Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
القلم
Al-Qalam
The Pen · Meccan · 52 ayahs
١ - ﴿نٓۚ﴾ وهي للبيان والتنبيه والتحدّي والإعجاز، وتقدم الكلام على هذه الحروف المقطّعة في أوّل سورة البقرة، والله تعالى أعلم بمراده بذلك.﴿وَٱلۡقَلَمِ﴾ قسم من الله تعالى بالقلم، وهو اسم جنس واقع على كلّ قلم يُكتب به.﴿وَمَا يَسۡطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبه الكاتبون بالقلم وما يخطون ممّا فيه الخير والنّفع. وفيه تعظيم لشأن الكتابة أداة العلم.والآية قسم من الله تعالى على براءة نبيّه ﷺ مما نسبه إليه المشركون من الجنون، حسداً وعداوة ومكابرة، وعلى ثبوت الأجر الدائم له، على قيامه بأعباء الرسالة، وعلى كونه على دين الإسلام والتوحيد – بجنس القلم الذي يخطّ به في السماء، في اللوح المحفوظ، وفي صحف الملائكة والحفظة، وفي الأرض بما ينفع الناس من تعليم الكتابة التي تُنال بها العلوم. وأقسم تعالى بما يكتبه الكاتبون من الملائكة والناس ممّا هو خير ونفع وصلاح.روى ابن جرير عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أوّل شيء خلقه الله: القلم، فأمره، فكتب كلّ شيء».وقد أمر الله هذا القلم أن يجري بقدر الله، فكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام.روى ابن أبي حاتم وأحمد والترمذي - وقال: حسن صحيح غريب – عن عبادة بن الصامت: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب يا ربّ؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد».وجواب القسم:
68:2Page 564
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
٢ - ﴿مَآ أَنتَ﴾ يا محمّد ﴿بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ﴾ أي: بسبب نعمته التي أنعم بها عليك، من النبوة والرسالة والوحي ﴿بِمَجۡنُونٖ﴾ ردّ لقولهم:(يا أيها الذين نُزل عليه الذكر إنك لمجنون)الحجر(٦) أي: لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة.
٣ - ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا ﴾ أي: ثواباً على صبرك وتحمّلك أعباء الرسالة ﴿غَيۡرَ مَمۡنُونٖ﴾ أي: غير منقوص ولا مقطوع عنك.من مننتُ الحبل: إذا قطعتُه.أو: غير ممنون به عليك، أي: من جهة النّاس.
٤ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ أي: دين عظيم، هو دين الإسلام.أو: أدب عظيم، وهو أدب القرآن.وفي الصحيح عن عائشة أنها سُئلت عن خُلق رسول الله ﷺ، فقالت: «كان خلقه القرآن» رواه أحمد. وروى ابن جرير – واللفظ له – وأبو داود والنسائي بنحوه، من حديث سعد بن هشام وقد سألها عن خلق رسول الله ﷺ، فقالت: «كان خلقه القرآن، أما تقرأ: (وإنك لعلى خلق عظيم)».وروى ابن المنذر عنها، قالت: «كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه».
٥ - ﴿فَسَتُبۡصِرُ﴾ يا محمد ﴿وَيُبۡصِرُونَ﴾ أي: الذين خالفوك وكذّبوك، أي: ستعلم ويعلمون إذا تبيّن الحقّ يوم القيامة:
٦ - ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ﴾ أي: في أيّ فريق منكم الذي فُتن بالجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أو: في أيّهما يوجد من يستحقّ هذا الوصف. والباء بمعنى: «في». أو: فسترى ويروْن بأيّ منكم الجنون؟فالمفتون هنا: مصدر كالمعقول والمعقود، بمعنى: الفتون، أي: الجنون، أي: أبك أم بهم الجنون؟وقال ابن كثير: ومعنى المفتون، أي: الذي قد افتُتن عن الحقّ وضلّ عنه، وإنما دخلت الباء في قوله تعالى: (بأيّكم) لتدلّ على تضمين الفعل في قوله: (فستبصر ويبصرون).وتقديره: فستعلم ويعلمون، أي: فستُخبر ويُخبرون بأيكم المفتون، اهـ.والآية: تعريض بغلاة المشركين وردّ على وصفهم له بهذا الوصف القبيح، وفيها: وعد له ﷺ ووعيد لهم.
68:7Page 564
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ﴾ أي: عالم ﴿بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ أي: أنت يا محمد، أم هم ﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ لسبيله؟أي: هو تعالى يعلم أي الفريقين منكم ومنهم المهتدي، ويعلم الضالّ عن الحقّ.وفيه وعد للمهتدين، ووعيد للضالين، وبيان لحكمة الله في هداية من يصلح للهداية، وإضلال من يصلح للضّلال.
٨ -﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أي: لا تـداهـنـهـم ولا تُدارهم استجلابا لقلوبهم، ثم علّل ذلك بقوله:
68:9Page 564
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
٩ - ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ﴾ أي: تمنّّوْ وأحبّوا لو تلين لهم في دينك بالركون إلى آلهتهم ﴿فَيُدۡهِنُونَ﴾ أي: فيلينون لك في عبادة إلهك.أو: ودّوا لو تركن إليهم، وتُلاينهم، وتسامحهم في بعض الأمور، بترك ما لا يرضونه من الحقّ مصانعةً لهم، فهم يُدهنون لك، أي: يُظهرون لك الملاينة والمصانعة، بترك بعض مالا ترضى به، لتميل معهم.وجواب التمنّي المفهوم من (ودّوا): جملة اسمية تقديره: فهم يدهنون.والإدْهان: اللّين والمصانعة والمقاربة في الكلام.
68:10Page 564
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
And do not obey every worthless habitual swearer
١٠ - ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ﴾ أي: كثير الحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾ أي: حقير في الرأي والتمييز، ذليل، وضيع، أو: كذّاب.
١١ - ﴿همّاز﴾ أي عيّاب طعّان، أو: مغتاب للناس.من الهمز، وهو واللّمز: الضرب طعناً باليد أو العصا ونحوها، ثم استعير للذي ينال الناس بلسانه وبعينه وإشارته، ويقع فيهم بالسوء، لأنه يطعن في أعراضهم بما يكرهون.﴿مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ﴾ أي: نقّال للحديث، أو ساع بالكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم، وهو الذي يمشي بين الناس بالنّميمة.والنّميم والنّميمة: مصدران بمعنى: السعاية والإفساد.يقال: نمّ الحديث – من بابي: قتل وضرب -: سعى ليوقع به فتنة أو وحشة، فالرّجل نمٌّ و نمّام.وأصلها: الهمس والحركة الخفيفة، ثم استُعملت فيما ذُكر مجازاً.وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذّبان، وما يُعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستبرئ من البول، وأمّا الآخر، فكان يمشي بالنميمة».وأخرج أحمد و البخاري و مسلم والترمذي و النسائي و أبو داود من حديث حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنّة قتّات». وفي رواية عند أحمد: «لا يدخل الجنة نمّام». والقتّات: النّمام.وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي ﷺ قال: «.... ألا أخبركم بشراركم؟ المشّاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبّة، الباغون للبرآء العنت»الحديث.
68:12Page 564
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
A preventer of good, transgressing and sinful,
١٢ - ﴿مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ﴾ أي: بخيل بالمال عن الحقوق والواجبات، ضنينٍ به، يمنع ما عليه وما لديه من الخير.أو: صادٍّ عن الإسلام ﴿مُعۡتَدٍ﴾ أي: ظالم، متجاوز لحدود الله، ولحقوق الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: آثم، كثير الإثم والذنوب في حقّ الله.
١٣ - ﴿عُتُلِّۭ﴾ أي: جاف شديد في كفره، غليظ فظّ. من عتله يَعْتِله ويعتُله – بالكسر والضمّ -: إذا جرّه بعنف وغلظة. أو هو شديد الخصومة بالباطل.أو: الشّديد الخَلْق الفاحش اللئيم الخُلُق. أو: الجموع المنوع.وفي الصحيحين ومسند أحمد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ: «.. ألا أنبئكم بأهل النّار؟ كلّ عتلّ، جوّاظ، مستكبر».وفي رواية: «كلّ جوّاظ جعظري، مستكبر».وفي أخرى لأحمد: «كل جعظريّ جوّاظ، مستكبر، جمّاع، منّاع». والجعظري: الفظّ الغليظ، والجوّاظ: الجموع المنوع.﴿بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: بعد ما عُدّ من معايبه ﴿زَنِيمٍ﴾ أي: مُلصقٍ بالقوم، دعيّ النّسب فيهم، كأنه فيهم زنمة، وهي ما يتدلّى من الجلد في حَلْق المعز تحت لحيتها.وقيل: الزنيم: هو المريب الذي يُعرف بالشرّ أو بالّلؤم بين الناس، كما تُعرف الشاة بزنمتها، أي: بعلامتها.أو: هو الفاجر، أو: ولد الزّنا.وقيل: العتلّ الزّنيم: الفاحش اللّئيم.قيل: و المراد به: الأخنس بن شريق، أو: الوليد بن المغيرة.وفي الحديث عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم مرفوعاً: «تبكي السماء على عبد أصحّ الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا هضماً، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتلّ الزنيم».وحاصل هذه الآيات: (٨ -١٣): أن الله نهى عن طاعة المكذّبين، وعن طاعة كلّ حلاّف مهين، همّاز مشّاء بين الناس بالنميمة، منّاع للخير، ظالم، أثيم، فاحـش لئيم.
١٤ - ﴿أَن كَانَ﴾ أي: لأن كان ﴿ذَا مَالٖ وَبَنِينَ﴾ أي: لأجل كثرة ماله وولده.[وفي قراءة: (ءأن كان) – بهمزتين مفتوحتين - أي: أَلِأَن كان ذا مال وبنين؟]
68:15Page 564
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
١٥ - ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا﴾ أي: القرآن ﴿قَالَ﴾ هي ﴿أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: أباطيلهم وخرافاتهم التي سطّروها في كتبهم السابقة، جمع أسطورة.أي: كذّب بآياتنا لأجل إنعامنا عليه بالمال والبنين؟وقيل: المعنى: لا تطعه لماله وبنيه.
١٦ - ﴿سَنَسِمُهُۥ﴾ أي: هذا المكذّب بآيات الله ﴿عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ﴾ أي: على الأنف، أي: سنبيّن أمره بياناً واضحاً شافياً، حتى يعرفه الناس، فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السّمة على الخرطوم، أي: الأنف.أو: سنُلحق به عاراً لا يفارقه، كالوسْم على الأنف. تقول العرب للرجل يُسبّ سُبّة سوءٍ قبيحة باقية: قد وُسم مِيسمَ سوء. أي: أُلصق به عارٌ لا يفارقه، كما أن السّمة وهي العلامة لا يُمحى أثرها.أو: سنجعل على أنفه علامة يُعيّر بها ما عاش.قال ابن عباس: فخُطم أنفه بالسيف يوم بدر.وقال آخرون: (سنسمه) سمة أهل النّار، يعني: نسوّد وجهه يوم القيامة، وعبّر عن الوجه بالخرطوم.قال ابن كثير: ولا مانع من اجتماع جميع ما ذُكر عليه في الدنيا والآخرة.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً: «من مات همّازاً لمّازاً، ملقّباً للناس، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم، من كلا الشفتين».والخرطوم: الأنف من الإنسان، والوسم عليه يكون بالنّار، وكُنِّي به عمّا ذُكر، غاية في الإذلال والإهانة.
68:17Page 565
إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧
Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning
١٧ - ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ﴾ أي: امتحنّا أهل مكّة واختبرناهم بالقحط والجوع، بدعوته ﷺ عليهم.أو: هو مثل ضربه الله تعالى لكفّار قريش، فيما أُهدي إليهم من الرحمة العظيمة ببعثة محمد ﷺ، فقابلوه بالتكذيب والردّ والمحاربة، أي: إنا بلوناهم واختبرناهم ببعثته ﷺ.﴿كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ﴾ أي: البستان، المعروف خبرهم عند قريش.قيل: هم أصحاب بستان بأرض اليمن، قريباً من صنعاء، ورثوه عن أبيهم، وكان يؤدّي للمساكين حقّ الله فيه، فلمّا مات، بخلوا به، فكان من أمرهم ما قصّه الله في هذه السورة:﴿إِذۡ أَقۡسَمُواْ﴾ أي: حلفوا ﴿لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ﴾ أي: ليقطعُنّ ويجذُنّ ثمارها بعد استوائها، داخلين في وقت الصباح الباكر، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، فلا يتصدّقون منه بشيء.من الصّرم: وهو القطع. يقال: صرم النّخل – من باب: ضرب -: قطعه وجذّه. ومنه: الانصرام، أي: الانقطاع. ويقال: أصبح، أي: دخل في وقت الصّباح.
١٨ - ﴿وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ﴾ أي: في حلفهم ويمينهم بمشيئة الله تعالى، أي: لا يقولون فيما حلفوا به: إن شاء الله.والجملة مستأنفة، أي: وشأنهم ذلك.أو: ولا يستثنون حصّة المساكين من جملة ذلك القدر المصروم، كما كان يفعل أبوهم،أي: لا يطعمون مسكيناً.والجملة عطف على (ليصرمنّها) ومقسم عليه.
68:19Page 565
فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩
So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.
١٩ - ﴿فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي: نزل بها بلاء وعذاب محيط من عند الله، أو: طارق من أمر الله ﴿وَهُمۡ نَآئِمُونَ﴾ ليلاً.والطائف غلب في الشرّ، وهي هنا: النّار المحرقة، ولا يكون الطائف – في كلام العرب – إلاّ ليلاً.
٢٠ - ﴿فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ﴾ أي: كالبستان الذي صُرمت ثماره، أي: قُطعت، بحيث لم يبق منها شيء.وقيل: كالصّريم، أي: كالليل البهيم الشديد الظلمة. أي: سوداء، محترقة.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والمعاصي،إن العبد ليذنب الذنب، فيُحرم به رزقاً، قد كان هُيِّىء له» ثم تلا رسول الله ﷺ:(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصّريم) الآية، قد حُرموا خير جنّتهم بذنبهم.
٢١ - ﴿فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ﴾ أي: نادى بعضهم بعضاً لمّا أصبحوا:
68:22Page 565
أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢
[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."
٢٢ - ﴿أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ﴾ أي: باكروا مقبلين على ثماركم وزرعكم ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ﴾ أي: قاصدين للصّرم، مريدين للقطع وحصاد الثمار. و «أن» مفسّرة للتنادي، أو: مصدرية، أي: بأن.
٢٣ -﴿فَٱنطَلَقُواْ﴾ قاصدين صرمها ﴿وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ﴾ أي: يتسارّون بالحديث فيما بينهم.
68:24Page 565
أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤
[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."
٢٤ - ﴿أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: لا يدخل الجنّة اليوم عليكم مسكين. و «أن» مفسّرة لما قبلها من المسارّة والتخافت، أو مصدرية، أي: بأن.يقال: خفت يخفِتُ خُفُوتاً: إذا سكت ولم يُبيّن.
68:25Page 565
وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥
And they went early in determination, [assuming themselves] able.1
٢٥ - ﴿وَغَدَوۡاْ﴾ أي: ساروا إلى جنّتهم غُدوة ﴿عَلَىٰ حَرۡدٖ﴾ أي: على أمر قد قصدوه واعتمدوه و عزموا عليه، واستسرّوه بينهم ﴿قَٰدِرِينَ﴾ عليه في أنفسهم، وهو حرمان المساكين.والحرْد: القصد، من قولهم: حَرَد فلان حَرْد فلان – من باب: ضرب -: أي قصد قَصْده.أو: غدوْا إلى جنّتهم منفردين عن المساكين، ليس أحد منهم معهم، قادرين على صرامها وقطعها.من حَردَ عن قومه: إذا تنحّى عنهم ونزل منفرداً، ومنه: رجل حريد، أي: وحيد.أو: (وغدوا على حرد) أي: منْع للفقراء وإمساك لحق الله (قادرين) عليه في ظنّهم. أو: على نشاط وسرعة وجدّ من أمرهم قادرين في زعمهم على ما أصرّوا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
68:26Page 565
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦
But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;
٢٦ - ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهَا﴾ كالصّريم، سوداء محترقة ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ عنها، تائهون طريق جنّتنا، فليست هذه، ثم لمّا تأمّلوا وعلموا أنها هي، وأن الله عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمار والزروع، قالوا: لسنا ضالّين عنها.
٢٧ - ﴿بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ﴾ ثمرتها، بمنع المساكين منها، أي: حرمنا الله منفعتها، بذهاب حرثها، بسبب ما وقع منّا من العزم على منع المساكين من خيرها وثمرها.
68:28Page 565
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1
٢٨ - ﴿قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ﴾ أي: أمثلهم، وأعدلهم، وخيرهم، أو أرجحهم رأياً وعقلاً، وأحسنهم طريقة: ﴿أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ﴾ من قبل ﴿لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلاّ تذكرون الله، وتتوبون إليه وتستغفرونه، من سوء نيّتكم، بعزمكم على منع المساكين حقّهم؟
68:29Page 565
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."
٢٩ - ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ﴾ أي: تنزيهاً له تعالى وتقديساً عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنّتنا.﴿إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ لأنفسنا بمنع المساكين حقّهم منها.
68:30Page 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
٣٠ - ﴿فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ﴾ أي: يلوم بعضهم بعضاً على القسم، وقصد حرمان المساكين، ومنعهم من حقّهم.
68:31Page 565
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
٣١ - ﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ﴾ أي: يا هلاكنا ﴿إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ﴾ أي: معتدين متجاوزين الحدّ في حقّ الله، وحقّ عباده.
68:32Page 565
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
٣٢ - ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا﴾ – بالتخفيف والتشديد: (يبدّلنا) ، قراءتان – ﴿خَيۡرٗا مِّنۡهَآ﴾ أي: من جنّتنا، بتوبتنا إليه ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير والعفو عمّا فرط منّا.وقيل: راغبون في بذلها لهم في الدنيا.وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله تعالى أعلم.
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
٣٣ - ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثلَ العذاب الذي بلونا به أصحاب الجنّة من إهلاك حرثهم، وهم في غاية القدرة عليه والثقة به ﴿ٱلۡعَذَابُۖ﴾ لمن خالف أمرنا من كفّار مكّة وغيرهم، وبَخِل بما أتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حقّ المسكين والفقير، وبدّل نعمة الله كفراً.أو: مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أصحاب الجنّة، نبلو أهل مكّة وغيرهم بعذاب الدنيا، لمخالفة أمرنا وتكذيب رسلنا ﴿وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ﴾ من عذاب الدنيا، أي: أشق وأعظم ﴿لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك، ما خالفوا أمرنا.
68:34Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
٣٤ - ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ في الآخرة ﴿جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
68:35Page 565
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
٣٥ - ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ في الجزاء؟ أي: أنحيف في الحكم، فنجعل الذين خضعوا لنا بالطاعة والعبادة، كالذين اكتسبوا المآثم وارتكبوا المعاصي في المثوبة الحسنى والعاقبة الحميدة والمنزلة والجزاء؟ كلاّ.ثمّ وبّخهم الله باستفهامات سبعة: أوّلها هذا.
٣٦ - والثاني والثالث: ﴿مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد إذ تجعلون المطيع والعاصي سواءً؟ كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم.
٣٧ - والرابع: ﴿أَمۡ لَكُمۡ﴾ أي: بل ألكم ﴿كِتَٰبٞ﴾ منزّل من السماء ﴿فِيهِ تَدۡرُسُونَ﴾ أي: تقرأون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي؟
٣٨ - ﴿إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في ذلك الكتاب للّذي تختارونه وتشتهونه من الأحكام؟وهذه الجملة حكاية للمدروس على ما هو عليه. أي: هل في ذلك الكتاب الذي تدرسون، أنّ لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟وهذا توبيخ لهم وتقريع فيما كانوا يقولون من الباطل، ويتمنّون من الأماني الكاذبة.
68:39Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
٣٩ - والخـامس: ﴿أَمۡ لَكُمۡ﴾ أي: بـل ألكـم ﴿أَيۡمَٰنٌ﴾ أي: عهود ومواثيق مؤكّدة بالأيْمان ﴿عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ﴾ أي: متناهية في التوكيد، ثابتة ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ﴾ أي: بأنّ لكم للّذي تحكمـون به لأنفسكم؟ والمعنى: أمعكم عهود منّا ومواثيق مؤكّدة إلى يوم القيامة، أنّه سيحصل لكم ما تريدون وتطلبون؟
68:40Page 565
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
٤٠ - ﴿سَلۡهُمۡ﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء الكفّار موبّخاً ومقرّعاً – وهو الاستفهام السادس -: ﴿أَيُّهُم بِذَٰلِكَ﴾ الحكم ﴿زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل وضامن بأنّ لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟ والزّعيم: الضامن و الكفيل والمتكلّم عن القوم.
68:41Page 565
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
٤١ - والسابع: ﴿أَمۡ لَهُمۡ﴾ أي: بل ألهم ﴿شُرَكَآءُ﴾ موافقون لهم في هذا القول، يكفلون لهم به؟ أو شركاء لله بزعمهم قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ فإن كان الأمر كذلك ﴿فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ﴾ الكافلين لهم به ﴿إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ﴾ في دعواهم!
68:42Page 565
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
٤٢ - اذكر يا محمد ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ﴾ هو يوم القيامة، يكشف فيه ربّنا تبارك وتعالى عن ساقه الكريمة، كما في الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربّنا عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً».﴿وَيُدۡعَوۡنَ﴾ أي: الكفّار والمنافقون ﴿إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾ لله في ذلك اليوم ﴿فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ لأن ظهورهم تعود طبقاً واحداً.وروى ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) قال: عن أمر عظيم، هو يوم القيامة، يوم كرب وشدّة. وعن ابن عباس: هو الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة. كقولهم: شالت الحرب، أو كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتدّ الأمر فيها، فكشْف السّاق: كناية عن شدّة الأمر، وعظم الخطب.قلت: و هذا لا ينافي مجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين العباد، فيكشف عن ساقه الكريمة، ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
68:43Page 566
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
٤٣ - ﴿خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ﴾ أي: ذليلة، خاضعة، منكسرة يوم القيامة.ونسبة الخشوع للأبصار، لظهور أثره فيها. والجملة حال من ضمير (يُدعون).﴿تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ ﴾ أي: تغشاهم ذلّة شديدة، وحسرة، وندامة من عذاب الله.يقال: رَهِقَهُ: غشيه، وبابه: طَرِب. وأرهقه طغياناً: أغشاه.﴿وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَهُمۡ سَٰلِمُونَ﴾ أي: معافوْن من العلل، متمكّنون من الفعل، فيمتنعون منه، و يستكبرون عنه، ويأبوْن، حيث إنهم لم يكونوا يصلّون في الدنيا، فكان الجزاء من جنس العمل، فعوقبوا بعدم قدرتهم على السجود لله في الآخرة.
68:44Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
٤٤ - ﴿فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ﴾ أي: دَعْني يا محمد، وخلّ بيني وبين من يكذّب بالقرآن، وكِلْ إليّ أمره، فأنا أكفيكه. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديد للمكذّبين به.﴿سَنَسۡتَدۡرِجُهُم﴾ أي: سنستنزلهم إلى العذاب درجة درجة، أو سنُدْنيهم من العذاب درجة درجة، بالإمهال، والإحسان، وإسباغ النّعم ﴿مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أنه استدراج، بل يظنّونه إنعاماً، وتفضيلاً على المؤمنين، فيتمادوْا في الطغيان والكفر حتى نوقعهم فيه، ثم نأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
68:45Page 566
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
٤٥ - ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ﴾ أي: أُمهلهم، وأؤخّرهم، وأمدّ لهم، وأُنسئ في آجالهم، على كفرهم وتمرّدهم، ليزدادوا إثماً، وتتكامل الحجج عليهم.﴿إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن مكري بهم قويّ شديد، أو: إنّ إنعامي عليهم – استدراجاً لهم – كيد قويّ شديد، لا يُدفع ولا يُطاق.وتسميته كيداً، لكونه في صورته، حيث كان سبباً في هلاكهم.وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال:«إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يُفلته، ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)».و في الآية إثبات صفة الكيد لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و كماله وعظمته.
68:46Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
٤٦ - ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ﴾ أي: بل أتسألهم وتطلب منهـم ﴿أَجۡرٗا﴾ أي: ثواباً أو جُعلاً على تبليغ الرسالة، والدعوة إلى الله ﴿فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ﴾ أي: من غُرم ذلك الأجر أو غرامته ﴿مُّثۡقَلُونَ﴾ أي: مُكْلفون حملاً ثقيلاً، قد أثقلهم القيام بأدائه، فأعرضوا عن قبول دعوتك، وتجنّبوا الدخول في دينك؟
68:47Page 566
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
٤٧ - ﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ﴾ أي: بل أعندهم علم الغيب، أو اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب ﴿فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ منه ما يريدون وما يشتهون؟
68:48Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
٤٨ - ﴿فَٱصۡبِرۡ﴾ يا محمد ﴿لِحُكۡمِ رَبِّكَ﴾ فيهم بما يشاء، أو: اصبر لما حكم الله به شرعاً وقدراً، فإن الله سيحكم لك، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة.﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ﴾ في الضجر، والغضب، والعجلة، وعدم الصّبر على قومك، وهو يونس بن متّى عليه السلام.أي: لا يوجد منك يا محمد ما وُجد من يونس عليه السلام، من الضّجر، والغضب، وعدم الصّبر على قومه، فيعاقبك ربك كما عاقبه.﴿إِذۡ نَادَىٰ﴾ أي: دعا ربّه في بطن الحوت ﴿وَهُوَ مَكۡظُومٞ﴾ أي: مغموم، مكروب، أو مملوء غمّا وغيظاً على قومه، أو: إذ نادى ربّه وهو مقفل عليه في بطن الحوت، قائلاً: (لا إله إلا الله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)الأنبياء(٨٧).والمعنى: بل اصبر على أذى قومك وتكذيبهم لك، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.وكان من أمره عليه السلام أنه ذهب مغاضباً على قومه، فركب البحر وتركهم قبل أن يقضي الله أمره فيهم، فالتقمه الحوت، (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا الله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)الأنبياء(٨٧)، قال تعالى: (فاستجبنا له ونجيّناه من الغمّ وكذلك ننج المؤمنين)الأنبياء(٨٨).وقد تقدّم بيان قصّة يونس عليه السلام في الأنبياء ويونس والصّافات.
68:49Page 566
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
٤٩ - ﴿لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ﴾ أي: أدركه ﴿نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ أي: رحمة منه تعالى، هي توفيقه للتوبة، وقبولها منه، فتاب الله عليه ﴿لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ﴾ أي: لطُرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والأشجار ﴿وَهُوَ مَذۡمُومٞ﴾ أي: ملوم مؤاخذ بذنبه، وهو ترك الأفضل بالنسبة لمنصب النبوّة. والمعنى: لكنّ الله رحمه، فنُبذ غير مذموم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences