير والتقدير. ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ﴾ أي: القضاء النّافذ فيهم ﴿وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ﴾ يحاسب الخلق كلهم، في قدر نصف نهار مقداره خمسون ألف سنة، لحديث بذلك رواه ابن حبّان في «صحيحه» . أو: له مطلق الحكم الشرعي من أمر ونهي، والجزائي من ثواب وعقاب، والقدري من مشيئة وقضاء. فالله جلّت قدرته، وتعالت حكمته، لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه العباد من الفكر والروية والتدبّر، فهو أسرع من حسب الأعمال والأعداد والآجال.
6:63Page 135
قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣
Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"
٦٣ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمّد، للمشركين بالله، الدّاعين معه آلهة أخرى، ملزماً لهم الحجة بما أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الألوهية-: ﴿مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ﴾ [وفي قراءة:بالتخفيف: (يُنْجيكم)] أي: من شدائدهما وكربهما العظيمة، وأهوالهما المريبة، في أسفاركم حين ﴿تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ﴾ [وفي قراءة : بكسر الخاء (وخِفية)] أي: معلنين الضراعة والذّلة والاستكانة ومسرّين بها في أنفسكـم ، تقولـون: ﴿لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا﴾ الله ﴿مِنۡ هَٰذِهِۦ﴾ المهامه البرية، واللجج البحرية، والظلمات والشدائد والكرب.واللام في قوله: (لئن): لام قسم. [وفي قراءة: (لئن أنجيتنا) أي: يا ربنا من هذه الظلمات والشدائد] .﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ لله، المعترفين بنعمه، الواضعين لها في طاعته، الحافظين لها عن بذلها في معصيته. ومثله قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)الإسراء(٦٧)، وقوله: (هو الذي يسيّركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك و جرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)يونس(٢٢).
6:64Page 135
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤
Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."
٦٤ - ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمّد: ﴿ٱللَّهُ﴾ وحده ﴿يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا﴾ أي: من الظلمات، والشدائد، والأهوال، البرية والبحرية [وفي قراءة: (يُنْجيكم) بالتخفيف]. ﴿وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ﴾ أي: وينجيكم من كل غمّ وهمّ سوى ما ذُكر من الشدائد والأهوال. والكرب: كل مكروه نفسي وجسدي. ﴿ثُمَّ أَنتُمۡ﴾ مع إنجائه لكم من الشدائد والأهوال الخاصة، والكروب العامة ﴿تُشۡرِكُونَ﴾ به وتدعون معه في حال الصحة والرفاهية آلهة أخرى. فكيف وضعتم الشرك موضع الشكر الذي وعدتم به أنفسكم؟
6:65Page 135
قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥
Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.
٦٥ - ﴿قُلۡ هُوَ﴾ الله ﴿ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا﴾ من كل جهة، وجانب ﴿مِّن فَوۡقِكُمۡ﴾ وهو ما ينزل من السماء من المطر والصّواعق، والحجارة- كالرجم و الحصب- والصّيحة، ونحو ذلك. ﴿أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ﴾ كالخسف والزلازل والغرق والطّوفان، ونحو ذلك. ويشهد له قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ١٦ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير)الملك(١٦-١٧). وفي الحديث:«ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ». وفي البخاري عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية قال ﷺ:«أعوذ بوجهك»، و في رواية ابن مردويه عنه قال:«أعوذ بالله من ذلك» . ﴿أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا﴾ أي: أو يخلطكم فرقاً مختلفة الأهواء، متفرّقة النّحل والآراء. وشيعاً: جمع شيعة: وهم الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة. والالتباس: الاختلاط و هو خلط اضطراب واختلاف. وفي الحديث:«وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النّار إلا واحدة». وقيل: أو يجعلكم فرقاً تختصمون وتشتبكون في ملاحم القتال، أي: يقاتل بعضكم بعضاً.﴿وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ﴾ أي: شدّة بعض في القتال، بأن يُسلط بعضكم على بعض في الفتن بالعذاب والقتل، والأسر والنّهب.و«البأس»: الشدّة. وهذا ما ابتلي به النّاس في سائر العصور. وفي البخاري عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية، قال ﷺ:«هذه أهون أو أيسر». ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمد ﴿كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نبيّن لهم الحجج والدلالات على قدرتنا، ونكررها بأساليب مختلفة، وننوعها على أوجه متباينة، فنوضحها تارة، ونفسرها أخرى، وكلّها دالة على الحق والعدل ﴿لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ﴾ عن الله الحقائق الشرعية والمطالب الإلهية، أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه ويعتبرون بها، فيعلمون أنّ ما هم عليه باطل، فيعودون إلى الحق الذي بيّناه لهم. روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن زيد بن أسلم، قال: لمّا نزلت: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) الآية، قال رسول الله ﷺ:«لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف». قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله؟ قال:«نعم»، فقال بعضهم: لا يكون هذا أبداً أن يقتل بعضنا بعضاً ونحن مسلمون، فنزلت: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ٦٥ وكذّب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ٦٦ لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ٦٧)الأنعام(٦٥-٦٧).فائدة حديثيةوقد جاء في معنى هذه الآية جملة أحاديث: منها: ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) قال رسول الله ﷺ:«أعوذ بوجهك» (أو من تحت أرجلكم) قال:«أعوذ بوجهك»، (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) قال ﷺ:«هذه أهون أو: أيسر». وما رواه أحمد ومسلم- في كتاب «الفتن»- عن سعد بن أبي وقاص، أنّ رسول الله ﷺ مرّ على مسجد بني معاوية، فدخل فصلّى ركعتين، وناجى ربّه طويلاً، ثمّ قال:«سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمّتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمّتي بالسّنة- أي: بالجدب والقحط- فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها». وروى أحمد والنّسائي وابن حبّان والتّرمذي، وقال: حسن صحيح، عن خبّاب بن الأرتّ، أنّه وافى رسول الله ﷺ في ليلة صلاّها، فلمّا سلّم من صلاته، قال: يا رسول الله، لقد صلّيت الليلة صلاة ما رأيتك صلّيت مثلها، فقال:«أجل، إنّها صلاة رغب و رهب، سألت ربّي عزّ وجل فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربّي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر علينا عدوّاً من غيرنا، فأعطانيها، وسألته أن لا يَلبسنا شيعاً، فمنعنيها». وروى أحمد- بإسناد جيد قوي- عن شدّاد بن أوس، أنّ رسول الله ﷺ قال:«إنّ الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ مُلْك أمّتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإنّي أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر- أي: الذهب والفضّة- وإنّي سألت ربّي عزّ وجل أن لا يهلك أمّتي بسنة عامّة، وأن لا يُسلط عليهم عدوّاً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس، فقال: يا محمّد، إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يُرد، وإنّي قد أعطيت لأمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلّط عليهم عدوّاً ممّن سواهم فيهلكهم بعامّة-و في رواية ثوبان: فيستبيح بيضتهم و لو اجتمع عليهم من بأقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً». قال: وقال رسول الله ﷺ:«إنّي لا أخاف على أمّتي إلا الأئمة المضلّين، فإذا وُضع السّيف في أمّتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة». وروى الطّبراني من حديث جابر بن سمرة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنّ رسول الله ﷺ قال:«سألت ربّي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: قلت: يا ربّ، لا تهلك أمّتي جوعاً، فقال: هذه لك، فقلت: يا ربّ، لا تسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم- يعني: أهل الشّرك- فيجتاحهم، قال: ذلك لك، قلت: يا ربّ، لا تجعل بأسهم بينهم، قال: فمنعني هذه». وروى الحافظ ابن مردويه عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله ﷺ قال:«دعوت ربّي أن يرفع عن أمّتي أربعا، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربّي أن يرفع الرجم من السّماء، والغرق- و في رواية: الخسف- من الأرض، وأن لا يَلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرّجم من السّماء، والغرق- أو الخسف- من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج». وروى نحوه من طريق أخرى عن ابن عباس قال: لمّا نزلت: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) الآية، قام النّبي ﷺ فتوضّأ، ثمّ قال:«اللهمّ لا ترسل على أمّتي عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً، ولا تُذق بعضهم بأس بعض، قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمّد، إنّ الله قد أجار أمّتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، أو من تحت أرجلهم». يعني: ومنعه الأُخريتين.
6:66Page 135
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦
But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."
٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان. وقيل: بالعذاب الذي أنذرتهم به وأخبرتهم بمجيئه ﴿قَوۡمُكَ﴾ يعني: قريشاً ﴿وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ﴾ الذي لا مرية فيه، والصّدق الذي لا شكّ يعتريه ﴿قُل﴾ لهم ﴿لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ﴾ أي: بحفيظ على أعمالكم ولا رقيب، حتى أجازيكم عليها، إنّما أنا منذر ومبلّغ، فأمركم موكول إلى الله، يحفظ عليكم أعمالكم ويجزيكم بها، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
6:67Page 135
لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧
For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.
٦٧ - ﴿لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ﴾ أي: لكل خبر حقيقة، أو لكل خبر وقوعٌ ولو بعد حين، أو لكل خبر وقت يقع فيه ويستقر، وزمان لا يتقدّم عنه ولا يتأخر- ومنه عذابكم- ونهاية يظهر بها أنّه حقّ أو باطل. كقوله: (ولتعلمن نبأه بعد حين)ص(٨٨). وقوله: (لكل أجل كتاب)الرعد(٣٨) تعلمون به صدق الوعد والوعيد. ﴿وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ ما توعدون به من العذاب، أو: ما أخبرتكم بحقيقته ووقوعه، أو مستقر هذا النّبأ و عاقبته. وفي الآية: تهديد شديد، و وعيد أكيد.
6:68Page 135
وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨
And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.
٦٨ - ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا﴾ أي: في القرآن بالباطل، أي: يأخذون فيها، استهزاءً وتكذيباً، وطعناً وقدحاً، ورداً للحقّ وإعراضاً عنه. وأصل الخوض: العبور في الماء، ثمّ استعير للأخذ في الحديث، فقيل: تخاوضوا في الحديث، أي: أخذوا فيه. وأكثر ما يُستعمل الخوض فيما كان على وجه اللّعب والعبث. والخطاب في الآية لكلّ من يتأتّى مخاطبته، أو للرسول ﷺ، والمراد: أمّته في كل زمان ومكان. ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ﴾ أي: فدعهم وصدّ عنهم، ولا تُجالسهم، ولا تقعد معهم لسماع هذا المنكر، وهو الخوض في آيات الله بالباطل، وإن جالست قوماً فخاضوا بالباطل فقم عنهم أيضاً. وفي الآية: نهي عن حضور مجالس الخائضين في آيات الله بالباطـل، والاستمـرار معهم فـي حالهـم عـلى ذلك، ﴿حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ﴾ أي: حتّى يأخذوا في كلام آخر، غير الخوض في آيات الله بالباطل، فإذا كان البحث والخوض في كلام غيره، زال النّهي المذكور. وفي ذمّ الخوض بالباطل، حثّ وترغيب على البحث والنّظر والمناظرة بالحقّ. ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [و في قراءة: بتشديد السين: (وإمّا يُنَسِّيَنَّك)] فقعدت معهم، وجالستهم على وجه النّسيان والغفلة، ثمّ تذكرت، أو: فإن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فتذكرت ﴿فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ﴾ أي: بعد التذكّر ﴿مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم، الخائضين في آيات الله بالباطل والتّكذيب والاستهزاء. وفي الحديث:«رُفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه» وعند ابن ماجه بلفظ:«إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه». وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره إنّكم إذاً مثلهم)النّساء(١٤٠)، أي: إنّكم إذا جلستم معهم، وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه من الإثم. وفي الآية: أمر من الله لرسوله وأمّته بالإعراض عن مجالسة الخائضين في آيات الله بالباطل، المستهزئين بها، المكذّبين لها، الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير مواضعها، وفيها نهي عن مُجالسة أهل البدع والأهواء المضلّة، ووجوب اجتناب مجالس أهل اللّغو والفجور، والإلحاد والزندقة. وعليه، فكل خائض في آيات الله بالباطل، وكل مكذّب لها مُستهزئ بها، مُتكلّم بمحرّم أو فاعل لمحرّم، فإنّه يحرم الجلوس معه في مجلسه، والحضور عند منكره وباطله، فهذا النّهي والتحريم شامل لمن جالسهم أو شاركهم في القول والعمل المحرّم، أو سكت عنهم، وعن الإنكار عليهم، ولم يستعمل تقوى الله معهم. فإن استعمل معهم تقوى الله، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن المنكر، من قول وفعل، فليس عليه في ذلك إثم ولا حرج. وعن ابن عبّاس: أن الآية نهي عن مجالسة الذين يتجادلون في آيات الله، ويتخاصمون فيها، وهم أهل الأهواء والبدع. وعن سعيد بن جبير: أنها في المشركين المستهزئين بالقرآن والنّبي ﷺ.
6:69Page 136
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩
And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.
٦٩ - ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الله، أو الخوض في آياته بالباطل، ﴿مِنۡ حِسَابِهِم﴾ أي: من حساب الخائضين المستهزئين وإثمهم ﴿مِّن شَيۡءٖ﴾ إذا تجنّبوهم وأعرضوا عنهم فلم يجلسوا معهم، فقد برئوا من عُهدتم، وتخلصوا من إثمهم، ولو خاضوا في آيات الله بعد ذلك ﴿وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ﴾ لهم، أي: تذكرة وموعظة للخائضين ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله أو الخوض في آياته بالباطل. وقيل: ليس على الذين يتقون الله أو الخوض في آيات الله، في مجالستهم للخائضين فيها، أيّ شيء من الإثم لو جالسوهم، فإن إثم الخائض على نفسه، ولكن قوموا و أعرضوا عنهم، تذكيراً لهم بعظم الإثم الذي هم واقعون فيه، بسبب هذا الخوض، لعلّهم يتّقون الله في ذلك، فيتركونه، ولا يعودون إليه. ففي الآية- على هذا المعنى- الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة الكفّار إن لم يخوضوا معهم في الباطل. ولعلّ هذا كان في أوّل الأمر، ثمّ نزل النّهي عن الرّخصة في ذلك في قوله: (إنّكم إذاً مثلهم)النّساء( ١٤٠). وفي الآية: حثّ و ترغيب على التذكير والموعظة الحسنة، ليكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى. فإذا كان التذكير والوعظ ممّا يزيد الموعوظ والمذكَّر شرّاً إلى شرّه، كان ترك التذكير والوعظ هو الواجب، لأنه إذا ناقض مقصوده، كان تركه واجتنابه مقصوداً.
6:70Page 136
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.
٧٠ - ﴿وَذَرِ﴾ أي: اترك ودع ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ﴾ الحقّ ﴿لَعِبٗا وَلَهۡوٗا﴾ أي: عبثاً وتسلية باستهزائهم به، وتكذيبهم إياه، و سخريتهم منه.واللّعب: إضاعة العمر في غير فائدة.واللّهو: شغل النّفس عن الجدّ والعمل المفيد. ﴿وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ أي: خدعتهم وأطمعتهم بالباطل حتى آثروها على الآخرة، فأعرض عنهم وعن باطلهم، ولا تتعرض لهم، وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجّة والبيان، وكان هذا قبل الأمر بقتالهم. ﴿وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ﴾ أي: وعظ-يا محمد- بالقرآن النّاس﴿أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ﴾ أي: لئلا أو كي لا تُسلم نفس إلى الهلاك، أو تُحبس في النّار ، أو تُرتهن بسوء عملها، أو تؤاخذ به أو تُجزى به أو تُحرم الثّواب ﴿بِمَا كَسَبَتۡ﴾ أي: بسبب ما عملت من الكفر والذنوب والآثام. والمعنى: ذكّر بالقرآن لعلّ أحداً يتذكّر، فينجو بنفسه من العذاب قبل أن يحيط بها، فلا تجد عنه مخلصاً. من البَسْل بمعنى: المنع بالقهر، أو التحريم، أو الحبس والرّهن، أو الاستسلام. والإبسال: الإسلام للهلكة- أي: تسليم المرء نفسه للهلاك- والحبس عن الخير، والارتهان عن دَرك المطلوب. كقوله: (كل نفس بما كسبت رهينة)المدّثر(٣٨). ومنه: أسد باسل: لمنعه فريسته من الإفلات. وشجاع باسل: أي: يحمي نفسه ويمنعها، وشراب بسيل: أي: متروك، وهذا بسيل عليك: أي: محرّم عليك. ﴿لَيۡسَ لَهَا﴾ أي: النّفس﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره ﴿وَلِيّٞ﴾ أي: ناصر من قريب أو صديق ينصرها ﴿وَلَا شَفِيعٞ﴾ يشفع لها عنده ويمنع عنها عذاب الله وانتقامه، كقوله: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة)البقرة(٢٥٤). ﴿وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ﴾ أي: وإن تَفْد تلك النّفس- التي سُلّمت للهلاك- كلّ فداء، أو تفتد بكل فداء، أو تبذل كلّ فدية، ولو بملء الأرض ذهباً ﴿لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ﴾ ما تفتدي به، أي: لا يُقبل منها ذلك العدل أو الفداء حتى تنجو به من الهلاك والعذاب. والعْدل: الفداء. وهو كقوله سبحانه: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به) آل عمران(٩١). ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذُكر ﴿ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ﴾ أي: أُسْلموا للهلاك ولعذاب الله، أو حُبسوا في النّار، أو ارتُهنوا بذنوبهم ، أو أهلكوا أنفسهم، وأيسوا من الخير، ﴿بِمَا كَسَبُواْۖ﴾ أي: بسبب ما عملوا من الأعمال القبيحة ﴿لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ﴾ أي: ماء بالغ نهاية الحرارة، يتجرجر في بطونهم، وتتقطّع به أمعاؤهم.﴿وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ﴾ أي: مؤلم ﴿بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم وتكذيبهم بآيات الله.
6:71Page 136
قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١
Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
٧١ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمّد، لهؤلاء المشركين بالله، الدّاعين معه غيره، القائلين للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمّد-: ﴿أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: أنعبد ونسأل من دونه ﴿مَا لَا يَنفَعُنَا﴾ بوجه من وجوه النّفع ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ بوجه من وجوه الضّرر، كالأصنام والأنداد ونحوهما. ومن كان هكذا لا يستحق العبادة والدعاء والسؤال. ﴿وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا﴾ في الكفر والضّلالة ﴿بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾ إلى الإسلام، أي: نرجع بعد الإسلام إلى الشرك الذي كنّا فيه، وننقلب من الهداية إلى الضّلال، ومن الرّشد إلى الغواية والخبال، ومن الطرق الموصل إلى جنّات النّعيم إلى الطّرق المفضية بسالكها إلى العذاب الأليم. يُقال لمن ردّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد رُدّ على عقبيه، ومثله: رجع القهقرى. ﴿كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ﴾[وفي قراءة: (استهواه)] ﴿ٱلشَّيَٰطِينُ﴾ أي: أنُردّ إلى الشرك والكفر ردّاً مثل الذي ذهبت به وبعقله، أو هوت به وأطارت صوابه ولُبّه المردة من الشياطين، فاستمالته عن الطريق الواضح، و استنزعته وأضلّته عنه وألقته ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ و المهامه والقفار ﴿حَيۡرَانَ﴾ تائهاً ضالاً عن الجادّة، مُتحيّراً لا يدري أين يذهب أو ماذا يصنع؟ ﴿لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ﴾ أي: رفقة ﴿يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى﴾أي: إلى الطريق المستقيم، يقولون له: ﴿ٱئۡتِنَاۗ﴾ فإنّا على الطريق الحقّ، فلا يُجيبهم، ولا يهتدي بهديهم، لأنّه مُتحيّر لا يدري أيّ الداعيين- الشياطين، دعاة الرّدى أو الأصحاب ، دعاة الهدى- يدعوه إلى الطريق الصحيح. والكلام من باب التمثيل، فالكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيبه ويتّبع الشيطان الذي يغويه.فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله، ولم يستجب لداعي الحقّ والهدى. روى ابن جرير عن السدي في معنى هذه الآية ، قال: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضلّ الطريق، فحيّرته الشياطين واستهوته وأضلّته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا، فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مَثل من يَتْبع الشياطين بعد معرفته بمحمّد ﷺ، فمحمّد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للآلهة التي تعبد من دونه ومن يدعو إليها، والدّعاة الذين يدعون إلى هدى الله عزّ وجل، كمثل رجل ضلّ عن طريق تائهاً، إذ ناداه مناد: هلمّ إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: هلمّ إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به إلى الهلكة والرّدى، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق. قال: فهذا مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنّه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل به الهلكة والنّدامة. رواه ابن جرير. والاستفهام في قوله : «أندعو» للإنكار- أي: لن نفعل ذلك- وجملة التشبيه، حال من ضمير «نُردّ». ﴿قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ﴾ أي: دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام ﴿هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ﴾ وما عداه فباطل وضلال، ﴿وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: وأمرنا بأن نُسلم ونُخلص العبادة لله وحده، وأن ننقاد لتوحيده، ونستسلم لأوامره ونواهيه، وندخل تحت عبوديّته، وحده لا شريك له.
6:72Page 136
وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢
And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.
٧٢ - ﴿وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: وأُمرنا بأن نقيم الصّلاة، بأركانها وشروطها، وسننها ومكملاتها. ﴿وَٱتَّقُوهُۚ﴾ أي: وأُمرنا بأن نتقي الله، بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ أي: تُجمعون يوم القيامة للحساب والجزاء،فإليه وحده المرجع والمآب.
6:73Page 136
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣
And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day [i.e., whenever] He says, "Be," and it is, His word is the truth.1 And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen2 and the witnessed;3 and He is the Wise, the Aware.
٧٣ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ﴾ أي: مُتَلبساً بالحق والعدل، لِحكم، ومنافع لعباده، لا عبثاً و لا باطلاً، فهو خالقهما ومالكهما، والمدبّر لهما ولمن فيهما ﴿وَيَوۡمَ﴾ القيامة ﴿يَقُولُ﴾ للشيء ﴿كُن فَيَكُونُۚ﴾ ذلك الشيء ويحدث، إذ يأمر بالبعث والحشر، فتطيعه الخلائق كلّها. ذلك القول ﴿قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ﴾ الذي لا مرية فيه، والصّدق الذي لا شكّ فيه، وقضاؤه المعروف بالحقيَّة كائن لا محالة. و«يوم» خبر مقدّم، «وقوله» مبتدأ مؤخر، و«الحقّ» صفته. ﴿وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ﴾ أي: واستقرّ الملك لله وحده، في ذلك اليوم الذي يؤمر فيه إسرافيل بالنّفخ في الصّور فلا ملك فيه لغيره وسواه: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)غافر(١٦)، (والأمر يومئذ لله)الانفطار(١٩).والصّور: هو القرن أو البوق الذي يَنفخ فيه إسرافيل نفخة الصّعق والموت والفناء، ثمّ نفخة البعث والنّشور والإحياء، والله أعلم بحقيقته. وعند مسلم في «صحيحه» عن رسول الله ﷺ، قال:«إن إسرافيل قد التقم الصّور، وحنى جبهته متى يؤمر فينفخ». وعند أحمد في «مسنده» عن عبد الله بن عمرو، قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصّور؟ قال:«قرن يُنفخ فيه». ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ﴾ أي: العالم بما غاب عن وسائل إدراك النّاس- وهي الحواس الخمس- وما شوهد منها، وأُدرك بها. ﴿وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أمره وشرعه، وخلقه وصنعه، وقضائه وقدره، وفي كل ما يصدر عنه ﴿ٱلۡخَبِيرُ﴾ بكل شيء، سرّه وعلانيته، باطنه وظاهره، خفيّه وجليّه، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences