Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
نوح
Nuh
Noah · Meccan · 28 ayahs
71:1Page 570
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١
Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."
١ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ﴾ تقدّم أن نوحاً عليه السلام كان أوّل رسول أرسله الله إلى النّاس، وقد كان بينه وبين آدم عشرة قرون كلّهم على الإسلام، كما قال ابن عباس.وقومه: قيل: هم سكّان جزيرة العرب ومن قرُب منهم، والمشهور: أنه كان يسكن أرض الكوفة، وهناك أُرسل.﴿أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ﴾ أي: بأن أنذرهم وحذّرهم عاقبة كفرهم.من الإنذار، وهو إخبار فيه تخويف. يقال: أنذره يُنذره إنذاراً، فهو منذِر ونذير، وهم مُنْذَرون.﴿مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم في الدنيا والآخرة، إن لم يؤمنوا، وهو عذاب الطّوفان، أو عذاب النّار.
71:2Page 570
قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢
He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -
٢ - ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ أي: بيّن الإنذار.
71:3Page 570
أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣
To worship Allāh, fear Him and obey me.
٣ - ﴿أَنِ﴾ أي: بأن أقول لكم: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ وحده، لا شريـك له، مخلصيــن له العبادة والدّيـن ﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ بامتثال أمره، واجتناب نهيه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
71:4Page 570
يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤
He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."
٤ - ﴿يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ أي: يعفو عنها، أو عن بعض ذنوبكم، وهو ما سلف قبل الإيمان، ممّا يتعلّق بحقوق الله لا بحقوق العباد.﴿وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ﴾ أي: يُطل أجل أمّتكم واستعمارها في الأرض، ما دامت مقيمة على طاعة الله.أو: يمدّ في أعماركم ويمتّعكم في هذه الدار، ويدرأ عنكم العذاب إلى أجل مقدّر في علم الله، هو أجل الموت.﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما قدّره الله لكم من العذاب إن لم تؤمنوا ﴿إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ﴾ بل يقع لا محالة، أي: فبادروا إلى الإيمان والطاعة ﴿لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أي: لو كنتم من أهل العلم والنظر لبادرتم إلى ما آمركم به. أو: لو علمتم أنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر - لأنبتم إلى طاعة ربّكم.
71:5Page 570
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥
He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.
٥ - ﴿قَالَ﴾ نوح بعد أن بذل الغاية في دعوة قومه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي﴾ إلى ما أمرتني به من الإيمان والطاعة والعمل الصالح ﴿لَيۡلٗا وَنَهَارٗا﴾ أي: دعاءً دائماً متصلاً بلا فتور ولا توان.
71:6Page 570
فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦
But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].
٦ - ﴿فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ﴾ إلى التوحيد والإيمان والطاعة ﴿إِلَّا فِرَارٗا﴾ أي: تباعداً ونفاراً عمّا دعوتهم إليه من الحقّ، وإعراضاً عنه. والفرار: الزّوغان والهروب، يقال: فرّ يفرّ فِراراً، فهو فَروُر. وأصله: الكشف عن سنّ الدابّة ليُعرف، واستُعمل فيما ذُكر، لما فيه من الكشف عن مكنونات الصدور.
71:7Page 570
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧
And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.
٧ - ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ﴾أي: كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، من التوحيد والإيمان والطاعة. أو: كلّما دعوتهم إلى التوحيد والإيمان لتغفر لهم خطاياهم بسببه ﴿جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ﴾ أي: سدّوا مسامعهم عن استماع الدّعوة، فهو كناية عمّا ذُكر.﴿وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ﴾ أي: بالغوا في التغطّي بها، كأنهم طلبوا من ثيابهم أن تغشاهم، لئلا يروه، كراهة له من أجل دعوته، أو ليعرّفوه إعراضهم عنه وعن دعوته.وقيل: هو كناية عن العداوة، كما يقال: لبس لي فلان ثياب العداوة.﴿وَأَصَرُّواْ﴾ أي: أقاموا على كفرهم واستمرّوا عليه، أو: تشدّدوا وانهمكوا فيه ﴿وَٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ أي: تعاظموا وتكبّروا عن اتباع الحقّ والانقياد له والإذعان للنصيحة ﴿ٱسۡتِكۡبَارٗا﴾ شديداً.و (أصرّوا): من الإصرار، وهو التعقّد في الذنب والتشدّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله: من الصَّرّة، بمعنى: الشدّة.
٨ - ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ﴾ للإيمان ﴿جِهَارٗا﴾ أي: مظهراً لهم الدّعوة، مجاهراً بها في غير خفاء.
71:9Page 570
ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩
Then I announced to them and [also] confided to them secretly
٩ - ﴿ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ﴾ أي: دعوتهم معلناً لهم بالدعـاء مصرّحـاً لهـم به ﴿وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ﴾ الدّعـوة ﴿إِسۡرَارٗا﴾ فيما بيني وبينهم، أي: في خفاء.فنوّع لهم نوح عليه السلام الدّعوة إلى الله على وجوه مختلفة، وأساليب متباينة، ما بين مجاهرة وإظهار وإعلان وإسرار، ليكون أنجع فيهم.
71:10Page 570
فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠
And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.
١٠ - ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ﴾ أي: اسألوه المغفرة من ذنوبكم والعفو عنها بالتوبة والإنابة وإخلاص النيّة، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا﴾ أي: كثير المغفرة لمن تاب إليه وأناب، أي: كان ولا يزال.
71:11Page 571
يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١
He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers
١١ - ﴿يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ﴾ أي: ينزل المطر ﴿عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا﴾ أي: متتابعاً غزيراً، كثير الدّرور وفي ذلك الخصب ورغد العيش.وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق.
71:12Page 571
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢
And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.
١٢ - ﴿وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ﴾ أي: يزدكم فيما عندكم منها إذا تبتم إلى الله وأنبتم ﴿وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين ﴿وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ جارية. والمعنى: يكثّر أموالكم وأولادكم ويبارك لكم فيهم.فإيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظّ الوافر في الآخرة - الخصب والغنى ورغد العيش في الدنيا. وهذا مقام الدّعوة بالترغيب. ثم عدل بهم إلى الدّعوة بالترهيب، فقال:
71:13Page 571
مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣
What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur
١٣ - ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا﴾؟ أي: ما لكم لا تعتقدون لله عظمة ولا تقدّرون له حقّا إذ تشركون معه أنداداً وأوثاناً؟ أو: لا تخافون عظمته تعالى، فتوحّدونه وتطيعونه، وتخشون عقابه؟ والاستفهام إنكار لوقوع ذلك منهم. والرجاء بمعنى: الاعتقاد أو الخوف. والوقار: العظمة. والمراد: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها الخير والثواب؟
١٤ - ﴿وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا﴾ أي: طوْراً بعد طوْر على أطوار مختلفة، في أدوار متعاقبة وحالات متباينة: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى تمام الخلق، ثم تكونون صبياناً، ثم شباباً، ثم شيوخاً.فكيف تقصّرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟ فالذي انفرد بالخلق والتدبير، متعيّن أن يُفرد بالعبادة والتوحيد. و في ذكر ابتداء خلقهم، تنبيه لهم على المعاد، وأن الذي أنشأهم من العدم، قادر على أن يُعيدهم بعد موتهم.و (أطواراً): جمع طور، وهو المرّة والتّارة، ويطلق على ما كان على حدّ الشيء وعلى المقدار.
71:15Page 571
أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥
Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1
١٥ - ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ﴾ أي: تنظروا ﴿كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا﴾ أي: مطابقة بعضها فوق بعض، كالقباب من غير مماسّة، كل سماء مقبيّة على الأخرى.والآية بيان لآيات آفاقيّة بعد بيان آيات الأنفس، للاستدلال بها على ما يوجب عليهم توقير الله وتعظيمه، عزّ شأنه.
71:16Page 571
وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦
And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?
١٦ - ﴿وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا﴾ أي: جعله في السماوات منوّرا لأهل الأرض في الظلام. والمراد: في سماء الدنيا، نوراً للأرض ومن فيها. وإنما قال: (فيهنّ): لأن سماء الدنيا محاطة بسائر السماوات، فما يكون فيها، كأنه يكون في الكلّ.أو: لأن كلّ واحدة منها شفّافة؛ فيُرى الكلّ، كأنه سماء واحدة، فساغ أن يقال: فيهنّ. والمرجّح: الإيجاز والملابسة بالكليّة والجزئية، وكونها طباقاً شفافة.﴿وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا﴾ أي: ضياءً لأهل الأرض، يزيل ظلمه اللّيل، ويُبصر أهل الدنيا في ضوئها كلّ شيء. كما قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل)يونس(٥).والسراج: المصباح المضيء.
71:17Page 571
وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧
And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.
١٧ - ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: أنشأكم من طينتها وعنصرها حين خلق أباكم آدم منها ﴿نَبَاتٗا﴾ أي: إنشاءً، فجعل فيها نماءكم وغذاءكم.
71:18Page 571
ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨
Then He will return you into it and extract you [another] extraction.
١٨ - ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا﴾ أي: في الأرض عند الموت، مقبورين فيها ﴿وَيُخۡرِجُكُمۡ﴾ أحياءً منها، للبعث والنشور ﴿إِخۡرَاجٗا﴾ يوم القيامة للحساب والجزاء.
71:19Page 571
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩
And Allāh has made for you the earth an expanse
١٩ - ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا﴾ أي: مهادا أو فراشاً مبسوطاً للاستقرار عليها، والانتفاع بها وامتهادها.
71:20Page 571
لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠
That you may follow therein roads of passage.'"
٢٠ - ﴿لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا﴾ أي: طرقاً واسعة فسيحة. جمع فجّ: وهو الطريق الواسع. أو هو المسلك بين جبلين. فبيّن لهم نوح عليه السلام قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض وما أنعم به عليهم من النعم السماوية والأرضية، فهو الذي يجب أن يُعبد، ويوحّد، ولا يُشرك به.
71:21Page 571
قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١
Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.
٢١ - ﴿قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي﴾ أي: استمرّوا على عصياني وخالفوا أمري، ولم يجيبوا دعوتي. شكاهم إلى الله،وهو أعلم بحالهم.﴿وَٱتَّبَعُواْ﴾ أي: الأصاغر منهم ﴿مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ﴾ وهم الرؤساء والأشراف فيهم، المنعم عليهم بالمال والولد ﴿إِلَّا خَسَارٗا﴾ أي: إلاّ ضلالاً، وهلاكاً، وذهاباً عن محجّة الصّواب، في الدنيا، وعقاباً في الآخرة.والمعنى: اتّبع الأصاغر والضعفاء منهم، رؤساءهم وأهل الثروة فيهم، الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلاّ ضلالاً في الدنيا، وهلاكاً في الآخرة، فخسروا بسببهما. [وفي قراءة: (وَوُلْدُهُ) – بضمّ الواو وسكون الّلام – جمع وَلَد – بفتح الواو واللاّم - ك «خُشْب» و«خَشَب». وقيل: بمعناه، ك «بُخْل» و «بَخَل»].وقوله: (خساراً): مصدر خَسَِرَ – كفَرِح وضرَب - أي: ضلّ، ويطلق على الهلاك.
٢٢ - ﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي: السادة والرؤساء ﴿مَكۡرٗا كُبَّارٗا﴾ أي: عظيماً كبيراً، بالغ الغاية في العِظَم والكِبَر، بأن كذّبوا نوحاً، وآذوه، ومن اتّبعه.يقال: كبير وكُبَار وكُبّار، والمشدّد أبلغ.
71:23Page 571
وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣
And said, 'Never leave your gods and never leave Wadd or Suwāʿ or Yaghūth and Yaʿūq and Nasr.'1
٢٣ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: الرؤساء للأتباع، يُغرونهم بمعصية نوح: ﴿لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ﴾ أي: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وهي الأصنام والصّور التي كانت لهم، ثم عبدتها العرب من بعدهم، ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا﴾ – بفتح الواو وضمّها، قراءتان – ﴿وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا﴾ أي: ولا تتركوا عبادة هؤلاء، وهي أسماء أصنامهم، خصّصوها بالذكر بعد العموم.روى البخاري عن ابن عباس، قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح، في العرب بعد، أمّا «ودّ» فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما «سواع» فكانت لهذيْل، وأما «يغوث» فكانت لمراد، ثم لبني غُطيف بالجرف عند سبأ، و أما «يعوق» فكانت لهمدان، وأما «نسر» فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمّا هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسِّخ العلم عُبدت من دون الله. فكان ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت.
71:24Page 571
وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤
And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."
٢٤ - ﴿وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ﴾ أي: أضلّ الرؤساء بهذه الأصنام كثيراً من الناس، فعبدوها من دون الله! أو: أضلّت هذه الأصنام كثيراً من الناس.أو: أضل الرؤساء الأتباع بعبادة هذه الأصنام إضلالاً كثيراً.﴿وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا﴾ أي: هلاكاً وخسراناً، أو خذلاناً واستدراجاً.والجملتان من كلام نوح عليه السلام.
71:25Page 571
مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥
Because of their sins they were drowned and put into the Fire, and they found not for themselves besides Allāh [any] helpers.
٢٥ - ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ﴾ – بالهمز - [وفي قراءة: (خطاياهم)، بدون همز] أي: من أجل خطيئاتهم وذنوبهم وبسببها ﴿أُغۡرِقُواْ﴾ بالطوفان، لا من أجل أمر آخر. ف «مِنْ» تعليليّة و «ما» صلة.﴿فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا﴾ في الآخرة، أو: هي عذاب القبر ﴿فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره ﴿أَنصَارٗا﴾ يمنعونهم من عذاب الله، أو يدفعونه عنهم.
71:26Page 571
وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦
And Noah said, "My Lord, do not leave upon the earth from among the disbelievers an inhabitant.
٢٦ - ﴿وَقَالَ نُوحٞ﴾ أي: بعد أن أوحي إليه: (أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن)هود(٣٦) - داعياً عليهم: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾ أي: نازل دار أو ساكنها، والمراد: أحداً.أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحداً يدور ويتحرّك فيها جيئة وذهاباً، فلا تُبق منهم أحداً.و ديّار: من يسكن داراً، أو من يدور ويتحرّك في الأرض ذهاباً وجيْئة، من الدّار، أو: من الدّوران، وهو التحرّك. والمراد: لا تذر منهم أحداً.والدّيّار: من الأسماء التي لا تُستعمل إلاّ في النّفي العامّ، فهي من صيغ تأكيد النّفي. يقال: ما بالدار ديّار، والمراد: ما بها أحد.
71:27Page 571
إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧
Indeed, if You leave them, they will mislead Your servants and not beget except [every] wicked one and [confirmed] disbeliever.
٢٧ - ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ﴾ أي: إن تركتهم وأبقيت منهم أحداً ﴿يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ الذين آمنوا بك عن طريق الحقّ، فيصدّوهم عن سبيلك، ﴿وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا﴾ بترك طاعتك، أو: في دينك ﴿كَفَّارٗا﴾ لنعمتك،أي: كثير الكفران لها، فلا يلدوا من ذريّاتهم إلاّ من سيفجر ويكفر.وإنما قال ذلك لخبرته بهم، ومكثه بين أظهرهم، في الدعوة إلى الله، ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
71:28Page 571
رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨
My Lord, forgive me and my parents and whoever enters my house a believer and the believing men and believing women. And do not increase the wrongdoers except in destruction."
٢٨ - ﴿رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ﴾ وكانا مؤمنين ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا﴾ فيخرج من دعائه من دخله غير متّصف بهذه الصّفة، كامرأته وولده الذي قال: (سآوى إلى جبل يعصمني من الماء)هود(٤٣).والبيت: المسجد والمصلّى، أو: المنزل.﴿وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ﴾ إلى يوم القيامة، وذلك يعمّ الأحياء منهم والأموات.﴿وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر﴿إِلَّا تَبَارَۢا﴾ أي: هلاكاً أو خساراً ودماراً في الدنيا والآخرة.وقد شمل دعاؤه هذا كلّ ظالم إلى يوم القيامة.يقال: تبّره يتبرُه: إذا أهلكه، ويتعدّى بالتضعيف فيقال: تبّر الله القوم تتبيرا، ومنه: (إن هؤلاء مُتبّر ما هم فيه)الأعراف(١٣٩).انتهى تفسير سورة نوح
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences