Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:189–206
7:189Page 175
۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩
It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."
١٨٩ - ﴿هُوَ﴾ الله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُم﴾ أيها الناس، أي: ابتدأ أصل خلقكم ﴿مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ هو آدم - عليه السلام - ﴿وَجَعَلَ مِنۡهَا﴾ أي: من جنسها ﴿زَوۡجَهَا﴾ أي: وخلق من آدم زوجه حواء. وهذا كقوله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها)النساء(١). أو: هو الذي خلق جنسكم أيها الناس من ذكر وأنثى كقوله: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)الحجرات(١٣). ﴿لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ﴾ أي: ليطمئن ويميل إليها، ويألفها، ويأنس بها، فإن الجنس بجنسه أسكن، وإليه آنس، كقوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)الروم(٢١). ﴿فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا﴾ أي: تدثرها وتجللها لقضاء شهوته، وهو كناية عن الجماع، والمراد: وطئها، أو جامعها، أو واقعها ﴿حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا﴾ علقت به بعد الجماع. وسُمي خفيفاً: لأنه أول الحمل، وابتداؤه، لا يُثْقل المرأة، ولا تجد له ألماً، إنما هو النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة ﴿فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ﴾ أي: فاستمرت به بغير مشقة، والمراد: استمرت بذلك الحمل خفيفة تقوم وتقعد، وتذهب وتجيء، وتمضي في حوائجها، لا تجد به ثقلاً، لخفته. ﴿فَلَمَّآ أَثۡقَلَت﴾ أي: صارت ذات ثقل بكبر حملها -والهمزة للصيرورة- وأشفقا على الحمل وعلى خروجه سوياً سالماً، صحيحاً، لا آفة فيه ﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا﴾ أي: لئن رزقتنا نسلاً، سوياً، صالحاً في الجسم والفطرة، أو ولداً سليماً من الأمراض والآفات ﴿لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ لنعمائك وآلائك.
7:190Page 175
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠
But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.
١٩٠ - ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا ﴾ أي: رزقهما ولداً ﴿صَٰلِحٗا﴾ سوياً، تام الخلقة، قوي البنية، سليم الفطرة ﴿جَعَلَا لَهُۥ﴾ أي: لله ﴿شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ﴾ أي: جعل أولادهما من بعدهما، من ذريتهما، لله شركاء فيما رزقهما من الأولاد، فهوّدوهم، ونصّروهم، ووثَّنوهم - وهذا لا يعني آدم وزوجه، بل يَعُمُّ جنس الآدميين، ويُبيِّن عن حال المشركين من ذريتهما- أو: (جَعَلا) أي: الجنسين، الذكر والأنثى، الكافريْن (له) أي: لله (شركاء فيما آتاهما) أي: فيما رزقهما الله من الأولاد، فهوَّدوا، ونصّروا، ومجَّسوا، ووثَّنوا، فأشركوا مع الله في العبادة الأوثان والأنداد والأصنام، أو أشركوا في التسمية، كما كانت العرب تسمي«عبد العزى»و«عبد الكعبة»ونحو ذلك. ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ﴾ أي: تنزه وتقدس ﴿عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ به، قولاً وعملاً، وسؤالاً وعبادةً وتسميةً بنسبة الولد أو الشريك له. [وفي قراءة: بكسر الشين والتنوين: (جعلا له شِرْكاً) أي: شريكاً].
7:191Page 175
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١
Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?
١٩١ - ﴿أَيُشۡرِكُونَ﴾ به في العبادة ﴿مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا﴾ ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؟ والمعنى: أيجعلون من الأنداد والأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة والسؤال، وهم يعلمون أنها لا تخلق شيئاً ولا تستطيعه، ولا تملك لهم من الأمر شيئاً، فكيف تستحق بذلك أن تعبد؟ ﴿وَهُمۡ﴾ أي: الشركاء من الأصنام والأنداد والأوثان ﴿يُخۡلَقُونَ﴾ أي: مخلوقون لله، مربوبون له.
7:192Page 175
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢
And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.
١٩٢ - ﴿وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ أي: الشّركاء ﴿لَهُمۡ﴾ أي: لعابديهم ﴿نَصۡرٗا﴾ إن طلبوه منهم، أو دفعاً لمكروه عنهم ﴿وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ﴾ بمنعها ممّن أرادهم بسوء، من كسر، أو ضرب، أو نحوه. ومن عجز عن نصر نفسه، فهو عن نصر غيره، أعجز. والاستفهام للإنكار والتوبيخ. وهذا كقوله: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)الحجّ(٧٣).
7:193Page 175
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
١٩٣ - ﴿وَإِن تَدۡعُوهُمۡ﴾ أي: وإن تدعوا، أيها المشركون، هؤلاء الشّركاء، من الأصنام والأنداد والأوثان، الذين عبدتموهم من دون الله ﴿إِلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ و الرشاد ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ﴾ أي: لا يُجيبوكم إلى ذلك، فإذا كانت لا تصلح تبعاً، فكيف تصلح متبوعة؟ [وفي قراءة: بدون تشديد:(لا يتْبَعوكم)] .﴿سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ﴾ الأمر ﴿أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ﴾ إلى الإيمان والهدى ﴿أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ﴾ عن دعائهم، فإنّهم لا يتّبعونكم لعدم سماعهم، فحالهم واحدة، عند ندائكم، وعدم ندائكم، لكونهم أحجاراً لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. ومثله قول إبراهيم: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً)مريم(٤٢).
7:194Page 175
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
١٩٤ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ﴾ أي: تعبدون ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من الشّركاء، كالأصنام والأنداد والأوثان وتسمّونهم آلهة، وتعتقدون فيها النّفع والضّر، إنّما هي ﴿عِبَادٌ﴾ مملوكة لله، مسخرة لأمره، مذللّة لقدرته ﴿أَمۡثَالُكُمۡۖ﴾ فكيف تعبدونها؟ مع أنّكم أكمل منهم، فإنّكم تسمعون وتبصرون وتبطشون، وهم لا يملكون من ذلك شيئاً! ﴿فَٱدۡعُوهُمۡ﴾ لجلب نفع أو دفع ضرّ ﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ﴾ دعاءكم ونداءكم، إن كانوا أحياء ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ فيما تدّعونه لهـم مـن استـحقاق العبادة، والقدرة على النّفع والضّر.ثمّ بيّن تعالى غاية عجزهم، وفضل عابديهم عليهم، فقال:
7:195Page 175
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
١٩٥ - ﴿أَلَهُمۡ﴾ أي: ألهؤلاء الذين أشركتم بالله ﴿أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ﴾ أي: بل أ ﴿لَهُمۡ أَيۡدٖ﴾ جمع «يد» ﴿يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ﴾ [وفي قراءة: بضم الطاء: (يبطُشون)] أي: يعملون ويصولون بها، أو: يضربون بها. من البطش: وهو الأخذ بقوة. ﴿أَمۡ﴾ أي: بل أ ﴿لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ﴾ أي: بل أ ﴿لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ﴾ أي: ليس لهم شيء من ذلك، مما هو لكم، فكيف تعبدونهم، وأنتم أتم وأكمل حالاً منهم؟! والاستفهام للإنكار، فإن من كان على هذه الصفة من سلب الأدوات والآلات، وبهذه المنزلة من العجز، لا يستحق أن يُعبد. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد: ﴿ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ﴾ أي: استنصروا بها عليَّ، وعلى إيقاع السوء والمكروه بي. ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [ و في قراءة:بإثبات الياء : (كيدوني) ] جميعاً، أنتم وشركاؤكم، بما شئتم من وجوه الكيد والتدبير.والكيد: التدبير السيئ بالخفاء. ﴿فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [و في قراءة:بإثبات الياء : (فلا تنظروني)] أي: فلا تمهلون، مدة أطلع فيها على كيدكم، ولا تأخرون، طرفة عين، واجهدوا جهدكم في إنزال الضرر بي، إن كنتم، أنتم وهم، قادرين على شيء من ذلك، فإني لا أبالي بكم، لأنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي، إلا ما قدره الله لي. من النظر: بمعنى: التأخير والإمهال. وهذا تحدٍّ لإظهار عجز آلهتهم عن كل شيء.
7:196Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
١٩٦ - ﴿إِنَّ وَلِـِّۧيَ﴾ أي: متولي أموري في الدنيا والآخرة هو ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ﴾ أي: القرآن، فكيف أخاف هذه الأصنام، والله حسبي، وكافيني، وهو نصيري وظهيري، وعليه متكلي، وإليه ألجأ في أمري كله. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ بحفظه وعنايته و رعايته، الذين صلحت نياتهم وأقوالهم وأفعالهم، أي: يحفظهم في دينهم ودنياهم، وينصرهم، ويحول بينهم وبين أعدائهم. وهذا كقوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)البقرة(٢٥٧).
7:197Page 176
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
١٩٧ - ﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ﴾ أي: تعبدون ﴿مِن دُونِهِۦ﴾ من الشركاء والأصنام والأنداد ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ﴾ أيها العابدون لها ﴿وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ﴾ بمنعها ممن أراد بهم سوءاً، من كسر، أو ضرب، أو نحوه، فكيف أبالي بهم؟! وهذه الآية مؤكدة لما تقدم في آية (١٩٢) إلا أنها بصيغة الخطاب، وتلك بصيغة الغيْبة.
7:198Page 176
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
١٩٨ - ﴿وَإِن تَدۡعُوهُمۡ﴾ أي: الأصنام والأنداد والشركاء ﴿إِلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ والرشاد ﴿لَا يَسۡمَعُواْۖ﴾ ولا يجيبوا، لكونها أحجاراً وجمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تَهدي ولا تُهدى ﴿وَتَرَىٰهُمۡ﴾ أي: الأصنام والأنداد، يا محمد ﴿يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ﴾ أي: يقابلونك كالناظر ﴿وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ﴾ حقيقة لعدم قدرتهم على ذلك، لكونهم جمادات لا تسمع ولا تبصر. فقد كانوا يصنعونها تماثيل، على هيئة بني آدم أو كالحيوانات، ولها مثال الأيدي والأرجل والأعين، لكنها جمادات لا حراك بها، ولا حياة. وقيل: (وتراهم) أي: المشركون المكذبون لرسول الله ﷺ، فتحسبهم (ينظرون إليك) يا محمد، نظر اعتبار، يتميز به الصادق من الكاذب ولكنهم (لا يبصرون) حقيقتك، وما يتوسمه المتوسمون فيك من الصدق والأمانة.
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
١٩٩ - ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ﴾ أي: اقبل ما عفا وتيسر من أخلاق الناس - وهو ما لا يجهدهم - وارض منهم بما سمحت به أنفسهم، وتيسر من أعمالهم، وتسهل منها من غير كلفة ولا مشقة، ولا تكلفهم بما لا تسمح به طبائعهم أو يشق عليهم من قول أو فعل، بل كن سمحاً سهلاً. وفي الحديث: عند الطبراني وغيره، عن ابن عمر قال:«أمر الله نبيه، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس». وفي الحديث أيضاً:«يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». ﴿وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ﴾ أي: بالمعروف المستحسن من الأقوال والأفعال. وهو كل ما عرف حسنه في الشرع والعقل. ﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ فلا تقابلهم بسفههم، ولا تمارهم، مكافأة لما يصدر عنهم من السفه والمراء. وهو أمرٌ بالاحتمال و الصفح. ولكن الآية لا تشمل الإعراض عمن جهل الحق الواجب لله أو لعباده، ولا الصفح عمن كفر بالله، وجهل وحدانيته، وهو حرب على الإسلام والمسلمين. وفي الحديث: عند ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أُبي بن كعب قال:«لما أنزل الله على نبيه ﷺ: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال رسول الله ﷺ: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك». وعند أحمد في «مسنده» عن عقبة ابن عامر، قال: لقيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال:«يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك». وقد قيل: الناس رجلان: فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته، ولا ما يحرجه، ورجل مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك أمره، واستمر في جهله، فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرده. وهذا كقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)المؤمنون(٩٦) ، وقوله جل جلاله: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)فصلت(٣٤).
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
٢٠٠ - ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ﴾ أي: وإن تَعْرض لك من الشيطان وسوسة، أو: يصيبنَّك منه وسوسة تثير غضبك على جهلهم وإساءتهم، أو: يصرفنَّك عما أُمرت به من الإعراض عن الجاهلين صارف، أو: يُغضبنَّك من الشيطان غضب يصدك عما أدبك الله به من الإعراض عن الجاهلين.من النزغ: بمعنى: النخس والوكز والغرز، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا ونحوها في الجلد، وإطلاقه على الوسوسة مجاز. ﴿فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ﴾ أي: فاستجر به، والجأ إليه في دفعها عنك. وهو جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف، تقديره: يَدفَعْهُ عنك. ﴿إِنَّهُۥ سَمِيعٌ﴾ للقول وللدعاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنية والقصد وبالفعل. وفي الآية: استحباب التعوذ عند الغضب والوسوسة، ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد الخزاعي، قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ، ورجلان يسْتبَّان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله ﷺ:«إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد». وأصل النزغ: الفساد، إما بالغضب، أو غيره، قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم)الإسراء(٥٣). والعياذ: الالتجاء والاستناد، والاستجارة من الشر. وأما الملاذ ففي طلب الخير. و نظير هذه الآية: قوله: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)فصلت(٣٦)وقوله: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ٩٧ وأعوذ بك رب أن يحضرون ٩٨)المؤمنون(٩٧-٩٨). فهذه الآيات الثلاث: في الأعراف، والمؤمنون، وفصلت، لا رابع لهن في القرآن، وقد أرشد الله فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف، وبالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه ويرده عما هو فيه، وأما شيطان الجن فلا يكفه المعروف والإحسان، بل لا بد في كفه من الاستعاذة بالله منه ومن شره ووسوسته.
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
٢٠١ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ﴾ ربهم بامتثال أمره، واجتناب نهيه ﴿إِذَا مَسَّهُمۡ﴾ أي: أصابهم أو ألمَّ بهم ﴿طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ أي: لمة منه ونزغ ووسوسة، بما فيه صد عما يجب من حق لله تعالى أو للعباد، بفعل محرم أو ترك واجب. يقال: طاف الشيء: إذا دار حوله. [وفي قراءة: (إذا مسهم طيْف) أي: أصابهم شيء ألمَّ بهم]. ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أمر الله ونهيه، وعقابه وثوابه، ووعده و وعيده، وعداوة الشيطان لهم، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله من شر الشيطان ووسوسته، ورجعوا إليه من قريب، وانتهوا إلى أمره. ﴿فَإِذَا هُم﴾ بسبب ذلك التذكر ﴿مُّبۡصِرُونَ﴾ الحق وطريق الخير، منتبهون إليه، منتهون عما هم فيه، يعلمون أن ذلك نزغ من الشيطان، فيكفون عن معصية الله، إلى معصية الشيطان. ووسوسة الشيطان: أمره بالسوء وتسويله، أو تزيينه ارتكاب المعصية.
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
٢٠٢ - ﴿وَإِخۡوَٰنُهُمۡ﴾ أي: وإخوان الشياطين ، وأولياؤهم، وأتباعهم من المشركين و الفجار من ضلاّل الإنس، كقوله: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)الإسراء(٢٧). (يَمُدُّونَهُمۡ﴾ أي: الشياطين، أي: يزيدونهم [وفي قراءة: بضم الياء وكسر الميم: (يُمِدّونهم) ] ﴿فِي ٱلۡغَيِّ﴾ أي: في الضلال والجهل والسفه، بالوسوسة والإغراء بالمعاصي، أي: تزيدهم الشياطين في الضلال، وتساعدهم على المعاصي، وتعاونهم في الشر، وتسهلها عليهم، وتحسنها لهم. من المدّ: وهو الزيادة. يقال: مده يمده مداً: زاده. وأصله: أن صاحب الدابة يمسكها برسنها، ويتركها ترعى، وكلما ابتعدت عنه مد لها الحبل لترعى، فإذا قاربت أن ترد ما فيه ضرر عليها، أقصر لها الحبل، وجذبها إليه. والغي: مصدر غَوَى يَغوي غياً وغَواية، إذا جهل وسفه وضل. ﴿ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ﴾ أي: ثم لا يكفون - أي: الشياطين - عن ذلك الإغواء حتى يُرْدوا إخوانهم وأولياءهم بالكلية. من أقصر عن الشيء: إذا كف عنه ونزع مع القدرة عليه. وقيل: إن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ثم لا يسأمون من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية. وقيل: (ثم لا يقصرون) أي: لا تفتر في الباطل والإغواء والضلال، ولا تبطل أو تتباطؤ عنه. أو: ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغي بالتبصر، بل يتمادون فيه. فلا الإنس يقصرون عن الغي وفعل الشر، ولا الشياطين تمسك عنهم ذلك، بل تزيدهم وسوسة وإضلالاً حتى يهلكوا. كقوله: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا)مريم(٨٣). أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً.
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
٢٠٣ - ﴿وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم﴾ أي: أهل مكة، يا محمد ﴿بِـَٔايَةٖ﴾ مما اقترحوا ﴿قَالُواْ﴾ له تهكماً: ﴿لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ﴾ أي: هلاّ جمعتها من عند نفسك؟يقال: جبيت الماء في الحوض: أي: جمعته، ومنه قيل للحوض: جابية، لجمعه الماء.أو: هلاّ أنشأتها وأحدثتها وتكلفتها واخترعتها واختلقتها، من قِبل نفسك؟ يقال: اجتبيت الكلام واختلقته وانتحلته واخترعته، إذا افتعلته من قبل نفسك، أو أتيت به مفتعلاً من تلقاء نفسك. ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ﴾ فليس لي أن آتيكم بشيء من الآيات من تلقاء نفسي، فما أوحاه الله إليَّ، وأنزله عليَّ، أبلغتكم به، والله هو الذي ينزل الآيات على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. ﴿هَٰذَا﴾ القرآن ﴿بَصَآئِرُ﴾ أي: حجج بينة، وبراهين نيرة ﴿مِن رَّبِّكُمۡ﴾ يتبصر بها الحق من قَبِلها، ورضيها، وآمن بها ﴿وَهُدٗى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحۡمَةٞ﴾ من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة ﴿لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ به، أي: يصدقون به، إقراراً بالقلب، وقولا باللسان، وعملاً بالجوارح والأركان.
7:204Page 176
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤
So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.
٢٠٤ - ﴿وَإِذَا قُرِئَ﴾ عليكم ﴿ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ أيها المؤمنون ﴿فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ﴾ بقصد و نية و تدبر و تفكر، لتفهموا معانيه. فالاستماع يزيد عن السمع بالإنصات و القصد و النية ﴿وَأَنصِتُواْ﴾ إليه لتعقلوا أحكامه وتعتبروا بمواعظه. و هذا في الصلاة، لحديث:«و إذا قرأ-أي: الإمام-فأنصتوا» متفق عليه.أو:(فاستمعوا له و أنصتوا) عن الشواغل و الكلام، أي: اسكتوا عنهما، لتنتفعوا به، وتتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح، وهذا في غير الصلاة ، ولا تجعلوه كسائر الكلام، يُعرض عنه من يُعرض. ﴿لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ أي: تنالون الرحمة، وتفوزون بها، بامتثال أمر الله، والاستماع والإنصات لكتابه. وفي الحديث عند أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:«من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة». و ذهب الرازي إلى أن سياق الآية يقتضي أن تكون خطابا للكفار مع ابتداء التبليغ، عند قراءة رسول الله ﷺ عليهم القرآن في معرض الحُجَّة: أن يستمعوا له ويُنصتوا حتى يقفوا على فصاحته و كونه مُعجزا دالا على صدقه و نبوّة صاحبه، فيسْتغنوا به عن طلب سائر المعجزات.والفرق بين الاستماع والإنصات: أن الاستماع: هو إلقاء السمع، وحضور القلب، وتدبر المسموع. وأما الإنصات: فظاهره: ترك التحدث والاشتغال بما يشغل عن المسموع.أو: هو الإصغاء و المراعاة.فائدةواختُلف في قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) : هل المراد من الإنصات في الآية كونه في الصلاة المفروضة، أم في قراءة القرآن مطلقاً؟ على قولين: الأول: وجوب الإنصات في الصلاة المفروضة. فقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: يعني: - الإنصات - في الصلاة المفروضة. وعن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم. وعن عبد الله بن المبارك عن ثابت بن عجلان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول في الآية: الإنصات في خطبة - يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. واختار ابن جرير: أن المراد من الآية: الإنصات في الصلاة وفي الخطبة. وأخرج عبد الرزاق وغيره عن مجاهد، قال:«وجب الإنصات في اثنتين: في الصلاة والإمام يقرأ، وفي الجمعة والإمام يخطب». واستدلوا على ذلك بالأحاديث الواردة في الإنصات خلف الإمام في الصلاة، وحال الخطبة. الثاني: وذهب غيرهم: إلى وجوب الإنصات حال قراءة القرآن مطلقاً، سواء في ذلك الصلاة والخطبة وغير ذلك. قال الحسن البصري: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له.قلت: و المتعين عندي: أن المراد: وجوب الإنصات في الصلاة المفروضة خلف الإمام في القراءة الجهرية، لكنه مقيد بما عدا قراءة الفاتحة للمأموم . والله تعالى أعلم. واختُلف - أيضاً - في وجوب الإنصات خلف الإمام في الصلاة على أقوال: الأول: فذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى أنه لا يجب على المأموم قراءة أصلاً خلف الإمام في السرية ولا الجهرية. واستدلوا على وجوب الإنصات خلف الإمام في السرية والجهرية: بما رواه أحمد عن جابر مرفوعاً، وفي«الموطأ»عنه موقوفاً، بلفظ:«من كان له إمام فقراءته قراءة له». قال ابن كثير: و الموقوف أصح. الثاني: وذهب الشافعي في القديم: إلى وجوب الإنصات خلف الإمام في الجهرية فقط دون السرية. قال عبد الله بن المبارك: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام من القراءة، بل تكفيهم قراءة الإمام - أي: في الجهرية -وإن لم يُسمعهم صوته. قال: ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سراً في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلف الإمام أن يقرأ معه فيما يجهر به سراً في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلف الإمام أن يقرأ معه فيما يجهر به، سراً ولا علانية، للآية. واستدلوا على ذلك: بما أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ:«إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا». وبما رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:«هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟» قال رجل: نعم، يا رسول الله، فقال:«إني أقول: مالي أنازع القرآن». قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ. الثالث: وذهب الشافعي في الجديد: إلى أنه يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام في الصلاة الجهرية، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين. الرابع: واختار البخاري وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في السرية والجهرية. قلت: وهو المترجح عندي: لحديث:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».متفق عليه.
7:205Page 176
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥
And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.
٢٠٥ - ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ﴾ سراً وخُفية، أي: استحضر عظمة الله تعالى في قلبك، بتأمّل وتدبّر، واذكره بذكر أسمائه الحسنى و صفاته العُلى. والخطاب لمحمّد ﷺ، ﴿تَضَرُّعٗا﴾ أي: تذلّلاً له و تواضعا و تخشعا واستكانة ﴿وَخِيفَةٗ﴾ أي: وخوفاً منه. و المعنى: اذكر ربك في نفسك حال كونك متضرعا له، خائفا منه، متذللاً له تعالى. أو: اذكره رغبة ورهبة. ومنه قوله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)الرعد(٢٨).و التضرع: التذلل و الخضوع والضراعة.و الخيفة: الخوف و الخشية. ﴿وَ﴾ اذكر ربّك بلسانك ذكراً ﴿دُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ﴾ أي: قصراً بينهما، ووسطاً بين الجهر والمخافتة. وقوله: (و دون الجهر من القول) عطف على قوله: (في نفسك)، أي: اذكر ربّك ذكراً في نفسك، وذكراً بلسانك دون الجهر. والمراد بالجهر: رفع الصّوت بإفراط، والمراد بما دون الجهر: ما هو أقلّ منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة. أو: (و) اذكر ربك فوق السّر (دون الجهر من القول). كقوله: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً)الإسراء(١١٠). ﴿بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ﴾ أي: أوائل النّهار وأواخره. والغدوّ: وقت الغدوة، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس. والآصال: جمع أصيل، وهو من العصر إلى الغروب. والمراد: دوام الذكر واتّصاله بقدر الإمكان، أي: اذكر الله في كل وقت، وراقبه في كلّ حال. ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ عن ذكر الله، اللاّهين عنه، الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.و الأمر بالذكر في الآية عام في جميع الأذكار، من قراءة القرآن و الدعاء والاستغفار و التسبيح و التهليل والتحميد، و نحو ذلك. وفي الآية: بيان الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعيها حقّ رعايتها في ذكر الله: وهي الإكثار من ذكره تعالى آناء الليل وأطراف النّهار، وخصوصاً طرفي النّهار، كقوله: (فسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها)ق(٣٩)، مخلصاً، خاشعاً، متضرّعاً، متذللاً لله، متواطئاً على الذكر قلبه ولسانه، بأدب ووقار، وإقبال على الدّعاء والذكر، واستحضار له بقلبه، وعدم غفلة عنه، فإنّ الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ. وفي الصّحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع النّاس أصواتهم بالدّعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النّبي ﷺ:«أيها النّاس، اربعوا على أنفسكم، فإنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إن الذين تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
7:206Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦
Indeed, those who are near your Lord [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.
٢٠٦ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ وهم الملائكة الكرام ﴿لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ﴾ أي: لا يتكبّرون عنها، ولا يتعالوْن عن التّواضع لله، بل يذعنون لها، ممتثلين أمر الله، منقادين له، ﴿وَيُسَبِّحُونَهُۥ﴾ الليل والنّهار، لا يفترون، أي: ينزّهونه تعالى عن كلّ ما لا يليق بجلاله وكماله، على أبلغ وجه وأكمله. ﴿وَلَهُۥ﴾ وحده، لا شريك له ﴿يَسۡجُدُونَۤ۩﴾ أي: يخصّونه وحده، بالسجود، والتعظيم، والخضوع والعبادة، فاقتدوا بهم وكونوا مثلهم. وإنما ذكر الله الملائكة بهذا، ليُقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم لله، لا أن يستكثر بعبادتنا له، من قلة، ولا يتعزز بها - حاشا له - من ذلة، وإنما يريد الله بذلك نفع أنفسنا، ولذا شرع لنا السجود هنا، لما ذكر سجودهم لله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح:«ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، يتمون الصفوف الأول فالأول،ويتراصون في الصف». رواه مسلم.فائدةوهذه أول سجدة في القرآن، ويُسنُّ لقارئها ومستمعها أن يسجد سجدة واحدة، مثل سجوده في الصلاة، و تُسمى:«سجدة التلاوة»فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمر قال:«كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى لا يجد أحدنا مكاناً لوضع جبهته». وأخرج مسلم وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». واختُلف: هل يشترط لصحة سجود التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة، من طهارة واستقبال قبلة ونحو ذلك، على قولين: الأول: نعم، يشترط لصحتها ما يشترط لصحة الصلاة. الثاني: لا، لأنها غير الصلاة، فلا يشترط فيها طهارة ولا استقبال قبلة، وكذا سجود الشكر. قلت: وهو الصحيح عندي، لعدم الدليل على الشرطية. والله تعالى أعلم. انتهى تفسير سورة الأعراف
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences