Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:44–61
8:44Page 182
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
٤٤ - ﴿وَ﴾ اذكروا أيها المسلمون ﴿إِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ﴾ الله،أي: يريكـم الله المشركـين ﴿إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ﴾ يوم بـدر ﴿فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا﴾ نحواً من سبعين أو مائة، وهم في الحقيقة ألف، لِتُقدموا عليهم ولا تهابوهم وتجرؤوا عليهم. روى ابن أبي حاتم وابن جرير، عن ابن مسعود، قال:«لقد قُللّوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه، فقال: كنّا ألفاً». ﴿وَيُقَلِّلُكُمۡ﴾ يا معشر المسلمين ﴿فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ﴾ أي: في أعين المشركين، ليُقدمُوا عليكم، ولا يرجعوا عن قتالكم. وهذا التقليل للمسلمين في أعين المشركين، كان حين الالتقاء والمواجهة وقبل الالتحام، حتى قائل قائلهم: إنّما هم أكلة جزور، وذلك ليجترئوا عليكم، ويتركوا الاستعداد والاستمداد. ثمّ عند الالتحام، كثّركم الله أيّها المسلمون، في أعين الكفّار، حتى رأوكم مثليهم، أي: مثلي الكفّار، لإلقاء الرّعب في قلوبهم منكم، فتفجأهم الكثرة، فيُبهتوا ويهابوا ويتملكهم الفزع، كما في قوله تعالى: (يرونهم مثليهم رأي العين)آل عمران(١٣). فكان من أمر الله تعالى وتقديره، ولطفه بالمسلمين يوم بدر أن أغرى كلاًّ من الفريقين بالآخر، وقلّله في عينه ليطمع فيه، فأرى الله المؤمنين عدوّهم قليلاً في أعينهم، أي: رأي العين، وقللّهم في أعين أعدائهم، ليُغري كلاًّ من الطائفتين بالأخرى، فكلّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلة العدد، رأي العين، لِتُقدم كل منهما على الأخرى. ﴿لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ﴾ أي: مُقـدّراً في علمه تعالى أزلاً، من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وقتل قادتهم، ورؤساء الضلال فيهم، فقدّر لقاء الفريقين في بدر للنّقمة ممّن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النّعمة عليه. (وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للفاعل: (تَرجِع)] أي: تصير ﴿ٱلۡأُمُورُ﴾ كلّها حسب إرادته ومشيئته وقدرته، لا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه.
8:45Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
٤٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ﴾ أي: طائفة أو جماعة من المشركين أو الكفّار تقاتلكم. ﴿فَٱثۡبُتُواْ﴾ لقتالهم، ولا تنهزموا عنهم، ولا تفرّوا، ولا تنكلوا، أو تجبنوا، إلاّ أن تكونوا متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة. ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ عند اللّقاء أو المواجهة، واستعينوا به، وتوكّلوا عليه، واسألوه وحده النّصر على أعدائكم، ﴿لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ أي: تفوزون وتدركون ما تطلبون وتسألون، فإنّ ذكر الله في هذه المواطن يعين على الثبات، كما قال أصحاب طالوت: (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)البقرة(٢٥٠). وفي الحديث المرفوع: يقول الله تعالى:«إنّ عبدي، كلّ عبدي، الذي يذكرني وهو مناجز قرنه»أي: لا يشغله حال الضرب بالسيوف عن ذكري ودعائي واستعانتي.
8:46Page 183
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
٤٦ - ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ﴾ فيما بينكم تنازعاً يوجب تشتيت القلوب وتفرّقها، فتختلفوا ﴿فَتَفۡشَلُواْ﴾ أي: فتجبنُوا، وتضعفوا وتنكسروا ﴿وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ أي: وتتلاشى قوتكم ودولتكم، وتنحل عزائمكم، وتفرّق وحدتكم، ويُرفع ما وُعدتم به من النّصر على طاعة الله ورسوله. وفي الآية: نهي عن التنازع والاختلاف في الرأي فإنّ ذلك ممّا يسبب الفشل، والضعف والتخاذل. والرّيح: القوّة والغلبة والنّصر، أو الدّولة. شُبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، فالدّولة- بفتح الدّال المشدّدة- يُطلق عليها ريح، لشبهها بها في نفوذ الأمر وتمشّيه. تقول العرب: هبّت ريح فلان: إذا دالت له الدّولة، وجرى أمره على ما يريد. وذهبت رياحه: إذا ولّت عنه، وأدبر أمره. ﴿وَٱصۡبِرُوٓاْۚ﴾ على طاعة الله ورسوله، وعلى لقاء أعداء الله وقتالهم وشدائد الحرب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ بالعون والنّصر والتأييد. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى- مرفوعاً- أنّ رسول الله ﷺ قال:«يا أيها النّاس، لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا، واعلموا أن الجنّة تحت ظلال السيوف»، ثمّ قام النّبي ﷺ- أي: يدعو ربّه- وقال:«اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السّحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم».
8:47Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
٤٧ - ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم﴾ ليمنعوا عيرهم، وهم مشركو مكّة الذين خرجوا لاستنقاذ عير أبي سفيان ﴿بَطَرٗا﴾ وأشراً، أي: دفعاً للحقّ، وطغياناً في النّعمة بترك شكرها، واتخاذها وسيلة إلى ما لا يُرضي الله. أو فخراً وخيلاء. والبطر: دهشٌ يعتري الإنسان من سوء احتمال النّعمة، وقلّة القيام بحقّها، وصرفها إلى غير وجهها، وفعله: كفرح. ﴿وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: مراءاة لهم، وطلباً للثناء منهم، والتمدّّح إليهم، والفخر عندهم، أو: التّكبر عليهم، ليحمدوا لهم شجاعتهم وسماحتهم. [وفي قراءة بالياء: (ورياء النّاس)].وذلك أنّ قريشاً خرجت يوم بدر لاستنقاذ عير أبي سفيان، ومعهم المعازف والقيان، فلمّا بلغهم أنّ العير قد نجت وسلمت، لم يرجعوا، بل قالوا: لا نرجع حتّى نرد ماء بدر، وننحر الجُزُر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع العرب بمخرجنا، فكان ذلك منهم بطراً، وأشراً، ورئاء النّاس. ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ بخروجهم النّاس ﴿عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ بإضلالهم إياهم، والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ﴿وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ علماً وقُدرة، فيجازيهم به. فلم يرجعوا من بدر بعد نجاة عيرهم.
8:48Page 183
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
٤٨ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ أي: حسّنها في قلوبهم، بأن أوهمهم أنّهم محسنون في خروجهم وما همّوا به من مقاتلة المسلمين، وأطمعهم في غير مطمع أنّه لا غالب لهم، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتُوا في ديارهم، لمّا خافوا الخروج للقاء المسلمين، من أعدائهم بني بكر من قبيلة «كنانة»، وكان بينهم وبين قريش حروب كثيرة. ﴿قَالَ﴾ لهم، أي: الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ فإنّكم في عدد وعُدد وهيئة لا يقاومكم فيها محمّد ومن معه ﴿وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ﴾ أي: مُجير ومعين، وناصر لكم من كلّ عدوّ، أو: من بني كنانة، ممّن تخشون غائلته. والجار: الذي يُجير غيره، أي: يؤمّنه ممّا يخاف. والجار: النّاصر والحليف. ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ﴾ أي: التقت ﴿ٱلۡفِئَتَانِ﴾ فئة المسلمين والمشركين في بدر، ورأى إبليس جبريل عليه السّلام، تنزل معه أمداد الملائكة. ﴿نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ﴾ أي: رجع القهقرى، وولّى مدبراً هارباً، أو: بطل كيده، وذهب ما خيله إليهم من النّصرة والعون. يقال: نكص عن الأمر نكوصاً ونكصاً: تكأكأ عنه وأحجم. والعَقب: مؤخّر القدم. ونكص على عقبيه: رجع عمّا كان عليه من الخير. ﴿وَقَالَ﴾ لمن خدعهم، وغرّهم، وأسلمهم شرّ مَسْلَم: ﴿إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ﴾ ومن جواركم. تبرأ منهم لمّا رأى أمارات النّصر مع المسلمين، بإمداد الله لهم بالملائكة، فعلـم أنّه لا قـوّة له ولا منعـة، ثـمّ عللّ ذلك بقولـه: ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ﴾ من الملائكـة الذيـن لا يُدان لأحد بقتالهم ﴿إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ﴾ أن يهلكنـي، أو: يعاجلني بالعقوبة في الدنيا. وقيل: إنّه تعلّل بمخافة الله لمّا علم أنّه لا قوّة له ولا منعة مع الملائكة. ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ يأخذ المسيء بإساءته.وعن ابن عباس في هذه الآية، قال: لمّا كان يوم بدر سار إبليس برايته، وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أنّ أحداً لن يغلبكم وإنّي جار لكم، فلمّا التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، (نكص على عقبيه وقال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون). وقيل: إنّ إبليس تمثّل لهم في صورة «سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي» وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم، لعداوة كانت بينهما. ويحتمل أن يكون الشّيطان سوّل لهم ووسوس في صدورهم أنّه لا غالب لهم اليوم من النّاس، وأنّه جار لهم، فلمّا أوردهم موردهم، والتقى الحقّ والباطل، نكص عنهم، وأسلمهم شرّ مَسلَم، وتبرأ منهم عند ذلك، كقوله تعالى: (كمثل الشّيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين)الحشر(١٧)، وقوله: (وقال الشّيطان لمّا قُضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم)إبراهيم(٢٢).
8:49Page 183
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
٤٩ - ﴿إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾ أي: اذكروا- أيها المسلمون- حين يقول المنافقون يوم بدر، وهم: الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، أو: هم منافقو المدينة. ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شكّ وشبهة وارتياب، أو: ضعف اعتقاد وإيمان، وهم: الشّاكون من غير نفاق، من ضعفاء الإيمان، لكونهم حديثي عهد بالإسلام. إذ يقول هؤلاء وأولئك للمسلمين حين أقدموا، مع قلّتهم، على قتال المشركين، مع كثرتهـم: ﴿غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: المسلمين ﴿دِينُهُمۡۗ﴾ حتّى تكلّفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش، مع قلّة عددهم، وكثرة عدوهم، توهماً منهم أنّهم سينصرون بسبب هذا الدين، الذي أوردهم هذه الموارد، التي لا يُدان لهم بها. قال الله تعالى في جوابهم: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: يثق به، ويعتمد عليه، و يفوض أمره إليه، يَغْلب وينتصر ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره، لا يغالبه مغالب، ولا يذل من توكل عليه ﴿حَكِيمٞ﴾ في شرعه وأمره، وقضائه وقدره، وصنعه وأفعاله، فينصر من يستحق النّصر، ويخذل من هو أهل لذلك. وعن ابن عباس، في الآية، قال: لمّا دنا القوم بعضهم من بعض، قلّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلّل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرّ هؤلاء دينهم، وإنّما قالوا ذلك من قلّتهم في أعينهم، فظنّوا-أي: المشركون- أنّهم سيهزمونهم لا يشكّون في ذلك.
8:50Page 183
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
٥٠ - ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ﴾ يا محمّد ﴿إِذۡ يَتَوَفَّى﴾ [و في قراءة: بالتاء: (تتوفى)] ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بقبض أرواحهم ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: حال توفّى الملائكة أرواح الكفّار، لرأيت أمراً عظيماً. أو: ولو رأيت ما يصيب قتلى بدر من صنوف العذاب، حين تقبض الملائكة أرواحهم، لرأيت منظراً فظيعاً. إذ ﴿يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ بمقامع من حديد. قيل: هذا الضرب يكون عند الموت، وقيل: هو يوم القيامة، حين يسيرون بهم إلى النّار. ﴿وَ﴾ يقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ أي: النّار. ونظيره قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أَخرجوا أنفسكم)الأنعام(٩٣) أي: باسطوا أيديهم، بالضرب فيهم، بأمر ربّهم، إذا استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد، أن تخرج قهراً، وذلك إذا بشّروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء:«أنّ ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة، يقول: اخرجي أيّتها النّفس الخبيثة إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، فتتفرّق في بدنه، فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السّفّود-و هي حديدة الشواء- من الصّوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب».
8:51Page 183
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
٥١ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ الضرب والتعذيب أو الجزاء، واقـع ﴿بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾ أي: بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، واقترفتم من الذنوب. وعبّر بالأيدي دون غيرها، لأنّ أكثر الأفعال تُزاول بها. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ﴾ أي: ليس بذي ظلم ﴿لِّلۡعَبِيدِ﴾ حين يعذبهم بسبب ما قدّمت أيديهم من الذنوب والمعاصي، بل ذلك عدل، فإنّه تعالى قد أرسل رسله، وأنزل كتبه، وأوضح لهم السبيل، فلا يُعذب أحداً بغير ذنب، ولا يظلم أحداً من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور. وفي الحديث القدسي عند مسلم :«يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا،...، يا عبادي إنّما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثمّ أوفّيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلاّ نفسه».وظلاّم: صيغة نسب، ك«لبّان وتمّار»، أو: هي صيغة مبالغة، والتكثير لكثرة العبيد، فكأنّه قيل: ليس بظالم لفلان، ولا بظالم لفلان، وهكذا، فلمّا جُمع هؤلاء عُدل إلى ظلاّم لذلك.
8:52Page 183
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.
٥٢ - دأبُ هؤلاء المشركين المكذّبين بما أرسلت به يا محمّـد، وعادتهـم وسنّتهـم ﴿كَدَأۡبِ﴾ أي: كعادة ﴿ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: فرعون وقومه وفعلهم وسنّتهم ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ من الأمم المكذّبة، كقوم نوح وعاد و ثمود ﴿كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ الدالة على وحدانيته و إخلاص العبادة له ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ﴾ بالعقاب ﴿بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ أي: بسببها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ﴾ على ما يريده ﴿شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ لمن كفر به، وفسق عن أمره، فلا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب. والدأب: العادة والسُّنّة، مصدر دأب يدأب، إذا كدح وأتعب نفسه، وداوم على فعله، ثمّ سُمّيت به العادة، لأنّ الإنسان يداوم عليها ويواظب. فإنّه تعالى لمّا ذكر ما أنزله بأهل بدر، أتبعه بما يدلّ على أنّ هذه سنّته وعادته في الكافرين المكذبين لرسلهم. فكانت العادة في عذاب هؤلاء المشركين المكذّبين بما أُنزل على محمّد ﷺ، كالعادة والسُّنّة الماضية لله في تعذيب أمثالهم من المكذبين من آل فرعون، ومن قبلهم من الأمم المكذّبة لرسلهم، الكافرين بآيات الله، فدأبهم وعادتهم هو أنّهم كفروا وكذّبوا بآيات الله، فتسبّب عن كفرهم وتكذيبهم، أن أهلكهم الله بذنوبهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. فالجزاء من جنس العمل ومسبَّب عنه.
8:53Page 184
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣
That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
٥٣ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ العذاب و العقاب، الذي أنزله الله بالأمـم المكذّبـة لرسـلهـم ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بـسبـب أنّ ﴿ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا﴾ أي: مبدّلاً ﴿نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ﴾ من نعم الدين والدنيا، بنقمة ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ من الأحوال والأخلاق، فيبدّلوا شكر النّعم كُفراً، والطّاعة معصية، والإحسان غمطاً ونكراناً، وأوامر الله ونواهيه إهمالاً وكفراناً، فحينئذ يسلبهم الله نعمه، ويغيّرها عليهم نقماً، كما غيّروا ما بأنفسهم، وهذا من تمام عدله وقسطه تعالى في حكمه، فإنّه تعالى لا يغيّر نعمة أنعمها على أحد بنقمة، إلا بسبب ذنب ارتكبه. وفي الآية بيان: أنّ التّعذيب على الأعمال السيئة عدل إلهي مطلق، فقد جرت سُنّته تعالى في خلقه، واقتضت حكمته في حكمه أن لا يبدل نعمة بنقمة إلا بسبب الذنوب و المعاصي، فإذا لم يتلق المُنْعَم عليهم نعمته تعالى بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر والعصيان، بدّل الله نعمهم بنقم، جزاءً وفاقاً، وهو كقوله تعالى: (إنّ الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم)الرّعد(١١). ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده، سواء من أسرّ القول منهم، ومن جهر به ﴿عَلِيمٞ﴾ بنيّاتهم وأحوالهم وأعمالهم، يعلم ما تنطوي عليه الضمائر، وتخفيه السرائر، فيُجري على عباده من الأقدار، ما اقتضاه علمه، وجرت به مشيئته.
8:54Page 184
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.
٥٤ - دأبُ هؤلاء المشركين وعادتهم في التكذيب بما جاء به محمّد ﷺ ﴿كَدَأۡبِ﴾ أي: كعادة ﴿ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: فرعون وقومه ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾من الأمم السّابقة السّالفة ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ حين جاءتهم بها رسلهم ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ﴾ كلٌ بحسب جرمه وظُلمه ﴿وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ﴾ أي: فرعون وقومه ﴿وَكُلّٞ﴾ من الأمم المكذّبة، المهلكة المعذّبة، ﴿كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ لأنفسهم، ساعين في هلاكها، فلم يظلمهم الله، ولا أخذهم بغير ذنب جَنوه، أو جُرم اقترفوه. وقد يكون المعنى: عادة الله وسنّته في هؤلاء المشركين المكذّبين لمحمّد ﷺ، كعادته تعالى وسنّته في آل فرعون وغيرهم من الأمم المكذّبة: إذا كفروا، وأذنبوا، وبدّلوا نعمة الله وطاعته، كفراً ومعصية، أخذهم الله بذنوبهم، وعاجلهم بالعقوبة، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم ولغيرهم.و عبّر في الآية الأولى (٥٢) بلفظ:(كفروا بآيات الله) و هنا بلفظ:(كذبوا بآيات ربهم) للإشارة إلى أن الأولى كانت في كفر العقيدة والوحدانية و العبادة، و الثانية في كفر النعمة والتربية.
8:55Page 184
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-
٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ﴾ أي: شرّ ما يدبّ على وجه الأرض ﴿عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: في حكمه تعالى وعلمه وقضائه ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المصرّون على كفرهم، المستمرون فيه، المتمادون في الضلال، الراسخون في الغواية ﴿فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أبداً بواحدنية الله وكمال قدرته، ولا يرجعون عن الغواية أصلاً، وهؤلاء هم:
8:56Page 184
ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦
The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.
٥٦ - ﴿ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من الذين كفروا ﴿ثُمَّ﴾ هم ﴿يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ﴾ المؤكد الذي عاهدتهم عليـه ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٖ﴾ من مرات المعاهـدة، ﴿وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ﴾ الله، في غـدرهم ونقضهم العهود، ولا يخافون الله في عهد نقضوه، أو وعد نكثوه، أو ذنب ارتكبوه. أو: لا يتّقون النّقض، ولا يخافون عاقبته، ولا يتجنّبون أسبابه. قيل: إنّها نزلت في يهود بني قريظة، الذين عاهدوا رسول الله ﷺ ألاّ يُمالئوا عليه أحداً، فأعانوا المشركين بالسّلاح، واعتذروا، ثمّ عاهدهم بعد ذلك فنكثوا، ولم يفوا بعهدهم، ومالئوا المشركين على رسول الله والمسلمين يوم الخندق، وركب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكّة ، فحالف المشركين على حرب رسول الله ﷺ، فهم شرّ الدّواب عند الله، الذين كلّما عاهدوا عهداً نقضوه، وكلّما أكّدوه بالأيْمان نكثوه، لتماديهم في الكفر، ورسوخهم في الضلال.
8:57Page 184
فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧
So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1
٥٧ - ﴿فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ﴾ أي: فإمّا تصادفنّهم وتظفرنّ بهم في الحرب، وتقدرنّ عليهم، وتغلبنّهم، أو: تدركنّهم. أو: فإمّا تجدنّهم في حال المحاربة لك، بحيث لا يكون لهم عهد ولا ميثاق، ﴿فَشَرِّدۡ بِهِم﴾ أي: ففـرّق بقتلهـم والتنكيل بهـم، أو بـدّد وخـوّف بهــم ﴿مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ﴾ من المحاربين لك من أهل الشرك، حتى يهابوا جانبك، ويكفّوا عن حربك، مخافة أن ينزل بهم من القتل والتنكيل ما نزل بغيرهم. والمعنى: غلّظ عقوبتهم، وأثخن جراحتهم، وأوقع بهم من القتل والتنكيل ما تفرّق به جمع كلّ ناقض للعهد، فيصيروا به عبرة لمن بعدهم، حتى يخافك من وراءهم من الأعداء، من أهل مكّة وغيرها. ﴿لَعَلَّهُمۡ﴾ أي: لعلّ الذين خلفهم ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ صنيعهم فيتعظون بهم، ويحذرون أن ينكثوا عهودهم، فيُصنع بهم مثل ذلك، ويصيبهم ما أصاب غيرهم. يقال: ثَقِفَهُ يثقفهُ: إذا صادفه، أو ظفر به، أو أدركه. ويُقال: شرّدتُ بني فلان: إذا أقلعتهم عن مواطنهم، وطردتهم عنها، حتّى فارقوها.و التشريد: تفريق بإزعاج و اضطراب. وفي الآية: بيان فوائد العقوبات والحدود، المرتبة على المعاصي، وأنّها سبب لازدجار من لم يعملها و زجرٌ لمن عملها، أن لا يعاودها. ودلّ تقييد هذه العقوبة المغلّظة في الحرب: على أن الكافر- وإن كان كثير الخيانة، سريع الغدر- فإنّه إذا أُعطي عهداً من قِبل مسلم، لا يجوز خيانته وعقوبته.
8:58Page 184
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨
If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.
٥٨ - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ﴾ بينك وبينهم عقد وعهد وميثاق﴿خِيَانَةٗ﴾ منهم، أي: غِشّاًَ ونقضاً لما بينك وبينهم من العهود والمواثيق، أو: نكثاً لعهد وغدراً ، بأمارات تلوح لك على ذلك، وقرائن تدلّ على حالهم، من غير تصريح منهم بالخيانة وعدم الوفاء بالعهد، ﴿فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ﴾ عهدهم، أي: اطرحه عليهم، أو: اطرح إليهم عهدهم ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍۚ﴾ أي: على طريق مستو ظاهر واضح قصد، مستوياً أنت وهم في العلم بنبذ العهد.أو: على استواء في العلم بنبذه، و ذلك بأن تُعْلمهم بنبذك عهدهم، قبل أن تحاربهم، لئلا يتوهم أحد فيك الغدر والخيانة. والمعنى: أعلمهم-حتى تكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد سواء- بأنّك قد نبذت إليهم عهدهم، وأنّك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنّه لا عهد بينك وبينهم.﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِـبُّ ٱلۡخَآئِنِـينَ﴾ النّاقضين عهودهـم ومواثيقهم، بل يُبغضهم على ذلك ويمقتهم، وكذا الخيانة في حقّ الكفّار لا يحبّها الله أيضاً. والنّبذ: إلقاء الشيء وطرحه، لقلّة الاعتداد به، وفعله: كضرب. والسّواء: المساواة، والعدل، والوسط. والآية عامة في كل معاهد يُخاف وقوع النّقض منه. وفي الآية: دليل على أنّه إذا ظهر نقضهم العهد ظهوراً مقطوعاً به، وتحقّقت الخيانة منهم، فلا حاجة إلى إعلامهم بنبذ عهدهم إليهم، لأنه لم يُخف منهم خيانة، بل عُلم غدرهم، وتُيقّن نقضهم. ودلّ مفهومها- أيضاً- على أنّه إذا لم يُخف منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدلّ على ذلك من أحوال وقرائن، فإنّه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء به، إلى أن تتّم مدّته. وفي الحديث: عن عمرو بن عنبسة، عند أحمد وأبي داود والنّسائي وابن حبّان والتّرمذي، وقال: حسن صحيح، أنّ رسول الله ﷺ قال:«من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلنّ عقدة، ولا يشدّها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء».
8:59Page 184
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩
And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].
٥٩ - ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أنفسَهـم، قـد ﴿سَبَقُوٓاْۚ﴾ الله، أي: فاتوه، فخلصوا وأفلتوا من عذابه، ونجوا منه. والمعنى: لا يحسبنّ كفّار مكّة الذين نجوا يوم بدر من القتل والأسر أنفسهم قد سبقوا الله وفاتوه، فخلصوا من عذابه ونجوا منه. والآية وإن كانت نزلت في سبب خاصّ، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ﴿إِنَّهُمۡ﴾ [و في قراءة:بفتح الهمزة: (أنّهم)] ﴿لَا يُعۡجِزُونَ﴾ أي: إنهم لا يجدونه تعالى عاجزاً عن إدراكهم، لا يقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرته، وقبضة مشيئته. أو: إنّهم لا يفوتونه، بل يدركهم بعذابه لا محالة (إنّ ربّك لبالمرصاد)الفجر(١٤). يقال: أعجزه الشيء: أي: فاته.وقوله: (إنّهم) تعليل للنّهي. [وفي قراءة: بالتّاء و فتح السين و كسرها: (ولا تحسَِبنّ) أي: يا محمّد (الذين كفروا سبقوا) الله، ففاتوه (إنّهم لا يعجزون) أي: لا يفوتونه تعالى]. ونظير هذا قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون)العنكبوت(٤) أي: يظنون، وقوله: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النّار ولبئس المصير)النور(٥٧).
8:60Page 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
٦٠ - ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم﴾ أي: لقتال أعدائكم، المتربصين بكم، الساعين في هلاككم، وإبطال دينكم: ﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ أي: ما أمكنكم من كلّ ما يُتقوّى به عليهم في الحرب من أسباب القوة المادية والمعنوية التي تحقق النصر، من نحو حصون، وقلاع، وسلاح، وآلات، ومصانع، وتعليم للفروسية وفنون الحرب، والرأي والسياسة، وحسن التدبير، وكل ما يُعين على قتالهم، ويُقدر عليه، من القوّة العقلية والبدنية والرّوحية. وعن عقبة بن عامر الجهني عند مسلم وأحمد وابن ماجه وأبي داود، قال: سمعت النّبي ﷺ يقول وهو على المنبر:«(وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة) ألا إنّ القوّة الرّمي، ألا إنّ القوة الرّمي»قالها ثلاثاً. وعند أحمد وأهل السنن، قال النّبي ﷺ:«ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا». وذهب الجمهور إلى أنّ الرّمي أفضل من الرّكوب، وذهب مالك إلى أنّ الرّكوب أفضل، والحديث يردّ عليه. ولكن ما رُوي من تفسير القوّة بالرّمي، فإنّما هو على سبيل المثال لا الحصر، وخُصّ بالذّكر، لأنّه كان إذ ذاك أقوى ما يُتقوّى به في الحرب، فهو من قبيل:«الحج عرفة»،«والنّدم توبة»، ولذا فسّرها ابن عباس: بأنواع الأسلحة، وعكرمة: بالحصون والمعاقل. ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ﴾ أي: ومن ربط الخيل وحبسها للغزو والجهاد في سبيل الله، وخُصّت بالذّكر من بين ما يُتقوّى به، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب. ويقوم مقامها في هذه الأيام: كل ما يُتقوّى به من أنواع الأسلحة البرّية من مدافع ودبّابات وقاذفات ونحو ذلك. و الآية تدعو لإعداد المستطاع المناسب من كل قوة صالحة في كل زمان و مكان.وعن أبي هريرة عند البخاري- واللّفظ له- ومسلم ومالك، أنّ رسول الله ﷺ قال:«الخيل لثلاثة، لرجُلٍ أجْر، ولرجُلٍ سِتر، وعلى رجُلٍ وِزْر، فأمّا الذي له أجْر: فرجلٌ ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيْلها ذلك من المرْج أو الرّوضة كانت له حسنات، ولو أنّها قَطَعت طيلها، فاستنّت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه، ولم يُرد أن يَسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرّجل أجْر، ورجلٌ ربطها تغنِّياً وتعفّفاً ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجلٌ ربطها فخراً ورياءً ونواءً، فهي على ذلك وزر».وفي صحيح البخاري أنّ رسول الله ﷺ قال:«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم». وأخرج الطّبراني عن سهل بن الحنظليّة، قال: قال رسول الله ﷺ:«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرساً في سبيل الله، كانت النّفقة عليه، كالمادّ يده بالصّدقة، لا يقبضها». ﴿تُرۡهِبُونَ﴾ [وفي قراءة: بتشديد الهاء: (تُرَهِّبون)] ﴿بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾ أي: تُخوِّفون بهذا الإعداد والتّقوِّي أعداء الله من الكفّار والمشركين ﴿وَعَدُوَّكُمۡ﴾ أي: وأعداءكم، وهم: كفّار مكّة، ممّن تعلمونهم. ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ﴾ أي: و ترهبون آخرين من غيرهم من الكفّار، كالمنافقين واليهود أو فارس والرّوم، أو: كلّ عدوّ للإسلام والمسلمين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. ﴿لَا تَعۡلَمُونَهُمُ﴾ أنتـم ولا تعـرفون عداوتهـم لكـم ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ﴾ و يعلم عداوتهم لكم، فلذلك أمركم بالاستعداد لهم، كقوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)التّوبة(١٠١). والرّهبة والرّهب: مخافة مع تحرّز واضطراب. يُقال: رَهِب يرهب رهبة ورُهباً: إذا خاف. وهذه العلّة، وهي: إرهاب أعداء الله الظّاهرين منهم والأخفياء، كانت موجودة في ذلك الزّمان بإعداد القوّة والرّمي وربط الخيل في سبيل الله، والحكم يدور مع علّته، فإذا كان الإعداد لآلة حرب هذه الأيام يتطلّب سعياً حثيثاً لتحصيلها وتعلّم صناعتها، وجب ذلك، حسب الطّاقة والإمكان والاستطاعة، لأنّ الله لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، ولأنّ:«ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب». ولمّا كانت النّفقات المالية في جهاد الكفّار، من أعظم ما يعين على قتالهم، قال تعالى مرغّباً في ذلك: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وفي جهاد أعداء الله، قليلاً كان أو كثيراً ﴿يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ﴾ أجره وجزاؤه في الدنيا والآخرة، على التّمام والكمال، أضعافاً كثيرة، أي: يخلف لكم في الدنيا ويدّخر لكم في الآخرة. وقيل:(يوفّ إليكم) في الدنيا من الفيء و الغنيمة والجزية و الخراج، و في الآخرة بالأجر و الثـواب ﴿وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ أي: لا تُنقصون من أجرها وثوابها شيئاً. وفي الحديث عند أبي داود في «سننه»: «أنّ الدّرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف». فالنّفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله. وقد تقدّم قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبّة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)البقرة(٢٦١). وفي الآية: تعليق الأمر بإعداد آلة الحرب لمقاتلة أعداء الله، على الطّاقة والإمكان والاستطاعة، مع الإخلاص في ذلك ابتغاء مرضات الله، لأنّ الله لا يُكلف نفساً إلا وسعها، وإلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسراً.
8:61Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
٦١ - ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ أي: الكفّار أو الأعداء المحاربون، أي: مالوا وانقادوا ﴿لِلسَّلۡمِ﴾ [وفي قراءة: بكسر السين المشدّدة : (للسِّلْم)] أي: للمسالمة والمصالحة، والمهادنة، وترك القتال، أو الاستسلام ﴿فَٱجۡنَحۡ لَهَا﴾ أي: فمِل إليها، واقبل ذلك منهم، وأجب مطلبهم وصالحهم على ذلك وعاهدهم، ما دام فيه خير وصلاح بيّن للإسلام وأهله. ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ وثق به، واعتمد عليه، و فوِّض أمرك إليه في جنوحك للسّلم ولا تخف من مكرهم، فإنّ الله كافيك وناصرك. ﴿إِنَّهُۥ﴾ سبحانه ﴿هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لما يقولون ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بما يفعلون، فيردّ كيدهم في نحرهم. والمعنى: إن خفت من قوم خيانة، فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك، فقاتلهم، فإن مالوا إلى المسالمة والمصالحة والمهادنة والأمان، فَمِل إليها، واقبل ذلك منهم، ولذلك قبل الرسول ﷺ الصّلح مع المشركين عام الحديبية، على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، مع ما اشترطوا عليه من الشّروط. أمّا المصالحة على الجزية، فلا تصحّ إلا مع أهل الكتاب، لأنّ المشركين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السّيف. يقال: جَنح إليه يَجنحُ جنوحاً، أي: مال .والسّلم- بفتح السين وكسرها، يؤنّث ويذكّر-: الاستسلام والصّلح والمهادنة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences