Al-Jami' al-WajizAl‑A'raf · 7:139–156

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:139–156

7:139Page 167

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

١٣٩ - وقال لهم موسى: ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ العاكفين على الأصنام ﴿مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ﴾ أي: مهلك، مدمّر، مخسَّر ما هم فيه من الدين الباطل والشرك وعبادة الأصنام. من التتبير: وهو الإهلاك، أو التكسير، والتحطيم والتدمير، والتبار: الهلاك والدمار. يقال: تَبرَه يَتْبِرَه وتبّره: أهلكه. ﴿وَبَٰطِلٞ﴾ أي: وذاهب زائل مضمحل جميع ﴿مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ به من الأعمال مع عبادتهم الأصنام. فكيف تريدون أن تكونوا مثلهم؟! وفي الحديث عند أحمد والترمذي وابن أبي حاتم، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي ﷺ قِبَل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها-و في رواية: أنه لماخرج إلى غزوة حنين، مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يارسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط- فقال النبي ﷺ:«الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) إنكم تركبون سَنن من قبلكم». وفي رواية:«سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) والذي نفسي بيده، لتركبُن سنن من كان قبلكم».

7:140Page 167

قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠

He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"

١٤٠ - ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ﴾ أي: أسوى الله أبغي لكم أو أطلب لكم أو ألتمس لكم ﴿إِلَٰهٗا﴾ معبوداً بحق، و قد أقام لكم الأدلة القاطعة على وحدانيته و كمال إلٰهيته و ربوبيته، أي: فكيف أطلب لكم غير الله إلهاً تعبدونه؟ ولا معبود بحق في الوجود سواه، الكامل في ذاته وصفاته، وأقواله وأفعاله. والاستفهام في الآية للإنكار والتعجب والتوبيخ ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانكم، بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، وإخراجكم من الذل والهوان إلى العز والرفعة، وهدايتكم إلى الدين الحق، فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره؟!

7:141Page 167

وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

١٤١ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم﴾ [وفي قراءة: (أنجاكم)] ﴿مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: من فرعون وقومه، ممن كان على منهجه وطريقه. والآية تذكير بنعم الله عليهم، إذ أنقذهم من أسر فرعون وقهره، ومما كانوا فيه من الهوان، وبما صاروا إليه من العزة، وبإغراق عدوهم، وهم ينظرون. ﴿يَسُومُونَكُمۡ﴾ أي: يكلفونكم ويذيقونكم ﴿سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ أي: أشده وأسوأه، وهو: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ﴾ أي: الذكور من أولادكم. [وفي قراءة: (يقْتُلُون أبناءكم)]. ﴿وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ﴾ أي: ويستبقون بناتكم للخدمة فلا يقتلوهن ﴿وَفِي ذَٰلِكُم﴾ الإنجاء، أو العذاب﴿بَلَآءٞ﴾ أي: إنعام، أو ابتلاء وامتحان. والبلاء قد يكون بالنعم أو بالنقم ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ﴾ أفلا تتعظون، فتنتهون عما قلتم؟ يقال سامه الأمر يسومه: إذا كلفه إياه وألزمه.

7:142Page 167

۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."

١٤٢ - ﴿وَوَٰعَدۡنَا﴾ [وفي قراءة: (ووعدنا) بدون ألف] ﴿مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ﴾ نكلّمـه ونناجيـه عنـد انتهائها، ونعطيه التوراة، ونعهد إليه وإلى قومه بالعمل بما فيها، طاعةً لله، وامتثالاً لأمره ﴿وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ﴾ من اللّيالي ﴿فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ﴾ أي: كمُل وقت وعده بمناجاته وتكليم الله له ﴿أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ﴾ فإنّ الله تعالى لمّا أنعـم على بني إسرائيل بالنّجاة من عدوّهم، وتمكينهم في الأرض، أراد الله تعالى أن يُتمّ نعمته، بإنزال التّوراة عليهم، فواعد موسى لمناجاته وتكليمه ثلاثين ليلة، وأتمّها بعشر، فصارت أربعين ليلة، كقوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)البقرة(٥١)، ليستعد موسى ويتهيّأ لوعد الله، ونزول التّوراة عليه.و الميقات: الوقت المحدد لعمل من الأعمال . ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ﴾ لمّا ذهب إلى ميقات ربّه ومناجاته عند جبل الطّور: ﴿ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصۡلِحۡ﴾ أمرهم، بحسن سياستهم، والرّفق بهم، وتفقد أحوالهم ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ أي: ولا تسلك سبيل العاصين، بموافقتهم على المعاصي، ولا تكن عوناً للظالمين، بل اسلك سبيل أهل الصّلاح والإصلاح. وهذا تنبيه وتذكير له، وإلاّ فهارون- عليه السّلام- نبي شريف كريم على الله عز و جل.

7:143Page 167

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,1 but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,2 and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."3

١٤٣ - ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا﴾ أي: للوقت الذي واعدناه، بتكليمنا إيّاه، وإنزال التّوراة عليه، ﴿وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ﴾ بلا واسطة، كلاماً- بحرف وصوت على اللائق بجلاله و كماله - سمعه موسى عليه السّلام. وكلامه تعالى لا يشبه كلام المخلوقين (ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير)الشّورى(١١).و في الآية: إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظمته و كماله . ﴿قَالَ﴾ موسى لربّه بعد أن سمع كلامه، وشاقت نفسه لرؤيته: ﴿رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ﴾ شوقاً وشرفاً، أي: أرني ذاتك المقدّسة، والمراد: مكّنّي من رؤيتك، أو تجلَّ لي أنظر إليك وأرك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له: ﴿لَن تَرَىٰنِي﴾ أي: لن تُطيق رؤيتي، ولن تقدر عليها، وأنت في هذه النّشأة الدنيوية، وعلى الحالة التي أنت عليها، فإنّ الخلق لا يثبتون لرؤية الله تعالى في الدنيا، لعدم استعدادهم لذلك. وتأبيد النّفي هنا ب «لن»- المفيدة لنفي التأبيد-: باعتبار رؤيته تعالى في الدنيا، وعلى الحالة التي خُلق عليها الإنسان. وأمّا في النّشأة الأخرى، فقد ثبت في الأحاديث الصّحيحة أنّ المؤمنين يرون ربّهم في عرصات يوم القيامة، وفي روضات الجنّات، كقولهﷺ في الحديث المتفق عليه:«إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته». ويدل عليه قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة)القيامة(٢٢-٢٣). وعليه، فأهل الجنّة يرون ربّهم تبارك وتعالى يوم القيامة، ويتمتّعون بالنّظر إلى وجهه الكريم، وأنّ الله ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤيته تعالى. ثمّ إنّ التّعبير بقوله: (لن تراني) دون:«لن أُرى»يفيد إمكانية رؤيته تعالى، وهي متحقّقة للمؤمنين في الدّار الآخرة، كما تقدم في الصحيحين و غيرهما. قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ﴾ الذي هو أعظم منك جُرماً وصلابة وقوة ﴿فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ﴾ أي: ثبت الجبل ﴿مَكَانَهُۥ﴾ ولم يتزلزل عند تجلّي الله له، أو لم يُفتِّته التجلّي ﴿فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ﴾ أنت، أي: تثبت لرؤيتي إذا تجليت لك، وإلاّ فلا طاقة لك على ذلك. والمعنى: أنّك لا تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك قوّة، وجرماً، وصلابة، كهذا الجبل، فإن ثبت مكانه عند التجلّي، فسوف تراني أنت كذلك إذا تجلّيت لك، وإن ضعف الجبل عن ذلك، فأنت أضعف منه. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ﴾ أي: ظهر وبان له على الوجه اللائق بجلاله وكماله، أو: بدا له شيء من نوره تعالى، و في الحديث الصحيح:«حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه-أي:جلالته- ما انتهى إليه بصره من خلقه». والتجلّي: الانكشاف والظهور.﴿جَعَلَهُۥ﴾التجلي﴿دَكّٗا﴾ [وفي قراءة: (دكاء) بالمد] أي: مدكوكاً مدقوقاً مفتتاً، مستوياً بالأرض.و الدَّكُّ والدَّق بمعنىً، وهو تفتيت الشيء وسحقه. وفعله من باب رد. والمعنى: فلما تجلى رب العزة والجلال للجبل، اندك الجبل، فصار تراباً، ولم يثبت لرؤية الله تعالى. وفي حديث أنس مرفوعاً، عند أحمد والترمذي والحاكم:«فساخ الجبل». ﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ﴾ أي: مغشياً عليه، لهول ما رأى. يقال: صَعَقتهم السماء تصعَقُهم - كمنع - صاعقة، و - كسمع - صَعقْاً وصَعَقَاً، فهو صَعِق، إذا غشي عليه. وفي الآية: دلالة - أيضاً - على إمكان الرؤية في ذاتها - وهي متحققة للمؤمنين يوم القيامة - لأنه سبحانه علّق الرؤية على استقرار الجبل، وهو ممكن، وتعليق الشيء بما هو ممكن، يدل على إمكانه، وهو مذهب أهل السنة و الجماعة ، وهو أسلم وأحكم وأعلم. ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ موسى من غشيته ﴿قَالَ سُبۡحَٰنَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك، وتعظيماً وإجلالاً من مشابهة خلقك في شيء ﴿تُبۡتُ إِلَيۡكَ﴾ من الإقدام على سؤال ما لم أؤمر به. ﴿وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ المصدقين من بني إسرائيل، المعترفين بعظمتك، المقرين بكمالك وجلالك. و قيل:(و أنا أول المؤمنين) بأنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا. وفي الحديث: عند البخاري ومسلم وأبي داود:«لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى، آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري، أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». وفي رواية عند أحمد والشيخين أيضاً:«لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى ممسك بجانب العرش، فلا أدري، أكان ممن صُعق، فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله عز وجل». قال ابن كثير في تفسيره : وقوله:«لا تخيروني على موسى»: كقوله:«لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متىّ»، قيل: هو من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بتفضيله على سائر الأنبياء والمرسلين، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب، وقيل: نهى عنه على وجه القول بمجرد الرأي والتشهى. وأما قوله:«فإن الناس يصعقون يوم القيامة»: الظاهر فيه: أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة، إذ يحصل أمر يصعقون منه، وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين العباد، فيتجلى لهم فيُصعقون، كما صعق موسى من تجلّي الرب تبارك وتعالى للجبل.

7:144Page 168

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

١٤٤ - ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ﴾ أي: اخترتـك واجتبيتـك، وخصصـتك وفضلتـك، ﴿عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ من أهل زمانك ﴿بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي﴾ أي: بالرسالة والنبوة، والتكليم من غير واسطة، حتى عُرف بين المرسلين «بكليم الله». [وفي قراءة: (برسالتي) بالإفراد]. ﴿فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ﴾ أي: أعطيتك من الفضل العظيم، والشرف الكريم، شـرف النبـوة والرسالة والمناجـاة ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ لأنعمي على ما خصصتك به وفضلتك.

7:145Page 168

وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1

١٤٥ - ﴿وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ﴾ أي: في ألواح التوراة ﴿مِن كُلِّ شَيۡءٖ﴾ يحتـاج إليه بنـو إسرائيـل في دينهم ودنياهم ﴿مَّوۡعِظَةٗ﴾ أي: تذكرة ترغبهم في الخير، وترهبهم من الشر ﴿وَتَفۡصِيلٗا﴾ أي: وتبييناً ﴿لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ مما يحتاجون إليه من أحكام الحلال والحرام، والعقائد، والأخلاق والآداب، وقلنا له: ﴿فَخُذۡهَا﴾ أي: الألواح ﴿بِقُوَّةٖ﴾ أي: بجدّ واجتهاد وعزم على إقامتها والعمل بما فيها، طاعةً لله، وامتثالاً لأمره. ﴿وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ﴾ أي: بحَسَنها، وكلها حَسَن، أو: بما هو أحسن وأكثر ثواباً في كل شيء - كالصبر على الغير دون الانتصار، والعفو عنه دون القصاص، والعمل بالعزيمة دون الرخصة، وفعل الأمور الواجبة والمستحبة، وترك المنهي عنه، وعدم مقاربته، ونحو ذلك . وعن ابن عباس: أن موسى أُمر أن يأخذ نفسه بأشد مما أُمر به قومه. وفي الآية: دليل على أن أوامر الله في كل شريعة، كاملة، عادلة، حسنة. ﴿سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِين﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. وفي الآية: تهديد ووعيد لمن عصاه، وخالف أمره.

7:146Page 168

سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

١٤٦ - ﴿سَأَصۡرِفُ﴾ أي: سأمنع ﴿عَنۡ﴾ فهْم ﴿ءَايَٰتِيَ﴾ الدالة على كمال قدرتي، وجلال عظمتي، وتمام شريعتي ﴿ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ عن طاعتي، وعن اتباع رسلي، وعلى عبادي ﴿بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ وذلك بأن أخذلهم، فلا يتفكرون في آياتي، ولا يعتبرون بها، ولا يفهمونها حق فهمها، مع ظهور أدلتها، ووضوح حجتها. والمعنى: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على قدرتي وعظمتي وكمال شريعتي، قلوب المتكبرين عن طاعتي وعن اتباع رسلي، المتكبرين على عبادي بغير حق. أو: سأصرفهم عن الإيمان بآياتي، والاعتبار بها، وأنزع عنهم فهم كتابي. فكما استكبروا في الأرض بغير الحق، أذلهم الله بالجهل، وخذلهم، وحرمهم خيراً كثيراً، فلم يفقهوا آيات الله، ولم ينتفعوا بها، كقوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة)الأنعام(١١٠) وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)الصف(٥). ﴿وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ﴾ من آياتي، مع كثرتها، ووضوح دلالتها ﴿لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم ومحادّتهم لله ورسوله، وهذا كقوله: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ٩٧)يونس(٩٦-٩٧). ﴿وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ﴾ [وفي قراءة: (بفتح الراء والشين: (الرَّشَد)] أي: وإن يظهر لهم طريق الهدى والسداد والاستقامة والنجاة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا﴾ يسلكوه أو طريقاً يدركوه ﴿وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ﴾ أي: وإن يظهر لهم طريق الغواية والضلال والفساد والهلاك، الموصل إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ﴾ يسلكوه ويرغبوا فيه ﴿ذَٰلِكَ﴾ الصرف عن آياتنا - أي: صرف قلوبهم عن الإيمان بآيات الله والتصديق بالرسالة - أو: تركهــم طريـق الرشد واختيارهــم طريـق الغوايــة ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم ﴿وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ﴾ لاهين لا يتدبرونها، ولا يعملون بما فيها.

7:147Page 168

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

١٤٧ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ الدالة على قدرتنا، وصحة ما أرسلنا به رسلنا، فلم تؤمن بها قلوبهم ولم يعملوا بما فيها ﴿وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: و كذبوا بلقاء الآخرة من البعث والحساب والجزاء يوم القيامة، واستمروا على ذلك إلى الممات ﴿حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ﴾ التي عملوها في الدنيا من البر والإحسان والخير،أي: بطلت وذهبت ثمرتها، فكل ما عملوه في الدنيا من خير، كصلة رحم، وصدقة ونحو ذلك، لا ثواب لهم عليه في الآخرة، لعدم شرطه: وهو الإيمان، ولكنهم يُجازون عليه في الدنيا، فقد روى مسلم عن أنس ابن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ:«إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، أما الكافر، فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يُجزى بها». ﴿هَلۡ يُجۡزَوۡنَ﴾ في بطلان أعمالهم، وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ من التكذيب والمعاصي، فلم يظلمهم الله شيئاً، ولم يزدهم على العقوبة التي يستحقونها، وإنما يُجزون بحسب أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

7:148Page 168

وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

١٤٨ - ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي: من بعد ذهابه إلى الطور، لميقات ربه، ومناجاته وتكليمه، ﴿مِنۡ حُلِيِّهِمۡ﴾ [وفي قراءة: بكسر الحاء:(حِلِيِّهم)،وفي أخرى: بفتح الحاء وسكون اللام: (من حَلْيِهم)] أي: مما معهم من حُليّ الذهب ﴿عِجۡلٗا جَسَدٗا﴾ أي: تمثالاً لعجل من البقر لا روح فيه، أو جثة لعجل لا يعقل ولا يُميِّز. أو: عجلاً مُجسَّداً، أي: أحمر ظاهر الحمرة، لكونه مصنوعاً من الذهب. والجسد: الدم اليابس، والزعفران، أو نحوه من الصبغ، ومنه ثوب مجسد، أي: مصبوغ بالزعفران، أو أحمر. ﴿لَّهُۥ خُوَارٌۚ﴾ أي: له صوت يشبه صوت البقر، فعبدوه واتخذوه إلهاً معبوداً. وكان السامري قد صاغ لهم من حليهم عجلاً جسداً له خوار، وطلب منهم أن يعبدوه وقال لهم: (هذا إلهكم وإله موسى)طه(٨٨)، فعكفوا على عبادته، جهلاً منهم وسفهاً. واختُلف في هذا العجل الذي صاغه لهم السامري على قولين: الأول: قيل: إنه صار جسداً، أي: لحماً ودماً له خوار، وذلك أن السامري لما صاغ لهم من الحلي عجلاً، ألقى فيه قبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام - فصار بذلك عجلاً حياً ذا لحم ودم له خوار ، فتنة وابتلاء- كما سيأتي في سورة طه: آية(٩٦):(فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها)- وهذا قول قتادة والحسن البصري. الثاني: وقيل: إن العجل استمر على كونه مصوغاً من ذهب، إلا أن السامري جعله مجوفاً، ووضعه في مهب الريح، فإذا دخل فيه الهواء، سُمع له صوت يشبه خوار البقر. ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي: الذين عبدوا العجل ﴿أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ﴾ فضلاً عن أن يجلب لهم نفعاً، أو يدفع عنهم ضراً، كقوله: (أفلا يرون ألاّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً)طه(٥٩). ﴿وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ﴾ أي: ولا يدلهم طريق خير حسي أو معنوي، ولا يرشدهم إلى مصلحة دينية أو دنيوية، فكيف يُتخذ إلهاً؟! ﴿ٱتَّخَذُوهُ﴾ أي: العجل، إلهاً معبوداً، مع كونه مصنوعاً بأيديهم، وعبدوه ضلالاً ﴿وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ لأنفسهم باتخاذه كذلك، ووضع العبادة في غير موضعها، حيث أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً. وفي الآية: تقريعٌ لهم، وتبكيت بشدة جهلهم وضلالهم، وإنكار عليهم إذ عبدوا عجلاً جسداً له خوار، لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، وذهلوا عن عبادة الله رب العالمين، فظلموا أنفسهم بجهلهم وسفههم وضلالهم، وأوردوها مورد الهلاك. وفيها أيضا : دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن عدم الكلام - كما في قوله:(لايكلمهم) - دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.

7:149Page 168

وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩

And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

١٤٩ - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: ولما ندموا على عبادة العجل أشد الندم، وتحيروا ﴿وَرَأَوۡاْ﴾ أي: وعلموا وتبينوا وأيقنوا ﴿أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ﴾ عن الحق والهدى باتخاذهم العجل إلهاً معبوداً، وكان ذلك بعد عودة موسى من الميقات. ﴿قَالُواْ﴾ متضرعين إلى الله مبتهلين: ﴿لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا﴾ بقبول توبتنا فيرزقنا حسن عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال ﴿وَيَغۡفِرۡ لَنَا﴾ ما سلف منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ أنفسهم، الهالكين في الدنيا والآخرة. وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله تعالى. [وفي قراءة: (لئن لم ترحمنا رَبَّنا وتغفر لنا) بالتاء بدلاً من الياء، ونصب «ربنا»على النداء]. ويقال للنادم المتحير: سُقط في يده، والأصل: سقط فمه في يده، فحذف الفاعل، وبني الفعل للمفعول، كما في قولهم: مُرَّ بزيد. وهو من الكناية، لأن من شأن الإنسان إذا اشتد ندمه على شيء أن يعضّ يده، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فمه وقع فيها. ولما كان سقوط الأفواه في الأيدي لازماً للندم، أطلق اسم اللازم، وأريد به الملزوم على سبيل الكناية. وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن، ولم يوجد في أشعارهم ومنثورهم، فهو من فرائد القرآن البليغة.

7:150Page 169

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."

١٥٠ - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ﴾ من مناجاة ربه تعالى ﴿غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا﴾ أي: شديد الغضب أو حزيناً مما حدث منهم من عبادة العجل. يقال: أَسِف يأسَفُ أسَفاً: اشتد غضبه، أو حزن، فهو أسف وأسيف. ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ﴾ أي: بئست خلافتكم هذه التي خلفتمونيها من بعد غيبتي عنكم. والمراد: بئس العمل ما عملتم من عبادتكم العجل، بعد أن ذهبت لمناجاة ربي وتركتكم. والخطاب إما للسامري وأتباعه من عبدة العجل، أو لأخيه هارون والمؤمنين معه ﴿أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ﴾ أي: أسبقتم بعبادة العجل ما أمركم به ربكم؟ وهو انتظاري، حافظين لعهدي، وما وصيتكم به من التوحيد، وإخلاص العبادة لله، حتى آتيكم بكتاب الله، فغيرتم وعبدتم العجل؟ أو: أتركتم أمر ربكم؟ يقال: عجلت الشيء، أي: سبقته، و عجل عن الأمر: تركه غير تام، و أعجله عنه غيره: حمله على تركه ناقصا غير تام . ﴿وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ﴾ أي: ألواح التوراة، طرحها ورماها - بعيداً عنه - غضباً على قومه وأسفاً، حين أشرف عليهم وهم عاكفون على عبادة العجل. فاشتد غضبه لله، حمية للدين، وغيْرةً من الشرك برب العالمين. وعبر عن هذا الوضع بالإلقاء، تفظيعاً لفعل قومه، حيث كانت معاينته سبباً لذلك، وداعياً إليه. وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعاً، قال ﷺ:«يرحم الله موسى، ليس المُعاين كالمُخبَر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فُتنوا بعده، فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح». ﴿وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ﴾ هارون، ولحيته ﴿يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ﴾ غضباً، وخوفاً أن يكون قد قصَّر في نهيهم أو الإنكار عليهم في عبادتهم العجل و قال: (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري)طه(٩٣) لك بقولي: (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين). ﴿قَالَ﴾ هارون له: يا ﴿ٱبۡنَ أُمَّ﴾ [وفي قراءة : بكسر الميم:(قال ابن أمِّ)] أي: يا ابن أمي - وهي كلمة لين وعطف -أراد بذكر الأم وحدها، ترقيق أخيه، وعطف قلبه نحوه، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه ﴿إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي﴾ أي: احتقروني، حين قلت لهم: (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري)طه(٩٠) .﴿وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي﴾ أي: وقاربوا قتلي، حين نهيتهم عن عبادة العجل، فلا تظن بي تقصيراً في منعهم عنها. ﴿فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ﴾ أي: فلا تسرَّهم بما تنال مني من مكروه، ولا تُفرحهم بمعاقبتك لي، فإنهم حريصون على أن يجدوا علي عثرة، أو يطّلعوا لي على زلّة. والشماتة: الفرح ببليَّة من تعاديه ويعاديك. يقال: شَمِت به يشمَتُ شماتاً وشماتة: إذا فرح بمصيبة نزلت به، وأشمته الله به. ﴿وَلَا تَجۡعَلۡنِي﴾ فـي المؤاخـذة ﴿مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بعبادة العجل، أي: فلا تجعلني في عدادهم، فتعاملني معاملتهم، فإني لم أفعل مثل فعلهم وسوء صنيعهم.

7:151Page 169

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

١٥١ - ﴿قَالَ﴾ موسى لما تحقق من براءة أخيه، متضرعاً إلى ربه: ﴿رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿وَ﴾ اغفر ﴿لِأَخِي﴾ هارون، وقد أشركه في الدعاء، إرضاءً له، ودفعاً للشماتة به، بدل ما فرط منه في جانبه ﴿وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ﴾ التي وسعت كل شيء ﴿وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ وخير الغافرين في الدنيا والآخرة.

7:152Page 169

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

١٥٢ - قال تعالى مبيناً حال الذين عبدوا العجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ﴾ إلهاً معبوداً - من دون الله، أو مع الله - ولم يتوبوا ﴿سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ أما الغضب الذي نالهم في عبادة العجل: فهو الأمر بقتل أنفسهم، في قوله تعالى على لسان موسى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم)البقرة(٥٤) ورضي عنكم بذلك. وأما الذلة: فضرب الصّغار والهوان عليهم في الحياة الدنيا، كقوله: (وضربت عليهم الذلة)البقرة(٦١) إلى يوم القيامة. ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: وكما جزيناهم بغضب من الله وذلة في الحياة الدنيا ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ﴾ على الله، بالإشراك والكفر، والكذب عليه وعلى شرعه، والتَّقوُّل على الله ما لم يقل.

7:153Page 169

وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

١٥٣ - ﴿وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ من شرك وكفر، وشقاق ونفاق، وكبائر وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا﴾ إلى الله، أي: رجعوا عنها من بعد ما عملوها، بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنه، وعزموا على أن لا يعودوا إليها ﴿وَءَامَنُوٓاْ﴾ بالله إيماناً خالصاً، وبما أوجب من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بما وقر في القلب وصدقه العمل ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا﴾ أي: من بعد تلك التوبة من السيئات، والأوبة إلى الطاعات ﴿لَغَفُورٞ﴾ لهم على ما صدر منهم ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم، بقبول توبتهم، وتوفيقهم لأعمال الخير والحسنات.

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

١٥٤ -﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ﴾ أي: ولمّا سكن غضبه على قومه الذين اتّخذوا العجل إلهاً، وهدأ ﴿أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ﴾ التي كان ألقاها، عند غضبه عليهم، حميّة لله، وغيْرةً لدينه. وظاهر الآية: أنّ الألواح لم تتكسر، ولم يُرفع من التوراة شيء، وأنّه أخذها بعينها. ﴿وَفِي نُسۡخَتِهَا﴾ أي: وفيما نُسخ فيها وكُتب ﴿هُدٗى﴾ من الضلالة لمن عقلها عن الله و عمل بها﴿وَرَحۡمَةٞ﴾ في أحكامها وشرائعها ﴿لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه. و نُسخة: بمعنى: منسوخة- كخطبة بمعنى: مخطوبة- والنّسخ: الكتابة، والإضافة بيانيّة أو بمعنى«في».

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

١٥٥ - ﴿وَٱخۡتَـارَ مُـوسَىٰ قَوۡمَـهُۥ﴾ أي: من قومـه ﴿سَبۡعِينَ رَجُلٗا﴾ من خيارهم ممّن لم يعبدوا العجل، بأمره تعالى ﴿لِّمِيقَٰتِنَاۖ﴾ أي: للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه، ليعتذروا لربّهم، من عبادة أصحابهم العجل، فخرج بهم ﴿فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ﴾ أي: الزّلزلة الشّديدة. قال ابن عباس: لأنّهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل ولم يفارقوهم، ولم ينهوهم عن المنكر، ولم يأمروهم بالمعروف . قال: وهم غير الذين سألوا موسى رؤية الله، وأخذتهم الصاعقة. وقيل: إنهم هم الذين سألوا الرؤية فقالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) البقرة(٥٥) فأخذتهم الصاعقة، فهلكوا. والقول الأول هو الذي يقتضيه ظاهر السياق. ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل خروجي بهم إلى الميقات ﴿وَإِيَّٰيَۖ﴾ ليعاين بنو إسرائيل ذلك، ولا يتهموني بقتلهم. قال ذلك تحسراً وتلهفاً واستجلاباً لعفو الله عن جريمة قومه، بعدما منّ عليهم بالنعم الوافرة، وأنقذهم من فرعون وقومه﴿ أَتُهۡلِكُنَا﴾ يا رب ﴿بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ﴾ أي: لا تعذبنا بذنب غيرنا، ممن سفهوا، فضعفت عقولهم وأحلامهم. والاستفهام للاستعطاف. والسفهاء: قيل: المراد بهم: السامري وأصحابه. ﴿إِنۡ هِيَ﴾ أي: الفتنة، التـي وقـع فيها السفهاء ﴿إِلَّا فِتۡنَتُكَ﴾ أي: محنتك وابتلاؤك، واختبارك وامتحانك، ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي: بالفتنــة ﴿مَن تَشَآءُ﴾ إضـلالــه ﴿وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ﴾ هدايته، فكل الأمر أمرك، وكل الحكم حكمك. ثم رجع إلى الاستعطاف والدعاء فقال: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ أي: متولي أمورنا ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ ذنوبنا ﴿وَٱرۡحَمۡنَاۖ﴾ برحمتــك التي وسعـت كل شيء ﴿وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ﴾ أي: أنـت خير مـن غفـر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل. والغفر: الستر، وترك المؤاخذة بالذنب. والرحمة إذا قرنت مع المغفرة يراد بها: أن لا يوقعه في مثل الذنب في المستقبل.

7:156Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

١٥٦ - ﴿وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح، وعفو، وعافية، وتوفيق للطاعة. أي: أوجب لنا وأثبت لنا. أو: اقسم لنا في هذه الدنيا ما يحسن من نعمة وعافية، وطاعة وتوفيق. أو: تفضل علينا بإفاضة النعم في هذه الدنيا، من العافية، وسعة الرزق، والتوفيق للأعمال الصالحة. ﴿وَ﴾ اكتب لنا ﴿فِي ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ حسنة، من المثوبة، أو المغفرة أو الرحمة، أو الجنة ﴿إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ﴾ أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك. وهذا من تمام دعاء موسى عليه السلام، ومثله قوله: (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)البقرة(٢٠١). وقوله: (إنا هدنا إليك) تعليل لطلب الحسنة في الدارين، أي: لأنا تبنا إليك من المعاصي التي جئناك للاعتذار منها، فاكتب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. يقال: هاد، يهود، إذا رجع وتاب. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى مجيباً لموسى عليه السلام: ﴿عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ﴾ تعذيبه، ممن كان متعرضاً لأسبابه ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ أي: عمت كل شيء في الدنيا والآخرة، أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد.فله تعالى الحكمة والعدل والفضل في ذلك كله. ومثله قوله تعالى -إخباراً عن حملة العرش ومن حوله -: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما)غافر(٧).وفي الحديث عند أحمد وأبي داود عن جُنْدَب بن عبد الله البجلي: أن أعرابياً قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال النبي ﷺ:«لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله عز وجل خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق، جنَّها وإنسها وبهائمها، وأخَّر تسعاً وتسعين رحمة». وعند أحمد في«مسنده»، عن سلمان عن النبي ﷺ قال:«إن لله عز وجل مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخَّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة». قال الألوسي في تفسيره: وحاصل جوابه تعالى لنبيه وكليمه موسى عليه السلام: إن عذابي الذي تخشى أن يصيب قومك، أصيب به من أشاء، فلا يتعيَّن قومك لأن يكونوا غرضاً له، بعد توبتهم، (ورحمتي وسعت كل شيء) فلا تضيق عن قومك، كيف، وقد تابوا ووفدوا إلي، أردُّهم خائبين؟ قال تعالى: ﴿فَسَأَكۡتُبُهَا﴾ أي: رحمتي التي وسعت كل شيء، أي: فسأوجب حصول رحمتي، فضلاً مني وإحساناً - كقوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة)الأنعام(٥٤)- للمتصفين بهذه الصفات، أي:﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعاصي والذنوب ، صغارها وكبارها ﴿وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ المفروضة عليهم لمستحقيها ، أي: يعطون زكاة أموالهم ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: يصدقون بها، ويذعنون لها. ومن تمام الإيمان بآيات الله: معرفة معناها، والعمل بمقتضاها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском