Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:92–106
9:92Page 201
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢
Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].
٩٢- ﴿وَلَا﴾ حرج في التّخـلف عـن الجهاد ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ﴾ معك إلى الغزو، فلم يصادفوا عندك شيئاً. وهم:«البكاؤون»:كانوا سبعة من الأنصار. وقيل: من بني مقرّن، طلبوا منه ما يركبونه من الدّواب، وقيل: سألوه الزّاد.و قيل:سألوه أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة. ﴿قُلۡتَ﴾ لهم: معتذراً: والله ﴿لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ﴾ إلى الجهاد من الدّواب أو الزّاد. والجملة حال. ﴿تَوَلَّواْ﴾ أي: انصرفوا عنك، أو: خرجوا من عندك. وهي جواب «إذا». ﴿وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ﴾ أي: تسيل دمعاً، أو تمتلىء به فتصبّه. والمعنى: تولّوا عنك لما قلت لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، حال كونهم باكين. ﴿حَزَنًا﴾ لأجل ﴿أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ على أنفسهم في الجهاد.فهؤلاء-و إن كانت لهم قدرة على الجهاد و تحمل المشاق-ما عليهم من سبيل أيضا، لعدم توفر الأسباب. والفيض: انصباب عن امتلاء، وإسناده إلى العين للمبالغة، كما في قولهم: جرى النّهر. و الآية بيان لأرباب الأعذار الحقيقية، و أنه لا حرج عليهم في التّخلف عن الجهاد، وإذا سقط الحرج عنهم، عاد الأمر إلى أصله: وهو أن من نوى الخير مخلصاً، واقترن بنيّته الصّادقة سعيٌ فيما يقدر عليه، ثمّ لم يقدر، لعذر شرعي، فإنّه يُنزل منزلة الفاعل التّام. وفي الصّحيحين عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ قال:«إنّ بالمدينة أقواماً، ما قطعتم وادياً، ولا سرتم سيراً، إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم، حبسهم العذر». وعن جابر عند مسلم قال: كنّا مع النّبي ﷺ في غزاة- هي: تبوك- فقال:«إنّ بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض». وعنه- أيضاً- عند أحمد ومسلم وابن ماجه، قال: قال رسول الله ﷺ:«لقد خلفتم بالمدينة رجالاً، ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض».
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
٩٣- ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ﴾ أي: طريق المعاقبة والمؤاخذة. والمراد بالطريـق: الأعمـال السيئة المفضية للعقـاب، ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ﴾ في التّخلف عن الجهاد ﴿وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ﴾ قادرون على الخروج والقتال والاستعداد له وتحصيل الأهبة، ولا عذر لهم في التّخلف عنه فهؤلاء ﴿رَضُواْ﴾ لأنفسهم، ومن دينهم ﴿بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ﴾ أي: مع النّساء اللاّتي تخلّفن عن أعمال الرّجال وقعدن في البيوت، أو: مع الرّجال العاجزين عن القتال. جمع خالفة. وأعيد هذا لزيادة توبيخهم ﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ أي: ختم عليها فلا يدخلها خير، ولا تبصر الحقّ. ﴿فَهُمۡ﴾ بسبب هذا الطّبع والختم ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ما فيه مصلحتهم الديّنية، والدنيوية، والأخروية، ولا يدركون المنافع ولا يجتنبون المضار.
9:94Page 202
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
٩٤ – لما ذكر تعالى تخلف المنافقين الأغنياء، وأنه لا عذر لهم في التخلف عن رسول الله ﷺ ، أخبر أنهم سوف ﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ﴾ أي : يعتذر المنافقون إليكم معشر المؤمنين في التخلف عنكم ﴿إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ﴾ من الغزو ، أعذاراً باطلة . و يُروى أنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً . ﴿قُل﴾ لهـم : ﴿لَّا تَعۡتَذِرُواْ﴾ عن تخلفكم بالأعذار الباطلة الكاذبة ، لأنه لم يمنعكم عذر شرعي عن الجهاد ﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ﴾ أي : لن نصدقكم في اعتذاركم الكاذب .﴿قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ﴾ أي: أعلمنا وأخبرنا بالوحي ، من أحوالكم ما هو مناف لصدق اعتذاركم. فلم يبق للاعتذار منهم فائدة ، لأنهم يعتذرون بخلاف ما أخبر الله عنهم .﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ﴾ في الدنيا من الرجوع عن الكفر والنفاق، أو الثبات عليهما، لأن العمل هو ميزان الصدق من الكذب، وأما مجرد الأقوال ، فلا دلالة فيها على شيء من ذلك .وقيل : إن الله سيظهر أعمالهم للناس في الدنيا،حتى تعرف حقيقتهم، ويكشف سرهم .﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أي : تُرجعون بعد الموت ، بالبعث ﴿إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ للجزاء والحساب . فإنه تعالى يعلم كل شيء يقع منهم مما يكتمونه أو يتظاهرون به .و الغيب : ما غاب عن العباد، أو ما لم يعلموه، أو ما سيقع مستقبلا.و الشهادة: ما علمه العباد ، أو ما وقع في الماضي.﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ من خير وشر ، أي: فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ، ويجازيكم عليها، بعدله أو بفضله ، من غير أن يظلمكم مثقال ذرة .والمسيء المذنب له ثلاث حالات:إما أن يُقبل قوله وعذره ، ظاهراً وباطناً ، ويُعفى عنه ، بحيث يكون كأنه لم يذنب .وإما أن يُعاقب بالعقوبة والتعزير الفعلي على ذنبه .وإما أن يُعرض عنه ، فلا يعاقب بما فعل بالعقوبة الفعلية . وهذه الحال الثالثة هي التي أمر الله بها في حق المنافقين، فقال :
9:95Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
٩٥ – ﴿سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ﴾ معتذرين عن تخلفهم ﴿إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ﴾ أيها المؤمنـون، أي : رجعتم ﴿إِلَيۡهِمۡ﴾ من الغزو في تبوك ﴿لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ﴾ بترك المعاتبة، أي : لتتركوهم، فلا تؤنبوهم ولا توبخوهم، وتصفحوا عنهم ، صفح رضاً ، فهم يؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة في التخلف عن الغزو، بالحلف بالله، وغرضهم أن يُعرض المؤمنون عنهم، فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف، ويظهرون الرضى عنهم. قال تعالى :﴿فَأَعۡرِضُواْ﴾ أيها المؤمنون ﴿عَنۡهُمۡۖ﴾ إعراض إهانة و احتقار، لا إعراض صفح و إعذار. أي: اتركوهم واهجروهم ، فلا ترضوا عنهم، ولا تصفحوا عن ذنبهم ﴿إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ﴾ أي: قذر أو نجس، لخبث باطنهم، فاجتنبوهم، ولا تبالوا بهم ، وقد جُعلوا - في الآية – نفس الرجس، مبالغة في نجاسة باطنهم، وخبث أعمالهم. فهؤلاء لما كانوا كذلك ، كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشر ، فليس لهم من العقوبة إلا الترك والهجران.﴿وَمَأۡوَىٰهُمۡ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ في الدنيا من الآثام والخطايا، والمعاصي والذنوب .
9:96Page 202
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
٩٦ – (يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ﴾ معتذرين عن تخلفهم ﴿لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ﴾ وتقبلوا أعذارهم باعتقاد طهارة ضمائرهم وإخلاصهم . وهذا مقصد آخر لهم، غير مجرد الإعراض، فغرضهم من الحلف والاعتذار عن التخلف : أن يُعرض عنهم المؤمنون ، ويرضوا عنهم. قال تعالى : ﴿فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ﴾ وتصفحوا وتقبلوا أعذارهم، كما هو مطلبهم ، ومقصدهم .﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ أي : الخارجين عن طاعة الله ، وطاعة رسوله . والمراد : نهي المؤمنين عن ذلك ، فإنه لا ينبغي لهم أن يرضوا ، عمن لم يرض الله عنه ، لأن رضاهم لا ينفع مع سخط الله ، بل عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه .وفي قوله : (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) بدلاً من :«فإن الله لا يرضى عنهم»: دليل على أن باب التوبة مفتوح ، وأنهم مهما تابوا ، هم أو غيرهم ، فإن الله يتوب عليهم ، ويرضى عنهم .وأما ما داموا فاسقين ، فإن الله لا يرضى عنهم ، لوجود المانع من رضاه، وهو : خروجهم عما رضيه الله لهم من الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك والنفاق والمعاصي.وفي الآيات: إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و كماله، في قوله: (قد نبأنا الله من أخباركم) ، وإثبات الأفعال الاختيارية لله ، الواقعة بمشيئته تعالى وقدرته ، في هذه الآية ، وفي قوله : (وسيرى الله عملكم) ففيه إخبار بأنه سيراه بعد وقوعه . وفي الآية أيضاً: إثبات الرضا لله عن المحسنين، والغضب والسخط على الفاسقين ، على الصفة التي تليق بجلاله وكماله .
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
٩٧ – ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ﴾ وهم أهل البادية ﴿أَشَدُّ كُفۡرٗا﴾أي:جحودا بتوحيد الله عز و جل﴿وَنِفَاقٗا﴾ من أهل الحضر، الكفار والمنافقين، لجفائهم، وغلظ طباعهم، وقساوة قلوبهم ، وتوحشهم، ونشأتهم في معزل عن مخالطة العلماء بالدين، والتعلم منهم ، وبعدهم عن سماع القرآن والسنة، وجهلهم بمعرفة الشرائع الدينية والأحكام والأعمال. ﴿وَأَجۡدَرُ﴾ أي: وأخلق، أو: وأحق وأحرى وأولى: ﴿أَلَّا﴾ أي: بأن لا ﴿يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ﴾ من الشرائع والأحكام، وفرائض الله ، وأوامره ونواهيه ، لبعدهم عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل ، بخلاف الحاضرة ، فإنهم أقرب لأن يعلموا فرائض الله وأحكامه وشرائعه ، لما فيهم من لطافة الطبع ، والانقياد للداعي ، ومخالطة أهل العلم والدين والإيمان، والتعلم منهم . والأعراب : هم من سكن البوادي من العرب ، ويقال لهم:أعاريب، والنسبة إلى الأعراب : أعرابي، لأنه لا واحد له ، وليس الأعراب جمعاً للعرب، وإنما العرب: اسم جنس ، مفرده عربي منسوباً. وتصغير العرب عُريْب. والعرب: هم من سكن القرى والحاضرة من العرب. والمهاجرون والأنصار ، عرب لا أعراب. والعرب أصلان : العرب العاربة: وهم أولاد يعرب بن قحطان، والعرب المستعربة : وهم العرب العدنانيون، واسم لغة العرب: العربية، وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم .و قوله : (و أجدر) : يقال: هو جدير بكذا ، وأجدر ، أي: خليق به وأخلق ، مشتق من الجِدر، وهو: أصل الشجرة ، فكأنه ثابت ثبوت الجدر في قولهم: جدير وأجدر. والمراد : وصف جنس الأعراب ، بدليل قوله تعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)التوبة(٩٩).﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ، وبمن يستحق منهم أن يعلِّمه الإيمان والعلم ﴿حَكِيمٞ﴾ في صنعه بهم وتدبير أمورهم، وفيما قسم بينهم، لا يسأل عما يفعل ، لكمال علمه، وجلال حكمته .والآية نزلت في «أسد وغطفان»ولكن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب.وفي الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي و النسائي، عن ابن عباس مرفوعا:«من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتُتن».قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري . وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ، قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ ، فقالوا : أتقبِّلون صبيانكم ؟ قالوا : نعم ، قالوا: لكنا والله لا نقبِّل ، فقال رسول الله ﷺ :«وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة». وفي لفظ البخاري :«أَوَ أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة». ولذا لما كانت الغلظة ، والجفاء، وقساوة الطبع في أهل البوادي، لم يبعث الله منهم رسولاً ، وإنما كانت البعثة من أهل الحاضرة والمدن والقرى، لأنهم كانوا ألطف أخلاقاً، وأرق طبعاً ، وأعذب قولاً .
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
٩٨ – ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ في سبيل الله ، من الزكاة والنفقة، ونحـو ذلك من الصدقـات ﴿مَغۡرَمٗا﴾ أي : غرامة وخسارة، أو نقصاناً و خُسرانا، لأنهم لا ينفقونه رجاءً لثواب ، بل تقية وسمعة ورياء. وهم : «بنو أسد وغطفان».من الغرام : بمعنى الهلاك ، لأنه سببه . فهؤلاء إنما ينفقون رياء واتقاء أن يُغزوا ويُحاربوا.﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ﴾ أي: وينتظر بكم صروف الدهر ، ويرتقب بكم نوائب الزمان ومصائبه التي يتبدل بها حالكم إلى سوء ، فيتخلصوا من الإنفاق . والتربص: الانتظار . والدوائر : جمع دائرة ، وهي النائبة ، أو الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية.﴿عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ﴾ [و في قراءة: بضم السين: (السُّوء)] من الضرر والشر والهزيمة ، والعذاب والبلاء ، والمكروه والهلاك ، أي: يدور السوء والعذاب والهلاك والبلاء عليهم ، لا عليكم معشر المسلمين . وهو دعاء عليهم ، بنحو ما يتربصون به المؤمنين من السوء ، حيث جعل ما دعا به عليهم مماثلاً لما أرادوه بالمؤمنين ، فالسوء الذي أرادوه بالمؤمنين منعكس عليهم ، ودائر بهم .و السوْء : مصدر ساءه يسوؤه سوءً، إذا فعل به ما يكره، فاستاء هو.و السوء-بالضم-: اسم منه. و قيل: المفتوح بمعنى : الذم ، والمضموم بمعنى: العذاب والضرر. وإضافة «دائرة» إلى «السوء» من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما في : رجلِ صدق .﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده ﴿عَلِيمٞ﴾ بنياتهم وأعمالهم.
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
٩٩ – ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ وهـو النـوع الثـاني منهـم ﴿مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ ، أي : يُصدّق بهما، ك «جُهينة» و «ومُزينة» ، ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ في سبيل الله، من زكاة، وصدقة ، ونحو ذلك .﴿قُرُبَٰتٍ﴾ تقربه ﴿عِندَ ٱللَّهِ﴾ محتسباً لثوابها وأجرها، قاصداً بها وجه الله تعالى ، ومرضاته ، والقرب منه ﴿وَ﴾ وسيلة إلى ﴿صَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ﴾ أي: دعواته واستغفاره، فيبتغون بما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ، و يجعلون ذلك وسيلة إلى دعاء الرسول واستغفاره لهم. أي: يتخذون صلوات الرسول ﷺ ودعاءه و استغفاره قربة لهم عند الله.والقربات : جمع قرُبة-بضم الراء وسكونها - وهي كل ما يُتقرب به إلى الله . ﴿أَلَآ إِنَّهَا﴾ أي : صدقاتهم وصلوات الرسول ﷺ عليهم ﴿قُرۡبَةٞ﴾ [وفي قراءة:بضم الراء: قُرُبة لهم] مقبولة عند الله ، يتقربون بها إلى الله تعالى، لعظيم إيمانهم بالله ورسوله. ﴿سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ﴾ أي: في جملة عبادة الصالحين في الدنيا ، وجنته في الآخرة .﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لأوليائه وأهل طاعته، يغفر لكل من تاب إليه وأناب .﴿رَّحِيمٞ﴾ بعباده ، يعمهم برحمته التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات ويحفظهم من الوقوع في المخالفات ، و يجزل لهم من المثوبات.وفي الآية : دليل على أن الأعراب، كأهل الحاضرة، منهم الممدوح، ومنهم المذموم ، فإن الله لم يذم جنسهم، أي : على مجرد تعرّبهم وباديتهم ، وإنما ذمّ وصفهم على ترك أوامر الله ، وأنهم مظنة لذلك .و فيها :أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ، ويغلظ ويخف ، بحسب الأحوال ، فكفر أهل البادية ونفاقهم أشد من كفر ونفاق غيرهم من أهل الحاضرة .
9:100Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
١٠٠ – ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ﴾ إلى الإيمان و الهجرة و النصرة والإنفاق. وهم الذين سبقوا هذه الأمة وبدروها للإيمان بالله ورسوله، والهجرة والجهاد ، وإقامة دين الله ﴿مِنَ﴾ الصحابة ﴿ٱلۡمُهَٰجِرِينَ﴾ الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله ﴿وَ﴾ من ﴿وَٱلۡأَنصَارِ﴾ الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . [وفي قراءة: (والأنصارُ)بالرفع عطفاً على (والسابقون الأولون)] . و السابقون الأولون : هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان عام الحديبية ، أو أهل بدر ، وأفضلهم الخلفاء الأربعة بالترتيب ، ثم الستة الباقون ، ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية . وإنما فضل الله السابقين لإيمانهم وإنفاقهم وجهادهم قبل انتشار الإسلام .﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم﴾ إلى يوم القيامة ﴿بِإِحۡسَٰنٖ﴾ في الاعتقاد والقول والعمل ، أي : سلكوا سبيلهم في الإيمان والطاعة والاعتقاد والقول والعمل . وهم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، المتأخرون عنهم ، من الصحابة فمن بعدهم ، إلى يوم القيامة ، إذا اتبعوهم بإحسان في الأقوال والأفعال والاعتقادات ، اقتداءً منهم بالسابقين الأولين .﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ﴾ بطاعتهـم له ، فقـبل طاعاتهـم ، وتجاوز عن سيئاتهم ، ولم يسخط عليهم .﴿وَرَضُواْ عَنۡهُ﴾ بثوابه ، وبما أعطاهم من فضله ، وأجزل لهم من نعمه وآلائه ، وبما وفقهم إليه من الإيمان والإحسان . ﴿وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا﴾ أي: تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ﴾ لا يبغون عنها حولاً ، ولا يطلبون منها بدلاً [وفي قراءة ابن كثير المكي: بزيادة «من»: (تجري من تحتها الأنهار)] . (ذَٰلِكَ﴾ المذكور من الرضا والثواب هو : (ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ الذي حصل لهم فيه كل مرغوب ، واندفع عنهم كل محذور ومرهوب .والآية : شهادة من الله تعالى للسابقين من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ممن سلك مسلكهم ، واهتدى بهديهم، وبشرى لهم الجنة ، والفوز العظيم في الآخرة . فأعظِم بها من شهادة ، وأكرِم به من فوز .
9:101Page 203
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
١٠١ - ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم﴾ يا أهل المدينة ﴿مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَ﴾ كبعض أناس من قبائل «سُليم» و«أشجع» و «غِفار». أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. والآية : شروع في ذكر أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك، من الأعراب الذين كانوا حول المدينة .﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ﴾ منافقون –أيضاً–﴿مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾ أي : مرنوا عليه ودربوا به ، و مهروا فيه ، أو: لجُّوا فيه واستمروا عليه ، ولم ينثنوا عنه – حتى خفي أمرهم على رسول الله ﷺ ، فكيف بسائر المؤمنين ؟ - أو : أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ثبوتاً شديداً ، وازدادوا فيه طغياناً ، ولم يتوبوا .ومنه يُقال : شيطان مريد ومارد، ويقال : تمرد فلان على الله ، أي : عتا وتجبّر ، واعتاد معصيته .﴿لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ﴾ يا محمد بأعيانهم، أي: يخفى أمرهم عليك، لعراقتهم ومهارتهم في النفاق و التقية، ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر ، ولا يظهر لغير الله سبحانه وتعالى ، مع كمال فطنتك ، وصدق فراستك .﴿نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ﴾ لا يخفى علينا ما في سرائرهم . وهذا لا ينافي قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم)محمد(٣٠) لأن هذا من باب التوسُّم فيهم بصفات يُعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين .﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ﴾ في الدنيا: الأولى: بالفضيحة، بانكشاف نفاقهم ، أو : بما ينالهم من الهم والغم والكراهة، لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر. أو بالمصائب في أموالهم وأولادهم وأنفسهم . والمرة الثانية: عذاب القبر. ويحتمل أي يكون المراد بالتثنية على بابها : أي : أن عذابهم، عذاب في الدنيا ، وعذاب في الآخرة. ويحتمل أن المراد : سنغلِّظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ، ونكرره لهم .﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ في الآخرة ﴿إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ﴾ هو عذاب النار .
9:102Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
١٠٢ – ﴿وَءَاخَرُونَ﴾ أي : ومن المتخلفين-من أهل المدينة و من حولها- قوم آخرون ﴿ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ﴾ أي : أقروا بها و ندموا عليها ، وسعوا في التوبة إلى الله منها ، والتطهر من أدرانها ، وهي : تخلفهم عن الغزو، وعن صحبة رسول الله ﷺ فيه ، لغير عذر مسوِّغ للتخلف، وإيثارهم الدعة والبقاء في الثمار والظلال على الخروج إلى الجهاد .﴿خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ وهو جهادهم في سبيل الله قبل هذه الغزوة ، وقيامهم بشرائع الإسلام . أو: اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم عنها وندمهم عليها ، وعدم اعتذارهم بأعذار كاذبة باطلة في التخلف عن رسول الله . أو : غير ذلك من العمل الصالح ، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان شرطه التوحيد والإيمان.﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ وهو تخلفهم عن رسول الله ﷺ في هذه الغزوة ، وقد أتْبعوا هذا العمل السيئ عملاً صالحاً ، وهو: الاعتراف بذنبهم، والندم عليه ، والتوبة إلى الله منه .﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ أي: يقبل توبتهم ، فهم تحت عفو الله. وتوبته تعالى على عباده نوعان :التوفيق للتوبة . وقبولها بعد وقوعها منهم . والترجِّي في حقه تعالى إطماعٌ ، وهو منه إيجابٌ، فضلا و نعمة .﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لمن تـاب، يغفر الذنوب جميـعاً ﴿رَّحِيمٌ﴾ بمن أحسن وأناب من عباده ، وأوليائه ، وأهل طاعته .وقد أخرج البيهقي في «الدلائل»، وابن مردويه و ابن أبي حاتم ، وابن جرير عن ابن عباس قال : نزلت في أبي لبابة ابن عبد المنذر وجماعة من أصحابه ، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ، فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته ، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، لما بلغهم ما نزل في المتخلفين ، وحلفوا لا يحلهم إلا النبي ﷺ ، فأعرض عنهم حتى نزلت الآية ، فحل وثاقهم، إذ قَبِل الله توبتهم ، كما يفيده قوله تعالى : (عسى الله أن يتوب عليهم) . والآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين والخطائين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ثم اعترفوا بذنوبهم وندموا عليها وتابوا إلى الله منها. روى البخاري في «صحيحة» عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله ﷺ :«أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني، فانتهيا بي إلى مدينة ، مبنية بلبِن ذهب،ولبِن فضة، فتلقانا رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء ، قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا ، قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك ، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن ، وشطر منهم قبيح ، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم».والآية : دالة على أن المخلط المعترف النادم ، الذي لم يتب توبة نصوحاً ، أنه تحت الخوف والرجاء ، وهو إلى السلامة أقرب . وأما المخلط الذي لم يعترف ، ولم يندم على ما مضى منه ، بل لا يزال مُصراً على الذنوب ، فإنه يُخاف عليه أشد الخوف، و هو تحت المشيئة، إن شاء عفا الله عنه بفضله، و إن شاء عذبه بعدله .
9:103Page 203
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
١٠٣ – سبب نزول الآية : روى ابن جرير عن ابن عباس، أنه قال : جاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أُطلقوا . فقالوا : يا رسول الله، هذه أموالنا ، فتصدق بها، واستغفر لنا ، فقال:«ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقةً) . الآية .﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ﴾ أي:من بعض أموالهم، وهي: الزكاة المفروضة ، أو : صدقة الفرض. وقيل : هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها، لأنهم بعد التوبة عليهم ، عرضوا أموالهم على رسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية ، كما تقدم، تأمره بأخذ بعض أموالهم لا كلها. ولذا اعتقد بعض مانعي الزكاة : أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون ، وإنما كان خاصاً برسول الله ﷺ ، واحتجوا بقوله تعالى : (خذ من أموالهم) أي: أموال الذين اعترفوا بذنوبهم (صدقةً) ، ولكن أبا بكر الصديق قاتلهم حتى أدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ. ﴿تُطَهِّرُهُمۡ﴾ بالصدقة من دنس الذنوب والآثام، والأخلاق الرذيلة . والتطهير : إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب .﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ أي : وتنمي بها حسناتهم وأموالهم وأعمالهم الصالحة ، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي . والتزكية : التنمية أو : المبالغة في التطهير .﴿وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ أي : ادع لهم، واستغفر لهم، بعد أخذك لزكاة أموالهم . فقد روى مسلم في«صحيحة»عن عبد الله ابن أبي أوفى قال : كان النبي ﷺ إذا أُتي بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال :«اللهم صل على آل أبي أوفى».﴿إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ أي : إن دعاءك واستغفارك رحمة لهم ووقار، أو طمأنينة لقلوبهم بقبول توبتهم. [وفي قراءة:بالجمع: (إن صلواتِك سكن لهم)] .والسكن : ما تسكن إليه النفوس وتطمئن به .﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك ، سمع إجابة وقبول.﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال العباد و نياتهم ، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر نيته . و الآية و إن كانت لسبب خاص، فهي عامة لجميع الأموال والناس، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.وفي الآية : دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، فعن ابن عباس-في حديث بعث معاذ إلى اليمن-وفيه:«إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»متفق عليه.
9:104Page 203
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
١٠٤ – ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ﴾ أي : التائبون وغيرهم من المؤمنين (أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ﴾ التائبين ، من أي ذنب كان ، فكل من تاب إليه ، تاب الله عليه ، بل إنه تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه وأناب.﴿وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ أي : يقبلها منهم ويثيب عليها، فمن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها منه و يُربيها لصاحبها حتى تكون مثل أُحد. وفي الحديث الصحيح :«إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه ، فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره ، حتى أن اللقمة لتكون مثل أحد» .﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ﴾ على عباده ، بتوفيقهم للتوبة وقبولها منهم، فهو كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه ، تاب عليه، ولو تكررت منه المعصية مراراً ، والله لا يملّ من التوبة على عباده، حتى يملوا .﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم ، الذي وسعت رحمته كل شيء. والاستفهام في الآية للتقرير، والقصد به : تهييجهم إلى التوبة والصدقة ، وترغيبهم فيها . وهذا تشريف عظيم لهذه الطاعة ، ولمن فعلها .
9:105Page 203
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
١٠٥ – ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد ، لهؤلاء التائبين وغيرهم، أو لهؤلاء المنافقين، أو للناس جميعا ﴿ٱعۡمَلُواْ﴾ ما شئتم من خير أو شر .﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ يوم القيامة ، فإن الأعمال تُعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى رسوله والمؤمنين ، كما قال: (يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية)الحاقة(١٨) ، وقال : (يوم تُبلى السرائر)الطارق(٩)، وقال : (وحصِّل ما في الصدور)العاديات(١٠) وفيه تهديد ووعيد لمن استمر على باطله. ويحتمل أن يكون المعنى : فإن الله مطلع على أعمالكم في الدنيا، وسيطلع رسوله ﷺ وعباده المؤمنين عليها ، وسيظهرها للناس، كما في الحديث عند أحمد في «مسنده»: أن رسول الله ﷺ قال :«لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ، ليس لها باب ولا كوّة ، لأخرج الله عمله للناس ، كائناً ما كان».و في الصحيح عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال :«إذا أراد الله بعبده خيراً ، استعمله قبل موته»، قالوا : وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال : «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه»رواه أحمد .﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ بالبعث ، بعد الموت ﴿إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ويستوي عنده كل معلوم ، سواء أكان ظاهراً أم باطناً غائباً أم حاضراً. وعن ابن عباس: الغيب : ما يسرونه من الأعمال ، والشهادة : ما يظهرونه . ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي : يخبركم بأعمالكم، فيجازيكم عليها ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
9:106Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
١٠٦ – ﴿وَءَاخَرُونَ﴾ أي : ومن المتخلفين قوم آخرون ﴿مُرۡجَوۡنَ﴾ أي: مؤخـرون عن العقوبة مؤجلـون ﴿لِأَمۡرِ ٱللَّهِ﴾ فيهم بما شاء [و في قراءة: (مُرجَؤون) بالهمز، أي: موقوف أمرهم إلى أن يظهر أمر الله فيهم، فلا يُقطع لهم بتوبة] .﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ﴾ لتخلفهم عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ﴾ إن تابوا وأصلحوا وأخلصوا، أي : هم تحت عفو الله ورحمته ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء تاب عليهم ، ولكن رحمته تعالى تغلب غضبه .﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ، وبمن يستحق العقوبة منهم، ممن يستحق العفو، ﴿حَكِيمٞ﴾ في أقواله وأفعاله ، يضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها .وهؤلاء هم الثلاثة الذين خُلِّفوا عن التوبة ، وهم: مُرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية. وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، كسلاً وميلاً إلى الدعة والراحة ، وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ولا نفاقاً ، مع الهمّ باللحاق به ﷺ، فلم يتيسر لهم . فلما قدم النبي ﷺ ، وكان قد نزل ما نزل في المتخلفين ، قالوا : لا عذر لنا إلا الخطيئة ، ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ كأصحاب السواري – أبي لبابة وأصحابه - فأمر الرسول ﷺ باجتنابهم ، فوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس ، حتى نزلت توبتهم بعد ذلك ، كما سيأتي في آية (١١٨) من هذه السورة. وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف ، إذ كانت مدة غيبته ﷺ عن المدينة خمسين ليلة . فلما تمتعوا بالراحة فيها ، مع تعب إخوانهم في السفر ، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences