Al-Jami' al-WajizAl‑Anfal · 8:16–31

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:16–31

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

١٦ - ﴿وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم الزحف أو يوم لقائهم ﴿دُبُرَهُۥٓ﴾ والمعنى: من أدار لهم ظهره منهزماً يوم الزحف. ﴿إِلَّا﴾ أن يكون في توليـه ﴿مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ﴾ أي: مائلاً له، منعطفاً عن موقفه إلى موقف آخر أصلح للقتال فيه، طلباً لمكائد الحرب. أو: منعطفاً إلى قتال طائفة أخرى، أهمّ من هؤلاء. أو: خادعاً للعدو بالغرة، مريداً الكرة، أي: يريهم الغرة مكيدة، وهو يريد الكرة، فإن الحرب خدعة. أو: منحرفاً من جهة إلى أخرى ليأتي العدو من محل يصيب فيه غرته. وأصل التحرُّف: الزوال والميل عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف والطرف، ومنه الاحتراف والتحريف. ﴿أَوۡ﴾ إلا أن يكون في توليه ﴿مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ﴾ أي: منحازاً إلى جماعة أخرى من المسلمين - غير الجماعة المقابلة للعدو - يعاونهم ويعاونوه على قتال العدو، يشد أزرهم ويقوي عزمهم. أو منضماً إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فيستنجد بها، أو ينجدها. أو: فاراً إلى أميره أو إمامه أو أصحابه. من التحيز: وهو الانضمام. يقال: حزت الشيء أحوزه. إذا ضممته.والفئة: الجماعة من الناس، وسميت فئة: لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد، وجمعها فئات. [وفي قراءة: بالياء بدلاً من الهمزة: (فية)]. ﴿فَقَدۡ بَآءَ﴾ أي: رجع متلبساً ﴿بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ مستحقاً له، إلا الذي تولى متحرفاً أو متحيزاً، فلا بأس عليه في ذلك ﴿وَمَأۡوَىٰهُ﴾ أي: مقره ومصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع هي والمآل، فالتولي يوم الزحف كبيرة من الكبائر. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة:«اجتنبوا السبع الموبقات»وذكر منهن:«التولي يوم الزحف».ولكن هذا مخصوص عند الشافعي بما إذا لم يزد الكفار على الضعف، فإن زاد الكفار على الضعف، جاز للمسلم التولي، على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، ولا يستوجب لذلك سخط الله وغضبه.فائدةومفهوم الآية: جواز التحرّف للقتال، أو التحيز إلى فئة: فإن كانت الفئة في العسكر، فجائز، لا بأس به. وإن كانت الفئة في غير محل المعركة، كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين، والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين، أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، أو كان المتحرف أو المتحيز في سرية، ففر من العدو إلى أميره، أو إلى الإمام الأعظم، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، داخل في الرخصة، ولعل هذا مقيد بما إذا ظن المسلمون، أن هذا الانهزام أحمد عاقبة لهم، وأبقى عليهم: فقد روى أحمد في«مسنده»عن عبد الله بن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا الرسول ﷺ، فحاص الناس حيصةً، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإذا كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج، فقال:«من القوم؟»فقلنا: نحن الفرّارون، فقال:«لا، بل أنتم العكّارون - أي: الكرّارون - أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين» قال: وقرأ رسول الله ﷺ: (أو متحيزاً إلى فئة). والحديث : رواه - أيضاً - أبو داود والترمذي وابن ماجه. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال:«أنا فئة كل مسلم»وقال في أبي عبيد لما قتل بأرض فارس: لو تحيز إلي، لكنت له فئة. ولكن إذا غلب على ظن المسلمين أن غلبتهم للكفار ستكون في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال - أن يكون الانهزام أو الفرار إلى عسكر آخر، أو إلى بلد من بلدان المسلمين، من الأمور المرخص فيها. وقد ذهب الشافعي: إلى أن التولي لا يحرم إذا زاد عدد الكفار على الضعف من عدد المسلمين، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» وابن حجر الهيتمي في «الزواجر»: كان الشافعي يقول: إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو، حرم عليهم أن يولوا، إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، ولكن إذا كان المشركون أكثر من ضعفهم، لم أحبّ لهم أن يولوا، ولا يستوجبون عندي السخط من الله، لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال، أو التحيز إلى فئة، وهذا مذهب ابن عباس المشهور عنه. وقد قال ابن عبّاس:«إن فرّ الرّجل من الرّجلين فقد فرّ، وإن فرّ من الثّلاثة لم يفرّ». ونقل الجصاص في «أحكام القرآن» عن محمد بن الحسن من الحنفية، وعن مالك: أنّه لا يجوز للمسلمين أن ينهزموا أو يفروا من عدوّهم- وإن كثر عددهم- إلا متحرفين لقتال، أو متحيّزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. وأمّا إذا كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، كالتحرف لقتال أو التحيّز إلى فئة، فإنّه حرام وكبيرة من الكبائر، لما في الصّحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». واختلف فيمن حرُم الفرار في حقّهم، على أقوال: الأول: فذهب قوم إلى أن الفرار إنّما كان حراماً على الصّحابة، لأن الجهاد كان فرض عيْن عليهم.الثاني: وذهب غيرهم: إلى أن الفرار إنما كان حراماً على الأنصار خاصة، لأنّهم بايعوا على السّمع والطّاعة في المنشط والمكره. الثالث: وذهب آخرون: إلى أن المراد بهذه الآية: أهل بدر خاصّة، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضّحاك وغيرهم. وحجّتهم في هذا: أنّه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك في بدر، كما قال ﷺ:«اللهّم إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد في الأرض». ولكن هذا لا ينفي أن يكون الفرار من الزّحف حراما على غير أهل بدر، و إن كان سبب نزول الآية فيهم، لحديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار يوم الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجمهور، ولأنّ العبرة بعموم اللّفظ ، لا بخصوص السّبب. والله تعالى أعلم.

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

١٧ - ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ﴾ يوم بدر بحولكم وقوتكم، مع كثرة عددهم وقلّة عددكم ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ﴾ بما يسّره الله لكم من الأسباب الموجبة للنّصر، حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره، وأظفركم بهم، ونصركم عليهم بحوله وقوّته وتأييده وتدبيره. ﴿وَمَا رَمَيۡتَ﴾ يا محمّد بالرّعب في قلوب الأعداء، يوم بدر ﴿وَمَا رَمَيۡتَ﴾ في وجوههم بالحصباء ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ بالرّعب في قلوبهم، فهزمهم بقوّته وقدرته، ونصركم عليهم، أو: وما أوصلت الحصباء إلى أعينهم، حين رميتهم بها، يوم بدر، ولكن الله هو الذي أوصلها إليهم، لأن كفّا من الحصباء لا يملأ عيون الجيش برمية بشرية، فلم ترمها أنت على الحقيقة، ولكنّها كانت رمية الله، وهذا كقوله: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة)آل عمران(١٢٣)، وقوله: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً)التّوبة(٢٥). وفي الآية: أن النّصر ليس بكثرة العدد والعُدد، وإنّما النّصر من عند الله، كقوله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)البقرة(٢٤٩). وعن ابن عبّاس في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النّبي ﷺ وجوه الكفار يوم بدر، قال:«رفع رسول الله ﷺ يديه يوم بدر وقال:«يا ربّ، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً». فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولّوا مدبرين». [وفي قراءة: (ولكنِ اللهُ قتلهم)،(ولكنِ اللهُ رمى) برفع لفظ الجلالة على الفاعلية]. ﴿وَلِيُـبۡـلِيَ﴾ الله ﴿ٱلۡمُؤۡمِنـِينَ مِنۡـهُ بَـلَآءً حَسَـنًاۚ﴾ أي: وليحسن إليهم، وينعم عليهم بالنّصر والغنيمة والأجر، فعل ما فعل- من القتل والرّمي- لا لشيء آخر، ليعرفوا بذلك حقّه ويشكروا نعمه. والمعنى: فعل الله ذلك من القتل والرّمي، ليقهر الكافرين، وليبلي الله المؤمنين منه بلاءً حسناً بالنّصر والغنيمة والأجر. واللام في قوله:«وليبلي» للتعليل، متعلقة بمحذوف مؤخر. والبلاء هنا: محمول على الإحسان والنّعمة، ويطلق- أيضاً- على المحنة، وأصله: الاختبار والامتحان، وهو كما يكون بالنّعمة لإظهار الشكر، يكون بالمحنة لإظهار الصّبر. وقد يكون المعنى: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدّرجات وأرفع المقامات، ويعطيهم أجراً حسنا، وثواباً جزيلاً، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم، ما ظهـر منها ومـا بطـن، أو: لدعـائهـم واستـغاثتهـم ﴿عَلِيمٞ﴾ بنيّاتهم وأحوالهم وأعمالهم، فيقدّر على العباد أقداراً، موافقة لعلمه وحكمته، ومصلحة عباده، ويجزي كلاًّ بحسب نيّته وعمله. أو: (عليم) بمن يستحقّ النّصر. وفي الآية: بيان أن الله خالق أفعال العباد، وأنّه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنّه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

١٨- ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ القتل والرمي والإبلاء بالنصر والغنيمة، حق من الله لكم لاختباركم بالصبر والشكر ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾ أي: مضعف ﴿كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: مكرهم، وجاعله محيقاً بهم. أو: مضعف بأس الكافرين وحوْلهم بنصركم وخذلانهم. فالغرض بما وقع في الآيات السابقة من قصة بدر إنما هو إبلاء للمؤمنين، وتوهين كيد الكافرين. [وفي قراءة: (موهنٌ كيدَ الكافرين)، وفي أخرى: بالتشديد: (موهِّنٌ كيدَ الكافرين)].

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

١٩ - ﴿إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ﴾ أيها المشركون، أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم من المسلمين. والمعنى: إن تطلبوا الفتح بينكم وبين المسلمين، أو: إن تطلبوا النصر لأعلى الجندين وأهدى الفئتين، أو: إن تطلبوا قضاء الله وحكمه في الفصل بينكم وبين أعدائكم المسلمين ﴿فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ﴾ أي: النصر، حيث نُصر الأعلى والأهدى، أو: فقد جاءكم القضاء والحكم من الله بهلاك من كان حرباً على الله ورسوله، وهم قريش دون محمد ﷺ وأصحابه، وقد قيل لهم هذا تهكماً بهم. روى أحمد والنسائي والحاكم -وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه - أن أبا جهل قال- حين التقى القوم-:«اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف، فأَحِنْه - أي: فأهلكه - الغداة، فكان المستفتح». من «الحَيْن» - بفتح الحاء - : وهو الهلاك. وفي رواية: أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، فكان ذلك في نفس الأمر دعاءً على أنفسهم، لا على رسول الله ﷺ وأصحابه. ﴿وَإِن تَنتَهُواْ﴾ عما أنتم عليه من الكفر بالله والتكذيب والعداوة لرسول الله ﷺ وأصحابه. والخطاب لمشركي مكة ﴿فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ في الدنيا والآخرة. وقيل: (وإن تنتهوا) عن الاستفتاح (فهو خير لكم) لأنه ربما أمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة. ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ إلى الكفر والضلالة والتكذيب والعداوة لرسول الله وحربه. ﴿نَعُدۡ﴾ لكم بمثل هذه الواقعة، أي: بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم، كما سلطناهم في يوم بدر. وقيل: (وإن تعودوا) إلى الاستفتاح (نعد) إلى الفتح لمحمد ﷺ ونصره عليكم وتظفيره بكم. وهذا كقوله لبني إسرائيل: (وإن عدتم عدنا)الإسراء(٨). أي: وإن عدتم إلى الإفساد في الأرض عدنا عليكم بالعقوبة والانتقام. ﴿وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ﴾ أي: ولن تدفع عنكم جماعتكم أو أعوانكم وأنصاركم ﴿شَيۡـٔٗا﴾ من الهزيمة أو من عذاب الله ﴿وَلَوۡ كَثُرَتۡ﴾ فإن النصر بيد الله وحده ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ بالنصر و التأييد و التوفيق،ومن كان الله معه، فهو المنتصر، ولا غالب له، وإن كان ضعيفاً، قليل العَدد والعُدد، فإن معية الله تؤيده وتنصره. ولا بد لمعية الله من أن يكون المؤمن مع الله قولاً وعملاً، ظاهرا و باطنا. [وفي قراءة: بكسر الهمزة: (وإن الله مع المؤمنين)].

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

٢٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما. ﴿وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ﴾ أي: ولا تعرضوا عن طاعة الله ورسوله، ولا تدبروا عنهما، مخالفين أمر الله ونهيه. ﴿وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ﴾ ما يتلى عليكم في كتاب الله من الأوامر والوصايا والمواعظ والنصائح الآمرة بوجوب طاعته ﷺ.

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

٢١ - ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا﴾ أي: بآذاننا دون قلوبنا وعقولنا ﴿وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ﴾ سماع قبول وتدبر واتعاظ، وتفكر وتذكر، وهم: المنافقون الذين يظهرون الطاعة ويسرون المعصية، أو: المشركون الذين يسمعون بآذانهم دون قلوبهم، من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي لم يسمع أصلاً سماع تدبر وتفهم. أو: اليهود، الذين يسمعون القول، ولم يستجيبوا له، بل قالوا: سمعنا وعصينا. فالدعاوي المجردة عن الحقيقة، الخالية عنها، لا يرضاها الله ولا رسوله.

8:22Page 179

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

٢٢ - ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ﴾ أي: شـر مـا دب على وجه الأرض . والمراد: إن شر الخلق ﴿عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: في حكمه تعالى، من لم تفـد فيهـم الآيات والنذر، وهـم: ﴿ٱلصُّمُّ﴾ عن سماع الحق ﴿ٱلۡبُكۡمُ﴾ عن النطق به، العمي عن رؤيته وفهمه. وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمـع وينطـق، لـعـدم انتفاعهـم بالسمـع والنـطـق ﴿ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ مـا ينفعهم، فيجتنبوه، ويؤثرون ما يضرهم، فيأتوه، فهم شر الدواب عند الله لأنهم لا يتبعون الحق، ولأن الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معاصيه، فحرموا بذلك الخير كله. فكل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، تميز بعض ما ينفعها وما يضرها. وأما هؤلاء، فقد خلقوا للعبادة فكفروا، ولم يفرقوا بين ما ينفعهم ولا ما يضرهم، ولذا شبههم بالأنعام في قوله سبحانه و تعالى: (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف(١٧٩). وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي، لأنها تطلق على كل حيوان في الأرض مميز أو غير مميز. روى البخاري وغيره، عن عبد الله ابن عباس، قال:«إن هذه الآية نزلت في نفر من بني عبد الدار، من قريش، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي، عما جاء به محمد، وتوجهوا جميعاً لقتال النبي ﷺ وأصحابه ببدر، فقتلوا جميعا، ولم يؤمن منهم إلا: مصعب بن عمير، وسويبط بن حرملة».

8:23Page 179

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

٢٣ - ﴿وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ﴾ أي: في هؤلاء الصم البكم، وهم: المشركون أو المنافقون ﴿خَيۡرٗا﴾ أي: صدقا وصلاحا و رغبة بسماع الحق، من قصد سليم، وفهم صحيح، وميل في النفوس إلى الخير والسداد والاستعداد إلى الإيمان والهدى والرشاد ﴿لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ﴾ المواعظ و العبر بتوفيقه، سماع تفهم وتدبر، ينتفعون به، ويعقلون عنده الحجج والبراهين، أو: لرزقهم الفهم بما أنزل على محمد ﷺ ﴿وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ﴾ على الفرض والتقديـر، أي: أفهمهـم، أو: رزقهم الفهـم. ﴿لَتَوَلَّواْ﴾ عن الحق ﴿وَّهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ عن قبوله، قصداً وعناداً وجحوداً، لما سبق في علمه تعالى، أنه لا خير فيهم، وأنهم لا يؤمنون، لفساد فطرتهم وتربيتهم بسوء القدوة. وقد يكون تقدير الكلام: (و) لكن لا خير فيهم، فلم يُسمعهم، لما سبق في علمه أنه (لو أسمعهم) أي: أفهمهم (لتولّوا) عن ذلك قصداً وعناداً (وهم معرضون) عنه، بما سبق عليهم في علمه تعالى من الشّقاء. وفي الآية: دليل على أن الله لا يمنع الإيمان والخير إلاّ عمّن لا خير فيه ممن لا يزكو لديه، ولا يُثمر عنده الإيمان والعمل الصّالح.

8:24Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

٢٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي: بادروا بالإجابة إلى طاعة الله ورسوله، بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما ﴿إِذَا دَعَاكُمۡ﴾ الله ورسوله ﴿لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ حياة طيبة في الدنيا و الآخرة، أي: لما فيه حياتكم من أمور الدين والإيمان والإسلام والهدى والحقّ والقرآن والجهاد في سبيل الله، و ذلك لما في القرآن من أوامر ونواه، فيها النّجاة والبقاء والحياة الطيبة ، و لما في الجهاد من سبب الحياة الكريمة في الظاهر، فإنّ العدوّ إذا لم يغزُ، غزا. أو: لما يصلحكم، ويورّثكم حياة أبدية ونعمة سرمديّة من الإيمان والعلم، فإنّ الإيمان والعلم حياة، و الشرك و الجهل موت. وعن أبي سعيد بن المعلى قال:«كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ، فلم أجبه، ثمّ أتيته فقلت: يا رسول الله، إنّي كنت أصلّي، فقال: ألم يقل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يحييكم)» الحديث . رواه أحمد والبخاري و النسائي. ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ﴾ أي: يحول بين المرء وخواطر قلبه، فيمنعه من حصول ما لم يرده منه، فلا يقدر المرء أن يدرك إيماناً أو كفراً أو أن يعي شيئاً، إلا بإذن الله ومشيئته وإرادته، فالله يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنّى شاء. من الحوْل بين الشيء والشيء: بمعنى: الحجز والفصل بينهما. وقيل: يحول بين المرء وبين الكفر- إن أراد هدايته- فضلاً منه ونعمة، وبينه، وبين الإيمان- إن أراد ضلالته- عدلاً منه وحكمة. وفي الحديث عند أحمد في «مسنده» عن أنس بن مالك، قال: كان النّبي ﷺ يكثر أن يقول:«يا مقلّب القلوب-و في رواية:يا مثبت القلوب- ثبت قلبي على دينك»قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال:«نعم، إنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى، يقلّبها كيف شاء». وروى أحمد والنّسائي وابن ماجه، عن النّواس بن سمعان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من قلب إلاّ وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه»وكان يقول:«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال:«والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه». وروى الإمام أحمد، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه، يقول: «اللهمّ، مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله أوَ إنّ القلوب لتقلّب؟ قال:نعم، ما خلق الله من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله عزّ وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. قالت: فقلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال:قولي: اللهمّ ربّ محمّد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلاّت الفتن ما أحييتني». ﴿وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.

8:25Page 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

٢٥ - ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ﴾ إن أصابتكم، أي: احذروا ابتلاء من الله تعالى واختباراً، ومحنة تنزل بكم، من قحط وغلاء وتسلط للظلمة، ونحو ذلك ﴿لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ ﴾ بل تتعدّاهم إلى أهل الصّلاح، فتعمّ المسيء وغيره، وتصيب الصّالح والطّالح، وذلك بظهور المنكرات والبدع، وإقرارها والرّضا بها، وفشوّ الفساد والمعاصي، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة في الحقّ، وتعطيل الحدود، وترك الحكم بما أنزل الله، ونحو ذلك. واتقاء هذه الفتنة يكون بالأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وقمع أهل الشّر والفساد، والأخذ على أيدي الظلمة والعُصاة. ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ لمن خالف أمره، وتعرّض لمساخطه، وجانب رضاه. وفي الآية: التحذير من الذنوب التي هي من أسباب الابتلاء، كإقرار المنكر، والنّهي عن المعروف، وتعطيل حدود الله، وعدم تحكيم شرعه، ونحو ذلك. أخرج أحمد في «مسنده» من حديث عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«إنّ الله عزّ وجل لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك، عذّب الله الخاصة والعامة». قال ابن كثير: لم يخرجه أحد في الكتب السّتة، وفيه رجل متّهم. وعند أحمد أيضا، عن حذيفة بن اليمان، أنّ رسول الله ﷺ قال:«والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثمّ لتدعنّه فلا يستجيب لكم». وعنده-أيضاً- من حديث أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمّهم الله بعذاب من عنده، قلت: أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب النّاس، ثمّ يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان». وفي رواية:«ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعزّ منهم وأمنع، لا يغيّره، إلا عمّهم الله بعقاب، أو: أصابهم العقاب». و روى أحمد والبخاري والترمذي، من حديث النّعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:«مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها، وبعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوْا جميعاً».

8:26Page 180

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

٢٦ - ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ﴾ أيها المؤمنون من المهاجرين. وقيل: الخطاب لأمّة العرب ﴿إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ﴾ في العدد ﴿مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في أرض مكّة، مقهورون فيها قبل الهجرة، تستضعفكم قريش. أو: تحت حكم غيركم من فارس والرّوم ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾ أي: يستلبوكم ويأخذوكم ويصطلموكم بسرعة. والخطف: الأخذ بسرعة.يقال: تخطّفه واختطفه بمعنى: استلبه وأخذه بسرعة. والنّاس: مشركو قريش، وقيل: فارس والرّوم. ﴿فَـَٔاوَىٰكُمۡ﴾ الله، أي: ضمّكم إلى المدينة، أو إلى الأنصار الذين آووا ونصروا، و واسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم طاعة لله ورسوله. ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ﴾ أي: قوّاكم وأعانكم بالنصر في مواطن الحرب، كيوم بدر وغيره، أو: بالأنصار. ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ﴾ والتي من جملتها الأنفال والغنائم ﴿لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ الله على نعمه وإحسانه في نصركم بعد الذّلة، وتكثيركم بعد القلّة، وإغنائكم بعد العيلة، بأن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً.

8:27Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

٢٧ - سبب نزول الآية: روى سعيد بن منصور في «سننه»وعبد الرّزاق في «مصنّفه»، عن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ بعث أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، إلى بني قريظة، لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ- وفي رواية: على حكم سعد بن معاذ- فاستشاروه، فأشار إليهم بيده إلى حلقه: أنّه الذّبح، فنزلت.ثم إنّه ندم على ذلك، فربط نفسه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تاب الله عليه، فجاءه رسول الله ﷺ، فحلّه بيده. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ بترك فرائض الله، وسنن رسوله وتعطيلهما وتعدي الحدود والمحارم ونقص شيء من الأحكام و ارتكاب الذنوب و المعاصي الصغيرة منها و الكبيرة ، اللازمة منها والمتعدية. من الخون: وهو النّقص. يقال: خوّنه تخويناً، نسبه إلى الخيانة ونقصه. والخائن: ينقص المخون شيئاً مما خانه فيه، ثمّ استعملت ضدّ الأمانة والوفاء بها. ﴿وَ﴾ لا ﴿تَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ﴾ أي: ما اؤتمنتم عليه، من الدّيون والحقوق والعهود، والأسرار، بعدم الوفاء بها. ﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ تبعة ذلك ووباله.أو: (وأنتم تعلمون) أن هذا خيانة وتلك أمانة.والأمانة: كل حقّ مادي أو معنوي يجب أداؤه والوفاء به.

8:28Page 180

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

٢٨ - ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ﴾ أي: اختبار وامتحان من الله لكم، ليعلم أتشكرونه عليها، وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه. وهذا كقوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم)التغابن(١٥)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله)المنافقون(٩) ، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم)التغابن(١٤). ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ وعطاء كريم، وثواب عميم لمن آثر رضاه على جمع المال وحب الولد ، فآثروا حقّ الله وحقّ رسوله على أموالكم وأولادكم. وفي الآية: إخبار بأن الأموال والأولاد فتنة وابتلاء ومحنة من الله لعباده، لأنّ العبد ربما حمله حبّ المال والأهل على التفريط في حقّ الله، والخيانة فيما اؤتمن عليه من الدين والعمل، والصدّ عن أمور الآخرة.وفي الحديث:«الولد مجبنة مبخلة محزنة»أي: يدعو إلى ذلك كله. وفي الصّحيحين عن رسول الله ﷺ، أنّه قال:«ثلاث من كنّ فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النّار». وفي صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال:«والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وماله والنّاس أجمعين». وفي رواية:«من والده، وولده، والنّاس أجمعين».

8:29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

٢٩ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿يَجۡعَل لَّكُمۡ﴾ من ثبات القلوب، وقوّة البصائر، وحسن الهداية في الدنيا والآخرة ﴿فُرۡقَانٗا﴾ أي: فصلاً، تفرقون به بين الحقّ والباطل، والهدى والضلال، ونصراً يُفرّق بين المحقّ والمبطل، ومخرجاً من الشبهات، ونجاة في الدنيا والآخرة ممّا تخافون، وسعادة يوم القيامة. أو: هداية ونوراً ﴿وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ﴾ أي: ويمحو عنكم صغائر الذنوب ﴿وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ﴾ كبائرها، بسترها من النّاس. والمراد بالسيئات: الصغائر، وبالذنوب: الكبائر. ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ والأجر الكريم، والثواب العميم، لمن اتقاه، وآثر رضاه، على هوى نفسه. وهذا كقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم)الحديد(٢٨).

8:30Page 180

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

٣٠ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد، ما منّ الله به عليك ليلة الهجرة ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك، بدار النّدوة ﴿لِيُثۡبِتُوكَ﴾ بالوثاق والقيد والحبس، أي: ليوثقوك ويقيّدوك ويحبسوك حتى الموت، ليحولوا بينك وبين دعوة النّاس. من الإثبات: وهو الحبس والوثاق. أو: (ليثبتوك) بالإثخان بالجراح حتى لا تستطيع حراكاً. ومنه: رجل مثبت: لا حراك به من المرض. وأثبته السّقم: إذا لم يفارقه. ﴿أَوۡ يَقۡتُلُوكَ﴾ كلّهم قِتلة رجل واحد، ليتفرّق دمك في القبائل، كما اقترح أبو جهل بأن يجمعوا من كل قبيلة غلاماً يشتركون في قتله، فيضيع دمه بين العرب ولا تقوى بنو هاشم على الثأر له. ﴿أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ﴾ من مكّة، ويجلوك عن ديارهم، فيستريحوا -بزعمهم- من دعوتك. ﴿وَيَمۡكُرُونَ﴾ بك المكائد ﴿وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ﴾ بهم بكيده المتين، فيردّ مكرهم، ويحبط كيدهم، ويدبّر أمرك، ويحفظك منهم، بأن أوحى إليك ما دبّروه، وأمرك بالخروج من مكّة. أو: يجازيهم الله على مكرهم بك، فيردّ كيدهم في نحورهم ﴿وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ وأعلمهم به، فهو خير من يردّ مكرهم ويحبط كيدهم ويجازيهم عليه. فأمره بالهجرة إلى المدينة، ونجّاه من كيدهم ومكرهم. و في الآية: إثبات صفة المكر لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و كماله وعظمته. روى أحمد في«مسنده» عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية، قال:«تشاورت قريش ليلة بمكّة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوثاق، يريدون: النّبي ﷺ، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيّه ﷺ على ذلك، فبات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله ﷺ، وخرج النّبي ﷺ حتى لحق بالغار».و روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في«مستدركه» عن ابن عبّاس:«أنّ فاطمة دخلت على النّبي ﷺ، وهي تبكي، تخبره أن الملأ من قريش يتعاهدون باللات والعزى، أن لو قد رأوك، ليقتلونك، فدعا رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ ثمّ خرج إلى المسجد، فلمّا رأوه، طأطأوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال:«شاهت الوجوه» فما أصاب رجلاً منهم حصاة، إلا قُتل يوم بدر كافراًً».قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علّة.

8:31Page 180

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

٣١ - ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا﴾ الدّالة على صدق ما جاء به محمّد ﷺ من ربّه، ﴿قَالُواْ﴾ جهلاً وعناداً، وتعنّتاً وتمرّداً، وبُعداً عن الحقّ: ﴿قَدۡ سَمِعۡنَا﴾ ما تتلوه علينا، ﴿لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ﴾ القرآن، الذي تتلوه علينا، ولكنّه قول بلا فعل، لأنّ الله تحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا ﴿إِنۡ هَٰذَآ﴾ القـرآن ﴿إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: مـا سطروه في كتبهـم من الأحـاديث المكذوبة، والقصص المتخيلة. جمع أسطورة: وهو ما سطّره الوراقون في كتبهم من أخبار الأولين. وقد قيل: إن القائل لذلك هو«النّضر بن الحارث»كان يأتي الحيرة فيتّجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم، ويحدّث بها أهل مكّة، ويقول: أينا أحسن قصصاً، أنا أو محمّد؟ فأسر يوم بدر، وأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبراً بين يديه. قاله ابن جرير. ومثله قوله: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً)الفرقان(٥).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском