Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:62–75
8:62Page 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
٦٢ - ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ﴾ بالصّلح والمهادنة وإظهار الميل إلى السّلم، أو بالعهد ﴿أَن يَخۡدَعُوكَ﴾ بإضمار الغدر و المكر و الاستعداد للحرب، ليتقووّا ويستعدوا لك، أو: لتكفّ عنهم، وهم مُضمرون بذلك الغدر والخديعة، فصالحهم مع ذلك، إن كان فيه مصلحة ظاهرة للإسلام وأهله، ولا تخش منهم غدراً أو خيانة أو خديعة ﴿فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُ﴾ أي: كافيك بنصره ومعونته وتأييده في دفع ما تخافه من شرورهم بالنّكث والغدر والخديعة. ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ﴾ أي: قوّاك ﴿بِنَصۡرِهِۦ﴾ يوم بدر من غير إعداد قوّة ولا رباط خيل ﴿وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾أي: وقواك بالمؤمنين الصادقين من الأنصار و المهاجرين. فكما قوّاك عليهم بالنّصر يوم بدر، فسينصرك ويقوّيك عليهم إن أرادوا بالصّلح غدرك وخديعتك.
8:63Page 185
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
٦٣ - ﴿وَ﴾ هو الذي ﴿أَلَّفَ﴾ أي: جـمع ﴿بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ﴾ بعد العداوات والعصبيات، بالإسلام وبالهدى الذي بعثك الله به، أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك، ومناصرتك ومؤازرتك، فتحابّوا في الله، واجتمعوا لإعلاء كلمته، واتّبعوا أمرك وأطاعوك. والمراد بهم: المهاجرون والأنصار، أو: الأوس والخزرج، لما كان بينهم من العداوة والبغضاء في الجاهلية. ﴿لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا﴾ لتأليفهم وجمعهم بعد تلك النّفرة والفرقة الشّديدة، ﴿مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ﴾ لما كان بينهم من العداوة والبغضاء والعصبية المستحكمة. وفي الصحيحين: أنّ رسول الله ﷺ لمّا خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم:«يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلّالاً، فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي»كلّما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنّ. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡ﴾ على الإيمان والإسلام والهدى بعظيم قدرته، وبديع صنعه وحكمته. وفي الصحيح :«أنّ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف شاء». ﴿إِنَّهُۥ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره ﴿حَكِيمٞ﴾ في أفعاله وأحكامه، لا يخرج شيء عن حكمته. ونظيره: قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً)آل عمران(١٠٢).
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
٦٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ﴾ أي: كافيك الله ناصراًَ ومعيناً ﴿وَ﴾ حسب ﴿مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: وكافي من اتّبعك منهم، فهو ناصركم، ومؤيدكم، على عدوّكم، وإن كثر عددهم، وقلّ عددكم. وقيل: (و) حسبك (من اتّبعك من المؤمنين) أي: كافيك الله ناصراً، وكافيك المؤمنون من المهاجرين والأنصار جُنداً. قاله الحسن البصري، واختاره أبو جعفر النّحاس وغيره. وحسب: صفة مشبّهة بمعنى اسم الفاعل، والكاف في مجل جرّ. وفي الآية: وعد من الله سبحانه، لعباده المؤمنين، المتّبعين لرسوله، بالكفاية والعون والتّأييد والنّصرة على الأعداء. وشرط الكفاية: الإيمان والاتباع، وإنّما تتخلف الكفاية بتخلّف شرطها.
8:65Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥
O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.
٦٥ - سبب نزول الآية: أخرج إسحاق بن راهويه في«مسنده»عن ابن عبّاس، قال: لما افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد عشرة ثقل ذلك عليهم وشقّ، فوضع الله عنهم إلى أن يقاتل الواحد الرّجلين، فأنزل الله: (إن يكن منكم منكم عشرون صابرون...) الآية. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ﴾ أي: حُثّهم وحُضّهم واستنهضهم عليه، بكل ما يقوّي عزائمهم وينشّط هممهم، وبالغ في إحمائهم على قتال أعداء الله بصبر وجَلد. من التحريض: وهو الحثّ على الشيء بكثرة التزيين له، وتسهيل الخطب فيه، كأنّه في الأصل: إزالة الحرص، وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضّنى، نحو: مرّضته: أي: أزلت عنه المرض. وفي الآية: الترغيب في الجهاد، والترهيب من تركه، وقد كان رسول الله ﷺ يحرض المسلمين على القتال ويحثّهم عليه عند الصفوف ومواجهة العدوّ، كما قال لأصحابه يوم بدر، حين أقبل المشركون في عَددهم وعُددهم:«قوموا إلى جنّة عرضها السّموات والأرض».وفيها أيضا: الأخذ بالأسباب قدر الاستطاعة. ثمّ بشّرهم تعالى تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم، فقال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمۡ﴾ أيها المؤمنون ﴿عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ﴾ على القتال ﴿يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ منهم، أي: من الكفّار. ﴿وَإِن يَكُن﴾ [و في قراءة :بالتاء: (تكن)] ﴿مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ﴾أي: بسبب أنّهم، أي: الكفّار ﴿قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ﴾ أي: لا علم عندهم بما أعدّ الله للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها و الحمية الجاهلية ، وأنتم تفقهون عن الله المقصود من القتال، وأنّه لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، والذّب عن كتابه، والفوز الأكبر عنده يوم القيامة. والآية: إمّا خبر بمعنى الخبر على حقيقته وصورته: وأنّ من غُلب من المسلمين بأقل من هذا العدد المذكور في الآية- وهو كون المسلم الواحد في مقابلة عشرة من الكفّار- فذلك لضعف إيمانهم، أو عدم صبرهم، أو عدم استعدادهم، أو للتنازع الذي قد يحصل بينهم، أو لغير ذلك من الأسباب التي أشير إلى بعضها في هذه السّورة. أو خبر بمعنى الأمر: أي: ليقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة الألف، ويثبتوا لهم. فقد كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن يثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، وذلك حين فرض الله عليهم أوّل الأمر أن لايفرّ الواحد منهم من العشرة من الكفّار، فأعزّ الله بهم الدين على قلّتهم. ولعلّ الحكمة في إتيان الأمر بلفظ الخبر: تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة لهم بأنّهم سيغلبون الكافرين.ثمّ لمّا شقّ ذلك عليهم، وثَقُل، وضعفوا عن تحمّله، ولم يبق ضرورة لدوام هذا الحكم، لكثرة عدد المسلمين ممّن دخلوا في دين الله أفواجاً، نزل التخفيف في الحكم، فخفّف الله عنهم ورخّص لهم، لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال:
8:66Page 185
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
٦٦ - ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ﴾ في الحكم، أي: في حكم العدد، وكون المسلم الواحد في مقابل عشرة من الكفّار ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ﴾ عن قتال عشرة أمثالكم، لذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف عنكم. [وفي قراءة: بضم الضاد: (ضُعفاً)، وفي أخرى: بالضّم والمد: (ضُعفاء)]. ﴿فَإِن يَكُن﴾ [و في قراءة :بالتاء: (تكن)] (مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ﴾ على القتال ﴿يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ منهم، أي: من الكفّار ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ﴾ منهم ﴿بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ أي: بأمره وإرادته ومشيئته. وهو خبر بمعنى الأمر: أي: لتقاتلوا مثليكم، وتثبتوا لهم. فأوجب على الواحد من المسلمين أن يثبت لاثنين من الكفّار، فلا يجوز للمسلمين الفرار من مثليهم من الكفار. ﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ بعونه ونصره وتأييده، فإنّ النّصر مع الصّبر. ودلّت الآية بمفهومها: على الرّخصة للمسلمين في الفرار والتحرّز من عدوّهم، إذا زاد العدوّ على مثليهم. وعن ابن عبّاس- في الآية- قال: لمّا نزل قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون...) ثقُل على المسلمين وأعظموا أن يُقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفّف الله عنهم بالآية الأخرى: (الآن خفّف الله عنكم...)، فكانوا إذا كانوا على الشطر- أي: النّصف من عدوّهم- لم يسغ لهم أن يفروا منهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحرّزوا عنهم.
8:67Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
٦٧ - أسباب نزول الآية :أخرج مسلم في «صحيحه» عن ابن عبّاس، قال: حدّثني عمر ابن الخطاب، قال: لمّا كان يوم بدر... استشار النّبي ﷺ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: هم بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوّة على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال:«ما ترى يا ابن الخطّاب؟»قال: قلت: لا، والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم.... فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوِيَ- أي: أحبّ- رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهْوَ ما قلت... فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) إلى قوله: (فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيباً) فأحلّ الله لهم الغنيمة.و روى أحمد وغيره عن أنس، قال: استشار النّبي ﷺ النّاس في الأسارى يوم بدر، فقال:«إنّ الله قد أمكنكم منهم»، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال: نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم، وقَبِل منهم الفداء، فأنزل الله: (ما كان لنبي...) الآية. وروى أحمد والترمذي والحاكم في «مستدركه» عن ابن مسعود قال:لمّا كان يوم بدر، وجيء بالأسارى، قال رسول الله ﷺ:«ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟» قال أبو بكر: قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم لعلّ الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: كذّبوك وأخرجوك فقدّمهم فاضرب أعناقهم.. فخرج رسول الله ﷺ فقال:«إنّكم عالة- أي: فقراء- فلا ينْفلِتَنّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق» الحديث، وفيه: فنزل القرآن بقول عمر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الآية. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه. وأخرج ابن مردويه والحاكم في«المستدرك»- وقال: صحيح الإسناد- عن ابن عمر في أسرى بدر، قال: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فيهم، فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله الآية. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ أي: ما ينبـغي لنبيّ، أو ما صحّ و ما استقام له ﴿أَن يَكُونَ﴾ [و في قراءة: بالتاء: (تكون)] ﴿لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ﴾ من الكفّـار يقبل منهم الفداء [و في قــراءة:(أُسارى)] ﴿حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: حتى يبالغ في قتال الأعداء، إذلالاً للكفر، وإعزازاً لدين الله. من الثّخانة: وهي في الأصل: الغلظ والصّلابة. يقال: ثَخُن الشيء يَثْخُن ثخونة وثخانة وثِخناً، أي: غَلُظ وصلُب، فهو ثخين. يقال: أثخنه المرض والجرح: إذا أثقله و جعله لا يتحرك. ثمّ استعمل في النكاية في العدوّ، فقيل: أثخن فيه، أي: بالغ فيه قتلاً وجراحة، لأنه بذلك يمنعه من الحركة، فيصير كالثخين الذي لا يسيل. والمراد من الإثخان في الأرض: ما يحصل به إزالة المقاومة لدى الكفّار وعدم مقدرتهم على حركة فعّالة ضدّ المسلمين. ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المسلمـون، بأخذكم الفداء منهم ﴿عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: حُطامها ومتاعها، وهو فداء الأسارى. وكان فداء كلّ أسير أربعين أوقية من الذّهب. رواه أبو داود في «سننه» عن ابن عبّاس. ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ﴾ لكم ﴿ٱلۡأٓخِرَةَۗ﴾ أي: ثوابها، بقتلهم والإثخان فيهم إعزازاً لكلمته وإظهاراً لدينه، ونصراً لأوليائه. ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه وسلطانه، غالب على أمره ﴿حَكِيمٞ﴾ في صنعه وفعله وتدبيره، وقضائه وقدره. وفي الآية: عتاب له ﷺ على الإقدام على الفداء قبل الإثخان في الأرض، اللاّزم له قوّة الإسلام وعزّته.و لعل الحكمة في قتل الأسرى وعدم استبقائهم و أخذ الفداء منهم: أن الدولة الإسلامية كانت حديثة عهد بالقيام في المدينة، و الأسرى عالة عليهم، و ربما تظاهر بالإسلام عدد منهم، إن استبقوهم، فكانوا جواسيس على المسلمين و خطراً على الدولة.
8:68Page 185
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
٦٨ - ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ﴾ أي: لــولا حكـم ﴿مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ﴾ به القضاء والقدر في كتابه- أي: في اللوح المحفوظ- ألا يعذّب قوماً قبل تقديم البيان إليهم. أو: ألاّ يعذّب المخطئ في الاجتهاد. أو: سبق في أمّ الكتاب بإحلال الغنائم- ومنها الفداء- والأسرى لكم.أو: سبق لكم بالمغفرة وألاّ يعذّب أحداًَ شهد بدراً. وفي الحديث:«لعلّ الله اطّلع على قلوب أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإنّي قد غفرت لكم». أو: ألا يعذب أمة محمد ﷺ عذاب إفناءٍ و استئصال ﴿لَمَسَّكُمۡ﴾ أي: لأصابكم ﴿فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ﴾ أي: بسبب ما أخذتم من الفداء، قبل أن تؤمروا به، أو: بسبب ما أخذتم من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ وفي الحديث:«لو نزل عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلاّ عمر». وفي الآية: تهويل لخطر ما فعلوا.
8:69Page 185
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
٦٩ - ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ﴾ أي: من الفداء الذي غنمتم ﴿حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ﴾ فإنّه من جملة الغنائم التي أحلّها الله لكم. وذلك بعد إخراج الخمس لله ورسوله. فإنّه لمّا نزلت الآية السّابقة، كفّ الصّحابة عمّا أخذوا من الفداء، فنزلت هذه الآية بياناً لحِل أخذه، إذ هو من الغنيمة. وفي الصّحيحين:«أعطيت خمساّ لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبي يُبعث إلى قومه، وبُعثت إلى النّاس عامّة». ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ في جميع أموركم وأحوالكم، ولا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لمن تاب إليه، يغفر الذنوب جميعاً ﴿رَّحِيمٞ﴾ بكم، حيث أباح لكم الغنائم، وجعلها حلالا طيّباً، ورخّص لكم في أخذ الفداء ولم يحرّمه عليكم.فائدةوقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أنّ الإمام مخيّر فيهم: إن شاء قتل، كما فُعل ببني قريظة. وإن شاء فدى بمال، كما فُعل بأسرى بدر. أو فادى بمن أُسر من المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللّتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردّهما، وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين.وإن شاء استرقّ من أسر. وقد مضى عهد الاسترقاق.
8:70Page 186
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠
O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."
٧٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ﴾ [وفي قراءة: (الأسارى)] أي: أسرى يوم بدر، الذين أخذتم منهم الفداء ﴿إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا﴾ من حسن إيمان، وصلاح نيّة، وإخلاص. ﴿يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ﴾من الفداء، أي: يعوّضكم في هذه الدنيا رزقاً خيراً منه، وأنفع لكم، ويثبكم عليه في الآخرة ﴿وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ﴾ ذنوبكم وما كنتم عليه من الشّرك ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لمن تاب وأناب ﴿رَّحِيمٞ﴾ به.و قيل: إن المراد من الآية: أن يعرض النبي ﷺ على الأسرى الإسلام ويمنّيهم بالخير و المغفرة و الرحمة. وهذه الآية نزلت- أيضاً- في أُسارى بدر، وكان من جملتهم العبّاس بن عبد المطّلب، عمّ النّبي ﷺ، فإنّه لما طُلب منه الفداء، ادّعى أنّه كان قد أسلم قبل ذلك، فلم يُسقط عنه ﷺ الفداء، ففدى نفسه بعشرين أوقية، وأنزل الله عزّ وجل هذه الآية. قال العبّاس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً، كلّهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله عزّ وجل. رواه ابن إسحاق، وروى نحوه الطبراني في«الأوسط»عن ابن عبّاس.
8:71Page 186
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١
But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.
٧١ - ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ مكراً وخديعة بما أظهروا لك من القول، ممّا ليس في أنفسهم، أو: في السّعي لحربك ومنابذتك ﴿فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل يوم بدر، بالكفر به والمكر. أو: (من قبل) بنقضهم الميثاق المأخوذ على النّاس جميعاً بقوله: (ألست بربكم)الأعراف(١٧٢).﴿فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ﴾ أي: فأمكنك الله منهم ببدر، قتلاً وأسراً، فليتوقعوا مثل ذلك، إن عادوا إلى الخيانة. و المعنى: فأقدرك الله عليهم، فإن عادوا إلى الخيانة، فسيمكنك الله منهم ويقدرك عليهم. يُقال: مكنته من الشيء وأمكنته منه، فتمكّن واستمكن:إذا أقدره عليه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، وبكل شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه وتدبيره، يضع الأمور والأشياء مواضعها و ينزلها منازلها ، ومن علمه وحكمته شرع لكم هذه الأحكام الجليلة، وقد تكفّل بكفايتكم من شرّ من أراد خيانتكم.
8:72Page 186
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢
Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.
٧٢ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله ورسوله ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ في سبيل الله من مكّة إلى المدينة، أي: هجروا قومهم وتركوا أوطانهم، وفارقوها طلباً لما عند الله، وإجابة لداعيه محمّد ﷺ، ﴿وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وهم: المهاجرون، الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، نصرةً لله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وهم الذين سبقوا إلى الهجرة قبل عام الحديبية، وهو عام ستّ من الهجرة. ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ﴾ النّبي ﷺ وأصحابه ﴿وَّنَصَرُوٓاْ﴾ الله ورسوله، وهم: الأنصار، من أهل المدينة، الذين آووا إخوانهم المهاجرين فأنزلوهم في منازلهم و أسكنوهم إياها، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم إعلاء لكلمة الله، وإظهاراً لدينه. وقد سمّاهم الرسول ﷺ: الأنصار، لنصرتهم له ولدين الله.يقال: آواه، إذا أنزله دارا و أسكنه إياها. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ في النّصرة والمعونة والميراث، أي: كلّ منهم أحقّ بالآخر من كلّ أحد. وقد ثبت في«صحيح البخاري»عن ابن عبّاس: أنّ النّبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريّ يرث أخاه الأنصاري، إرثاً مقدّماً على القرابة، والأنصاري يرث المهاجريّ كذلك، واستمر ذلك إلى فتح مكّة، ثمّ توارثوا بالنّسب بعد، إذ لم تكن هجرة، بقوله تعالى في آخر هذه السّورة: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)الأنفال(٧٥). وقد روى أحمد، عن جرير بن عبد الله البجليّ، أنّ رسول الله ﷺ قال:«المهاجرون والأنصار، بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة». ورواه الحافظ أبو يعلى، عن ابن مسعود مرفوعاً. وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار في غير ما آية من كتابه الكريم ، فقال: (والسّابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)التّوبة(١٠٠)، وقال: (لقد تاب الله على النّبي والمهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه في ساعة العسرة)التّوبة(١١٧). وقال: (والذين تبوؤا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا ويأثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)الحشر(٩). أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإنّ ظاهر الآيات: تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ﴾ وهم الصّنف الثالث من المؤمنين: الذين آمنوا ولم يهاجروا، أي: لم يفارقوا دارالكفر بل أقاموا فيها ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم﴾ [و في قراءة:بكسر الواو: (وِلايتهم)] أي:من نصرهم و إعانتهم و ميراثهم ﴿مِّن شَيۡءٍ﴾ لعدم وقوع الهجرة منهم، أي: فلا إرث بينكم وبينهم- ولو كانوا من قراباتكم- ولا نصيب لهم في الغنيمة، إلاّ ما حضروا فيه القتال ﴿حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ﴾ إلى الله ورسوله ودار الإسلام، فليس بين المؤمنين الذين لم يهاجروا، وبين المهاجرين والأنصار، ولاية الإرث، إذا كان بينهم وبينهم قرابة وعصوبة، لانقطاع حكمها بسبب عدم الهجرة، وكذا ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خُمسها إلاّ ما حضروا فيه القتال. وإنّما بينهم -بحكم الإسلام- ولاية النّصرة إلا على قوم معاهَدين،لما أخرج مسلم وأحمد- واللّفظ له- عن يزيد بن الخصيب الأسلمي: أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه في خاصّة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال:«اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال- أو خلال- فأيّتهن ما أجابوك إليها،فاقبل منهم، وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك، أنّ لهم ما للمهاجرين، وأنّ عليهم ما على المهاجرين، فأن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن أبوْا، فاستعن بالله وقاتلهم». و الولاية:مصدر وليه يليه ، إذا ملك أمره و قام به. ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ﴾ أي: هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، أي: إذا طلبوا منكم النّصرة ﴿فِي ٱلدِّينِ﴾ على المشركين لدفع أذاهم عنهم والمحافظة على دينهم و منع اضطهادهم ﴿فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ﴾ لهم، أي: فواجب عليكم النّصرة لهم على من قاتلهم من الكفّار في قتال ديني، لأنّهم إخوانكم في الدّين. وأمّا من قاتلهم لغير ذلك من المقاصد، فليس عليكم نصرهم. ﴿إِلَّا﴾ أن يستنصروكم ﴿عَلَىٰ قَوۡمِۭ﴾ من الكفار ﴿بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ﴾ أي: عهد بترك القتال، أو مهادنة إلى مدّة، فلا تخفروا ذمّتكم، ولا تنقضوا عهدكم وأيْمانكم مع الذين عاهدتم، أي: فليس عليكم نصرهم، لأجل ما بينكم وبين القوم المعاهَدين من الميثاق. فلا تنقضوا العهد بينكم وبينهم حتى تنقضي مدّته، لأنّ نقض العهد خيانة، والله لا يحب الخائنين. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم، فلا تخالفوا أمره. وفي الآية: بيان أنّ الموالاة والمحبة والنّصرة والمعونة لا تكون إلا بين المسلمين بعضهم بعضاً.
8:73Page 186
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣
And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.
٧٣ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ﴾ في النّصرة والإرث، فلا نُصرة و لا إرث بينكم وبينهم. وفي الآية: تعريض للمسلمين بأنّهم لا يناصرون الكفّار ولا يتولونهم. فقد روى الحاكم في«مستدركه»عن أسامة بن زيد، عن النّبي ﷺ قال:«لا يتوارث أهل ملّتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً» ثمّ قرأ: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) الآية. وفي الصّحيحين:«لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»وعند أحمد بن حنبل في مسنده وأصحاب السُّنن- وقال الترمذي: حسن صحيح-:«لا يتوارث أهل ملّتين شتّى». وأخرج ابن جرير، مرسلاً ومتصلاً: أنّ رسول الله ﷺ قال:«أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا يتراءى ناراهما». وروى أبو داود في «سننه» عن سمرة بن جندب، أنّ رسول الله ﷺ قال:«من جامع المشرك وسكن معه، فإنّه مثله». ﴿إِلَّا تَفۡعَلُوهُ﴾ أي: موالاة المؤمنين ومناصرتهم، ومعاداة الكافرين والبراءة منهم، أي: إن لم تجانبوا الكافرين وتوالوا المؤمنين في النصرة و الإرث ﴿تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: يقع ويحدث بلاء بين النّاس بالتباس الأمر عليهم، واختلاط الحقّ بالباطل، والمؤمن بالكافر ﴿تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ في الدّين والدنيا، بقوّة الكفر وظهوره، وضعف الإسلام وكسر شوكته، وفشوّ المعاصي.
8:74Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤
But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.
٧٤ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ من دار الكفر إلى دار الإسلام ﴿وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وهم المهاجرون ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ﴾ النّبي ﷺ وأصحابه ﴿وَّنَصَرُوٓاْ﴾ الله ورسوله، وهم الأنصار ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ﴾ أي: الكاملون في الإيمان، لأنّهم صدّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة لله ورسوله والنّصرة لهما، والموالاة لهما، ولبعضهم بعضاً، وجهادهم في سبيل الله لأعدائهم من الكفّار والمشركين. ﴿لَّهُم﴾عند ربّهم ﴿مَّغۡفِرَةٞ﴾ لذنوبهم في الآخرة، ﴿وَ﴾ لهم في الدنيا ﴿رِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ طيّب مستلذّ، خالص عن الكدر.أو: (رزق كريم) في الجنّة، طيب كثير، لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يُسأم ولا يُمل، لحسنه وتنوعه.
8:75Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٧٥
And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh.1 Indeed, Allāh is Knowing of all things.
٧٥ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ﴾ أي: من بعد السّابقين إلى الإيمان والهجرة، وهم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار، من الذين آمنوا بعد عام الحديبية وقبل الفتح. واللّفظ عام، ويمكن أن يكون بعد الهجرة الأولى أو الثانية أو غزوة بدر أو بعد أن قويت شوكة المسلمـين. ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ الهجرة الثانيـة ﴿وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ﴾ في سبيل الله ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ﴾ أيها المهاجرون والأنصار، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، أي: هم مثلكم ومن جملتكم في استحقاق النّصرة، والموالاة، وكمال الإيمان، والمغفرة، والرّزق الكريم، وإن كانوا أنزل درجة من السّابقين إلى الإيمان والهجرة. وفي الحديث المتّفق عليه:«المرء مع من أحب». وفي الحديث الآخر:«من أحبّ قوماً فهو منهم». وفي رواية:«حُشر معهم». ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ﴾ أي: وذوو القرابات، ويشمل كلّ قرابة: من العصبات وغير العصبات وأصحاب الفروض. فالآية عامّة تشمل جميع القرابات من ذوي الأرحام، ممن جمعوا بين الأخوة في الدين و الأخوة في النسب. ﴿بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ﴾ في الإرث ممّا كان بينهم من التّوارث بسبب الإيمان والهجرة- وهو ما كان بين المهاجرين والأنصار من التوارث بالهجرة والمؤاخاة- ويدخل في هذه الأولوّية: الميراث، دخولاً أوّلياً، لوجود سببه، وهو: القرابة. ﴿فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: في حكم الله وشرعه، أو في اللّوح المحفوظ، أو في القرآن. وعن ابن عبّاس قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، ووَرث بعضهم من بعض- بالحلف والإخاء- حتى نزلت هذه الآية: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض)، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنّسب والرّحم والقرابة. وقد ورد في سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن ابن الزّبير، قال: كان الرّجل يعاقد الرّجل، فيقول: ترثني وأرثك، فنزلت: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض). وأخرج ابن سعد في «طبقاته»، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: آخى رسول الله ﷺ بين الزّبير بن العوّام وكعب بن مالك، قال الزّبير: لقد رأيت كعبا أصابته الجراحة بأحد، فقلت: لو مات لورثته، فنزلت: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) فصارت المواريث بعدُ للأرحام والقرابات، وانقطعت تلك المواريث في المؤاخاة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾ ومنه حكمة الميراث، وجعله في الأرحام والقرابات، بدلاً من المؤاخاة والهجرة. انتهى تفسير سورة الأنفال
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences