Al-Jami' al-WajizAt‑Tawbah · 9:73–91

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:73–91

9:73Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

٧٣ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ﴾ المحاربـين بالقتال بالنفس والمال، أي: بالسيف والسنان والسلاح. أو: بالحوار والإقناع و الحجة إن كانوا معاهَدين غير محاربين، ﴿وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ﴾ باللسان، أي: بالوعظ وإلزام الحجة والبرهان، لأنه ﷺ لم يؤمر بقتل المنافقين، حتى لا يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه. وقيل: مجاهدتهم بإقامة الحدود عليهم. ﴿وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ جميعاً، أي: وشدد عليهم في الجهاد بقسميه، قولاً وفعلاً، وبالغ فيه، ولا ترفق بهم. والغلظ: شدة القلب، وخشونة الجانب، بالبغض والكره و البراء وعدم الولاء. فعلى المؤمن أن يحب لله وفي الله، وأن يكره كذلك، لله وفي الله، فيحب المؤمنين ويوادهم ويشفق عليهم ويخفض لهم جناحه، ويظهر العزة والقوة أمام الكافرين، لينبههم إلى أنهم مكروهون لكفرهم وضلالهم، وأن المؤمن لا يرضى عن الكافر ولا يحبه، لكفره لا لشخصه، لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين، كقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)الفتح(٢٩). ﴿وَمَأۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: ومسكنهم ومقرهـم في الآخـرة ﴿جَهَنَّمُۖ﴾ لا يخرجون منها ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع هي. وفي الآية: بيان أن جهاد الكفار المحاربين يكون باليد، وجهاد المنافقين بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد والسيف والسنان، وأما من كان مذعناً للإسلام، بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان، حتى تتبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفران. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بُعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين، في قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين)التوبة(٥). وسيف للكفار من أهل الكتاب، في قوله سبحانه وتعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)التوبة(٢٩) .وسيف للمنافقين، في قوله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين)التوبة(٧٣) .وسيف للبغاة، في قوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)الحجرات(٩). وهذا يقتضي أن المنافقين يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، أما إذا أبطنوه وأظهروا الإيمان، فيجاهدون بالحجة واللسان، وأمرهم إلى الله.

9:74Page 199

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

٧٤ - ﴿يَحۡلِفُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿بِٱللَّهِ﴾ كذباً ﴿مَا قَالُواْ﴾ القول الذي بلغك عنهم، من السب والشتم، والطعن والعيب و السخرية والاستهزاء. وكانوا يذكرون النبي ﷺ ودينه بالسوء، فإذ سألهم، حلفوا بالله: ما قالوا شيئاً من ذلك.أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:كان رجل من المنافقين ممن تخلف عن غزوة تبوك يقول: لئن كان هذا الرجل صادقا، لنحن شرٌ من الحمير، فرُفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فحلف بالله: ما قلت، فأنزل الله الآية. و أخرج نحوه عن أنس بن مالك و عن كعب بن مالك.﴿وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ﴾ وهي ما تقدم بيانه من السب والطعن على رسول الله ﷺ والاستهزاء به وبدينه. ﴿وَكَفَرُواْ﴾ بهذا القول ﴿بَعۡدَ﴾ إظهار ﴿إِسۡلَٰمِهِمۡ﴾ أي: فعلوا ما يوجب الكفر ظاهراً، أو: أظهروا الكفر، بقولهم كلمة الكفر، بعد إظهار إسلامهم. وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ﴾ أي: وعزموا على ما لم يصلوا إليه من الفتك بالنبي ﷺ ليلة العقبة، عند عودته من غزوة تبوك، وكانوا بضعة عشر رجلاً، فضرب عمار بن ياسر وجوه الرواحل، لما غَشَوْه، فردهم الله عنه. روى ذلك أحمد والطبراني، والبزار، والبيهقي في «دلائل النبوة». ﴿وَمَا نَقَمُوٓاْ﴾ أي: وما كرهوا، أو: وما عابوا وأنكروا شيئاً من رسول الله ﷺ ﴿إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ﴾ بالغنائم، بعد أن كانوا فقراء معوزين. فقد كان هؤلاء المنافقون في شدة وحاجة وضيق من العيش، فلما قدم النبي ﷺ المدينة، اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم، فكيف يجوز لهم أن يستهينوا بمن كان سبباً في إخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنياً لهم بعد الفقر؟ وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه ويؤمنوا به ويجلّوه؟ والمعنى: لم ينلهم منه إلا ما يستوجب الشكر و الثناء، و هو إغناء الله لهم من فضله وبركته، وليس هذا ممّا ينقم أو يكره أو يعاب، بل هو حقيق بالمدح والثناء. فقابلوا إحسان النّبي ﷺ وتفضّله عليهم بالدعوة والهداية- أنّ هموا بقتله، فكانوا ممّن قابل الحسنة بالسيئة. ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ عن الكفر والنّفاق، ويؤمنوا بك ﴿يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ﴾ أي: تكن التوبة خيراً لهم مما هم فيه من النّفاق ﴿وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ﴾ و يُعرضوا عن التوبة، والإيمان، والإنابة إلى الله ويصرّوا على النّفاق ﴿يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ بالقتل والأسر، أو: بما ينالهم من الهمّ والحزن والغمّ على نصرة الله لدينه، وإعزاز نبيّه، وعدم حصول مطلوبهم. ﴿وَ﴾ في ﴿ٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ بعذاب النّار، والذّل والهوان، والصّغار ﴿وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ﴾ يت،ولى أمورهم، ويحفظهم من الله ﴿وَلَا نَصِيرٖ﴾ ينصرهـم، ويمنعهم منه ويدفع عنهم المكروه. وإذا انقطعوا من ولاية الله، فليس لهم أحد يُحصّل لهم خيراً، ولا يدفع عنهم شرّاً.

9:75Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

٧٥ - ﴿وَمِنۡهُم﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ﴾ أي: أعطاه عهده وميثاقه. ﴿لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ﴾ وأغنانا من عطائه، فبسط لنا الدنيا، ووسّعها علينا، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ من مال الله الذي آتانا بإعطاء كل ذي حقّ حقّه ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ فنصل الرّحم، ونقري الضّيف، ونعين على نوائب الحقّ، ونفعل الأفعال الحسنة الصّالحة.

9:76Page 199

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

٧٦ - ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ﴾ وأغناهم من عطائه ﴿بَخِلُواْ بِهِۦ﴾ فلم يتصدقوا بشيء منه، ولم يفوا بعهدهم وميثاقهم ﴿وَتَوَلَّواْ﴾ عن طاعة الله، والامتثال لأمره، والوفاء بعهده ﴿وَّهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ مدبرون عن الخير والبر والقربات، وعما قالوا وعاهدوا.

9:77Page 199

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

٧٧ - ﴿فَأَعۡقَبَهُمۡ﴾ الله، بسبب بخلهم، وإخلاف عهدهم معه، أي: فصيّر عاقبتهم ﴿نِفَاقٗا﴾ ثابتاً متمكناً ﴿فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ مستمراً ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ﴾ أي: إلى يوم القيامة، يوم يلقون الله عز وجل ﴿بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ من التصدق، والصلاح، أي: بسبب ذلك .والإخلاف: نكث العهد.﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ فيما عاهدوا الله عليه. وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو :«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان». زاد في رواية:«وإذا عاهد غدر و إذا خاصم فَجَر»

9:78Page 199

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

٧٨- ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ﴾ أي: المنافقون ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ﴾ أي: ما أسروه في أنفسهم وضمائرهم من الكفر والنيات السيئة، وما انطوت عليه صدورهم من النفاق. ﴿وَنَجۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: وما تناجوا به فيما بينهم من المطاعن على النبي ﷺ وأصحابه وعلى دين الإسلام. والسر: هو الحديث المكتتم في النفس. والنجوى: المسارة بالحديث. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [(وفي قراءة: بكسر الغين: (الغِيوب)] أي: ما غاب عن العيان، فهو يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن. فائدةوقد ذكر كثير من المفسرين في سبب نزول هذه الآيات (٧٥- ٧٨) : ما رواه ابن جرير الطبري وابن مردويه وابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني -بإسناد ضعيف- عن أبي أمامة الباهلي: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري سأل النبي ﷺ: أن يدعو الله له أن يرزقه مالاً، فيعطي كل ذي حق حقه، فدعا له، فوسّع عليه، فانقطع عن الجمعة والجماعة، ومنع الزكاة. والحق: أن هذه القصة غير صحيحة، فقد قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: رواه الطبراني، وفيه: علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك ، اهـ . وقال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف»: أخرجه الطبراني، والبيهقي، في «الدلائل» و «الشعب» وابن أبي حاتم، والطبري، وابن مردويه، كلهم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي. وهذا إسناد ضعيف جداً، اهـ. وقال مثل ذلك في كتابه «الإصابة». وقال القرطبي في «تفسيره»- بعد أن أورد القصة - : وثعلبة، بدري أنصاري، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان، فما روي عنه غير صحيح. وقال الضحاك: نزلت -هذه الآيات - في رجال من المنافقين، اهـ. فالصواب إذاً: أن هذه الآيات لم تنزل في ثعلبة بن حاطب، ولا في غيره من المسلمين، والقصة المشار إليها مردودة، لا يصح قبولها، والراجح: قول الضحاك بن مزاحم: أنها نزلت في رجال من المنافقين، كما تقدم، لأن الله قال فيها: (ومنهم) أي: ومن المنافقين، والمعنى: أنهم عندما عاهدوا الله، كان كل واحد منهم منافقاً، ولم يكن مؤمناً ثم نافق بنقضه العهد.

9:79Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

٧٩ - سبب نزول الآية: روى الشيخان عن أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل على ظهورنا - أي: نؤاجر أنفسنا في الحمل، وفي رواية للبخاري في التفسير: «نتحامل»، أي: يحمل بعضنا لبعض بالأجرة - فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُراءٍ، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)الآية. ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ﴾ [و في قراءة: بضم الميم: (يلمُزون)] أي: يعيبون ويغمزون ويطعنون ﴿ٱلۡمُطَّوِّعِينَ﴾ أي: المتنفلين ﴿مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي﴾ دفع ﴿ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ على أهل المسكنة والحاجة بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم، إيماناً واحتساباً. و اللامزون هم: المنافقون، فيقولون عنهم: مراءون، قصدهم الفخر والرياء والسمعة. ﴿وَ﴾ يلمزون ﴿ٱلَّذِينَ لَا يَـجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ﴾ من فقراء المؤمنين، أي: طاقتهم ووسعهم وما تبلغه قوتهم، فيتصدقون بما استطاعوا ﴿فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ﴾ ويستهزؤون بهم ويقولون: إن الله لغني عن صدقاتهم، فقوبلوا على سوء صنيعهم هذا بأن: ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ﴾ حقيقةً على ما يليق بجلاله وكماله. و قيل: عاملهم معاملة من سخر منهم، وجازاهم على سخريتهم بأن أهانهم، وأذلهم، وعذبهم جزاء وفاقا ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، موجع في النار. وهذا من باب المشاكلة في اللفظ والمقابلة على سوء صنيعهم، واستهزائهم بالمؤمنين، فإن الجزاء من جنس العمل. قلت: وحمله على حقيقته بما يليق بجلال الله وكماله- أولى، كما تقدم غير مرة.

9:80Page 200

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

٨٠ - ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ﴾ أي: لهؤلاء المنافقين، يا محمد ﴿أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ﴾ هو: إما أمر بمعنى الخبر، أي: استغفارك لهؤلاء المنافقين وعدمه سواء، لأنهم ليسوا أهلاً للاستغفار.أو: هو تخيير له ﷺ في الاستغفار وتركه، وقد قال ﷺ:«إني خُيّرت فاخترت -يعني: الاستغفار»رواه البخاري. ﴿إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ﴾ فالمعنى على القول الأول: ومهما أكثرت من الاستغفار لهم، فلن يغفر الله لهم، لإصرارهم على الكفر والفسوق. وعن ابن عباس في سبب نزول الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: (سخر الله منهم) سأل اللامزون رسول الله ﷺ الاستغفار لهم، فهمّ أن يفعل، فنزلت، فلم يفعل. وذكر «السبعين» في الآية: لإرادة التكثير والمبالغة، على ما جرى عليه العرب في أساليبهم عند إرادة ذلك. ونظيره: قوله تعالى: (ذرعها سبعون ذراعاً)الحاقة(٣٢) وقوله ﷺ:«من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» متفق عليه. وليس المراد بها: التحديد، فلا مفهوم للعدد هنا، إلا إرادة التكثير والمبالغة في الاستغفار، ويؤيد ذلك: التعليل بالكفر والفسق المذكورين بعد في الآية، فإنهما قائمان بهم مع الزيادة على السبعين، وحديث صلاته ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول عند البخاري بلفظ:«لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له، لزدت عليه».وعلى القول الثاني: يكون ذكر«السبعين» له مفهوم العدد المخصوص، لحديث البخاري أيضاً :«وسأزيد على السبعين» ولحديث : «إن ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم». ثم بيّن الله له حسم المغفرة بآية: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)المنافقون(٦). ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: المانع لمغفرة الله لهم ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ﴾ فالكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل، ما دام كافراً. ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ أي: المتمردين في الكفر الخارجين عن الطاعة، فإنهم لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله لا يوفقون إلى الهداية الموصلة إلى المطلوب.

9:81Page 200

فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١

Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.

٨١ - ﴿فَـرِحَ ٱلۡمُخَـلَّفُـونَ﴾ عــن غـــزوة تـبـوك ﴿بِمَقۡعَدِهِمۡ﴾ أي: بقعودهم وجلوسهم في منازلهـم ﴿خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: خلفه و بعد خروجه. أو: لأجل مخالفته. وهم الذين استأذنوا رسول الله ﷺ في القعود، من المنافقين، فأذن لهم، وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك.و خلاف: مصدر، يقال: خالف فلانٌ فلاناً في الأمر ، فهو يخالفه. و المعنى: قعدو بعده على الخلاف الأول. و قد يُراد به معنى: بعْد أو خلف رسول الله، فيكون ظرفا. ﴿وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ﴾ معه ﷺ ﴿بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وسبب ذلك: الشح بالأموال والأنفس، وعدم الإيمان والإخلاص، وما هم فيه من النفاق. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: المنافقون بعضهم لبعض: ﴿لَا تَنفِرُواْ﴾ أي لا تخرجوا إلى الجهاد والنفير﴿فِي ٱلۡحَرِّۗ﴾ فقد أخرج البيهقي في «الدلائل»: أن رجلاً من المنافقين قال: لا تنفروا في الحر، فنزلت. وذلك أن الخروج في غزوة تبوك، كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، قالوا ذلك تثبيطاً لإخوانهم، وتواصياً بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، فقدموا راحة قصيرة منقضية، على الراحة الأبدية التامة. قال تعالى رداً عليهم: ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرّٗاۚ﴾ مما فررتم منه من الحر يوم تبوك، فالأوْلى بكم أن تتقوها بترك التخلف. ﴿لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ﴾ أي: يعلمون ذلك ويفهمون، لما تخلفوا عنه، ولنفروا معه ﷺ في سبيل الله في الحر، ليتقوا به من حر نار جهنم.وفي الحديث عند البخاري ومسلم ومالك في «الموطأ» عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:«نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءً من نار جهنم»، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية، فقال:«فُضّلت عليها بتسعة وستين جزءً». وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء، كالليل المظلم».

9:82Page 200

فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

٨٢ - ﴿فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا﴾ في الدنيا ﴿وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا﴾ في الآخرة، والأمر هنا بمعنى: الخبر، والمراد به: التهديد والوعيد ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ من الكفر والنفاق وعدم الامتثال لأوامر الله ورسوله.

9:83Page 200

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣

If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

٨٣ - ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ﴾ أي: ردّك الله من غزوتك هذه - وهي غزوة تبوك - ﴿إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ﴾ ممن تخلف بالمدينة من المنافقين بغير عذر. وإنما قال:(إلى طائفة منهم)، لأن من المتخلفين من تاب عن النفاق وندم على التخلف. ﴿فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ﴾ معــك إلى غزوة أخــرى ﴿فَقُل﴾ لهم تعزيــراً وعقوبة وتحرزاً من مفاسدهم: ﴿لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ﴾ وذلك لما في استصحابهم من المفاسد، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ أي: في غزوة تبوك، فتخلفتم بلا عذر وهذا كقوله سبحانه و تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة)الأنعام(١١٠) .فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به، عند انتهاز الفرصة، لن يوفق لها بعد ذلك، وسيحال بينه وبينها، فجزاء السيئة، سيئة بعدها، كما أن ثواب الحسنة، حسنة بعدها. ﴿فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ﴾ أي: مع المتخلفين عن الجهاد، من المرضى والنساء والصبيان ونحوهم.فلن تنالوا شرف الصحبة والجهاد، كالمخلصين من المؤمنين. وجُمِع جَمْعَ المذكر للتغليب.

9:84Page 200

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤

And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

٨٤ - سبب نزول الآية: روى الشيخان، عن ابن عمر، قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ بن سلول، جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه، يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يُصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب، فأخذ بثوبه، وقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟ قال:«إنما قد خيرني الله، فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر إن تستغفر لهم سبعين مرة) وسأزيد على السبعين»، فقال: إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل الله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) فترك الصلاة عليهم. وورد ذلك من حديث عمر بن الخطاب عند أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح. وفيه: أنه قال لعمر:«إني قد خُيرت، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها»، و من حديث أنس وجابر عند أحمد وغيرهم. ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾ يا محمـد ﴿عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُـم﴾ أي: مـن المنافقين ﴿مَّاتَ أَبَدٗا﴾ فقد نُهي ﷺ عن صلاة الجنازة على من مات من المنافقين، وفيها الدعاء والاستغفار. ﴿وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ﴾ أي: ولا تقـف عليـه لدفـن أو زيارة، داعياً ومستغفراً، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم، شفاعة منه لهم، ولا تنفع فيهم الشفاعة. ثم بيّن الله سبب النهي عن الصلاة عليهم، والقيام على قبورهم، للاستغفار والدعاء لهم فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ في الباطن ﴿وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ أي: كافرون خارجون عن الإيمان الظاهر- الذي كانوا به في حكم المؤمنين- وعن طاعة الله ورسوله. ومن كانت تلك حاله من الكفر بالله ورسوله، والموت على الفسق والخروج عن جادة العدالة والاستقامة، فما تنفعه شفاعة الشافعين. وهكذا كل من عُلم منه الكفر والنفاق في الدين، فإنه لا يُصلى عليه. وقد وصفهم الله تعالى بالفسق بعد وصفهم بالكفر، لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، أما النفاق والكذب والخداع، فمستقبحة في كل دين. وفي الآية: دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء والاستغفار لهم. فقد كان من عادته ﷺ أن يفعل ذلك لمن مات من المسلمين، وكان يعامل المنافقين - بحكم الظاهر - معاملة المسلمين حتى نزلت هذه الآية، فما صلى بعدها على منافق، ولا قام على قبره، حتى قُبض ﷺ. وعليه، فتقييد النهي عن الصلاة والقيام على القبر بالمنافقين، دليل على أن ذلك متقرر في المؤمنين، كما ثبت في الصحيح:«من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد». وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات: فعند أبي داود في «سننه» عن عثمان بن عفان قال:كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال:«استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل».

9:85Page 200

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥

And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

٨٥ - ﴿وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ﴾ أي: ولا تستحسن نعمتنا عليهم، وعطاءنا لهم، في الدنيا من الأموال والأولاد، فإنما هي استدراج لهم. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ أما الأموال: فبما يلقون في جمعها وتحصيلها من المشقة والشدائد والرزايا والمصائب، والهموم والغموم والمتاعب، والخوف من زوالها، والحزن عليها. وأما الأولاد: فبإلهائهم لهم عن الله، والطاعات، والقربات، والدار الآخرة، حتى ينتقلوا من الدنيا ﴿وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ﴾ أي: تخرج أرواحهم، ﴿وَهُمۡ كَٰفِرُونَ﴾بالله قد سلبهم حبّ الأموال والأولاد كلّ شيء. وسبب عذاب الله لهم بها في الدنيا: عدم شكرهم نِعم الله عليهم، وترك ما يجب في أموالهم من حقّ الله، كالزّكاة والصّدقات.

9:86Page 200

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

٨٦ - ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ﴾ من القرآن تأمرهم ﴿أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾ في سبيل الله. والسّورة: الطائفة من القرآن. ﴿ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ﴾ في التّخلف عن الجهاد ﴿أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ﴾ أي: أصحاب الغنى والسّعة والمقدرة على الجهاد بالنفس والمال من المنافقين، الذين لا عذر لهم في التّخلف والقعود، ﴿وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ أي: اتركنا مع العاجزين المتخلّفين عن الغزو من أصحاب الأعذار، كالضّعفاء والمرضى، والنّساء والصّبيان، فنقعد عن القتال معك. وهذا دليل الجبن والذّل والهوان.

9:87Page 201

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

٨٧ - ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ﴾ أي: مع النّساء اللاّتي تخلّفن عن أعمال الرجال، وقعدن في البيوت وليس عليهن فرض الجهاد. أو: مع الرجال العاجزين عن القتال. جمع خالفة، يقال: امرأة خالفة، ورجل خالفة، أي: لا خير فيه. والتّاء للنّقل إلى الاسمية. فهم لنفاقهم، وما في قلوبهم من المرض والشّك و الجبن الخالع لم يستنكفوا أن يبقوا خلاف رسول الله ﷺ مع النّساء اللاّتي يخلفن الرّجال في القعود في البيوت. ﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ أي: وخُتم عليها، بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرّسول في سبيل الله. ﴿فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ الخـير، ولا يفهمون ما فيه صلاح لهم، فيفعلوه، ولا ما فيه مضرّة لهم، فيجتنبوه، ومثله قوله تعالى: (فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم)محمّد(٢٠).

9:88Page 201

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

٨٨ - ﴿لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ﴾ في سبيل الله ﴿بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾ وهذا بيان حالهم، ثمّ بيّن مآلهم فقال: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ﴾ في الدنيا والآخرة، وهي كلّ خير، فتشمل منافع الدنيا والدين من النّصر والغنيمة في الدنيا، والجنّة والكرامة في الآخرة. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون بكل مطلوب، والنّاجون من كلّ مرهوب.

9:89Page 201

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

٨٩ - ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: ماكثين فيها ﴿ذَٰلِكَ﴾ هو ﴿ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ والفضل العميم.

9:90Page 201

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

٩٠ - ﴿وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ﴾ أي: المقصّرون في الجهاد ﴿مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ ﴾ الذين يقيمون حول المدينة إلى النّبي ﷺ ، و هم:الذين اعتذروا بأعذار باطلة كاذبة لا أصل لها. من عذر في الأمر: إذا قصّر فيه، موهماً أنّ له عذرا ولا عذر له، والمُعَذّر- بضم الميم وفتح العين وكسر الذّال المشدّدة- قد يكون غير محقّ في عذره، أي: هو الذي يعتذر ولا عذر له. [وفي قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي: (المُعْذِرون)- بضم الميم وسكون العين وكسر الذّال المخفّفة- من أعذر يُعذِر، فهو معذور، وهو: من يكون محقّاً في عذره، أي: يعتذر وله عذر مقبول]. أو: يكون «المعذّرون» بالتشديد، فيه: إدغام التاء في الأصل في الذّال، أي: المعتذرون، بمعنى: المعذورون وهم: الذين لهم عذر صحيح مقبول يمنعهم من الخروج إلى القتال. ﴿لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ﴾ في القعود، والتّخلف عن الغزو وترك الجهاد، لعذرهم- سواء كان بحقّ أو بباطل- فأُذن لهم. ﴿وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ﴾ في ادّعاء الإيمان، من منافقي الأعراب، عن المجيء للاعتذار إليه ﷺ لقلة مبالاتهم بالله و رسوله. ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من منافقي الأعراب، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين قعدوا عن الغزو، والمجيء إليه ﷺ، ولم يعتذروا، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع، في الدنيا والآخرة. والآية: شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب، بعد بيان أحوال منافقي أهل المدينة، وكان منافقو الأعراب قسمين: قسم جاء إلى النّبي ﷺ معتذراً بأعذار باطلة كاذبة، وهم: أسد وغطفان، اعتذروا بالجهد وكثرة العيال، وقيل: هم رهط عامر بن الطّفيل، اعتذروا بخوف إغارة طيئ على أهليهم ومواشيهم، وهؤلاء هم: «المعذّرون» بالتشديد. وقيل: هم نفر من بني غفار جاءوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فأعذرهم، وهؤلاء هم:«المعذرون» بالتخفيف. وقسم لم يجئ ولم يعتذر، وقعد عن الغزو لغير عذر- سواء أكان العذر حقّاً أم باطلاً- والأعراب: سكان البادية. والعرب: سكان المدن والقرى. ثمّ شرع في ذكر أرباب الأعذار الحقيقية، بعد أرباب الأعذار المختلفة، فقال:

9:91Page 201

لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.

٩١ - ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ﴾ في أبدانهم، كالشيوخ والنّساء والصّبيان، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال والجلاد في الجهاد ﴿وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ﴾ كالعمي، والزّمني، والعُرج، ونحو ذلك. وهذا شامل لجميع أنواع المرض، الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ في الجهاد من زاد أو مال أو راحلة- ولو كانوا أصحاء أقوياء، كالفقراء- ﴿حَرَجٌ ﴾ أي: إثم، أو ذنب في التّخلف عن الجهاد ، لكونهم عاجزين عنه. ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ في حال قعودهم، أي: أخلصوا لهما بالإيمان والطّاعة، قولا و عملا، ظاهرا و باطناً، والحثّ و الترغيب في الجهاد، وعدم التثبيط والإرجاف بنقل الأخبار، إثارة للفتنة، وإشاعة لها، والقيام بمصالح بيوت المجاهدين حال خروجهم للقتال. والنّصح في الأصل: الخلاص. يقال: نصحته ونصحت له. والنّاصح: الخالص. واستعمل في إرادة الخير للمنصوح له، وأريد منه ما تقدّم ذكره من الإيمان والطّاعة، ونحو ذلك مجازاً. فالنّصح لله: الإيمان به والرضا بحكمه، وإخلاص الاعتقاد بوحدانيته، ووصفه بكل كمال وتنزيهه عن كلّ نقص، والعمل بشريعته، وترك ما يخالفها، كائناً ما كان، و طاعته بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والحبّ فيه والبغض فيه.والنّصح لرسوله: التّصديق بنبوّته، وبما جاء به، وبطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبّته، وتعظيم سنّته، وإحياؤها بعد موته، بما تبلغ إليه القدرة. ويدخل في ذلك دخولاً أولياً: نصح المؤمنين وموالاتهم، ومحبة المجاهدين في سبيل الله، وبذل النّصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم، والبراءة منهم. وفي الحديث الصّحيح: أنّ النّبي ﷺ قال:«الدّين النّصيحة، ثلاثاً، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم». وفي الآية: بيان أنّ الجهاد مع هذه الأعذار- القائمة بالبدن: كالضعفاء والمرضى، والراجعة إلى المال: كالفقراء العاجزين عن أهبة السفر والجهاد- ساقط عنهم، غير واجب عليهم. ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ بالنّصح لله ورسوله و إخلاص الإيمان والعمل الصّالح ﴿مِن سَبِيلٖۚ﴾ أي: من طريق بالمؤاخذة والتّبعة في التّخلف عن الجهاد. أي: ليس على المعذورين النّاصحين لله ورسوله، طريق عقاب ومؤاخذة، فثواب الغزو ثابت لهم، لرغبتهم فيه، لولا أن حبسهم العذر عنه، فهم محسنون بسبب صدقهم وإخلاصهم لله و رسوله. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لهم ﴿رَّحِيمٞ ﴾بهم في التوسعة عليهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، وإثابتهم بنيّتهم الصّادقة، ثواب القادرين الفاعلين. وفي قوله: (ما على المحسنين من سبيل): دليل على قاعدة أصولية هي: أنّ من أحسن على غيره- في نفسه، أو في ماله، ونحو ذلك- ثمّ ترتّب على إحسانه، نقص أو تلف، فإنه غير ضامن، لكونه محسناً، ولا سبيل على المحسنين، وبمفهومه: على أنّ غير المحسن- أي: المسيء- كالمفرط، ضامن إذا ترتّب على تفريطه، نقص أو تلف.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском