Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:27–42
7:27Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧
O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.
٢٧ - ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّـكُــمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي: لا يضـلنّكم ولا يخدعنّكم، بتزيين المعاصي، وفعل المنكرات، والترغيب فيها ونزع لباس الشريعة والتّقوى عنكم فيصرفكم عن الإيمان وطاعة الله. ﴿كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم﴾ بفتنته ﴿مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ﴾ وأنزلهما من محلهما ، فاحذروا أن يفتنكم عن طاعة الله بوسوسته وتزيينه، وتسويله، فينزع عنكم اللباس أو التقوى، ويحرمكم من دخول الجنّة. أو يسوّل لكم إظهار العورة وكشفها لمن لا يحل له ذلك، فقد فتن أبويكم، وأخرجهما من الجنّة، وأنزلهما من المحل العالي إلى ما دونه. ﴿يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ أي: يزيله عنهما، استلاباً بخداعه،﴿لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ﴾ أي: عوراتهما الظاهرة الدّالة على السوأة الباطنة. فقد أوقعهما في المعصية التي كانت عقوبتها ظهور ما كان خافياً عنهما من السوأة. والنّزع: أخذ الشيء بقوة وسرعة.﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: الشيطان ﴿يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ﴾ أي: جنوده من الجنّ وأعوانه وأتباعـه، أو: نسـله وذرّيتـه. ﴿مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ﴾ أي: بصورهم الخَلْقية الحقيقية- أمّا إذا تشكلوا وتمثّلوا بصور أخرى، فإنّا نراهم- وقيل: إنّ المعنى: فاحفظوا أنفسكم من رؤيته لكم عراة، حيث نهاكم الله عن إبداء العورة. وقوله: (إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) تعليل للتحذير من متابعته في قوله: (لا يفتننكم الشيطان) ببيان أنّه بمنزلة العدوّ المداجي، يكيد لكم في خفية واستتار، وإن عدوّاً يراك ولا تراه، لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله. ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ أي: أعواناً وقرناء وأنصاراً ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ فعدم الإيمان هو الموجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان. كقوله سبحانه: (إنّه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ٩٩ إنّما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ١٠٠) النّحل(٩٩-١٠٠).فائدةورؤية الجنّ غير ممكنة على صورتهم الحقيقية، غير متشكلين بصورة أخرى. فقد روى البخاري معلقاً في فضل «آية الكرسي» حديثا طويلاً عن أبي هريرة، وفيه: أنّه كان يحرس زكاة الفطر، إذ أتاه آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذ ليرفعه إلى النّبي ﷺ، فاعتذر له بأنّه ذو عيال، فتركه، ثمّ عاد الكرّة الثّانية والثّالثة، فلمّا همّ برفعه إلى رسول الله ﷺ، علّمه فضل آية الكرسي، وأنّ من قرأ بها في ليلة لا يقربه شيطان، فلمّا أخبر أبو هريرة رسول الله ﷺ بخبره، قال:«صدقك وهو كذوب ثمّ قال:أتدري من تُكلّم منذ ثلاث يا أبا هريرة؟... قال:ذاك شيطان».وروى الشيخان: أنّ عفريتاً من الجنّ، تعرّض للنّبي ﷺ، ليقطع عليه صلاته، فأخذه، وأراد أن يربطه على سارية من سواري المسجد لينظر المسلمون إليه، قال ﷺ:«فذكرت دعوة أخي سليمان: (ربّ هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)ص(٣٥)، فرددته خاسئاً». فالشيطان الذي همّ به النّبي ﷺ تبدّى وظهر له على صفته التي خلقه الله عليها، وكانوا كذلك في خدمة سليمان عليه السلام، أمّا الشيطان الذي ظهر لأبي هريرة، فكان على هيئة الآدميين، ولذا لم يعرفه أبو هريرة، بل ظنّه سارقاً، حتى أخبره النّبي ﷺ بأنّه شيطان.
7:28Page 153
وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨
And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"
٢٨ - ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ﴾ أي: المشركون ﴿فَٰحِشَةٗ﴾ أي: فعلة متناهية في القبح، كالشرك، والطّواف عراة بالبيت الحرام- قائلين: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها- واتخاذ البحائر والسّوائب، وغير ذلك من الكبائر، فنُهوا عنه. ﴿قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا﴾ فاقتدينا بهم، معتقدين أنّ فعل آبائهم مستند إلى أمر الله وشرعه ﴿وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ﴾ أيضاً. ﴿قُلۡ﴾ يا محمّد- لمن ادّعى ذلك-: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ﴾ والمنكر، و إنّما يأمر بمحاسن الأقوال والأعمال، ويحث على مكارم الأخلاق والخصال، ويأمر بالعدل في الأمور كلّها، وأن تخلصوا له عبادتكم، والطّاعة في عامة أموركم. وفي الآية: دليل على أنّ الأوامر والنّواهي تابعة للحكمة ومصلحة العباد في معاشهم ومعادهم. ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ صحّة نسبته إليه؟ فأي افتراء أعظم من هذا؟ والاستفهام للإنكار.
7:29Page 153
قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -
٢٩ - ﴿قُلۡ﴾ لهم- أيضاً-: ﴿أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ أي: بالعدل والاستقامة في جميع الطّاعات والقُرب، فأقسطوا فيها ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ لله ﴿عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ أي: توجّهوا إلى عبادته مستقيمين، في وقت كل سجود، أو في مكان كل سجود. والمراد بالسجود: الصّلاة، والمقصود بذلك: موافقة العبادة لما شرع الله.و قوله:(وجوهكم﴾ كناية عن توجه القلب و صحة القصد ، أي: اجعلوا توجهكم و قصدكم لله وحده في العبادة و الأقوال و الأعمال .﴿وَٱدۡعُوهُ﴾ دعــاء عبـادة وسـؤال، حـال كونكــم ﴿مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ﴾ مـن الشّرك. والمقصود بذلك: إخلاص العبادة والدّعاء والطّاعة لله وحده.وفي الآية: بيان أنّ الله لا يقبل العبادة أو العمل إلا بهذين الركنين: كونه صواباً موافقاً لشريعة الله، فإنّ الله لا يُعبد إلا بما شرع،وكونه خالصاً من الشرك، مبتغياً بالعبادة أو العمل رضا الله وحده. ﴿كَمَا بَدَأَكُمۡ﴾ في الدنيا أول مرّة، أي: خلقكم من العدم ولم تكونوا شيئاً ﴿تَعُودُونَ﴾ في الآخرة للحساب والجزاء، أي: يعيدكم أحياء يوم القيامة، للحساب والجزاء، فالقادر على بدء الخلق، قادر على إعادته، وهو أهون عليه. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال:«يا أيها النّاس، إنّكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرلاً- أي: غير مختونين- كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين». وقوله: (كما بدأكم تعودون) تعليل للأمرين السّابقين، في قوله: (وأقيموا)، وقوله: (وادعوه). وقيل: هو كلام مستأنف، لتقرير قدرته تعالى على البعث، والرّد على منكريه. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (كما بدأكم تعودون)، قال: إنّ الله بدأ خلق ابن آدم مؤمناً و كافراً، كما قال: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)التغابن(٢)، ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمناً وكافراً. وقيل: (كما بدأكم) أشقياء، وسعداء، كذلك تُبعثون يوم القيامة. ويتأيد هذا القول: بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري:«فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة، حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ باع، أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها». وبحديث سهل بن سعد عند البخاري، قال: قال رسول الله ﷺ:«إنّ العبد ليعمل فيما يرى النّاس، بعمل أهل الجنة، وإنّه من أهل النّار، وإنّه ليعمل فيما يرى النّاس، بعمل أهل النّار، وإنّه من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بالخواتيم». وبما رواه مسلم وابن ماجه، بلفظ:«يبعث كل عبد على ما مات عليه». قال ابن كثير: ويُجمع بين هذا القول وبين قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر النّاس عليها)الروم(٣٠)، وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال:«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو يمجِّسانه، أو يُنصِّرانه»: أنّه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلّهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنّه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ولكنّه مع هذا قدَّر أنّ منهم شقياً، ومنهم سعيداً، وفي الحديث:«كل النّاس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها»وقدرُ الله نافذ في خلقه. وفي الصحيحين:«فأمّا من كان من أهل السّعادة، فسيُيسَّر لعمل أهل السّعادة، وأمّا من كان من أهل الشّقاوة، فسيُيسَّر لعمل أهل الشّقاوة»، ولذا قال:
7:30Page 153
فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠
A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.
٣٠ - ﴿فَرِيقًا﴾منكم ﴿هَدَىٰ﴾ الله للإيمان، أي: تعودون يوم القيامة فريقين: سعداء و أشقياء، فريقاً وفقهم الله للهداية، ويسّر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ﴾ أي: وجبت عليهم الضلالة، بما تسببوا لأنفسهم من الأخذ بأسباب الغواية ، بعد قيام الحجة عليهم. ﴿إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ أي: نصراء وظهراء وأعواناً ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غير الله، بسبب إطاعتهم الشياطين في معصية الله ﴿وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ إلى الحق والصّواب، فظنّوا بجهلهم الباطل حقّاً، والحق باطلاً.
7:31Page 154
۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
٣١ - سبب نزول الآية: روى مسلم والنّسائي وابن جرير، عن ابن عباس، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة ، الرّجال و النّساء، الرجال بالنّهار، والنّساء بالليل، فأنزل الله الآية. ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ﴾ من اللباس﴿عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ أي: البسوا ثيابكم مداراةً لعوراتكم وستراً لها، عند كل عبادة من طواف وصلاة. وكانوا في جاهليتهم يطوفون بالبيت عراة. فأمرهم الله بالزينة.و المسجد: كل بيت بني للعبادة ، أو بمعنى: الصلاة والعبادة نفسها . والزّينة: اللباس، وهو ما يواري العورة، وما سوى ذلك من جيد الثياب والمتاع. وقد يُراد بالزينة: التجمل أيضاً. وفي الآية: الأمر بستر العورة في الصلاة، فرضها ونفلها، وقد ورد في معنى هذه الآية من السّنة أيضاً: استحباب التجمّل عند الصلاة، لا سيما يوم الجمعة والعيدين، باللباس النّظيف الحسن، والطيب، والسواك، فكل ذلك من الزينة التي أمر الله بأخذها عند كل مسجد. ومن أفضل اللباس: البياض، لما روى أحمد في«مسنده» عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال رسول الله ﷺ:«البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم»الحديث، و لما رواه أحمد وأهل السنن، عن سمرة ابن جندب قال: قال رسول الله ﷺ:«عليكم بثياب البياض، فالبسوها، فإنّها أطهر وأطيب، وكفّنوا فيها موتاكم». ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ﴾ ما أحلّ الله لكم، أو ممّا رزقكم الله من الطيبات، من غير سرف في المأكل والمشرب، ولا مخيلة في أخذ الزّينة واللّباس. ﴿وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ في ذلك كلّه، بالزيادة على القدر الكافي في المأكل والمشرب، أو بزيادة الترفه والتجمل في الملبس، أو بتجاوز الحلال إلى الحرام، أو بتحريم الحلال، وتحليل الحرام. ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ المعتدين المجاوزين حدّ الله في حلال أو حرام، المغالين فيما أحل الله لهم بتحليل الحرام، أو بتحريم الحلال، لكنّه يحبّ العدل في الأمور كلّها، ومنه تحليل ما أحلّ، وتحريم ما حرّم. وفي الآية: الأمر بتناول المأكل والمشرب، والنّهي عن تركهما، و عن الإسراف فيهما. وفي الحديث: عند أحمد والنّسائي وابن ماجه، قال رسول الله ﷺ:«كلوا واشربوا، والبسوا، وتصدّقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإنّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وعند أحمد والنّسائي والتّرمذي- وقال: حسن صحيح- أنّ رسول الله ﷺ قال:«ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، فإن كان فاعلاً لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه». وفي الآية أيضاً: النّهي عن الإسراف في الأمور كلّها، من مأكل ومشرب، ومسكن وملبس، ونفقة- كما يفعله أهل السّفه والتبذير- وسائر متع الحياة الدنيا. فقد أخرج ابن ماجه والبيهقي والحافظ الموصلي والدّارقطني- وقال: حديث غريب- عن أنس مرفوعا:«إنّ من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت». فلا ينبغي للمسلم أن يكون أسير رغباته.
7:32Page 154
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢
Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.
٣٢ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمّد، إنكاراً على من حرّم شيئاً، من المأكل، أو المشـرب، أو الملبـس، في غير مـا شـرع الله ﴿مَنۡ حَرَّمَ﴾ على نفسه أو غيره ﴿زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ﴾ من اللّباس على اختلاف أنواعه، وسائر ما يُتجمل به من أنواع الزّينة المباحة. والزّينة: ما يتزّين به الإنسان ويتجمّل، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن النّفيسة والجواهر ونحوها. ﴿وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ أي: والمستلذات منه، ممّا أحلّه الله من المآكل والمشارب ، ممّا طاب كسباً ومطعماً، على اختلاف أنواعها وأصنافها؟ فمن ذا الذي يُقدم على تحريم ما أحلّ الله لعباده من الزينة والتجمّل في الملبس وغيره، والطّيبات من الرّزق، و يضّيق عليهم ما وسّعه الله لهم؟ فما لم يحرّمه الله، فلا مُحرّم له. ﴿قُلۡ هِيَ﴾ أي: النّعـم التي أفاضـها الله على عباده، وأجراها عليهم من الزّينة والطيبات من الرّزق ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله ورسوله﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ بالاستحقاق والأصالة، وإن شاركهم فيها غيرهم من الكفار بالتبعية، ﴿خَالِصَةٗ﴾ أي: خاصّة بهم ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ لا يشاركهم فيها غيرهم، لحرمان الكفار من الثواب والمتاع في الآخرة. و(خالصةً) بالنّصب: حال، [و في قراءة: بالرّفع: (خالصةٌ) خبر «هي»].﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : و مثل هذا التفصيل والبيان التام لحكم الزينة و الطيبات ﴿نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ الدالة على كمال الشرع و الدين و أحكام الحلال والحرام، أي: نبيّنها ونوضّحها ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ أي: يتدبّرون عن الله آياته، فإنهم المنتفعون بها، الذين يعقلونها عن الله، ويفهمون الحكمة في خلق الأشياء واستعمالها فيما ينفع ولا يضر. ومفهوم الآية: أنّ من لم يؤمن بالله، واستعان بهذه النّعم على معاصي الله، فإنّها غير خالصة له يوم القيامة، بل يُعاقب عليها ويُسأل عنها. وفي الآية: دليل على أنّه لا حرج على من لبس الثياب الجيدة، الغالية القيمة، إذا لم يصل حد الإسراف، ولم يكن ممّا حرّمه الله، وكذا لا حرج على من تزيّن بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أنّ ذلك يخالف الزّهد فقد أخطأ. وكذا لا زهد في ترك الطيّب من المطاعم والمشارب. وفي الحديث عند أحمد في«مسنده»: عن النّبي ﷺ قال:«كلوا واشربوا وتصدّقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وهذه الآية جامعة في المباحات.
7:33Page 154
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣
Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."
٣٣ - ﴿قُلۡ﴾ لهم أيضاً مبيناً المحرمات التي حرّمها الله في كل شريعة من الشّرائع:﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ أي: كبائر المعاصي والذنوب والآثام.جمع فاحشة: وهي ما يُستفحش ويُستقبح من الأقوال والأفعال. ﴿مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: ما أعلن منها، وما أُسرّ.أو: ما يتعلق منها بأفعال الجوارح، كالزّنا ونحوه، وما يتعلق منها بأفعال القلوب، كالكبر والعجب، والرّياء والنّفاق، ونحو ذلك. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:«لا أحد أغير من الله، فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»الحديث. ﴿وَ﴾ حرّم ﴿ٱلۡإِثۡمَ﴾ كلّه، وما يوجبه من الذنوب والمعاصي، لما فيه من المفاسد. والإثم: كل معصية في جنب الله وحقّه، متعلقةٌ بالفاعل نفسه، توجب العقوبة. ﴿وَ﴾ حرّم ﴿ٱلۡبَغۡيَ﴾ على النّاس والاستطالة عليهـم ﴿بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، لما فيه من الضرر بالعباد. والبغي: الظلم المتعدّي إلى الغير، أو الذّنب المتعلق بحقوق العباد. فحرّم الله الذنوب المتعلقة بحقّه، والمتعلّقة بحقوق العباد. و قيّد البغي«بغير الحق»لأن التجاوز إذا كان لمصلحة و مع التراضي ، فلا شيء فيه . وعطف «الإثم»على ما قبله من عطف العام على الخاص، وعطف «البغي» على «الإثم»من عطف الخاص على العام، وكذا ما بعده لمزيد الاعتناء به. ﴿وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: وحرّم عليكم أن تسوّوا به في العبادة ﴿مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ﴾ [و في قراءة :بالتخفيف: (يُنزْل)] الله ﴿بِهِۦ﴾ أي: بإشراكه ﴿سُلۡطَٰنٗا﴾ أي: حجّة وبرهاناً، بل أنزل الله الحجّة والبرهان على التوحيد. والشرك نوعان: أكبر : و هو: إشراك أحد من الخلق مع الله في العبادة، وأصغر: كالرياء والحلف بغير الله، ونحو ذلك. ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ حقيقتـه، أي: وحرّم عليكم الافتراء على الله بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، والتّقول عليه بغير علم ولا حجّة في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرعه. وفي الآية: بيان ضمني على تحريم القول بالرأي والتشهي، وهذا منشأ تحريف الأديان واتباع الهوى والشيطان، بل الواجب اتباع أصول الدين من كتاب وسنة، وإجماع وقياس. فكل هذه الأمور حرّمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصّة والعامّة، ولما فيها من ظلم النّاس والاستطالة عليهم، والتجرؤ على الله وتغيير دينه وشرعه. وهذه الآية جامعة في المحرّمات.
7:34Page 154
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم ﴿أَجَلٞۖ﴾ أي: مدّة عمر وبقاء محدودة في علمه تعالى ، أو وقت مضروب، لا يتغير ولا يتبدّل، كآجال آحاد النّاس .والأمّة: تُطلق على القرن أوالجيل. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ﴾ المحدّد بوقت معين، مقدّر في علم الله ﴿لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ﴾ عنه ﴿سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ عليه. فإذا جاء آخر عمرها- المقدر لها في علم الله- فنيت لا محالة، لا يتأخر فناؤها عنه لحظة من الزّمن، ولا يتقدّم عليه لحظة. فالأمم- كأفراد النّاس- لها أجل محدود معلوم عند الله، تفنى وتزول بانتهائه، مثلما يموت الإنسان بانتهاء أجله. وفيه وعيد لكفّار مكة الذين كانوا يستعجلون العذاب الموعود استهزاءً وإنكاراً.
7:35Page 154
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
٣٥ - ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ﴾ أي: إن أتاكم وجاءكم رسل منكم، أي: من جنسكم. وفيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما».﴿يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي﴾ أي: يخبرونكم بأحكامي، ويبيّنون لكم شرائعي، أي: فأطيعوا هؤلاء الرّسل وصدّقوهم وتابعوهم. ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ ما حرّم الله من الشرك والكفر، والكبائر والصغائر، بامتثال ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، ﴿وَأَصۡلَحَ﴾ حاله، وأعماله الظاهرة والباطنة، بالطاعة والمتابعة ﴿فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ على ما استدبروه من أمر الدنيا، وإذا انتفى الخوف والحزن، حصل الأمن التّام، والسّعادة الكاملة، والفلاح الأبدي.
7:36Page 154
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
٣٦ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ المنزّلة التي يقصّها عليهم رسلنا، فلم تؤمن بها قلوبهم. ﴿وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ﴾ أي: تكبّروا عن إجابتها، ومتابعتها، والعمل بما فيها، فلم تنقد لها جوارحهم. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثاً مخلداً، بسبب كفرهم بآيات الله، واستكبارهم عنها، فإنّ الجزاء من جنس العمل.
7:37Page 154
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
٣٧ - ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ بالتحليل والتحريم، أو بنسبة الشريك أو الولد أو الصاحبة إليه، أو التّقول على الله بغير علم، أو شرع من الدين ما لم يأذن به الله. ﴿أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ﴾ المنزّلة من قرآن وسنّة. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المفترون على الله الكذب، والمكذبون بآياته ﴿يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ﴾ أي: يُصيبهم حظهم- في الدنيا- مما كُتب لهم في اللّوح المحفوظ من الأعمال والأرزاق والآجال، تفضّلاً منه تعالى- مع ظلمهم وافترائهم وتكذيبهم- رجاء أن يصلحوا ويتوبوا. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا﴾ [و في قراءة: بسكون السين: (رُسْلُنا)] أي: الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، واستيفاء آجالهم ﴿يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ﴾ لهم توبيخاً، وتقريعاً، وتبكيتاً، وإلزاماً لهم بالحجة: ﴿أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ﴾ من الأنداد والشّفعاء والأصنام والأوثان والشّركاء؟ أي: أين الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دونه، ليمنعوكم من عذابه؟ ادعوهم يخلّصوكم ممّا أنتم فيه، فقد جاء وقت الحاجة، إن كان فيهم منفعة لكم، أو دفع مضرّة عنكم. ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي: ذهبوا عنّا وغابوا، أو: أضاعونا، فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم. أو: تركونا وأخذوا غير طريقنا ، فلم يخلّصونا من شيء، و لم يدفعوا عنّا ضرّاً ﴿وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: أقرّوا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ﴾ بالله مشركين به، فاستحقّوا بذلك ما أعدّ الله لهم من العذاب المهين.
7:38Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
٣٨ - ﴿قَالَ﴾ تعالى- يوم القيامة- لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذّبين بآياته: ﴿ٱدۡخُلُواْ فِيٓ﴾ جملة، أو زمرة ﴿أُمَمٖ﴾ مكذّبة كافرة ﴿قَدۡ خَلَتۡ﴾ أي: مضت أو سلفت ﴿مِن قَبۡلِكُم﴾ من الأمم السّالفة والماضية، ﴿مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ ﴾ فقد حقّت عليكم جميعاً كلمة العذاب. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ﴾ من الأمم النّار ﴿لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ﴾ التي سبقتها دخولاً، لإضلالها لها وضلالها بها، والاقتداء بكفرها، كقوله: (ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً)العنكبوت(٢٥). ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا﴾ أي: تلاحقوا في النّار وتتابعوا، فأدرك بعضهم بعضاً، واجتمعوا فيها ﴿جَمِيعٗا﴾ أي: جميع أهلها، من الأوّلين والآخرين، والأتباع والمتبوعين، والقادة والمقلّدين. والتّدارك: التلاحق، والتتابع، والاجتماع. ﴿قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ﴾ دخولاً أو منزلة في النّار، أو: هم الأتباع والمقلّدون ﴿لِأُولَىٰهُمۡ﴾ أي: السّابقة دخولا أو منزلة ، أو: هم القادة والمتبوعون ﴿رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا﴾ عن سبيلك بدعوتهم إيانا إلى الضلال وعبادة غيرك، أو: بسنّهم لنا ما سنّوا وابتدعوا من طرائق، فاقتدينا بهم، ﴿فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا﴾ أي: مُضاعفاًَ مزيداً ﴿مِّنَ ٱلنَّارِۖ﴾ أي: من عذابها لأنّهم ضلوا وأضلّوا. والضّعف: المِثل مرّة واحدة. وقيل: ضِعف الشيء: مثله إلى ما زاد عليه بلا نهاية، فليس مقصوراً على المثلين. فيكون الضّعف: الزائد على مثله مرّة أو مرّات. وهذا كقوله: (وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا ٦٧ ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً ٦٨)الأحزاب(٦٧-٦٨). ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿لِكُلّٖ﴾ منكم ومنهم ﴿ضِعۡفٞ﴾ أي: عذاب مُضاعف، أو نصيب من العذاب، كل بحسبه، فالأتباع بسبب التقليد، و القادة بسبب الإضلال ، كقوله: (الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون)النّحل(٨٨). ﴿وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك، ولا تعلمون نصيبكم منه. [وفي قراءة بالياء: (ولكن لا يعلمون)].
7:39Page 155
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
٣٩ - ﴿وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ﴾ أي: السّابقون للّاحقين ، أو المتبوعون للتّابعين ﴿فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ﴾ أي: فأي فضل لكم علينا في تخفيف العذاب عنكم؟ فقد اشتركنا جميعاً في الغي والضّلال، وفي فعل أسباب العذاب، فنحن وأنتم سواء في ارتكاب الكفر واستحقاق عذاب الله. أو: (فما كان لكم علينا من فضل) في الدنيا بالاقتداء، لأنّكم لم تكفروا بسببنا، بل كفرتم باختياركم، فليس ذنبكم بأهون من ذنبنا، ليكون عذابكم أخفّ من عذابنا، فنحن وأنتم سواء في الكفر بالله، واستحقاق عذابه. ﴿فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ﴾ كما ذقناه، فإنّ العبرة بكسب الإنسان وعمله، ولا عذر لأحد في الكفر واتباع الباطل.﴿بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ﴾ من معاصي الله، والكفر به. وفي الآيتين: دليل على أنّ سائر أنواع المكذّبين بآيات الله، مخلّدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وكفرهم وظلمهم وافترائهم على الله، وأنّ مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا، تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
٤٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ الدّالة على أصول الدين وأحكام الشريعة في العقيدة والعبادة والمعاملة فلم تؤمن بها قلوبهم ﴿وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا﴾ أي: وتكبّروا عن إجابتها والعمل بما فيها، فلم تنقد لها جوارحهم. ﴿لَا تُفَتَّحُ﴾ [وفي قراءة: بالتخفيف: (لا تُفْتَح)،و في أخرى:بالياء مخففة: (لا يُفْتَح)] ﴿لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: لا تُفتح لأعمالهم- إذا عملوا- ولا لأدعيتهم- إذا دعوا- أبواب السماء، فلا يُرفع لهم منها إلى الله عمل صالح، ولا دُعاء، بل يُردّ عليهم، ولا يُقبل منهم، وكذا لا تُفتح لأرواحهم- إذا ماتوا- أبواب السّماء لفرط خبثها وفسادها. ويؤيّده: ما رواه أحمد والنّسائي وابن ماجه وابن جرير والبيهقي: عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:«الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قال:- أي: الملك-: اخرجي أيتها النّفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا يزال يُقال لها ذلك، حتى تنتهي إلى السماء السّابعة- أي: للعرض على ربّها- فإذا كان الرّجل السّوء، قال: اخرجي أيتها النّفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثمّ يُعرج بها إلى السّماء، فيُستفتح لها، فيُقال: من هذا؟ فيُقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنّفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنّها لا تفتح لك أبواب السّماء، فترسل من السّماء ثمّ تصير إلى القبر». ﴿وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ﴾ أي: يدخل البعير ﴿فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ﴾ أي: في ثقب الإبرة، وهذا غير ممكن، لأنّه من باب تعليق الشيء بالمحال، فكذا دخولهم الجنّة. والمعنى: ولا يدخلون الجنّة حتى يدخل ما هو مثل في عِظَم الجسم، كالجمل، فيما هو مثل في ضيق المسلك، كسمّ الخياط. وهذا مما لا يكون، فكذا ما توقف عليه من دخول الجنّة. والمراد: أنّهم لا يدخلونها أبداً، لأنّ الشيء إذا عُلّق بما يستحيل حصوله، دلّ ذلك على استحالته. والولوج: الدّخول بشدّة. والجمل: الذكر من الإبل. و السَّمّ: ثُقب الإبرة، وفيه اللغات الثّلاث: بضم السين وفتحها وكسرها، والفتح أشهر. وجمعه: سِمام وسموم، وكل ثُقب في البدن فهو سمّ. والخياط والمخيط- كإزار ومئزر-: ما يُخاط به، والمراد هنا: الإبرة. وعند أحمد من حديث البراء بن عازب:«فيُستفتح، فلا يُفتح له، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ: (لا تُفتح لهم أبواب السّماء ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط)، فيقول الله عزّ وجل: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السّفلى، فتُطرح روحه طرحاً، ثمّ قرأ: (ومن يشرك بالله فكأنّما خر من السّماء فتخطَفه الطّير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)الحج(٣١)»الحديث.﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ الذين كثر إجرامهم واشتدّ طغيانهم بالكفر، وتكذيب آياتنا، والاستكبار عنها.
7:41Page 155
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
٤١ - ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ﴾ أي: فراش وبساط من تحتهم فيها، أو: مستقر. وأصل المهاد: المتمهّد الذي يُقعد ويُضطجع عليه، كالفراش. ﴿وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ﴾ أي: أغطية من النّار ولحف. جمع غاشية: وهي ما غشّاهم فغطّاهم، كاللّحاف ونحوه. والمراد: أنّ النّار تحيط بهم من تحتهم كالفرش، ومن فوقهم كالأغطية، كما في قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النّار ومن تحتهم ظلل)الزّمر(١٦). ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء ﴿نَجۡزِي﴾ أي: نُثيب ﴿ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم، بتكذيبهم آيات الله، وكفرهم بها واستكبارهم عنها.
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
٤٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بقلوبهم ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الواجبة والمستحبة بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان بالقلب، وتصديق ذلك بعمل الجوارح، فالإيمان: ما وقر في القلب، وصدّقه العمل. والجملة مبتدأ. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا﴾ بعبادة أو طاعة ﴿إِلَّا وُسۡعَهَآ﴾ أي: طاقتها وقدرتها بحسب استطاعتها سهولة ويسراً، دون ما تضيق به ذرعاً وعسراً. وأصل الوسع: الجِدة والطّاقة. والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وهو: (أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون) لبيان أنّ الصّالحات التي كانت سبباً في دخولهم الجنّة، هي في وسعهم وطاقتهم وقدرتهم، كقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)البقرة(٢٨٦)، وقوله: (لا يُكلف الله نفساً إلا ما آتاها)الطلاق(٧)، وقوله: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)الحج(٧٨)، وقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم)التغابن(١٦). فلا واجب مع العجز وعدم القدرة، ولا مُحرّم مع الضّرورة، وإذا عجز المُكلّف عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيره، سقطت عنه، لأنّ التكليف متعلق بالوسع والطّاقة والاستطاعة، وعدم الحرج. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المتصفون بالإيمان والعمل الصّالح ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون مُكثاً دائما، لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلاً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences