Al-Jami' al-WajizAl‑Hijr · 15:44–91

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:44–91

15:44Page 264

لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ ٤٤

It has seven gates; for every gate is of them [i.e., Satan's followers] a portion designated."

٤٤ – ﴿لَهَا﴾ أي: لجهنم ﴿سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ﴾ يدخل من كل باب جزء من أتباع إبليس ، كلٌّ بحسب عمله. وقيل : المعنى : لها سبعة أطباق، بعضها فوق بعض، وكل طبق يسمى دركا ، ينزلها الغاوون بحسب تفاوت مراتبهم في الغواية والضلال والمتابعة .﴿لِّكُلِّ بَابٖ﴾ من أبوابها ﴿مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من أتباع إبليس ﴿جُزۡءٞ﴾ أي: نصيب، أو : فريق معيّن من الأتباع الغاوين ﴿مَّقۡسُومٌ﴾ أي: مفرز من غيره ، متميز عنه بحسب أعمالهم .من القَسْم : وهو إفراز النصيب، يقال :قسمت كذا قَسْما و قِسْمة: فرزته .و قَسَمه يقْسِمه و قسَّمه : جزأه ، و قسَم الدهر القوم : فرقهم، كقسَّمهم .وفي الحديث : عند البخاري في «تاريخه» والترمذي عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «لجهنم سبعة أبواب ، باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي أو قال : على أمة محمد» .قال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مِغْول .وروى ابن أبي حاتم ، عن سَمُرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال : «إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه إلى حِجْزَته ، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم ، فذلك قوله سبحانه و تعالى: (لكل باب منهم جزء مقسوم)الحجر(٤٤)».

15:45Page 264

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٤٥

Indeed, the righteous will be within gardens and springs,

٤٥ – ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه ﴿فِي جَنَّٰتٖ﴾ أي : بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ تجري فيها .

15:46Page 264

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ٤٦

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

٤٦ – ويقال لهم حال دخولها: ﴿ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ﴾ أي: سالمين من الآفات ، مسلما عليكم من الله وملائكته ﴿ءَامِنِينَ﴾ من كل خوف وفزع ومكروه ، لا تخشون إخراجا ولا انقطاعا ولا فناء .

15:47Page 264

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧

And We will remove whatever is in their breasts of resentment,1 [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

٤٧ – ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾ أي: من حقد وحسد ، وضغينة وعداوة وكراهية . وأصله : من الغِلالة ، وهي ما يلبس بين الثوبين: الشعار والدثار . أو : من الغَلَل ، وهو الماء المتخلل بين الشجر . وفيه: إشارة إلى أنهم ينشأون في الآخرة نشأة أخرى صالحة ، غير النشأة الدنيوية .﴿إِخۡوَٰنًا﴾ أي: حال كونهم إخوانا في الله متحابين ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ يقابل بعضهم بعضا، أو : ينظر بعضهم إلى وجوه بعض. وفيه دليل على تزاورهم واجتماعهم في الجنة. والسرير : هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور .وعن علي بن أبي طالب أنه قال : إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم : (ونزعنا ما في صدورهم من غل) .

15:48Page 264

لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ ٤٨

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

٤٨ – ﴿لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿نَصَبٞ﴾ أي: إعياء وتعب ، أو : مشقة وأذى . وفي الصحيحين : «إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» .يقال : نصِب ينصَب : أعيا ، و نصب الرجل : أعيا و تعب ، ومنه عيش ناصب : أي: فيه كد وجهد.﴿وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ﴾ أبدا، كقوله : (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا)الكهف(١٠٨).

15:49Page 264

۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩

[O Muḥammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful,

٤٩ – ﴿نَبِّئۡ﴾ أي: خبِّر ، يا محمد ﴿عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ﴾ أي: الكثير المغفرة لذنوبهم ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: الكثير الرحمة بهم ، أي: لمن تاب وآمن وعمل صالحا .

15:50Page 264

وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠

And that it is My punishment which is the painful punishment.

٥٠ – ﴿وَأَنَّ عَذَابِي﴾ للعصاة المخالفين أمري ﴿هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ﴾ أي: المؤلم الموجع . والآية : دالة على مقامي الرجاء والخوف ، والرغبة والرهبة، وأن العبد ينبغي له أن يكون قلبه بين هذين المقامين سواء بسواء ، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته ، وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك رجاء ورغبة ، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حق ربه ، أحدث له ذلك خوفا ورهبة . وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال : «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ، ما قنط من جنته أحد» .وروى البخاري عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل ذلك» .

15:51Page 264

وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٥١

And inform them about the guests of Abraham,

٥١ – ﴿وَنَبِّئۡهُمۡ﴾ أي: وخبِّرهم يا محمد ﴿عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ أي: أضيافه، وهم : الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفا بصور آدمية ، وبشروه بالولد، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط . والضيف : يطلق على الواحد والجمع كالزّور و السّفر، وهو في الأصل : مصدر ضافه : إذا أماله .

15:52Page 265

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ ٥٢

When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful [i.e., apprehensive] of you."

٥٢ – ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ أي: سلموا عليه بقولهم : سلاما . ﴿قَالَ﴾ إبراهيم – لما جاءهم بعجل سمين ، فقربه إليهم ، فلم يأكلوا : ﴿إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون ، فزعون . من الوجل: وهو استشعار الخوف. قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)الأنفال(٢). وذلك أنه رأى أن أيديهم لا تصل إلى طعامه، وكان يعني عندهم : أن الضيف سيغدر بصاحب البيت.

15:53Page 265

قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٥٣

[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."

٥٣ – ﴿قَالُواْ﴾ له: ﴿لَا تَوۡجَلۡ﴾ أي: لا تخف، ﴿إِنَّا﴾ رسل ربك ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ أي: ذي علم كثير، وهو إسحق عليه السلام ، كما تقدم في سورة هود (٧١). ومثله قوله سبحانه : (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)الصافات(١١٢) .[و في قراءة: بالتخفيف(نَبْشُرك)].

15:54Page 265

قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

٥٤ – ﴿قَـالَ﴾ لهــم تعــجبا مــن هــذه البشــارة: ﴿أَبَشَّرۡتُمُونِي﴾ بالولد ﴿عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ﴾ أي: مع مسه إياي ؟ والجملة حال ، أي: أبشّرتموني بالولد حال الهرم و الشيخوخة؟ ﴿فَبِمَ﴾ أي: فبـأي شيء ﴿تُبَشِّرُونَ﴾؟والاستفهام للتعجب بمقتضى العادة المألوفة، لا بالنظر لقدرة الله . والمعنى : أنه عجب من حصول الولد له مع حالة الكبر والهرم ، فإن البشارة بما لا يكون عادة، لا تصح. [وفي قراءة : بكسر النون : (تبشرونِ) ، وفي أخرى : بالتشديد كسرا مع المد المشبع : (تبشرونِّ)] .

15:55Page 265

قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

٥٥ – ﴿قَالُواْ﴾ له ، مؤكدين لما بشروه به تحقيقا لوعد الله : ﴿بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا شك فيه ، واليقين الذي لا خلف فيه ، ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ﴾ أي: من الآيسين مما بشرناك به ، من خرق العادة لك . من القنوط : وهو اليأس من الخير .

15:56Page 265

قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

٥٦ – ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مجيبا إياهم: ﴿وَمَن يَقۡنَطُ﴾ [و في قراءة : بكسر النون:(يقنِط)] ﴿مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ﴾ أي : لا ييأس من رحمة الله ﴿إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ عن طريق الحق والصواب، أي : الكافرون ، كقوله سبحانه وتعالى: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)يوسف(٨٧). فاستبعاد الولد من إبراهيم كان لكبر سنِّه ، لا لقنوطه من رحمة ربه .

15:57Page 265

قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

٥٧ – ﴿قَالَ﴾ إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع: ﴿فَمَا خَطۡبُكُمۡ﴾ أي: فما أمركم أو فما شأنكم الخطير الذي أرسلتم لأجله سوى هذه البشارة ﴿أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾.والخطب: الشأن الخطير .كقوله تعالى : (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)يوسف(٥١).

15:58Page 265

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٥٨

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

٥٨ – ﴿قَالُوٓاْ﴾ له : ﴿إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ﴾ أي: كافرين لإهلاكهم، هم: قوم لوط .

15:59Page 265

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٩

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

٥٩ – ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ﴾ وهم أهل بيته ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [وفي قراءة: بالتخفيف (لمنجُوهم)] أي: لمخلصوهم من العذاب لإيمانهم واتباعهم لوطا ، وكانوا أهل بيت واحد كقوله : (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)الذاريات(٣٦) .

15:60Page 265

إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠

Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1

٦٠ – ﴿إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ﴾ استثناء من أهل بيته، أي: من الضمير في قوله: (لمنجوهم). ﴿قَدَّرۡنَآ﴾ [و في قراءة: بالتخفيف (قدَرْنا)] أي: علمنا، أو : قضينا وحكمنا ﴿إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب ، لكفرها. من التقدير:بمعنى:الحكم. و الغابرين: من غبر، بمعنى : بقي، قال تعالى : (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين)الأعراف(٨٣).وإسناد الملائكة الفعل إلى أنفسهم مجاز ، على حد قول خاصة الملك: نحن فعلنا ، و إن كانوا فعلوه بأمر الملك .

15:61Page 265

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١

And when the messengers came to the family of Lot,

٦١ – ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ﴾ أي : لوطا ﴿ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ لتنفيذ أمر الله بإهلاك قومه .

15:62Page 265

قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٦٢

He said, "Indeed, you are people unknown."

٦٢ – ﴿قَالَ﴾ لهم لوطٌ : ﴿إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ﴾ أي: أنكركم ، ولا أعرفكم.

15:63Page 265

قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

٦٣ – ﴿قَالُواْ﴾ له : ﴿بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ﴾ أي: قومك ﴿فِيهِ يَمۡتَرُونَ﴾ أي: يشكون ، وهو : العذاب الذي كانوا يشكون أنه نازل بهم ، ويكذبونك في مجيئه ووقوعه .

15:64Page 265

وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

٦٤ – ﴿وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ﴾ الذي لا شك فيه ولا شُبهة معه، و هو عذاب الله ﴿وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ﴾ في خبرنا الذي أخبرناك به ، من نزول العذاب بهم، و نجاتك وأهلك إلا امرأتك .

15:65Page 265

فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

٦٥ - ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ﴾ أي : سر بهم ﴿بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: بطائفة منه، أو : من آخره ، أو : ببقية من الليل ﴿وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ أي: وكن على أثرهم أو: سِرْ خلفهم لتطلع عليهم وعلى أحوالهم. ﴿وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ﴾ وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من العذاب ﴿وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ﴾ أي: إلى الجهة التي أمركم الله بالمضي إليها ، فكأنه كان معهم من يهديهم السبيل.قال تعالى : (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم)هود(٨١).

15:66Page 265

وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

٦٦ – ﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾ أي:حكمنا أو: و أوحينا إلى لوط ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ﴾ المقضي فيه، وهو إهلاك قومه ، ثم فسره بقوله : ﴿أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: آخرهم، والمراد: جميعهم ، كقوله سبحانه وتعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)الأنعام(٤٥).﴿مَقۡطُوعٞ﴾ أي: مجذوذ مستأصل، حال كونهم ﴿مُّصۡبِحِينَ﴾ أي: داخلين في وقت الصباح ، والجملة حال . أي: أن آخر من يبقى منهم يتم استئصاله وقت الصباح . وهي : من «أصبح» التامة ، وصيغة أفعل تأتي للدخول في الشيء : نحو أنجد وأتهم ، أي: دخل في نجد وفي تهامة . وفي الآية الأخرى : (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب)هود(٨١).

15:67Page 265

وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧

And the people of the city came rejoicing.1

٦٧ – ﴿وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ﴾ أي: مدينة قوم لوط ، وهي: سدوم ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ بأضياف لوط ، طمعا في ارتكاب الفاحشة فيهم .

15:68Page 265

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

٦٨ – ﴿قَالَ﴾ لوط لهم : ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء :(فلا تفضحوني)] فيهم، أي : لا توقعوني في العار والخزي بتعرضكم لهم بالسوء والفحشاء .

15:69Page 265

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩

And fear Allāh and do not disgrace me."

٦٩ – ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في أمرهم ، ﴿وَلَا تُخۡزُونِ﴾[و في قراءة: بإثبات الياء:(ولا تخزوني)] أي: ولا تذلوني أو تهينوني بالتعرض لهم بالسوء ، كما قال تعالى حكاية عنه: (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد)هود(٧٨) . من الخزي : وهو الذل والهوان . فإنه خشي أن يلحقه ذلك إن عجز عن حماية أضيافه .

15:70Page 265

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

٧٠ – ﴿قَالُوٓاْ﴾ له مجيبين : ﴿أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: أوَ ما نهيناك عن إجارة أو ضيافة أحد من العالمين ؟

15:71Page 266

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١

[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."

٧١ – ﴿قَالَ﴾ لهـم لوط : ﴿هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ﴾ يريـد : نساءهم ، أو : نساء القوم – فإن كل نبي أب لأمته – أو: بناته حقيقة . أي : انصرفوا إلى نسائكم فباشروهن ، أو : إلى النساء عامة، فتزوجوهن حلالا بالعقد المشروع، كما قال تعالى: (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم)هود(٧٨). أو: هؤلاء بناتي تزوجوهن حلالا . ﴿إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ الفاحشة بضيفي. فأرشدهم إلى نسائهم ، وما خلق لهم ربهم من أزواجهم .

15:72Page 266

لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢

By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

٧٢ – ﴿لَعَمۡرُكَ﴾ يا محمد ، أي: وحياتُك ، وهو قسم من الله تعالى بحياة محمد ﷺ . أو : من الملائكة بحياة لوط عليه السلام ﴿إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ﴾ أي: غوايتهم وضلالتهم أو : شدة غلمتهم وغفلتهم التي أزالت عقولهم ، وتمييزهم بين القبيح والحسن.﴿يَعۡمَهُونَ﴾ أي: يترددون حيارى.أو : يعموْن عن الرشد .والعَمْر-بفتح العين-: لغة في العُمْر – بضم العين – ومعناها : مدة حياة الإنسان وبقائه في الدنيا ، والتزم الفتح في القسم . و «عَمْر» : مبتدأ خبره محذوف وجوبا، تقديره : قسمى أو يميني أو نحوه . ولم يقسم الله تعالى بحياة أحد من خلقه غير محمد ﷺ ، وهذا تكريم له ورفعٌ لمقامه .ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، كالضحى والليل وغيرهما، أما نحن فلا يجوز لنا الحلف بغير الله تعالى .والسّكْرة هنا : حالة طغيان الشهوة المحرمة ، وقد جعل الغواية سكرة، لكونها تذهب بعقل صاحبها ، كما تذهب به الخمرة .

15:73Page 266

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣

So the shriek1 seized them at sunrise.

٧٣ – ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ﴾ أي: صيحة السماء بالعذاب ، وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة، وهو الصوت الشديد المزعج . قال تعالى : (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين)هود(٦٧). ﴿مُشۡرِقِينَ﴾ أي: داخلين في وقت الشروق ، فكان ابتداء العذاب عند الصبح ، وانتهاؤه وقت الشروق، والجملة حال ، أي: حال كونهم مشرقين .

15:74Page 266

فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

٧٤ – ﴿فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا﴾ أي: عالي قراهم ﴿سَافِلَهَا﴾ بأن رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء ، وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، ولذلك سميت قراهم «بالمؤتفكات» لأنها قلبت بأهلها . ﴿وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي: من طين متحجر. كما قال سبحانه و تعالى : (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود)هود(٨٢).

15:75Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥

Indeed in that are signs for those who discern.

٧٥ – ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من قصتهم ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات أو لعلامات عـلى وحدانيـة الله وقدرتـه، ﴿لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمتفكرين المتأملين، أو الناظرين المعتبرين، أو: المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقائق الأشياء بسماتها، ويتوسمون فيها، فلقومك يا محمد في قوم لوط و ما حلَّ بهم على تكذيبهم، معتبر .وهو تفعل من الوسْم ، وأصله: التثبت و التفكر، مأخوذ من الوسم: وهو التأثير بحديدة محماة في جلد البعير أو غيره .وفي الحديث : عند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ، قال : قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ النبي ﷺ : (إن في ذلك لآيات للمتوسمين)»الحجر(٧٥). وقد رواه الترمذي وابن جرير أيضا، وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه .وروى البزار عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ : «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسُّم» .

15:76Page 266

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦

And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.

٧٦ – ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي : قرى قوم لوط المهلكة ﴿لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ﴾ أي : لفي طريق مُعْلم واضح ثابت مسلوك يراه كل مجتاز به إلى الشام، كما قال سبحانه و تعالى:(وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون ١٣٨)الصافات(١٣٧-١٣٨).

15:77Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧

Indeed in that is a sign for the believers.

٧٧ – ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: الذي صنعناه بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجائنا لوطا وأهله ﴿لَأٓيَةٗ﴾ أي: لعبرة ودلالة ﴿لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ بالله ورسله ، يعتبرون بها ويتعظون.

15:78Page 266

وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨

And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,

٧٨ - ﴿وَإِن﴾ أي: وإنه ﴿كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ﴾ أي: أصحاب الغيضة ، وهي : الشجر الملتف المجتمع، والمراد بها : البقعة الكثيفة الأشجار التي كانت فيها مساكنهم قرب مدين ، وهم : قوم شعيب عليه السلام. ﴿لَظَٰلِمِينَ﴾ بتكذيبهم شعيبا، وكانوا مع كفرهم وشركهم بالله يقطعون الطريق ، وينقصون المكيال والميزان ، فأهلكهم الله بعذاب يوم الظلة . قال تعالى : (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)الأعراف(٨٥) .

15:79Page 266

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

٧٩ – ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ﴾ أي: من قوم شعيب بالصيحة والرجفة ، وعذاب يوم الظلة . ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ أي: وإن قرى قوم لوط ، ومساكن قوم شعيب- أصحاب الأيكة- ﴿لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ أي: لبطريق واضح ظاهر، يأتمون به في سفرهم ، ويهتدون به إلى الموضع الذي يريدونه ،أفلا تعتـبرون بهم يا أهل مكة ؟و سمي الطريق إماما: لأنه يُؤم ، أي: يقصد و يتبع .

15:80Page 266

وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠

And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.

٨٠ – ﴿وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ﴾ وهم ثمود ، قوم صالح عليه السلام . والحِجْر: اسم واد بين الشام والمدينة، كانوا يسكنونه، وله آثار باقية ، والحجر في الأصل: كل ما أحيط به الحجارة . فهؤلاء كذبوا ﴿ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ بتكذيبهم صالحا عليه السلام . فإنه من كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين، لاتفاق دعوتهم واشتراكهم في المجيء بتوحيد الله وعبادته .

15:81Page 266

وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

٨١ – ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا﴾ الدالة على صدق ما جاءهم به صالح عليه السلام ، ومن جملتها : الناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء ﴿فَكَانُواْ عَنۡهَا﴾ أي : عن آياتنا ﴿مُعۡرِضِينَ﴾ أي: غير معتبرين بها ، ولا متفكرين فيها ، ولذا عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم .

15:82Page 266

وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

٨٢ – ﴿وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ﴾ بها من المخاوف والعذاب وحوادث الدهر ، مطمئنين في ديارهم، ركونا منهم على قوتها ووثاقتها .

15:83Page 266

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣

But the shriek seized them at early morning,

٨٣ – ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ﴾ من السماء ﴿مُصۡبِحِينَ﴾ أي : داخلين في وقت الصباح ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، هلكى صرعى . و «مصبحين» حال ، أي : حال كونهم كذلك.

15:84Page 266

فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤

So nothing availed them [from] what they used to earn.

٨٤ - ﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم﴾ أي: لم يدفع عنهم ، ولم ينفعهم شيئا من عذاب الله ﴿مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ من الأموال، وما ينحتون من البيوت والحصون في الجبال، وما يجترحون من سيء الأعمال .

15:85Page 266

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

٨٥ – ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ﴾ أي: إلا خلقا متلبسا بالحق والعدل والإنصاف، أي: بما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية ، من المنافع والمصالح ، وفيهما دلالة على كمال قدرته ، وسعة رحمته وحكمته، وإحاطة علمه ، وعظيم سلطانه ، كقوله :(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا)ص(٧٢) . ﴿وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ ﴾ أي: بالعدل ، فهي كائنة لا محالة ، فيجازي كل واحد بعمله ، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿فَٱصۡفَحِ﴾ يا محمد عن قومك ﴿ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ﴾ أي: الحسن الذي سلم من معاني الحقد والأذية، القولية والفعلية.أي: تجاوز عنهم وأعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه، واعف عنهم عفوا حسنا في محله ، وذلك دون الصفح الذي ليس بجميل ، وهو : الصفح في غير محله ، أي: فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة ، فإن لكل مقام مقالا وعملا . وقيل : إن هذه الآية كانت قبل الأمر بقتالهم، وفيها دلالة على سنة التدرج في التشريع . وهذا كقوله: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون)الزخرف(٨٩) .

15:86Page 266

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

٨٦ – ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ﴾ لكل شيء ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بكل شيء . كقوله: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم)يس(٨١).

15:87Page 266

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧

And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.

٨٧ – ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ﴾ أي: أنزلنا عليك يا محمد ﴿سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي﴾ هي فاتحة الكتاب، وآياتها سبع، آخرها قوله :(غير المغضوب عليهم ولا الضالين)الفاتحة(٧) إن لم تُعدّ البسملة آية منها، فإن عُدت – على قول – آية منها ، فالآية السابعة هي قوله سبحانه: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)الفاتحة(٧) .وسميت المثاني: لأنها تُثنى – أي: تكرر – في كل صلاة بقراءتها ، أو لأنها أُثني بها على الله عز و جل ، إذ جمعت الحمد والتوحيد بأنواعه الثلاثة (الألوهية و الربوبية والأسماء و الصفات)، وملكه يوم الدين، و«مِن» للبيان .ويؤيد هذا القول : ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى: أن رسول الله ﷺ قال له : «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن ؟ ثم قال له: (الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . وما رواه البخاري أيضا من حديث أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال : «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» وهو نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم .و قيل: هي السبع الطوال : البقرة، وآل عمران والنساء و المائدة، والأنعام والأعراف ، والأنفال مع التوبة. وقيل : السابعة : يونس . وسميت هذه السبع: مثاني : لكثرة ما فيها من التوحيد وعلوم الغيب والفرائض و الحدود والقصص والأحكام و الأمثال والعبر ، وتثنيتها -أي: تكرارها – فيها .و إلى هذا القول ذهب ابن مسعود وابن عمر وابن عباس .و الأول أولى و أظهر . و الله أعلم.والمثاني : جمع ثنْيٍ ومثناة – بفتح الميم وكسرها – من ثنى الشيء ثنيا: إذا رد بعضه على بعض ، فهي بمعنى طاقات الشيء التي يُعطف بعضها على بعض .﴿وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ معطوف على سبعا: فإن كانت الفاتحة ، فهو من باب عطف الكل على الجزء ، وإن كانت السبع الطوال ، فمن باب عطف العام على الخاص .ومثله قوله : (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)الزمر(٢٣). قال ابن كثير : فلا تنافي بين القولين، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة . وقد سئل رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى ، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء .

15:88Page 266

لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.

٨٨ – ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ﴾ أي : لا تطمح نفسك ﴿إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ﴾ أي : أصنافا من الكفار ، من متاع الدنيا وزينتها ، فإنه مستحقر بالنسبة لما آتيناك من السبع المثاني والقرآن العظيم .﴿وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ﴾ إن لم يؤمنوا واستمروا على كفرهم وعنادهم .﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ﴾ أي : تـواضع وألـن جانبـك ﴿لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ فلك فيهـم عـن الكفار أحسن البدل وأفضل العوض. والمعنى : استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ، فلا تديمن النظر إلى الدنيا وزينتها ، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية، لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم، في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك . مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه: إذا غطاه به و ضمه إليه .

15:89Page 266

وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

٨٩ – ﴿وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ﴾ لكم أيها الناس من عذاب أليم ، كما حل بمن تقدم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام ﴿ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: البيّن النذارة والإنذار لكل من عصى الله ورسوله.

15:90Page 266

كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠

Just as We had revealed [scriptures] to the separators1

٩٠ – ﴿كَمَآ أَنزَلۡنَا﴾ أي: ولقد أنزلنا عليك القرآن، مثل ما أنزلنا ﴿عَلَى﴾ أهل الكتاب من اليهود و النصارى ﴿ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ﴾ الذين اقتسموا الكتاب فآمنوا ببعضه و كفروا ببعضه. أو: الذين قسموا القرآن إلى حق وباطل فآمنوا بما وافق كتبهم وكفروا بما خالفها . و يبدل منه :

15:91Page 267

ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١

Who have made the Qur’ān into portions.1

٩١ – ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ﴾ أي: أجزاء وأعضاء متفرقة ، لفرط عنادهم ، فجعلوا ما يوافق من القرآن كتبهم حقا ، وما يخالفه باطلا، فآمنوا ببعض القرآن ، وكفروا ببعضه . أو: جعلوا القرآن أكاذيب فأكثروا البهت والكذب عليه . أو : (الذين جعلوا القرآن) أي: كتبهم المنزلة عليهم (عضين) أي: أجزاء، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وهذا قول ابن عباس ، كما أخرجه البخاري وغيره .وقيل : المراد بالمقتسمين : الذين بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا طرق مكة وفجاجها يصدون الناس عن الإسلام ، يقول بعضهم في القرآن: سحر، وبعضهم: كهانة ، وبعضهم : شعر. فيكون المعنى على القول الثاني : (كما أنزلنا) العقوبة والعذاب (على المقتسمين) الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام (الذين جعلوا القرآن عضين) أي: أجزاء وأعضاء يصرفونه بحسب أهوائهم، فبعضهم يقول : سحر ، وبعضهم:كهانة ، وبعضهم : شعر .فقوله : (كما أنزلنا) - على القول الأول – متعلق بقوله:(ولقد آتيناك) لأنه في معنى أنزلنا عليك.و «عضين» : أي : أجزاء وأعضاء متفرقة ، من عضّيت الشيء تعضية: إذا فرقته وجعلته أجزاء ، كل فرقة عِضة بوزن عِزة ، وأصلها : عِضوة كعِزوة. أو جعلوه أكاذيب ، فأكثروا البهت والكذب عليه . جمع عضة بمعنى: الكذب والبهتان ، من العضْه ، وهو أن يقول الإنسان في غيره ما ليس فيه . يقال : عضهه عضْها: رماه بالكذب ، وقد أعْضَهْتَ : أي: جئت بالبهتان .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском