Al-Jami' al-WajizAt‑Tawbah · 9:41–59

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:41–59

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

٤١ - ﴿ٱنفِرُواْ﴾ أي: اخرجوا للقتال في سبيـل الله ﴿خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ على أية حال كنتم، أي: على الصّفة التي يخفّ عليكم الجهاد فيها، وعلى الصّفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها. جمع خفيف وثقيل. أي: اخرجوا على كلّ حال في المنْشط والمكره، والعسر واليسر ،والقوّة والضّعف، والصّحة والمرض، والقلّة والكثرة. وقيل: نِشاطاً وغير نِشاط، أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، شباباً وشيوخاً، رجالاً وفرساناً، مشاة وركباناً، مشاغيل وغير مشاغيل، من لا عيال له، ومن له عيال، من لا ظهر له، ومن له ظهر. ﴿وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنّفس. وفي الآية: دليل على أنّه كما يجب الجهاد في النّفس، فإنّه يجب في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت إليه. ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: الأمر بالنّفير العام والجهاد بالنّفس والمال ﴿خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ في الدنيا والآخرة، أي: هو خير عظيم في نفسه، أو: خير من السّكون والدّعة والقعود عنه ﴿إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أنّه خير لكم، فلا تتثاقلوا عنه. وفي الآية: ترغيب في النّفقة في سبيل الله، وبذل المهَج في مرضاته ومرضاة رسوله ﷺ. والجهاد في سبيل الله فرض كفاية، فإن كان لا يقوم بالعدوّ إلا جميع المسلمين، في قطر من الأرض، أو أقطار منها، وجب عليهم ذلك وجوب عين. وفي الصّحيح: أنّ رسول الله ﷺ قال:«تكفّل الله للمجاهد في سبيله إن توفّاه أن يدخله الجنّة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة».فائدةوعموم الأمر بالنّفير والخروج للجهاد، مقيّد في قوله تعالى: (ليس على الضّعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله)التّوبة(٩١). فأسقط الله تعالى الجهاد، عن الذين لهم عذر، كالضعفاء والمرضى، والزَّمْنى ، والهرْمى، والذين لا يجدون نفقة الخروج في سبيل الله، وجعل لهم ثواب المجاهدين، إذا كانوا يتمنّون الخروج لو استطاعوا:فقد أخرج مسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا مع النّبي ﷺ في غزاة، فقال:«إنّ بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض». وروى البخاري عن أنس بن مالك، قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النّبي ﷺ، فقال:«إن أقواماً خلفنا بالمدينة، ما سلكنا شِعباً ولا وادياً، إلا وهم معنا، حبسهم العذر». وأما من منعهم العذر عن الجهاد، وكان موسراً، فإنّه يجب عليه أن يجاهد بماله، فمن جهز غازياً في سبيل الله بما يحتاج إليه من العدّة والمؤونة، نال ثواب الجهاد، وكُتب مع المجاهدين، فقد روى الشيخان عن زيد بن خالد، أنّ رسول الله ﷺ قال:«من جهّز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير، فقد غزا». أي: ومن صان غيبته في عرضه وماله، ورعى أسرته وساعدها ، فقد غزا.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

٤٢ - ونزل في المنافقين الذي تخلّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، واستأذنوه في القعود عنها بأعذار كاذبة، فأذن لهم: ﴿لَوۡ كَانَ﴾ ما دُعوا إليه من الخروج ﴿عَرَضٗا قَرِيبٗا﴾ أي: نفعا و غُنما سهل المأخذ قريب المنال، من منافع الدنيا ومتاعها ﴿وَ﴾ كان السّفر ﴿سَفَرٗا قَاصِدٗا﴾ أي: متوسطاً بين القرب والبعد، أو: سهلاً، لا عناء فيه ولا مشقّة. ﴿لَّٱتَّبَعُوكَ﴾ طلباً للغنيمة، ولخرجوا معك طمعاً في المنافع الدنيوية التي تصل إليهم.والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. والسّفر القاصد: الوسط بين القرب والبعد، وكلّ متوسط بين الإفراط والتفريط، فهو قاصد، أي: ذو قصد، لأنّ كل واحد يقصده. والقاصد والقصد: المعتدل. ﴿وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ﴾ أي: طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السّفر الذي نُدبوا إليه، فتثاقلوا عنك، وتخلّفوا عن الخروج معك يوم«تبوك». والشّقة: المسافة التي تُقطع بمشقّة، وتطلق على النّاحية، يقصدها المسافر، وتلحقه المشقة في الوصول إليها، وعلى السّفر البعيد. ﴿وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ لكم إذا رجعتم إليهم، وهم: المتخلفون عن الخروج إلى غزوة تبوك معتذرين بالعجز قائلين: ﴿لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا﴾ الخروج، وقدرنا عليه، ووجدنـا مـا نحتاج إليـه فيه، ممّا لا بدّ منــه ﴿لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ﴾ ولكن لنا أعذار منعتنا من ذلك. قال تعالى رادّاً عليهم: ﴿يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ﴾ بالحلف الكاذب، والإخبار بغير الواقع والقعود، والتخلف عن رسول الله، أي: يوجبون على أنفسهم الهلاك بحلفهم بالله كاذبين، ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ في حلفهم وأيمانهم وقولهم: إنّهم ذوو أعذار، فقد كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان تركه تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة منهم في الجهاد.

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

٤٣ - وكان ﷺ قد أذن لجماعة في التخلف عنه، في غزوة «تبوك»، باجتهاد منه، فنزل عتاباً له، وقدّم العفو على المعاتبة، تطميناً لقلبه فقال: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾ يا محمّد، أي: سامحك وغفر لك إذنك لهؤلاء المتخلفين عن الجهاد، بمجرد اعتذارهم، وتعلّلهم بعللهم. وقيل: بل تجاوز الله عنـك في ذلك ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ﴾ في التخلّف عنك وعن الجهاد، وهلا تركتهم وتأنّيت في الإذن لهم، وتريّثـت لمّا استأذنـوك ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ في أعذارهم ﴿وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ منهم في ذلك.

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

٤٤ - ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ في التخلف والقعود عن ﴿أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ﴾ بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير تردّد، ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك، فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلّف من غير عذر، ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ﴾ وهم الذين لم يستأذنوا في التخلف والقعود عن الجهاد.

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

٤٥ - ﴿إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ﴾ في التخلف عن الجهاد، والقعود عنه- ممّن لا عذر له- ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ ولا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، وهم المنافقون ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾ أي: وشكّت في صحة ما جئتهم به من وحدانية الله تعالى ووعده و وعيده. وذكْر الإيمان بالله واليوم والآخر، لأنّهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله. ﴿فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ﴾ أي: في شكهم الذي حلّ بقلوبهم وعدم يقينهم بالله ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يتحيّرون، لا مع المؤمنين ولا مع الكفار. وأصل معنى التردّد: الذهاب والمجيء، واستعمل في التحير مجازاً أو كناية، لأنّ المتحيّر لا يقرّ في مكانه.

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

٤٦ - ﴿وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ﴾ معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ﴾ أي: لتأهبوا له أهبة، من الأخذ بالأسباب وتحصيلها قبل وقت الغزو، ولاستعدّوا له بما يلزمهم من الزّاد والرّاحلة والمال، والآلة والعتاد والسّلاح. فلمّا لم يعدّوا لذلك عدّته، عُلم أنّهم ما أرادوا الخروج حقيقة، ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ﴾ قدراً،على الوجه اللائق بجلاله و كماله، أي: كره نهوضهم للخروج معكم بنشاط وهمّة ﴿فَثَبَّطَهُمۡ﴾ عن الخروج معك، قضاءً وقدراً، أي: منعهم وحبسهم وعوّقهم عن الخروج معك، وخذلهم وثقّلهم وشغلهم عنه بالجبن والكسل، مع أمرهم به شرعا.يقال: ثبّطه تثبيطاً: قعد به عن الأمر وعوّقه عنه، وشغله عنه، ومنعه، تخذيلاً، ونحوه. ﴿وَقِيلَ﴾ لهم قدراً، أو من رسوله ﷺ: ﴿ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ من المرضى والضعفاء والنّساء والصبيان وأولي الضرر. وفيه من الذّم لهم، والإزراء عليهم، والتنقّض بهم، ما لا يخفى. والمراد: أنّ الله تعالى قدّر ذلك كلّه، بحكمته ومشيئته، وأوقع في قلوبهم القعود، خذلاناً لهم، لعلمه أزلاً بحالهم. ثمّ ذكر الحكمة في ذلك، مبيناً وجه كراهيته تعالى لخروجهم مع المؤمنين، فقال:

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

٤٧ - ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا﴾ أي: شرّاً وفساداً، أو: عجزاً وجبناً، أو: فتنة وإضراراً، أو: ضعفاً ونقصاً و اضطرابا في الرأي و فسادا في العمل، بتخذيلكم لأنهم جبناء مخذِّلون.وأصل الخبال: اضطراب ومرض يؤثر في العقل، كالجنون. أو: هو الاضطراب في الرأي. ﴿وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ﴾ أي: ولسعوْا بينكم مسرعين بالنمائم وإذاعة قالة السوء وإفساد ذات البين، أو: لأسرعوا السير بينكم بالنميمة، والبغضاء، وفساد ذات البين. من الإيضاع: وهو في الأصل: سرعة سير الإبل، يقال: أوضعت الناقة: إذا أسرعت في سيرها، وأوضعتُها أنا: حملتها على السير بسرعة، فيستعمل لازماً ومتعدياً. والخلال: جمع خَلل: وهو الفرجة بين الشيئين، واستعمل ظرفاً بمعنى: بين. ومفعول الإيضاع محذوف، تقديره: النمائم. ﴿يَبۡغُونَكُمُ﴾ أي: يطلبون لكم ﴿ٱلۡفِتۡنَةَ﴾ بإلقاء العداوة وإيقاع الاختلاف فيما بينكم، وبما يصنعونه من التحريش والإفساد، وبما يختلقونه من الأكاذيب المرجفة، الموجبة لفساد ذات البين. أي: باغين وطالبين لكم ما تُفتنون به من الخُلف فيما بينكم، وتهويل أمر العدو عليكم، وإلقاء الرعب في قلوبكم. يقال: ابغني كذا، وابغ لي كذا، أي: اطلبه لأجلي. ﴿وَفِيكُمۡ﴾ أنـاس مـن ضعـاف العقل والإيمـان ﴿سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ﴾ ما يقولون من الكذب، سماع قبول، أي: مطيعون لهم، مستحسنون لحديثهم، وكلامهم، مستجيبون لدعوتهم، مغترون بهم، يتوهمون منهم النصح والإعانة، وهم يريدون التخذيل والفتنة، فينشأ من ذلك وقوع شر بين المؤمنين، وفساد كبير. وكان هؤلاء المتخلفون سادةً في الأوس والخزرج، ك «عبد الله بن أُبيّ بن سلول»، و «الجدّ بن قيس»، وكان في الخارجين مع رسول الله ﷺ من الأنصار، من يستمع لهم ولقولهم، لما لهم من المهابة والشرف في قومهم. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: ما كان وما يكون منهم، لو خرجوا معكم، فلذلك اقتضت حكمته البالغة ألا يخرجوا معكم، فثبّطهم، لعلمه بهم وبما ينشأ عن كذبهم وأراجيفهم من فساد واختلاف بين المؤمنين.و في الآية: تسلية للمؤمنين عن تخلّف المنافقين عنهم ، و أن المصلحة في ذلك.فائدةو«النّميمة»: نقل الكلام بين النّاس على جهة الإفساد و قصده. وناقله:«نمّام»وهو الذي يمشي بين النّاس بالنّميمة. وهي من كبائر الذنوب، لما ورد فيها من الوعيد الشديد: ففي الصّحيحين عن رسول الله ﷺ:«لا يدخل الجنّة نمّام». وهي- أيضاً- من أسباب عذاب القبر: ففي الصّحيحين - أيضاً - واللفظ للبخاري- عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ مرّ بقبرين فقال:«إنّهما ليعذّبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنّميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستتر من بوله». و أما نقل الكلام على سبيل الإصلاح بين النّاس، فجائز، لما في الصّحيحين من حديث رسول الله ﷺ قال:«ليس الكذاب الذي يُصلح بين النّاس، فينمى خيراً- أي: يبلغ خيراً على وجه الإصلاح- أو يقول خيراً».

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

٤٨ - ﴿لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ﴾ لك ﴿ٱلۡفِتۡنَةَ﴾ أي: التمسوها لك ولأصحابك وطلبوا الإفساد والخبال، وتفريق كلمة المؤمنين، وتشتيت شملهم، ليصدّوهم عن دينهم، ويخذلوهم عنك ﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل غزوة تبوك، و ذلك أول ما قدمت المدينة. ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ﴾ أي: صرّفوها من أمر إلى آخر، لعل شيئاً منها يؤثر فيك، فيبطل عزمك، ويوهن أمرك، أو: دبّروا لك الحيل والمكائد، أي: أداروا أفكارهم، وأجالوا آراءهم، وأعملوا كيدهم ومكرهم، في إبطال دينك، وخذلان دعوتك، والتخذيل عنك. ﴿حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: النّصر لك ولحزبك، و التأييد لأمرك. ﴿وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ بإعزاز دينه، وإعلاء كلمته، ونصرة شريعته، وقهر أعدائه ﴿وَهُمۡ كَٰرِهُونَ﴾ ذلك، فكلما أعز الله الإسلام وأهله، ساءهم ذلك، فدخلوا في الإسلام ظاهراً، لأنّ عزّة دين الله كانت على رغم منهم.

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

٤٩ - ﴿وَمِنۡهُم﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَّن يَقُولُ﴾ لرسول الله ﷺ: ﴿ٱئۡذَن لِّي﴾ في التخلف عن الجهاد والقعود في المدينة ﴿وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ﴾ بالخروج معك. قيل: إنّ القائل لذلك هو: الجدّ بن قيس، وكان رأساً في المنافقين، زعم أنّه مغرم بالنّساء، ويخشى إذا رأى نساء بني الأصفر- أي: نساء الرّوم- أن يفتتن بهنّ. فعن ابن عبّاس، أنّ رسول الله ﷺ لما أراد الخروج إلى تبوك، قال للجدّ ابن قيس:«هل لك يا جدّ في جلاد بني الأصفر؟»- أي: ملوك الرّوم- فقال: يا رسول الله، إنّي مغرم بالنّساء، وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر، أن لا أصبر عنهن، فأفتتن فأذن لي ولا تفتنّي، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وقال:«قد أذنت لك» فنزلت الآية. أخرجه الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه، بسند ضعيف. وقيل: إنّ المعنى: لا توقعني في المعصية والإثم بمخالفة أمرك، إذا لم تأذن لي، لأني إن تخلفت بغير إذنك، وقعت في الإثم. قال تعالى ردّاً عليهم: ﴿أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ﴾ أي: في التخلف عن الجـهاد مـع رسول الله ﷺ، والاعتذار بالبـاطل ﴿سَقَطُواْۗ﴾ أي: وقعوا وهلكوا، فتخلّفهم عن رسول الله ﷺ، والرّغبة بأنفسهم عن نفسه، أعظم فتنة، وأكبر مفسدة، ممّا ادّعوا واعتـذروا به، و هم ليسـوا كذلك ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: مطبقة بهم، لا محيد لهم عنها، ولا محيص، ولا مهرب، ولا مفرّ ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص.

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

٥٠ - ﴿إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ﴾ كفتح، ونصر، وظَفر، وغلبة، وإدالة على العدوّ، وغنيمة ﴿تَسُؤۡهُمۡۖ﴾ أي: تحزنهم وتغمّهم، لفرط عداوتهم لكم ﴿وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ﴾ كشدّة، وإدالة للعدوّ عليك، أو: جراحة وقتل في سبيل الله ﴿يَقُولُواْ﴾ متبجِّحين بسلامتهم من الخروج معك: ﴿قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا﴾ بالحزم حين تخلّفنا، واحتطنا لأنفسنا، واحترزنا من متابعته، ﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل هذه المصيبة، فقد أخذنا حذرنا، وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة، فلم نخرج إلى القتال، كما خرج المؤمنون، حتى نالهم من الشّدة والأذى ما نالهم، ﴿وَيَتَوَلَّواْ﴾ عنك ﴿وَّهُمۡ فَرِحُونَ﴾ بسلامتهم، وبما أصابك والمؤمنين.

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

٥١ - قال تعالى في جوابهم: ﴿قُل﴾ لهم: ﴿لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ إصابته، ولما فيه من المصلحة الدينية والدنيوية والأخروية، فكلّ شيء قدّره الله وأجراه وكتبه في اللوح المحفوظ، كائن لا محالة، فنحن تحت مشيئته وقدرته، وقضائه وقدره. ﴿هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ﴾ أي: ناصرنا ومتولي أمورنا الدينية والدنيوية، وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه، ومعل كلمته ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ وحده ﴿فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: فليفوّضوا أمورهم إليه، وليعتمدوا عليه وحده، في جلب مصالحهم، ودفع المضار عنهم، وليثقوا به في تحصيل مطلوبهم، وبلوغ مأمولهم، فإنّه حسبهم ونعم الوكيل.

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

٥٢ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمّد، أي: للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر ﴿هَلۡ تَرَبَّصُونَ﴾ أي: تنتظرون أن يقع ﴿بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى﴾ العاقبتين ﴿ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ﴾: الغنيمة و النّصر، أو الشهادة والأجر؟ أي: ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين اللّتين كل منهما أحسن من جميع العواقب: إما ظفرنا بالعدوّ، وفيه الأجر والمغنم والسّلامة؟ وإمّا قتل العدوّ لنا، وفيه الشهادة والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار؟ وكلاهما ممّا نحبّ ولا نكره. والاستفهام للتقريع والتوبيخ. وتربّصون: فيه حذف إحدى التاءين من الأصل: «تتربصون».و الحسنيين: تثنية «حسنى» والتي هي تأنيث «أحسن». ﴿وَنَحۡنُ﴾ يا معشر المنافقين ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ أي: ننتظـر ﴿بِكُمۡ﴾ إحدى المساءتين لكم: إمّا ﴿أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ﴾ لا سبب لنا فيه، كما أصاب من قبلكم من الأمم، كقارعة من السماء، تنزل بكم، أو: أي نوع من أنواع العذاب يحلّ بكم، ﴿أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ﴾ بأن يسلطنا الله عليكم، ويُظهرنا بالقتل والسّبي والأسر. ﴿فَتَرَبَّصُوٓاْ﴾ أي: فانتظروا بنا عاقبتنا من الخير، فلا تشاهدون إلا ما يسرّنا ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ أي: منتظرون بكم عاقبتكم من الشّر، فلا نشاهد إلا ما يسوؤكم.

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

٥٣ - ﴿قُلۡ ﴾ لهم: ﴿أَنفِقُواْ﴾ في طاعة الله ﴿طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا﴾[و في قراءة: بضم الكاف: (كُرهاً)] أي: حال كونكم طائعين باختياركم، اتقاء للمسلمين وصولتهم، أو مكرهين على ذلك بغير اختياركم وإرادتكم، خوفاً من العقوبة. ﴿لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ﴾ ما أنفقتموه، من نفقة الطّوع أو الكراهية، أي: لن يؤخذ منكم، أو: لن تثابوا عليه ولن تجدوا قبولاً له عند الله، لعدم شرطه، وهو الإيمان بالله، ولأجل الكفر الذي تبطنونه. ﴿إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، وعن الاستقامة على منهج الله، بعتوّكم وتمرّدكم على الله ورسوله. والأمر بالإنفاق هنا بمعنى: الخبر، أي: إنّ نفقتكم طوعاً أو كرهاً غير مقبولة، و غير مثاب عليها، وذلك أنّ الجد بن قيس لمّا اعتذر لرسول الله ﷺ عن الخروج، قال: ولكن أعينك بمالي، فنزلت فيه وفي أمثاله من المنافقين. رواه ابن جرير عن ابن عباس.

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

٥٤ - ثمّ بيّن الله تعالى سبب عدم قبول نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ﴾ [و في قراءة: بالياء:(يُقبل منهم)] ﴿نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ﴾ أي: وما منعهم قبولَ نفقاتهم منهم، إلا كفرهم بالله ورسوله، فإنّ الأعمال، ومنها النّفقات، إذا فقدت شرطها، وهو الإيمان الصّحيح، بطلت ثمرتها، ومُحقت بركتها، وانتفى قبولها، وهؤلاء لا إيمان لهم، ولا عمل صالح، لكونهم يبطنون الكفر بالله ورسوله. ﴿وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ﴾ أي: متثاقلون بها وعنها، لأنّهم لا يرجون بأدائها ثواباً، ولا يخافون بتركها عقاباً، فصلاتهم ليست إلا رياءً ونفاقاً. جمع كسلان: من الكسل، وهو: التثاقل عن الشيء، والفتور فيه، وفعله: كفرح.﴿وَلَا يُنفِقُونَ﴾ نفقة من أموالهم صغيرة و لا كبيـرة ﴿إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ﴾ لها، أي: من غير انشراح صدر، وثبات نفس، لأنّهم يعدّونها مغرماً، فلا ينفقون في سبيل الله طوعاً، لأنّهم يعدون إنفاقها وضعاً لها في مضيعة، وغير مصلحة، لعدم إيمانهم بوعد الله ورسوله.و في الحديث:عن أبي أمامة الباهلي، مرفوعا «إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتُغي به وجهه».أخرجه النسائي. وفي الآية: بيان أنّ المانع من قبول نفقاتهم ثلاثة أمور: أولها: كفرهم بالله ورسوله، وشرط قبول الأعمال صحة الإيمان. ثانيها: تثاقلهم عن الصلاة وهي علامة- أيضاً- على ضعف الإيمان. فقد روى البزّار في حديث قصّة الإسراء، وفرض الصّلاة، عن أبي هريرة قال:«ثمّ أُتي النّبي ﷺ على قوم تُرضخ رؤوسهم- أي: تدقّ وتكسر- بالصّخر، كلّما رُضخت، عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصّلاة المكتوبة». وروى البخاري مثله من حديث طويل عن سمرة بن جندب، بلفظ:«أمّا الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثلغ- أي: يُكسر- بالحجر، فإنّه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصّلاة المكتوبة». وثالثها: كراهيتهم الإنفاق في سبيل الله، فإذا أنفقوا، فبغير انشراح صدر، وثبات قلب، وفي الحديث:«إنّ الله لا يملّ حتى تملّوا». و:«إنّ الله طيب، لا يقبل إلا طيباً». فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملاً، وإنّما يتقبل الله من المتّقين.

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

٥٥ - ﴿فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ﴾ أي: فلا تُسرّ من حالهم ولا تستحسن نعمتنا عليهم، وعطاءنا لهم، من الأموال والأولاد، فإنّما هي استدراج لهم، ومثله قوله: (ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه)طه(١٣١). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾ أي: أن يعذبهم بهذه النّعم ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ بما يلقون في جمعها وتحصيلها، من المشقة والعنت الشّديدين، وبما فيها من المصائب و المشاق والهموم والغموم، والتي لو قيست بلذاتها، لم يكن لها نسبة إليها، لتركهم الشكر عليها وما يجب من حقّ الله فيها، ﴿وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ﴾ أي: ولتخرُج أرواحهم، وتهلك، فيموتوا على الكفر.يقال: زهقت نفسه تزهق: خرجت، وزهق الشيء: هلك. والمعنى: ويريد الله أن يميتهم- حين يميتهم- على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم، وأشدّ لعذابهم، وهذا من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

٥٦ - ﴿وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: المنافقون ﴿إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ﴾ أي: من جملتكم، مؤمنون مثلكم ﴿وَمَا هُم مِّنكُمۡ﴾ في ذلك، إلا بمجرد ظواهرهم، دون بواطنهم ﴿وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ﴾ أي: يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسّبي، فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم، ويؤيّدونه بالأيْمان الفاجرة، ويبطنون الكفر في قلوبهم.من الفرق: وأصله: انزعاج النّفس بتوقع الضّرر و الخوف الشديد الذي يفرق بين القلب و إدراكه.يقال: فَرِق فرقاً: إذا خاف، وأفرقته: أخفته. وقيل: إنّهم قوم يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم، فخلعوا على أنفسهم خلعة الجبن، وتحلّوا بحلية الكذب والنّفاق.

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

٥٧ - ﴿لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا﴾ أي: مكاناً يلجأون إليه، من حصن أو حرز أو معقل، يتحصّنون فيه، ويحترزون به، ويعتصمون ﴿أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ﴾ أي: أو كهوفاً وغيراناً في الجبال، يستخفون فيها ويستترون عنكم، لئلا تلزموهم بالخروج إلى القتال ﴿أَوۡ مُدَّخَلٗا﴾ أي: أو مكاناً، أو موضعاً يدخلون فيه، كسرب أو سرداب في الأرض يندسون فيه، أو نفق ينجحرون فيه، [وفي قراءة: بفكّ التّشديد: (أو مَدْخَلاً)] ﴿لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ﴾ أي: لأقبلوا نحوه هرباً منكم. ﴿وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ﴾ أي: يسرعون في دخوله، والتّحصن فيه، والانصراف عنكم، إسراعاً لا يردّه شيء، كالفرس الجموح، لا يردّه لجام ولا قائد، لشّدة بغضهم إياكم، وخوفهم من القتل، وغمّهـم بعزّ الإسـلام ونصر أهله.والجُموح: أن يغلب الفرس صاحبه في سيره وجريه، يُقال: جمح الفرس براكبه، يجمح جمحاً و جمُوحاً، إذا استعصى عليه حتى غلبه، فهو جَموح- بفتح الجيم- وجامح.

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

٥٨ - سبب نزول الآية:روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم قسماً ، إذ جاءه ذو الخُويصرة التميمي، فقال: اعدل، فقال:«ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟»فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر نحوه.﴿وَمِنۡهُم﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَّن يَلۡمِزُكَ﴾ [و في قراءة: بضم الميم: (يلمُزك)] ﴿فِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ أي: من يهمزك فيها ويعيبك، ويطعن عليك، في قسمة أموال الزّكاة، أو: فيها، وفي قسمة الغنائم وتفريقها، ويتّهمك في ذلك، وهم المتّهمون المأبونون. من اللّمز: وهو العيب، يقال: لمزه وهمزه ، يلمزه: إذا عابه، واللّمز: العيب مطلقاً،والهمز: العيب في الغيبة.﴿فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا﴾ أي: من الصّدقات بقدر ما يريدون ﴿رَضُواْ﴾ بما وقع من رسول الله ﷺ في قسمتها، ولم يعيبوه وجعلوا ذلك عدلاً، وذلك لأنّه لا مقصد لهم إلا متاع الدنيا وحطامها، وليسوا من الدّين في شيء. ﴿وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ﴾ ما يريدون وما يطلبون ﴿إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ﴾ أي: يظهرون التذمّر وعدم الرّضى، فيغضبون لأنفسهم، ولا يرضون ويجعلون ذلك غير عدل. وهذه حالة لا تنبغي للعبد المسلم، أن يكون رضاه وغضبه تابعاً لهوى نفسه وغرضه وشهوته، بل الذي ينبغي، أن يكون ذلك تابعاً لمرضاة الله وحده.

9:59Page 196

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

٥٩ - ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ﴾ أي: الذين عابوا عليك قسمة الصّدقة ﴿رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ أي: ما فرضه الله لهم، وما أعطاهم رسول الله ﷺ من الغنائم والصّدقات ﴿وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ﴾ أي: كافينا فضل الله وقسمته، ﴿سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ﴾ أي: سيعطينا ﴿مِن فَضۡلِهِۦ﴾ ورزقه ﴿وَ﴾ يعطينا ﴿رَسُولُهُۥٓ﴾ من الغنائم والصّدقات زيادة على ما أعطانا، ويقسم بيننا بالحقّ بما أراه الله ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾ أن يغنينا ويعطينا من فضله، وإحسانه، وتوفيقه ما نؤمله ونرجوه، لا نرغب إلى غيره أبداً. أو: (راغبون) في الغنيمة والرّزق والفيء وما سواها. وجواب «لو» محذوف، تقديره: لكان خيراً لهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском