Al-Jami' al-WajizAl‑Anfal · 8:32–43

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:32–43

8:32Page 180

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

٣٢ - ﴿وَإِذۡ قَالُواْ﴾ أي: المشركون. والقائل : هو أبو جهل عمرو بن هشام ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا﴾ الذي جاءنا به محمّد ﴿هُوَ ٱلۡحَقَّ﴾ المنزّل ﴿مِنۡ عِندِكَ﴾ لا شكّ فيه ولا مرية ﴿فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ تهلكنا بها ﴿أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ أي: مؤلم، على إنكارنا لما يدعو إليه محمّد. وهذا القول منهم على سبيل الاستهزاء و الإنكار و الجحود، من فرط جهلهم، وشدّة تكذيبهم وعتوّهم وعنادهم. وكان الأوْلى لهم أن يقولوا: اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك، فاهدنا إليه، ووفّقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب وتقديم العقوبة، جزماً منهم بباطلهم، وجهلاً بما ينبغي من سؤال ربّهم. و هذا كقوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمّى لجاءهم العذاب)العنكبوت(٥٤). وقوله: (وقالوا ربنا عجّل لنا قِطنا قبل يوم الحساب)ص(١٦)، وقوله: (سأل سائل بعذاب واقع)المعارج(١)، وقوله حكاية عن قوم مدين: (فأسقط علينا كسفاً من السّماء إن كنت من الصّادقين)الشّعراء(١٨٧).

8:33Page 180

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

٣٣ - سبب نزول الآية:روى البخاري في صحيحه والبيهقي عن أنس بن مالك، قال: قال أبو جهل بن هشام:«اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم»فنزلت: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) الآية. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ﴾ أي: أهل مكّة بما سألوه، أي: وما كان الله مريداً لتعذيبهم تعذيب استئصال، بسؤالهم ذلك ﴿وَأَنتَ﴾ يا محمّد ﴿فِيهِمۡۚ﴾ مقيم بين أظهرهم بمكّة حتى يخرجوك، لأنّ العذاب إذا نزل عمّ، وقد جرت سنّة الله في الأمم المكذّبة ألا يهلكها، وفيها نبيّها والمؤمنون به، حتى يخرجهم منها بفضله، ثمّ يعذّب الكافرين بعدله، فوجوده ﷺ بين ظهرانيهم أمنة لهم من عذاب الله، حتى يخرجوه. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ الله، أي: وما كان الله معذّب هؤلاء الكافرين، وبين أظهرهم بمكّة من يستغفر الله من المؤمنين المستضعفين، وهم الذين لم يستطيعوا الهجرة حين هاجر رسول الله ﷺ وصحابته، وهو كقوله: (لو تزيّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)الفتح(٢٥). وإسناد الاستغفار إلى ضمير الجمع، لوقوعه فيما بينهم، ولِجعل ما صدر عن البعض بمنزلة ما صدر عن الكلّ، كقولهم: بنو تميم قتلوا فلاناً، والقاتل أحدهم. وقيل: إن الضمير في قوله: (وهم يستغفرون) عائد إلى المشركين الذين سألوا الله العذاب، ولكن الله منعه عنهم بعدما انعقدت أسبابه، لأنّهم كانوا يقولون في طوافهم: غفرانك، غفرانك. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس. وقيل: إنّ المعنى: لو كانوا ممّن يؤمن بالله ويستغفره، لم يعذّبهم، أي: لو أنّهم يستغفرون ما عذّبهم. روى الترمذي في«سننه»عن رسول الله ﷺ قال:«أنزل الله عليّ أمانين لأمّتي: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة». ويشهد له:ما رواه أحمد والحاكم- وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه- عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:«إنّ الشيطان قال: وعزّتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرّب: وعزّتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني».

8:34Page 181

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

٣٤ - ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: وأيّ شيء يمنعهم من عذاب الله، بعد خروجك، وخروج المستضعفين من المؤمنين من بين أظهرهم، وقد فعلوا ما يوجب ذلك، ويقتضيه، أي: لا مانع منه. وقيل: و لم لا يعذبهم الله دون عذاب الاستئصال و الهلاك العام، بقتل بعضهم أو أسره ﴿وَهُمۡ يَصُدُّونَ﴾ النّبي ﷺ، والمسلمين ﴿عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ ويمنعونهم من أداء المناسك فيه، من طواف، وصلاة، ونحو ذلك ﴿وَمَا كَانُوٓاْ﴾ أي: المشركون ﴿أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ﴾ أي: أولياء المسجد الحرام، أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام ولا ولاية لهم عليه ، ولا أوْلى به من المسلمين. ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله: أي هم ليسوا أولياء الله عزّ وجلّ. ﴿إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ الذين آمنوا بالله ورسوله، وأفردوا الله بالتوحيد والعبودية، وأخلصوا له الدين، أي: إنّما أولياء البيت الحرام وأهله: النّبي ﷺ والمسلمون. أو إنّما أولياء الله ورسوله: المتقون للشّرك والمعاصي، لأن البيت لله، فلا ولاية عليه لأولياء الأصنام، كقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النّار هم خالدون ١٧ إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ١٨)التّوبة(١٧-١٨) وقوله تعالى: (وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله)البقرة(٢١٧). روى الحافظ ابن مردويه في تفسير هذه الآية، عن أنس بن مالك، قال: سُئل رسول الله ﷺ: من أولياؤك؟ قال:«كلّ تقي»وتلا رسول الله ﷺ: (إن أولياؤه إلا المتّقون). وروى الحاكم في«مستدركه»أنّ رسول الله ﷺ جمع قريشاً فقال لهم:«إنّ أوليائي منكم المتّقون». ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن لا ولاية لهم على بيت الله، فلذلك ادّعوا لأنفسهم أمراً، غيرهم أوْلى به. وقد أوقع الله بهم بأسه وعذابه يوم بدر، فقُتل صناديدهم، وأُسر سراتهم، وأُذلّوا.وعلى القول الثّاني في آية:(٣٣)- وهو: عود ضمير:«وهم يستغفرون» إلى الكفّار- تكون هذه الآية: (٣٤) مستثنية أهل الشّرك الذين لا يستغفرون، فهؤلاء يشملهم عذاب الله وبأسه.

8:35Page 181

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

٣٥ - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ﴾ أي: صفيراً ﴿وَتَصۡدِيَةٗۚ﴾ أي: تصفيقاً بالأكفّ، أي: فلم يكن البيت معموراً بالعبادة التي فيها تعظيم لله على الوجه المشروع، بل بتلك الصّلاة المشتملة على الصفير والتصفيق. وقيل: إنّهم جعلوا المكاء والتّصدية، موضع صلاتهم التي أُمروا بها، فكانوا يصفرون ويصفّقون عند البيت، واضعين ذلك موضع الصّلاة، قاصدين به أن يشغلوا المسلمين عن صلاتهم. وعن ابن عبّاس: كانوا يطوفون بالبيت عراة، يصفرون ويصفقون فكان ذلك عبادة في ظنهم. وكانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يصلي ويتلو القرآن، صفروا وصفقوا، ليخلطوا عليه قراءته، ويشغلوا عنه من يسمعه. والمكاء: الصفير. يقال: مكا الطير يمكو مكواً ومكاءً: إذا صفر. وفي الأصل: اسم لطائر أبيض يوجد بالحجاز، له صفير. والتصدية: التصفيق. ﴿فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ﴾ ببدر، من القتل والسبي. أو: يقال لهم ذلك يوم القيامة ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾ بالله، وتصدون عن سبيله وبيته،أي: بسبب ذلك. وفي الآية: ذم الصفير والتصفيق:فأما «الصفير» فخفة ورعونة - كما قال ابن عبد السلام - لا تليق بمسلم، وأما الصفير بآلة، فلا بأس به إذا كان لحاجة، «كصفارة الشرطي»، وما عداه فمذموم.وأما «التصفيق»: فجائز في الصلاة للنساء فقط، إذا سها الإمام، لحديث البخاري:«التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء». أما التصفيق خارج الصلاة فمكروه، ولو كان استحساناً أو تأييداً، للرجال والنساء على السواء. قال ابن حجر في «كف الرعاع» نقلاً عن ابن عبد السلام:«إن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة، ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء، ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعله الجهال والسفهاء، الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء».

8:36Page 181

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

٣٦ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: ليمنعوا المؤمنين عن دين الله بمبارزتهم لله ورسوله، وسعيهم في إطفاء نوره، وإخماد كلمته، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل، ومحاربة الإسلام وأهله. ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ في حربه و الصد عنه و عن سبيل الله، أي: فسيُصدرون هذه النفقة، وتخفّ عليهم، لتمسكهم بباطلهم، وشدة بغضهم للحق. ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ عاقبة ذلك الإنفاق ﴿عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ﴾ أي: ندامة وأسفاً، وخزياً وذلاً، لفواتها من غير ثمرة يرجونها، ولا فائدة يأملونها. يقال: حَسِر يَحسَر: إذا ندم. والحسرة: اسم منه، وهي التلهف والتأسف على الفائت. ﴿ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ﴾ في الدنيا، كما وعد الله به في مثل قوله: (كتب الله لأغلبن أنا و رسلي)المجادلة(٢١)، فهذا خزي الدنيا ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ منهم ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ يوم القيامة ﴿يُحۡشَرُونَ﴾ أي: يساقون، ويجمعون إليها، وهذا خزي الآخرة. وقد قيل في سبب نزولها: إن رجالاً من قريش، أصيب آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم، يوم بدر، كلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا، ففعلوا، فنزلت الآية. رواه ابن إسحاق عن الزهري. وأخرج ابن جرير أنها نزلت في أبي سفيان: استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم رسول الله ﷺ. وقيل: إنها نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش - منهم أبو جهل - يُطعم كل واحد منهم، كل يوم ، عشْر جُزُر. رواه مقاتل والكلبي. والآية عامة وإن كان سبب نزولها خاصاً.

8:37Page 181

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧

[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ﴾ الفريقين، أي: يفصل بينهم [وفي قراءة بالتشديد: (ليميّز الله)] ﴿ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ أي: الكافر من المؤمن، وأهل السعادة من أهل الشقاء. وهذا يحتمل أن يكون التمييز في الآخرة، كقوله: (ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم)يونس(٢٨)، أي: ميزنا بينهم، فريق في الجنة، وفريق في السعير. وقوله: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون)الروم(١٤) وفي الآية الأخرى: (يومئذ يصدعون)الروم(٤٣)، وقوله: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) يس(٥٩). فعلى هذا يكون المعنى: وإنما حشرنا الكفار في جهنم (ليميز الله الخبيث من الطيب). ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، كقوله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا)آل عمران(١٦٦) وقوله:(ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)آل عمران(١٧٩). والمعنى: وإنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك (ليميز الله الخبيث من الطيب) أي: من يطيعه بقتال أعدائه، ممن يعصيه بالنكول عنه. ﴿وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ﴾ من الأعمال والأمـوال والأفراد ﴿بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا﴾ أي: يجمعه ويضمّ بعضه إلى بعض، أو يجمعه متراكما ملقىً أو متراكبا بعضه على بعض. يقال: ركم الشيء يركمه، إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. وارتكم الشيء وتراكم: اجتمع، ومنه قوله: (سحاب مركوم)الطور(٤٤)، وقوله: (ثمّ يجعله ركاماً)النّور(٤٣)، أي: متراكماً متراكباً. ﴿فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ في الدنيا و الآخرة.قال سبحانه و تعالى:(الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين)الزمر(١٥).

8:38Page 181

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1

٣٨ - ﴿قُل﴾ يا محمّد ﴿لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ من قريش وغيرها ﴿إِن يَنتَهُواْ﴾ عمّا هم فيه من الكفر والتكذيب، والعناد والمشاقة لله ورسوله، وذلك بالدخول في الإسلام والطّاعة لله ورسوله، والإنابة والتّوبة. ﴿يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ﴾ من أعمالهم، أي: من كفرهم وشركهم، وذنوبهم ومعاصيهم، لأنّ الإسلام يجبُّ ما قبله. وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال:«من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر». و عند أحمد و مسلم: أنّ رسول الله ﷺ قال:«الإسلام يجبّ ما قبله، والتّوبة تجبّ ما كان قبلها». ﴿وَإِن يَعُودُواْ﴾ إلى كفرهم وشركهم وعنادهم، وعداوتهم ومبارزتهم لله ورسوله، ويستمرّوا على ما هم فيه من الكفر والمعاصي، دون توبة وإنابة. ﴿فَقَدۡ مَضَتۡ﴾ أي: خلت فيهم ﴿سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: عادة الله في المكذّبين لرسله، بإهلاك الأمم المكذّبة، فلينتظروا أن يصيبهم الله بعذاب من عنده.

8:39Page 181

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩

And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.

٣٩ - ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ﴾ أي: وقاتلوا المشركين ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ أي: حتى لا يوجد منهم شرك ولا كفر، ولا صدّ عن سبيل الله ولا إضلال لغيرهم، ويذعنوا لأحكام الإسلام. أو: حتى لا يُفتن أو يفتتن مسلم عن دينه. ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ والأمر و الطاعة و العبادة له وحده، لا شريك له، فلا إله غيره ولا معبود بحقّ سواه. أي: يكون التوحيد خالصاً لله، فلا يُعبد غيره ولا يكون مع الإسلام كفر. وفي الصّحيحين عن رسول الله ﷺ، أنّه قال:«أمرت أن أقاتل النّاس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله تعالى». ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ﴾ عمّا هم فيه من الشّرك، والكفر، وظلم أنفسهم وأهليهم، وكفّوا عنه- وإن لم تعلموا بواطنهم وسرائرهم- ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ [وفي قراءة بالتاء: (بما تعملون)] ﴿بَصِيرٞ﴾ لا تخفى عليه منهم خافية، فيجازيهم بأعمالهم- وكذا أنتم- إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر. وهذا كقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم)التّوبة(٥). وفي الآية الأخرى: (فإخوانكم في الدّين)التّوبة(١١)، وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظّالمين)البقرة(١٩٣). وفي الآية: بيان أنّ المقصود من القتال والجهاد في سبيل الله: هو إعلاء كلمة الله، والدّفاع عن دينه، حتى يكون الدّين كلّه لله وحده.

8:40Page 181

وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠

But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.

٤٠ - ﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ عمّا أمروا به من الانتهاء عن الكفر والشرك والظلم، أي: أعرضوا عن الإيمان والطّاعة ولم ينتهوا، وأوضعوا في الضلالة والإضاعة، واستمروا على خلافكم ومحاربتكم، وأصروا على كفرهم ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ﴾ أي: ناصركم عليهم، ومتولي أموركم، ومعينكم ﴿نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ﴾ أي: المعين الذي يتولى عباده، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية. ﴿وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ أي: النّاصر الذي ينصرهم فيدفع عنهم كيد الكفّار وتكالب الأشرار، فمن والاه فاز، ومن نصره غلب، ومن كان الله عليه فمن يكون معه؟.

8:41Page 182

۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.

٤١ - ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ﴾ أي: أخذتـم من مال الكفار قَهراً وغلبةً بحق، قليلاً كان أو كثيراً. والغنيمة: ما أُخذ من أموال الكفّار، وظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، بقتال، أو إيجاف خيل أو ركاب، من الغُنْم: وهو الفوز، يُقال: غنم غُنماً وغنيمة، إذا ظفر بالشيء. فالغنائم إذاً شاملة لكل ما غنمه المسلمون من الكفّار قهراً، من أرض ومال وغيرها. وأمّا الفيء: فما أُخذ من مال الكفّار بغير قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفّون عنها، ولا وارث لهم، وكذا الجزية والخراج، ونحو ذلك. وسيأتي بيانه في سورة الحشر، إن شاء الله تعالى. ومذهب الشّافعي: التفرقة بين الغنيمة والفيء، وذهب غيره إلى عدم التفرقة بينهما. والأول أوْلى. ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ أي: فحكمه أنّ لله خمسه، يأمر فيه بما يشاء، ويقسمه كيف شاء، وباقيه لكم أيها الغانمون، وهو: الأربعة الأخماس، لأنّه أضاف الغنيمة إليهم في قوله: (غنمتم)، وأخرج منها خمسها، فدلّ على أنّ الباقي- أي: الأربعة الأخماس- لهم، يُقسم على ما قسمه رسول الله ﷺ: للرّاجل سهم، وللفارس سهمان: سهم لفرسه، وسهم له. وذِكْر الله تعالى في الآية: لبيان أنّه لا بدّ في الخمس من إخلاصه له تعالى، وأنّه هو الحاكم به، فيقسمه كيف شاء، وليس المراد: أنّ لله سهماً منفرداً، لأنّ الله له كلّ شيء، فسهم الله وسهم رسوله، شيء واحد. وقال بعضهم: لله نصيب من الخُمس يُجعل في الكعبة. والأوّل أرجح. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ ﷺ ﴿وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ وهم قرابة النّبي ﷺ، من بني هاشم، وبني المطّلب، ﴿وَٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ وهم: أيتام المسلمين الذين فقدوا آباءهم، وهم صغار قبل البلوغ. واختلف فيه: هل يختصّ بالأيتام الفقراء، أو يعمّ الأغنياء والفقراء منهم؟ على قولين. والرّاجح: الفقراء منهم. ﴿وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ وهم: ذوو الحاجة من المسلمين، الذين لا يجدون ما يسدّ خلّتهم ومسكنتهم، وهم الذين أسكنتهم الحاجة، من صغار وكبار، ذكور وإناث، ﴿وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ وهو: المسافر المنقطع في سفره، من المسلمين، أو: المريد للسّفر إلى مسافة تُقصر فيها الصّلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، أو: الغريب المنقطع به في غير بلده، من المسلمين. أي: يستحقّ هذا الخُمس النّبي ﷺ، والأصناف الأربعة- ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل- على ما كان يقسمه ﷺ: أنّ لكلٍّ خُمس الخُمس، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين. والمعنى: أنّ الغنيمة تُخمَّس، فيعطى أربعة أخماسها ملْكاً للمقاتلة الغانمين الذين أحرزوها- سهم للرّاجل منهم، وللفارس سهمان- والخُمس الباقي: كان في عهد النّبوة خمسة أسهم: الأوّل: سهم لله ولرسوله: يتصرّف فيه رسول الله ﷺ بأمر ربّه، فيضعه حيث شاء، ويردّه في أمّته كيف شاء. أو يصرفه في مصالح المسلمين العامّة. الثّاني: سهم ذوي القربى: وهم قرابة النّبي ﷺ، من بني هاشم، وبني المطّلب، وإضافته إلى القرابة، دليل على أنّ العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيّهم وفقيرهم، وذكرهم وأنثاهم. وقيل: إنما يُعطى فقراؤهم دون أغنيائهم. الثالث: سهم اليتامى: وهم الذين فقدوا آباءهم وهم صغار. الرابع: سهم المساكين: وهم الذين أسكنتهم الحاجة. الخامس: سهم ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع في سفره. وذهب بعضهم: إلى أنّ خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف الخمسة، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السّواء، بل ذلك تبع للمصلحة، وهذا هو الأوْلى. وأمّا بعده ﷺ: فعلى قولين: الأول: ذهب الشّافعي: إلى أنّ الخُمس بعد النّبي ﷺ يُقسم على خمسة: فيصرف سهم الله وسهم رسوله لمصالح المسلمين العامة وما فيه قوّة لهم. والأربعة الأخماس تُصرف على الأصناف الأربعة المذكورة وهم: ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أنّ الخُمس بعده ﷺ يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وأبناء السبيل. أمّا حكم سهمه ﷺ فقد ارتفع بموته، وكذا حكم سهم ذوي القربى. ﴿إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ﴾ أي: امتثلوا لأمر الله وما شَرعه لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله ﴿وَ﴾ ب ﴿مَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ محمّد ﷺ، من الملائكة والآيات، والنّصر والمعجزات، ﴿يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ﴾ أي: يوم بدر، الفارق بين الحقّ والباطل ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ﴾ أي: الفريقان، من المسلمين والكافرين. أي: إن كان إيمانكم بالله وبالحقّ الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين، ما دلّ على أنّ ما جاء به هو الحقّ، فامتثلوا وانقادوا وسلّموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. وسُمّي يوم بدر: يوم الفرقان، لأنّ الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه. روى الحاكم عن ابن عباس قال:«يوم الفرقان: يوم بدر، فرّق الله فيه بين الحقّ والباطل». ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ لا يغالبه أحد إلاّ غلبه، ومنه نصركم يوم بدر، مع قلّتكم وكثرتهم. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، في وفد عبد القيس، أن رسول الله ﷺ قال لهم:«وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، ثمّ قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدّوا الخمس من المغنم...»الحديث ، فجعل أداء الخُمس من جملة الإيمان. والعلم في قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم) مشفوع بالعمل والاعتقاد، لا مجرد العلم فقط. فائدة فقهيةقوله تعالى: (فأنّ لله خمسه وللرسول): اختُلف فيه على قولين: الأوّل: أنّ سهم الله ورسوله واحد، وهو قول ابن عبّاس والنّخعي والحسن البصري والشعبي وعطاء وقتادة وغيرهم. قال ابن عبّاس: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا، خمّس الغنيمة. فذِكْرُ الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وإلا ف (لله ما في السموات وما في الأرض)البقرة(٢٨٤) ويؤيد هذا: ما رواه الحافظ البيهقي- بإسناد صحيح- عن عبد الله بن شقيق: أنّ رجلاً سأل النّبي ﷺ عن الغنيمة، فقال:«لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش»قال: فما أحد أوْلى به من أحد؟ قال:«لا، ولا السّهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحقّ به من أخيك المسلم». وعليه: فسهم الله وسهم رسوله واحد، ومقداره خُمس الخُمس، يتصرّف فيه رسول الله ﷺ بما شاء، ويردّه في أمّته كيف شاء. ويشهد له: ما رواه أحمد عن المقدام بن معدي كرب الكندي: أنّ أبا الدّرداء سأل عبادة بن الصّامت عن كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس فقال عبادة:«إنّ رسول الله ﷺ صلّى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلمّا سلّم أخذ وبرة من البعير وقال:إنّ هذه من غنائمكم، وإنّه ليس لي فيها إلاّ نصيبي معكم الخُمس، والخُمس مردود عليكم، فأدّوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإنّ الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا النّاس في الله، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السّفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة عظيم، ينجّي الله به من الهمّ والغمّ». قال ابن كثير: وهو حديث حسن، ولم أره في شيء من الكتب الستّة، وله شواهد. وما رواه أبو داود والنّسائي، عن عمرو بن عنبسة، أنّ رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلمّا سلّم، أخذ وبرة من هذا البعير، ثمّ قال:«ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلاّ الخُمس، والخُمس مردود عليكم». الثاني: وذهب بعضهم:إلى أن لله نصيبا من الخمس يُجعَل في الكعبة. قلت: والأول أوْلى، لقوة دليله. والله تعالى أعلم. واختُلف في مصرف سهم الله وسهم رسوله- ومقداره خمس الخُمس- على قولين: الأول: أنّه ﷺ يتصرّف في الخُمس الذي جعله الله له بما شاء، أو يردّه في أمّته كيف شاء. الثّاني: وقال آخرون: إن الخمس يتصرّف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين كما يتصرّف في مال الفيء. قال ابن تيمية: وهو قول مالك وأكثر السّلف، وهو أصح الأقوال. فسهم الله وسهم رسوله يُصرف في مصالح المسلمين العامّة، من غير تعيين لمصلحة، لأنّ الله جعل هذا الخمس له ولرسوله، والله ورسوله غنيّان عنه، فعُلم أنّه لعباد الله، فلمّا لم يعيّن الله له مصرفاً، دلّ على أنّ مصرفه للمصالح العامّة. واختُلف في خمس الرسول ﷺ بعد وفاته على أقوال: الأول: قال بعضهم: يكون خمسه ﷺ لمن يلي الأمر من بعده. الثاني: وقال الشّافعي: يُصرف خمسه ﷺ- وهو سهم الله وسهمه- في مصالح المسلمين، وما فيه قوّة لهم. الثالث: وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. الرابع: وذهب أبو حنيفة: إلى أنّ سهم النّبي ﷺ، وسهم ذوي القربى، من بني هاشم وبني المطّلب، مرفوع حكمهما بموته ﷺ، فهما مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل. الخامس: وقيل: إن خمسه ﷺ جميعه لذوي القربى. قلت: والمترجّح عندي: قول الشّافعي، لأنّ الأصل فيه بقاؤه وصرفه في مصالح المسلمين. والله تعالى أعلم. واختُلف في قوله: (ولذي القربى) على قولين: الأول: هم: بنو هاشم وبنو المطّلب، لما رواه البخاري في «صحيحه» من حديث جبير بن مطعم، أنّ رسول الله ﷺ قال:«إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد». وفي بعض روايات هذا الحديث:«إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام». وهو قول جمهور العلماء. الثاني: وقال آخرون: هم: بنو هاشم، لما رُوي عن مجاهد أنّه قال:«علم الله أنّ في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصّدقة». وفي رواية عنه قال:«هم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصّدقة». وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:«رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأنّ لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم». وهم: بنو هاشم. قال ابن كثير: والحديث حسن الإسناد. قلت: والأول- وهو الذي عليه الشّافعي وجمهور العلماء- أوْلى عندي ، لحديث جُبير المتقدم عند البخاري. قال ابن كثير: وقد كان للنّبي ﷺ من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه: عبد أو أمة أو فرس، أو سيف، أو نحو ذلك، كما نصّ عليه محمد بن سيرين وعامر الشّعبي، وذهب إليه أكثر العلماء- أنّ هذا من خصائصه ﷺ: فقد روى أحمد والتّرمذي، عن ابن عباس:«أنّ رسول الله ﷺ تنفّل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد». وروى أبو داود في «سننه» عن عائشة، قالت: «كانت صفيّة من الصّفيّ». وروى أبو داود والنّسائي، عن يزيد بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى بني زُهير بن قيس:«إنّكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأقمتم الصّلاة، وآتيتم الزّكاة، وأدّيتم الخُمس من المغنم، وسهم النّبي ﷺ، وسهم الصّفيّ، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله».

8:42Page 182

إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

٤٢ - ﴿إِذۡ أَنتُم﴾ أيها المسلمون، يوم الفرقان، نزولٌ ﴿بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: بجانب الوادي أو حافته وشفيره، الأقرب إلى المدينة. [وفي قراءة: بكسر العين: (بالعِدوة الدنيا)] ﴿وَهُم﴾ أي: المشركون أو النّفير نزولٌ ﴿بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ﴾ أي: بجانب الوادي الآخر الأبعد من المدينة، ممّا يلي مكّة. و«العدوة»:- بضم العين وكسرها-: أي: جانب الوادي. و«الدنيا»: تأنيث الأدنى، بمعنى: الأقرب. و«القصوى»: مؤنث الأقصى، بمعنى: الأبعد. ﴿وَٱلرَّكۡبُ﴾ أي: والعير، الذي خرجتم لطلبه، وأراد الله غيره من النّفير- وهي عير قريش، الذي فيه أبو سفيان بما معه من التّجارة- كائنون بمكان ﴿أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ﴾ أي: أسفل من مكانكم، ممّا يلي ساحل البحر الأحمر على ثلاثة أميال من بدر ﴿وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ﴾ أنتم والمشركون، أو: أنتم والنّفير، للقتال، ثمّ علمتم حالهم وحالكم ﴿لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ﴾ أي: لتخلفتم عن لقائهم في الميعاد، هيبةً منهم، ويأساً من الظفر بهم، بسبب قلتكم وكثرتهم، وضعفكم وقوّتهم. أو: لخالف بعضكم بعضاً عن الوفاء في الميعاد واللّقاء، إذا بلغكم كثرة عددهم، وقلّة عددكم. ﴿وَلَٰكِن﴾ تلاقيتم، وجمع الله بينكم، وبينهم في هذا الموطن، على غير موعد ﴿لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا﴾ أي: كان مقدّراً في علمه تعالى أزلاً، أن يتمّ، من نصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشّرك وأهله. فعل ذلك من جمعكم مع عدوكم على غير ميعاد بإرادته، وقدرته، و مشيئته، ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ﴾ أي: ليموت من يموت عن حجّة رآها، وعبرة عاينها، بعد ظهور تلك البينات الواضحات من نصر أوليائه وقهر أعدائه. ﴿وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ أي: ويعيش من يعيش عن حجّة شاهدها، وآية عاينها كذلك، فلا يبقى لأحد على الله حجّة أو مجال للتّعلل بالأعذار. [وفي قراءة: بفك التشديد: (ويحيا من حَيِيَ عن بيّنة)]. أو: يكون المعنى: ليكفر من كفر عن حجّة واضحة ظاهرة قامت عليه من غير شبهة، ويؤمن من آمن عن غير شبهة كذلك، لِما رأى كل منهما من الآية والعبرة، بنصر المؤمنين مع قلّة عددهم وعُددهم، على المشركين مع كثرة عَددهم وعُددهم. فإنّه إذا زالت الشبهة بنصر الإسلام وأهله، وخذلان الشرك وأهله، وصار الأمر ظاهراً والحجّة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولم يبق لأحد حجّة ولا عذر ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمرّ فيه، على بصيرة من أمره، فيستحق باستمراه على الكفر العذاب، لأنّ هلاكه كان عن غير شبهة، بل باستمراره على الضلال بعد قيام الحجّة عليه وهو يعلم أنّه مبطلٌ فيه. وكذا لا تبقى شبهة لأهل الإيمان أنّهم على حقّ، ويتبيّنوا أنّ دين الله منصور، وأولياءه ظاهرون، فيزدادوا بصيرة ويقيناً بما أرى الله الطائفتين من أدلّة الحقّ وبراهينه.و عبّر عن الكفر بالهلاك، و عن الإيمان بالحياة، لأنهما سبب عنهما. ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به ﴿عَلِيمٌ﴾ بكم وبحالكم و بالظواهر والسّرائر، والنّوايا والضّمائر، والغيب والشّهادة.عليم بكفر من كفر وعقابه ،وإيمان من آمن وثوابه.

8:43Page 182

إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

٤٣ - واذكر يا محمّد ﴿إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: المشركين ﴿فِي مَنَامِكَ﴾ أي: في نومك ﴿قَلِيلٗاۖ﴾ عددهم، فأخبرت به أصحابك، فسرّوا واطمأنّوا، فكان ذلك تثبيتاً لهم. قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلاً، فأخبر النّبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتاً لهـم. ﴿وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا﴾ عددهـم.﴿لَّفَشِلۡتُمۡ﴾ أي: لجبنتم عنهم وضعفتم وخفتم، وتهيّبتم الإقدام عليهم، لكثرة عددهم وعُددهم. من الفشل: وهو ضَعْف مع جُبن. ﴿وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ﴾ أي: ولاختلفتم ﴿فِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ أي: في أمر القتال، فمنكم من يريد الإقدام، ومنكم من يرى الإحجام ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ﴾ أي: سلّمكم وعصمكم من الفشل والتنازع في الأمر، ولطف بكم، فقللّهم في عين رسول الله ﷺ. ﴿إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بما تجنّه القلوب وتنطوي عليه الضمائر، كقوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور)غافر(١٩).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском