Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:15–29
9:15Page 189
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
١٥ - الخامسة: ﴿وَيُذۡهِبۡ﴾ الله بالقتال ﴿غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ﴾ أي: كربها، أو: غضبها و وجْدها الشديد، من الهم والغمّ، الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفّار من نقض للعهد، ونكث للمواثيق والأيْمان، وبما كابدوا من المكاره والمكايد. وفي الآية: دليل على محبة الله تعالى للمؤمنين من عباده، واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل من جملة المقاصد الشرعية: شفاء ما في صدورهم، وذهاب غيظهم وحنقهم. السادسة: ﴿وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ﴾ من هؤلاء المحاربين النّاكثين، بأن يوفقهم للدّخول في الإسلام، ويزيّنه في قلوبهم، و يُكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، كما وقع من بعض أهل مكّة- كأبي سفيان- يوم الفتح، فإنّهم أسلموا، وحسن إسلامهم. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يصلح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، يضع الأشياء مواضعها، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وفي الآية: بيان السبيل الموصل إلى النّصر، وهو «الجهاد» بعد العمل، وإعداد القوّة، وأخذ الأهبة، وما النّصر إلا من عند الله.
9:16Page 189
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
١٦ - ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ﴾ أي: بل أظننتم أيها المؤمنون ﴿أَن تُتۡرَكُواْ﴾ من غير أن تُبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، أو: أن تتركوا دون أن تؤمروا بقتال المشركين، أو: دون أن تُختبروا وتُمتحنوا بأمور يظهر فيها الصّادق من الكاذب ﴿وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ﴾ علم ظهور وتمييز وتبيين- يترتب عليه الثّواب والعقاب-المخلصين ﴿ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ﴾ في سبيله، لإعلاء كلمته، ونصرة دينه ﴿وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ﴾ أي: بطانة من المشركين، أو: دخيلة منهم، أو: أولياء يُفشون إليهم أسرارهم، ويداخلونهم في أمورهم، من غيرهم ممّن جاهدوا بدون إخلاص، واتّخذوا من المشركين بطانة و وليجة؟ فاكتفى بذكر أحد الفريقين عن الآخر. أي:أظننتم أن تُتركوا دون ابتلاء ولم يُظهر الله الذين جاهدوا منكم مع الإخلاص ولم يتّخذوا بطانة من المشركين من غيركم، ممّن جاهدوا بغير إخلاص واتّخذوا بطانة منهم، ولم يميز لكم هؤلاء من أولئك؟. والمعنى: كيف تحسبون وتظنون أنّكم تتركون هكذا، دون ابتلاء من الله، واختبار وامتحان منه، ولم يتبيّن المخلص منكم في جهاده، من غير المخلص، ولم يتميّز الذين لم يتّخذوا بطانة من المشركين، ممّن اتّخذوا دخيلة أو بطانة منهم، يُفشون إليهم بأسرارهم، ويُعلمونهم أمورهم، من دون الله ورسوله والمؤمنين؟. والخطاب في الآية: لمن شقّ عليه قتال المشركين من المؤمنين أو المنافقين، وبيان للحكمة في الأمر بقتالهم، وأنّها الامتحان والاختبار، والابتلاء والتمحيص. ونفي العلم في قوله: (ولمّا يعلم الله) مجازٌ عن نفي التبيين، والتمييز والإظهار، الذي يترتب عليه الثّواب والعقاب. والمراد بعلم الظهور والتمييز: إظهار وتبيين ما علمه الله تعالى أزلا من أمرهم و حالهم. وكلمة: (أم) بمعنى:«بل» التي للإضراب الانتقالي، وهمزة الاستفهام الإنكاري. و (لمّا) للنّفي مع توقّع الحصول. و (وليجة): أي: بطانة، من الولوج: وهو الدخول، ووليجة الرجل: من يداخله في باطن أموره، وهو صاحب سرّه ووليّه. وقوله: (و لم يتّخذوا) : معطوف على (جاهدوا)، داخل في حيّز صلة الموصول. ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ لا تخفى عليه منكم خافية، فيبتليكم بما تظهر به حقيقة ما أنتم عليه، ويجازيكم على أعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. وحاصل الآية: أنّه تعالى لمّا شرع لعبده الجهاد، بيّن الحكمة فيه: وهي اختبار العباد وامتحانهم، ليتميّز الطائع من العاصي، ويتبيّن الصّادق من الكاذب، ويظهر المؤمن الذي يتولّى الله ورسوله والمؤمنين، من المنافق الذي يتّخذ المشركين بطانة و وليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين. ونظير هذه الآية: قوله تعالى: (أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ٢ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ٣)العنكبوت(٢-٣). وقوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطّيب)آل عمران(١٧٩).
9:17Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
١٧ - ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ﴾ أي: ما صحّ لهم، وما استقام، أو: ما ينبغي لهم ﴿أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ التي بنيت على التوحيد بعباداتهم الشّركية، أو: بدخول المسجد الحرام والقعود فيه، أو: الخدمة فيه و الإرعاء عليه و العناية به ، أو زيارته، أو الإقامة فيه، حال كونهم ﴿شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ﴾ أي: مقرّين به على أنفسهم حالاً ومقالاً. أمّا الحال: فبإظهار ما هو كفر، من نصب الأوثان والأصنام، وعبادتها والسّجود لها، واتّخاذها آلهة مع الله. وأمّا المقال: فقولهم في طوافهم: «لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكا هو لك، تملكه وما ملك»، تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً. وقد كانوا يفتخرون بأنّهم عُمّار المسجد الحرام، وحجبة الكعبة وسدنتها، وأنّهم يَقْرون الحجيج، ويفكّون العاني- أي: الأسير- [وفي قراءة: بإفراد«مساجد»، أي: (أن يعمروا مسجد الله): وهو المسجد الحرام، وجاء بلفظ الجمع لأنّه قبلة المساجد كلّها، فعامره كعامرها]. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ أي: بطلت وذهبت أجورها، لكفرهم، ولم يبق لأعمالهم التي يفتخرون بها ويظنّون أنّها من أعمال الخير والبرّ- أثر، لعدم شرطها، وشرط قبولها، وهو الإيمان الصّحيح، ﴿وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون.
9:18Page 189
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
١٨ - ثمّ بيّن صفات من هم أهل لعمارة المساجد، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ بالرعاية والعناية والولاية و الخدمة والعبادة ﴿مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾ إيماناً كاملاً صادقــاً ﴿وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ وما فيـه من ثواب وعقاب ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ الواجبة و المستحبّة، قياماً بالظاهر منها والباطـن، مستـوفياً حقوقها وأركانها وشرائطها ﴿وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ﴾ لمستحقّيها وأربابها ﴿وَلَمۡ يَخۡشَ﴾ أحداً ﴿إِلَّا ٱللَّهَۖ﴾ فهؤلاء عمّار المساجد، وأهلها على الحقيقة، لا من كان خالياً منها. ﴿فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر من الصفات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ﴿أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ إلى كلّ خير. وكل «عسى» في القرآن فهي واجبة، و«عسى» من الله حقّ. وفي الآية: شهادة من الله تعالى بالإيمان لعمّار المساجد: ففي الحديث عند أحمد والترمذي وابن مردويه والحاكم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال:«إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد-وفي رواية الترمذي- يتعاهد المسجد- فاشهدوا له بالإيمان، قال تعالى: (إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) الآية». وروى الحافظ أبو بكر البزّار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:«إنّما عمّار المساجد هم أهل الله». فقد أثبت الله تعالى الإيمان لمن عمّر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها، وترميمها، وإصلاح ما وَهَى وضعف منها. أمّا بناء المساجد وإنشاؤها: ففي الصّحيحين عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: «من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنّة». وشرط أجر بناء المساجد: أن يكون بناؤه لله تعالى، لا رياء ولا سمعة. وأن يبنيه من مال حلال- غير الزّكاة- كما جاء مصرّحاً به في رواية البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ:«من بنى لله بيتاً، يُعبد الله فيه، من مال حلال، بنى الله بيتاً في الجنّة».
9:19Page 189
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
١٩ - سبب نزول الآية: روى مسلم وأبو داود وابن حبّان وابن مردويه وابن جرير، وعبد الرّزاق في «مصنّفه»، عن النّعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ، في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام، إلاّ أن أسقي الحاجّ، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله، خير ممّا قلتم، فزجرهم عمر بن الخطّاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ- وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة، دخلتُ على رسول الله ﷺ، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: ففعل، فأنزل الله: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام)الآية، أي: ليست السّقاية والعمارة وأمثالها، خيراً من الجهاد في سبيل الله بعد الإيمان.و روى القاضي يحيى بن يعمر العوفي عن ابن عبّاس في تفسير هذه الآية- قال: إنّ المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السّقاية، خير ممّن آمن وجاهد، فنزلت الآية ردّاً عليهم ﴿أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ﴾ أي: سقي الحجيج من ماء زمزم ﴿وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ بالخدمة والعبادة. والآية خطاب للمؤمنين، أو: للمشركين، كما تقدم في سبب النزول. و فيه:بيان أن الشرك محبط لأجر السقاية و العمارة، لفقد شرطه، و هو الإيمان. [وفي قراءة: (أجعلتم سُقاة الحاجّ وعَمْرَة المسجد الحرام) أي: أهل السّقاية والقائمين بالعمارة] ﴿كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ﴾ في الفضل والدّرجات. والمعنى: أتسوّون أهل سقاية الحجيج، وعمارة المسجد الحرام، والقائمين به، بمن آمن بالله، واليوم الآخر، وأخلص العبادة لله، وجاهد في سبيله بالنّفس والمال؟ اللهمّ كلاّ. فالإيمان بالله والجهاد في سبيله أفضل في ميزان الله، من سقاية الحاجّ، وعمارة المسجد الحرام، لأنّ الإيمان أصل الدّين، وشرط قبول الأعمال، والجهاد في سبيل الله، ذروة سنام الدّين. أمّا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فهي وإن كانت أعمالاً صالحة، إلا أنّها متوقّفة على الإيمان بالله، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد. ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر إلى جهة الفضل وموضع الخير، إذ قد طمس على قلوبهم، فلم تغنِ عنهم سقاية الحاجّ، ولا عمارة المسجد الحرام شيئاً. ثمّ صرّح بالفريق الفاضل، وبيّن فضلهم وعظم منزلتهم عند الله، فقال:
9:20Page 189
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
٢٠ - ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله ورسوله ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ أوطانهم نصرة لدين الله ﴿وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ﴾ إعلاءً لكلمة الله، أي: فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس ﴿أَعۡظَمُ دَرَجَةً﴾ أي: رتبة ومنزلة ﴿عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ من غيرهم من أهل السقاية والعمارة ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتصفون بما ذكر ﴿هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ أي: الظافرون بكل خير، في الدنيا والآخرة، النّاجون من كل شرّ.
9:21Page 190
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
٢١ - ﴿يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم﴾ فضلاً منه ونعمة، في كتابه المنزّل على رسوله، [وفي قراءة: بفك التّشديد: (يَبْشُرُهم ربّهم)] ﴿بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ﴾ [وفي قراءة: بضم الراء: (و رُضوان)] فـلا يسخط عليهم أبـداً ﴿وَجَنَّٰتٖ﴾ أي: و بساتين ناضرة ﴿لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ﴾ ثابت دائم مستمر، لا يزول ولا يفنى، من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.و في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا:«أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
9:22Page 190
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
٢٢ - ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ﴾ أي: في تلك الجنّات ﴿أَبَدًاۚ﴾ أي: ماكثين فيها مُكثاً دائماً لا نهاية له ولا حدّ، لا ينتقلون ولا يبغون عنها حولاً ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ لا يحول، ولا يزول.
9:23Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
٢٣ - ونزل فيمن ترك الهجـرة، لأجـل أهله وتجارتـه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ﴾ وهم أقرب النّاس، فغيرهم من باب أوْلى وأحرى، لا تتّخذوهم ﴿أَوۡلِيَآءَ﴾ أي: أعواناً ونصراء، أو بطانة تطلعونهم على أسراركم ﴿إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ﴾ أي: اختاروا ﴿ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ﴾ وأقاموا عليه. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أنفسهم باتّخاذهم أعداء الله أولياء وبطانة،أو: بإيثارهم المكث بين الكفار على الهجرة إلى دار الإسلام، أو: بوضعهم الموالاة في غير الموضع الذي أمر الله به. وأصل الولاية: المحبّة والنّصرة. وفي الآية: الأمر بمباينة الكفّار وإن كانوا آباء أو إخواناً أو أبناء، والنّهي عن موالاتهم، إن استحبوا الكفر على الإيمان وأقاموا عليه. ونظير هذا قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)المجادلة(٢٢). وقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال:«ثلاث من كنّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النّار».
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
٢٤ - ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ﴾ ومثلهم في الحكم، أمّهاتكم ﴿وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ﴾ في النّسب والعشيرة ﴿وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ﴾ [و في قراءة: بالجمـع: (وعشيراتكم)] أي: وقــراباتكم عمــوماً ﴿وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها وأصبتموها. وخصّها بالذكر، لأنّها أرغب عند أهلها، وصاحبها أشدّ حرصاً عليها، ممّن تأتيته الأموال بغير كسب ولا كدّ ولا تعب. ﴿وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا﴾ أي: بوارها وعدم نَفاقها، بفوات وقت رواجها وبيعها، بسبب الهجرة أو مفارقة الأوطان، أو الغياب عن أيّام المواسم. وهذا شامل لجميع أنواع التجارات والمكاسب، من عروض وأمتعة، وغير ذلك. مصدر كَسَد الشيء- من باب: نصر وكرُم- كساداً وكُسوداً: لم يَنْفُق، فهو كاسد وكسيد: أي غير رابح. ﴿وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ﴾ أي: تحبونها، وتعجبون لها، وتميل إليها نفوسكم، لطيبها وحسنها، وموافقتها لأهوائكم، أي: إن كانت هذه الأشياء كلها ﴿أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ﴾ فقعدتم لأجلها عن الهجرة والجهاد في سبيل الله، واشتغلتم بها عن حقّ الله تعالى، وامتثال أوامره. وفي الحديث:«لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ أي: فانتظروا ﴿حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ وقضائه فيكم، وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، عاجلاً أو آجلاً ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته، المقدّمين على محبّة الله ورسوله شيئاً مما تقدم. وفي الآية: وجوب محبّة الله ورسوله، وتقديمها على محبّة كل شيء. وفي هذا تهديد أكيد و وعيد شديد، لمن آثر محبّة ما ذُكر على محبّة الله ورسوله. ففي الصّحيح أن رسول الله ﷺ قال:«والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده و ولده والنّاس أجمعين» وعند أحمد والبخاري أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطّاب:«لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه». وفي الآية- أيضاً- إنذار عظيم لمن تخلّف عن الجهاد بأعذار واهية، فعند أحمد وأبي داود، واللّفظ له، عن ابن عمر مرفوعاً، قال: قال رسول الله ﷺ:«إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم- وفي رواية:- حتّى تراجعوا دينكم». وفي الآية- أيضاً- دليل على أنّه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدّين، مع مهمّات الدنيا، وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا، ليبقى الدّين سليماً معافى، وهذا موطن تزلّ فيه الأقدام.
9:25Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
٢٥ - ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ على أعدائكم ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ أي: في مواقع للحرب ﴿كَثِيرَةٖ﴾ كبدر وقريظة، وخيبر، ومكّة، بالرغم من ضعفكم و قلّتكم و كثرة و قوة عدوكم ﴿وَ﴾ نصركم ﴿يَوۡمَ حُنَيۡنٍ﴾ على هوازن وثقيف. و «حنين»: اسم واد معروف بين مكّة والطّائف. وكانت الغزوة في شوّال من السنة الثّامنة للهجرة، وذلك بعد فتح مكّة، في رمضان من السّنة نفسها، وكان عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، وعدد الكفار من هوازن وثقيف، أربعة آلاف. ﴿إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ﴾ فقلتم: لن نُغلب اليوم من قلّة-رواه البيهقي- فوُكلتم إلى أنفسكم ﴿فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ﴾ كثرتكم ﴿شَيۡـٔٗا﴾ من قضاء الله قليلاً، ولا كثيراً، أي: فلم تنفعكم تلك الكثرة، شيئاً من النّفع، في أمر العدوّ وقتالهم مع كثرتكم و قلّتهم. من الغَناء: وهو النّفع، تقول: ما يغني عنك هذا، أي: ما يجزئ عنك وما ينفعك. ﴿وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ﴾ مـن الخوف والوجل ﴿بِمَا رَحُبَتۡ﴾ أي: برحبتها وسعتها. فالأرض مع كونها رحبة واسعة الأطراف، إلا أنّها ضاقت عليهم، لمّا أصابهم ما أصابهم من الهمّ والغمّ، والخوف والوجل. ﴿ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ أي: منهزمين، وثبت النّبي ﷺ على بغلته البيضاء، وثبت معه طائفة يسيرة من أصحابه: منهم أبو بكر، وعمر، وعمّه العبّاس ابن عبد المطّلب، وابن عمّه أبو سفيان المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب ، ففي الصّحيحين عن البراء بن عازب قال: إن هوازن كانوا قوماً رماة، فلمّا لقيناهم وحملنا عليهم، انهزموا، فأقبل النّاس على الغنائم، فاستقبلونا بالسّهام، فانهزم النّاس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء، وهو يقول:«أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب».وكان النّبي ﷺ- لمّا فتح مكّة- بلغه أنّ هوازن وثقيف اجتمعوا لحربه، فسار إليهم في أصحابه الذين فتحوا مكّة، وممّن أسلم من الطّلقاء، من أهل مكّة، فكانوا اثني عشر ألفاً، والمشركون من هوازن وثقيف أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلّة، فلمّا التقوا، هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلاّ نحو مائة رجل من أصحابه، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وأمر ﷺ عمّه العبّاس أن ينادي في المهاجرين والأنصار:«يا أصحاب الشّجرة، يا أصحاب السّمرة، يا أصحاب سورة البقرة»، فلمّا سمعوا صوته، عطفوا عليه عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزمهم الله هزيمة نكراء، واستولى المسلمون على سبيهم وأموالهم. وفي الآية: بيان أن النّصر من عند الله بتأييده وتقديره لا بكثرة عدد ولا عُدد، كقوله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)البقرة(٢٤٩).
9:26Page 190
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ﴾ أي: طمأنينته، وثباته وأمنته، ورحمته، التي تسكن إليها القلوب وتقوى العزائم، وتطمئن اطمئناناً يستتبع النّصر القريب ﴿عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ الذي معه، ممّن ثبت منهم ورجع بعد نداء العبّاس بن عبد المطّلب، فقاتلوا. والسكينة: من السّكون: وهو الثّبوت بعد التّحرك، أو: من السّكن: وهو زوال الرّعب. ﴿وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ وهم الملائكة، أنزلهم الله يوم حُنين معونة للمسلمين، يثبتونهم ويبشرونهم بالنّصر. ﴿وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ بالهزيمة والقتل والأسر، وأخذ الأموال، وسبي الذّرية ﴿وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ يعذّبهم الله في الدنيا، بالقتل والأسر وغير ذلك، ثمّ يردّهم في الآخرة إلى عذاب غليظ.
9:27Page 191
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾ التّعذيب بالقتل والأسر و السّبي ﴿عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ﴾ منهم بالإسلام هداية وتوفيقاً، وقد تاب الله على بقية هوازن، فأسلموا، وقدِموا على رسول الله ﷺ مسلمين تائبين، فردّ عليهم سبيهم، وقسّم الأموال بين الغانمين. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ للتّائبين من الكفر والمعاصي ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم، بتوفيقهم للتّوبة والطّاعة، ثمّ قبولها منهم. فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
٢٨ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ أي: قذر، لخبث باطنهم، وخبث عقائدهم وأعمالهم وفسادها. مصدر نَجِس الشيء يَنْجسَ: إذا كان قذراً غير نظيف. وأخبر عنهم بالمصدر مبالغة، كأنهم عين النّجاسة. والمراد بالنجاسة هاهنا: النّجاسة المعنوية، لا الحسّية العينية، وهي نجاسة الشّرك، والكفر، والظلم، والصّد عن سبيل الله، والسّعي بالإفساد في الأرض، فالكافر ليس بنجس الذّات أو البدن، بدليل أنّ الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يُأمر المسلم بغسل ما أصاب منها، وكذا أحلّ طعامهم، وثبت عن النّبي ﷺ أنّه أكل في آنيتهم، وشرب منها، وتوضّأ فيها، وأنزلهم في مسجده، والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفّار، ولم يُنقل عنهم أنّهم تقذّروا منها، تقذّرهم من النّجاسات. وعليه: فإن كان الإيمان والتوحيد طهارة، فالكفر والشّرك نجاسة. و «المشركون» في الآية عامّة لكلّ مشرك وكافر من أهل الكتاب وغيرهم.و قيل: بل هي للمشركين دون أهل الكتاب. قلت: و هو ظاهر القرآن.﴿فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ﴾ أي: فلا يدخلوا الحرم المكّي كلّه، ومنه المسجد الحرام، ولو لحجّ أو عمرة، فليس لهم أن يحجّوا البيت الحرام أو يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهلية. أمّا غير المسجد الحرام من المساجد، فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كلّ مسجد، لأنّهم نجس، والمساجد طاهرة مطهرة. والمراد بنهي المشركين عن أن يقربوا المسجد الحرام في الآية: هو نهي المسلمين عن أن يمكّنوهم من ذلك. ﴿بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ﴾ أي: عام تسع من الهجرة، وهو العام الذي بعث فيه رسول الله ﷺ عليّاً بصحبة أبي بكر، وأمره أن يؤذّن يوم الحجّ الأكبر ب «براءة» وينادي في المشركين:«أن لا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». فأتمّ الله ذلك، وحكم به شرعاً وقدراً. فكان منع المسلمين للمشركين من دخوله ابتداءً من سنة عشر للهجرة. ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ﴾ أيها المسلمون ﴿عَيۡلَةٗ﴾ أي: فقراً وحاجة وفاقة، بانقطاع تجارة المشركين عنكم، بسبب منعهم من قربان المسجد الحرام، ودخول أرض الحرم، إذ كانوا يأتون في الموسم للمتاجر. يُقال: عال يعيلُ عيلةً وعُيولاً: إذا افتقر، فهو عائل. وكان المشركون يجيئون إلى البيت بالطّعام، يتّجرون فيه، فلمّا نزل قوله تعالى: (إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) شقّ ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطّعام وبالمتاع، فأنزل الله: (وإن خفتم عيلة) الآية. ﴿فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ﴾ وجزيل عطائه ﴿إِن شَآءَۚ﴾ وقد أغناهم بالفتوح والفيء والغنائم والجزية، وأفضل عليهم كثيراً، وبسط لهم من الأرزاق ما عوّضهم به عن قطع تلك الأسواق والمواسم والتجارات، وما كانوا به سادة أغنياء. وتعليق «الإغناء» بالمشيئة في الآية، لأنّ الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا من توابع محبّة الله، فإنّ الله يُعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولكن لا يُعطي الإيمان والدّين إلاّ من يحبّ. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بما يصلحكم ﴿حَكِيمٞ﴾ فيما يأمر به، وينهى عنه، فهو الكامل في أقواله وأفعاله، العادل في خلقه وأمره، يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها.
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
٢٩ - ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَــوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ وما فيه من حساب وجزاء، إيماناً صحيحاً يصدّقونه بأفعالهم وأعمالهم. والآية: أمر بقتال الكفّار من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، بعد الأمر بقتال المشركين، بسبب أنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وذلك لعدم إيمانهم بمحمّد ﷺ. و هل يُقاتلون لكفرهم أو لدفع ضررهم: على قولين، و الثاني اختيار ابن تيمية. و هو المترجح عندي.﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ كالخمر والرّبا والخنزير، وغير ذلك من المحرّمات، فإنّهم مخاطبون بفروع الشّريعة بعد الإيمان والاعتقاد، وسيعذّبون عليها زيادة على عذاب الكفر برسالة الإسلام. ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ﴾ وهو: دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، الثّابت النّاسخ لما سبقه من شرائع سماوية. فهُم وإن زعموا أنّهم على دين، فإنّه دين غير الحقّ، لأنّه إما دين مبدّل، وهو الذي لم يشرعه الله أصلاً، أو دين منسوخ، قد شرعه الله، ثمّ غيّره بشريعة محمّد ﷺ، فالتّمسك به بعد النّسخ غير جائز ولا مقبول. ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ وهم: اليهود والنّصارى، وهذا الأمر بالقتال متعيّن إن لم يسلموا، وغايته: ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ﴾ وهي: ما قُدّر عليهم من المال، نظير كفّ المسلمين عن قتالهم وحمايتهم لهم، وإقامتهم بين ظهرانيهم- أي: في دار الإسلام- آمنين على أنفسهم وأموالهم. وهذا المال يؤخذ منهم كلّ عام، كلٌّ بحسب حاله، من غني، وفقير، ومتوسّط الحال. والجزية: من الجزاء، بمعنى: القضاء كقولهم: جزى فلان ما عليه: إذا قضاه. أو من المجازاة بمعنى: المكافأة، لأنّهم يجزون المسلمين عن الإحسان إليهم بذلك. وإعطاء الجزية يكون: ﴿عَن يَدٖ﴾ مواتية غير ممتنعة، أي: عن طوع وانقياد واستسلام، أو: عن قهر وقوّة وغلبة، أو: عن سعة و قدرة، أو: بمعنى الجارحة الحقيقية، أي: بأيديهم، لا يوكّلون بها أحداً ﴿وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ أي: أذلاء، مهانون، منقادون لحكم الإسلام وسيادته. فالذّمّي يعطي الجزية حال كونه ذليلاً صاغراً، طائعاً منقاداً لحكم الإسلام. وأصل اليد: الجارحة، كُنيّ بها عمّا ذُكر، يقال: أعطى فلان يده، إذا سلّم وانقاد، لأنّ من أبى، لا يُعطى يده. فإذا أعطى أهل الكتاب الجزية عن يد وهم صاغرون، وكانوا تحت حكم المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من فتنتهم وشرّهم، واستسلموا لشروط المسلمين بما ينفي عزّهم وتكبّرهم، ويُوجب ذلّهم وصغارهم، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلاّ فإن لم يفوا بشروطهم، ولم يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لم يجز إقرارهم بالجزية، ويقاتلون حتى يُسلموا.فائدة واختُلف في أخذ الجزية: هل تكون من أهل الكتاب أو من سائر الكفّار على أقوال: الأوّل: استدلّ الجمهور بهذه الآية: على أنّه لا تُؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأنّ الله لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم، وأُلحق بأهل الكتاب، في أخذ الجزية، وإقرارهم في ديار المسلمين: المجوس، فإن النّبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هَجر، ثمّ أخذها عمر بن الخطاب من الفرس المجوس. الثّاني: وذهب غيرهم: إلى أنّه لا تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، كسائر الكفّار والمشركين، بل يُقاتلوا حتى يسلموا، والآية تردّ عليهم. الثالث: وذهبت طائفة: إلى أنّ الجزية تؤخذ من سائر الكفّار، من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، لأنّ هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال مشركي العرب، والشّروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم، فيكون هذا القيد- وهو: أخذ الجزية- إخباراً بالواقع، لا مفهوماً له، واستدلّوا على ذلك:بأن المجوس أُخذت منهم الجزية، وليسوا أهل كتاب. وبأنّه قد تواتر عن رسول الله ﷺ قوله لأمراء البعوث والسّرايا: أن يدعو من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث خصال:«إمّا الإسلام، أو: أداء الجزية، أو: السّيف»، من غير فرق بين كتابي وغيره. قلت: وما ذهب إليه الجمهور أوْلى عندي ، لقوة دليله.و الله تعالى أعلم. قوله: (ولا يدينون دين الحقّ): فالدين الحقّ هو الإسلام، الذي جاء به الرسل جميعاً إلى قومهم، فهو دين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد، وغيرهم، عليهم الصلاة والسّلام. وعليه: ف «اليهودية» ليست ديناً سماوياً، إنّما هي انحراف عن دين موسى، وضعها أحبار اليهود من بعده، و«النّصرانية» ليست ديناً سماوياً كذلك، إنّما هي انحراف عن دين عيسى، وضعها رؤساء الكنيسة وكهنتها من بعده، فاليهود والنّصارى ليسوا أصحاب دين سماويّ، بل هم «أهل كتاب سماويّ» قال تعالى: (إنّ الدّين عند الله الإسلام)آل عمران(١٩)، وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)آل عمران(٨٥). فإطلاق الأديان السّماوية، مراداً بها: اليهودية والنّصرانية، مع الإسلام، غير جائز، ولكن يُقال: «الشّرائع السّماوية»، فيما جاء به الرّسل من الشّريعة، فالشرائع تختلف أحكامها من عصر إلى عصر، قال تعالى: (لكلّ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجاً)المائدة(٤٨)،أمّا الدّين فواحد، و هو الإسلام.هذه الآية فيها حكم قتال أهل الكتاب المتصفين بما تقدم ، و الغاية التي تنتهي إليها: هي إعطاء الجزية عن يد. فإن بدَرَ منهم ما يوجب القتال من نقض للعهد أو إثارة لعدوّ أو معونته أو الإغارة على المسلمين في ديارهم أو منعهم من نشر دعوة الإسلام، وجب قتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون .و أما الآية (٥) من هذه السورة: ففيها حكم قتال مشركي العرب، و غايتهم: الإسلام أو السيف، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يقبل منهم إلا الإسلام وحده.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences