Al-Jami' al-WajizAt‑Tawbah · 9:120–129

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:120–129

9:120Page 206

مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠

It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.

١٢٠ - ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ﴾ من المهاجرين والأنصار ﴿وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ كمزينة و جهينة و أشجع ﴿أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾ في الجهاد ، أي : ما ينبغي لهم ذلك ، ولا يصح منهم، ولا يستقيم، ولا يليق بأحوالهم-إلا من كان ذا عذر- فالمراد بالنفي هنا: النهي، أي: ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله في الجهاد والخروج لملاقاة أعداء الله بغير أمره ﷺ وإذنه، بخلاف غيرهم من العرب، فإنهم لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله ﷺ. وهذه الآية مخصوصة بحالة النفير العام إذا ما خرج النبي ﷺ للقتال. ﴿وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ أي: ولا يجعلوا أنفسهم راغبة عما ألقى فيه نفسه من الشدائد والأهوال. والباء للتعدية . أو:(ولا يرغبوا بأنفسهم) أي : بسبب صون أنفسهم وشحهم بها ، في بقائها وراحتها وسكونها (عن نفسه)أي: عن صون نفسه وعما رضيه لها من الشدائد والأهوال .والباء للسببية. وهذا النفي يفيد النهي، والنهي هنا بلفظ الخبر ، وهو متضمن أمرهم بأن يصحبوه ﷺ على البأساء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وأن يكابدوا معه الشدائد والأهوال، ويلقوا فيها ما تلقاه نفسه الكريمة، ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاق والنفاق ، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه، فداء له ﷺ. وفي الحديث:«لا يكمل إيمان المرء حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله». ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي : النهي عن التخلف، ووجوب متابعته ونصرته ﷺ.﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي : بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ﴾ أي: عطش ﴿وَلَا نَصَبٞ﴾ أي : ولا تعب أو مشقة، ﴿وَلَا مَخۡمَصَةٞ﴾ أي: ولا مجاعة شديدة ، تُظهر خمص البطن وضموره . وفعلها : كنصر. ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي : في طاعة الله وجهاد أعدائه ، وإعلاء دينه، ﴿وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا﴾ أي : ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم ، أو بحوافر خيلهم ، وأخفاف رواحلهم، ولا ينزلون منزلاً . أو : هو مصدر بمعنى : وطأً و دوْساً - من وطىء: كفهم - أي : ولا يطؤون وطئاً ، ولا يدوسون دوساً . [وقرأ أبو جعفر بحذف الهمزة في كليهما وإبدالهما واواً وياء : (ولا يَطوْنَ موْطِياً)] . ﴿يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ﴾ أي : يغضبهم ويغمهم، ويهمهم، ويحزنهم أو يرهبهم ، من الخوض لديارهم، والاستيلاء علي أوطانهم ، ففي إغضابهم رضا الله .﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ﴾ لله ﴿نَّيۡلًا﴾ بقتل أو أسر أو نهب أو جراحة أو غنيمة أو ظفر وغلبة عليه ، ونحو ذلك ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ﴾ أي: بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرتهم واختيارهم ، كالظمأ والنصب والمخمصـة ، وإنمـا هي ناشئة عن أفعالهـم ﴿عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ﴾ وثواب جزيل، أي : دُوِّن في صحائف أعمالهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله، وقيامهم بما عليهم من حق الله وحق عباده، بل يثيبهم ويحسن جزاءهم ، كقوله : (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)الكهف(٣٠) .

9:121Page 206

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.

١٢١ - ﴿وَلَا يُنفِقُونَ﴾ أي : هؤلاء المجاهـدون فــي سبيل الله ﴿نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ﴾ أي : قليـلاً أو كثــيراً ﴿وَلَا يَقۡطَعُونَ﴾ فــي سيرهـم إلى عدوهـم ﴿وَادِيًا﴾ وهو كل منفرج بين جبال أو آكام ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ﴾ ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد. ولم يقل ههنا : «به»– كما في الآية السابقة – لأن هذه الأفعال: من النفقة والسير في الجهاد، صادرة عنهم واقعة تحت قدرتهم واختيارهم ، بخلاف ما تقدم، من الظمأ والنصب والمخمصة ، فإنها غير واقعة تحت قدرتهم واختيارهم، وإنما هي آثار ناشئة عن أفعالهم، ﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ به ﴿أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ إذا أخلصوا فيها لله ، ونصحوا فيها لله ورسوله .وفي الآيتين: حث وترغيب على الخروج إلى الجهاد في سبيل الله ، واحتساب ما يصيبهم في ذلك من الجهد والمشقة عند الله ، وأن الآثار المترتبة على عمل العبد ، إن كان خالصاً لله ، موافقاً لشرعه ورضاه ، فإن له فيها أجر كبير وثواب جزيل.وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد جهّز جيش العسرة بألف دينار وثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، حتى قال النبي ﷺ :«ما على عثمان ما عمل بعد هذا» وفي رواية:«ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم».رواه أحمد.

9:122Page 206

۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.

١٢٢ - ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ﴾ أي : ليخرجوا إلى الغزو والجهاد في سبيل الله ﴿كَآفَّةٗۚ﴾ أي : جميعاً ، إذا أقام رسول الله ﷺ ، ولم يخرج بنفسه إلى الغزو- وهذا في غير النفير العام، أي: في السرايا،فإن الخروج فيها فرض كفاية إذا قـام به البعـض سقـط عن الباقـين-﴿فَلَوۡلَا﴾ أي : فهلا ﴿نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ﴾ أي : قبيلة ﴿مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من المؤمنين ﴿طَآئِفَةٞ﴾ أي: جماعة، إلى الغزو والجهاد ، ومكث الباقون ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ﴾ أي : الماكثــون ﴿فِي ٱلدِّينِ﴾ وأحكام الشريعة ﴿وَلِيُنذِرُواْ﴾ أي: الماكثون – أيضاً – ﴿قَوۡمَهُمۡ﴾ الغزاة ﴿إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ﴾ من الجهاد والغزو ، بتعليمهم ما تعلموه من رسول الله ﷺ من القرآن ، والعلم، والفقه في الدين وأحكام الشريعة ، والحلال والحرام ﴿لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ عقاب الله، بامتثال أمره واجتناب نهيه .والمعنى : ما ينبغي للمؤمنين ولا يجوز لهم ، أن ينفروا جميعاً للجهاد، ويتركوا النبي ﷺ وحده في حالة عدم خروجه بنفسه للجهاد وعدم النفير للكافة ، بل يجب أن ينقسموا قسمين:طائفة تبقى معه لتعلم العلم والفقه في الدين، والتلقي من مشكاة النبوة.وطائفة تنفر للجهاد.فالماكثون يحفظون ما تجدد من الأحكام ، فإذا قدم الغزاة علّموهم ما تجدد من الأحكام في غيبتهم، فالتفقه والإنذار إنما هو عمل الطائفة الماكثة . وفي هذا التقسيم رعاية المصلحة في الجانبين .ويحتمل أن يكون المعنى: لتتفقه الطائفة النافرة الذين خرجوا مع النبي ﷺ – إلى الجهاد – في الدين بما يسمعونه منه من القرآن وبما يتعلمونه من أحكام الدين في الجهاد والحرب والتعامل وغيره ، وذلك في حال خروجه ﷺ بنفسه للجهاد، فيعلّمون قومهم الذين تخلفوا عن الجهاد لأعذار شرعية ، إذا رجعوا إليهم . والأول أولى .قال ابن عباس : هذه الآية مخصوصة بالسرايا، وهي خروج بعضهم إلى الغزو ، وبقاء البعض الآخر مع رسول الله ﷺ ، والتي قبلها – آية ١٢٠ – مخصوصة بالنهي عن تخلف واحد ، فيما إذا خرج النبي ﷺ بنفسه إلى الجهاد ، أي : مخصوصة بحالة النفير العام وخروجه ﷺ للقتال .وقال الضحاك : كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه ، لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه ، إلا أهل الأعذار ، وكان إذا أقام وأرسل السرايا ، لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه .و الفقه في اللغة : الفهم ، وفقه - بكسر القاف – الرجل فقهاً، أي: فهم، ويقال للعالم بالفقه : فقيه، وقد فقُه – بضم القاف – أي : صار فقيهاً.وقد روى الشيخان وأحمد عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ﷺ قال :«من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين».وفي الآية : فضيلة الفقه في الدين، وأن من تعلم علماً ، فعليه نشره وتعليمه بين الناس . و فيها : إرشاد إلى أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة، من يقوم بها، ويوفر وقته عليها ، ويجتهد فيها ، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم ، وتتم منافعهم ، وتكون وجهة جميعهم وقصد جمهورهم ، قيام مصلحة دينهم ودنياهم .

9:123Page 207

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣

O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.

١٢٣ – ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ﴾ أي: الأقرب فالأقرب منهم ، لأنـه إذا قاتــل الأقرب أولاً، تقوّى بمـا ينـال منه على الأبعـد ﴿وَلۡيَجِدُواْ﴾ أي: الكفار﴿فِيكُمۡ غِلۡظَةَٗۚ﴾ عليهم ، أي: شدة وشجاعة، وحمية وصبراً، وثباتاً في قتالكم لهم. كقوله تعالى (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)المائدة (٥٤) وقوله (أشداء على الكفار رحماء بينهم)الفتح(٢٩)، وقوله (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)التوبة(٧٣). ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصرة والتأييد . وهذا العموم في قوله : (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا ، وأنواع المصالح كثيرة .ثم إن الله لما أمرهم بقتال المشركين كافة ، أرشدهم إلى الطريق الأصلح، وهو أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب ، حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد ، لعدم تصوُّر القتال دفعة واحدة . ولهذا قاتل رسول الله ﷺ أولاً قومه ، ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ، ثم إلى قتال أهل الكتاب ، وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام، وتم فتحه في زمن الصحابه ، ثم إنهم انقلبوا إلى العراق ، ثم إلى سائر الأمصار .

9:124Page 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤

And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

١٢٤ – ثم بيّن تعالى حال المنافقين، وحال المؤمنين ، عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين ، فقال: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ﴾ من القرآن، فيها الأمر أو النهي، أو الخبر عن نفسه الكريمة ، وعن الأمور الغيبية، والحث على الجهاد .﴿فَمِنۡهُم﴾ أي : فمن المنافقين ﴿مَّن يَقُولُ﴾ بعضهم لبعض استهزاءً : ﴿أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ﴾ السورة المنزلة من القرآن ﴿إِيمَٰنٗاۚ﴾ وتصديقاً ؟ يقولون ذلك إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ حقـاً بالله ورسـوله ﴿فَزَادَتۡهُمۡ﴾ هذه السـورة النازلـة ﴿إِيمَٰنٗا﴾ بالله تعالى ، وتصديقاً بكتابه وأخباره، لما فيها من المواعظ والدلالات مقروناً بالعمل ، ويزيدهم ما فيها من التكاليف عملاً وجهاداً ، فيزداد إيمانهم بزيادة أعمالهم في طاعة الله .﴿وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ أي : يفرحون بنزولها ، وبما تشتمل عليه من المنافع الدينية و الدنيوية و بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين ، ويبشر بعضهم بعضاً بما منّ الله عليهم من العلم بآياته ، والتوفيق لفهمها، واعتقادها، والعمل بها ، رغبة في فعل الخير ، وانكفافاً عن فعل الشر. وهذا دليل على انشراح صدورهم لآيات الله ، وطمأنينة قلوبهم لها ، وسرعة انقيادهم وامتثالهم لما تحثهم عليه ، وتأمرهم به ، أو تنهاهم عنه .وفي الآية : دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده ، فيجدده وينميه بالطاعات والقربات .

9:125Page 207

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.

١٢٥ – ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي : شك ، ونفاق ، وفساد اعتقاد وكفر ﴿فَزَادَتۡهُمۡ﴾هذه السورة النازلة ﴿رِجۡسًا﴾ أي : شكاً وريباً، أو نفاقاً وكفراً مضموماً ﴿إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ﴾ أي : إلى شكهم وريبهم ، ونفاقهم وكفرهم ، لأنهم كلما جحدوا سورة أو آية ، أو استهزأوا بها ، ازدادوا فيما هم فيه من مرض القلوب، وفساد الاعتقاد ، فطبع الله على قلوبهم ﴿وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ﴾.وأصل الرجس : الشيء المستقذر ، وما هم فيه من شك ، وكفر ونفاق، أقذر من كل شيء !وهذا كقوله : (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمًى)فصلت(٤٤) فهذا من جملة شقائهم: أن ما يهدي القلوب ، يكون سبباً لضلالهم ودمارهم .

9:126Page 207

أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

١٢٦ – ﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ﴾ – بالياء – أي: هؤلاء المنافقـون [وفي قراءة: (أولا ترون) – بالتاء – أي : أيها المؤمنون] ﴿أَنَّهُمۡ﴾ أي : المنافقون ﴿يُفۡتَنُونَ﴾ أي : يختبرون ويبتلون، بالشدائد والبلايا ﴿فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ﴾ إما بالقحط والشدة ، أو بالأمراض والأوجاع والأسقام، أو بأمرهم بالغزو والجهاد مع رسول الله ﷺ. فالله يبتليهم بالسراء والضراء، وبالأوامر والنواهي، كما هي سُنّته في سائر الأمم. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عن نفاقهم وكفرهم ﴿وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي : يتعظون ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه . والآية : تعجيب من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق.

9:127Page 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٢٧

And whenever a sūrah is revealed, they look at each other, [as if saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allāh has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

١٢٧ – ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ﴾ على رسول الله ﷺ، فيها ذكرهم، تبيّن مخازي المنافقين وعيوبهم ، أو: ليؤمنوا بها ويعملوا بمضمونها، ﴿نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ﴾ أي: بعض المنافقين ﴿إِلَىٰ بَعۡضٍ﴾ قائلين : ﴿هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ﴾ من المؤمنين ؟ إنكارا للوحي وسخرية به ، ﴿ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ﴾ لواذاً متسللين ، وانقلبوا معرضين عن التذكرة وسماع الحق . أي: تولوا عن الحق وعما يقتضي الإيمان والهدى إلى ما يقتضي الكفر والنفاق، فجازاهم الله بعقوبة من جنس عملهم ، فكما انصرفوا عن الحق ﴿صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ عن الخير والرشد والهداية والتوفيق ، وصدهم عن الحق ، وخذلهم عن الإيمان. وهذا كقوله : ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾الصف﴿٥﴾.﴿بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ﴾ الحق، أي : بسببه، فهم لا يفهمون عن الله خطابه ومواعظه، استكباراً ونفاقاً ، ولا يتدبرون أمره لسوء استعدادهم ، وعدم تدبرهم و إنصافهم و فساد قلوبهم و سوء سريرتهم ، بل هم في شغل عن الحق ، ونفور منه . يقال : فقِه يفْقَه وفقُه يفقُه : إذا فهم وعلم .

9:128Page 207

لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you [i.e., your guidance] and to the believers is kind and merciful.

١٢٨ – ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ﴾ يا معشر العرب ﴿رَسُولٞ﴾ أرسله الله إليكم ﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ أي : منكم ومن جنسكم و بلغتكم تعرفون حاله وشأنه ، وتتمكنون من الأخذ عنه ، ولا تأنفون من الانقياد له . كقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام : (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم)البقرة(١٢٩) ، وقوله (لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم)آل عمران(١٦٤). وقال الزَّجَّاج: هي خطاب لجميع العالم ، أي : هو من جنس بني آدم، أرسل إليهم رحمة بهم. و الأول:وهو أن الخطاب في الآية للعرب، على رأي الجمهور ، أصوب، إذ المنة عليهم أعظم والحجة عليهم ألزم . وفي «صحيح مسلم» عن واثلة بن الأسقع ، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم».﴿عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ﴾ أي : شديد وصعب وشاق عليه عنتكم ومشقتكم ، يعز ويصعب عليه الأمر ، الذي يعنت أمته، ويشق عليها. فشريعته كلها سهلة سمحة، كاملة يسيرة ، على من يسرها الله عليه .يقال : عز عليه الأمر ، أي : صعب وشق عليه.والعنت : التعب والمشقة ، يقال: أكمة عنوت : أي : شاقه ، وفعله: عنِت ، كفرح .﴿حَرِيصٌ عَلَيۡكُم﴾ أي : على هدايتكم إلى الإيمان وتوبتكم ، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، يحب لكم الخير ، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ منكم أيها العرب، أو الناس، ﴿رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ أي شديد الرأفة والرحمة بهم ، يريد لهم الخير، ولا يريد لهم الشر ، فهو في غاية النصح لهم والسعي في مصالحهم . و الرأفة أخص من الرحمة، و لم يجمع الله هذين الاسمين من أسمائه إلا له ﷺ، قال تعالى : (إن الله بالناس لرؤوف رحيم)البقرة(١٤٣).وفي الحديث: عن أحمد في«مسنده»عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال:«ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار، كتهافت الفراش والذباب».ولذا كان حقه ﷺ مقدما على سائر حقوق الخلق ، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه وتوقيره وتعزيره .

9:129Page 207

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ١٢٩

But if they turn away, [O Muḥammad], say, "Sufficient for me is Allāh; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

١٢٩ – ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ عن الإيمان بك، وعما جئتهم به من الشريعة الكاملة الشاملة ، أي : أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ، ولم يتبعوك على أمرك ﴿فَقُلۡ﴾ يا محمد : ﴿حَسۡبِيَ ٱللَّهُ﴾ أي : كافيني الله ناصراً ومعيناً، يكفيني جميع ما أهمني ، ويعينني على أمري كله ، فهو كافيك وناصرك عليهم .﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ ﴾ أي : لا معبـود بحق سواه ، المتفرد بجميع معاني الإلهية والربوبية لجميع الخلق، سبحانه أن احتاج إلى الاعتماد على غيره ، أو الالتجاء إلى أحد سواه. ﴿عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ﴾ أي: اعتمدت و فوضت جميع أموري إليه ، ووثقت به لا بغيره ، في جلب ما ينفع ، ودفع ما يضر . ﴿وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ وخصه بالذكر لكونه أعظم المخلوقات. وإذا كان تعالى ربا للعرش الذي وسع المخلوقات كلها ، كان ربا لما دونه من باب أولى وأحرى . فهو مالك كل شيء وخالقه ، وجميع الخلائق في السموات والأرض ، وما بينهما، تحت العرش ، مقهورون بقدرة الله تعالى ، وعلمه محيط بكل شيء ، وقدره نافذ في كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل. روى ابن السُّني في «عمل اليوم والليلة» عن أبي هريرة قال :قال رسول الله ﷺ «من قال في كل يوم حين يصبح و حين يمسي : حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم ، سبع مرات ، كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا و الآخرة».روى أحمد عن ابن عباس عن أُبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى آخر السورة .انتهى تفسير سورة التوبة

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском