Al-Jami' al-WajizAl‑Isra · 17:16–35

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:16–35

17:16Page 283

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.

١٦ - ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً﴾ أي: نعذب أهلها عذاب استئصال﴿أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا﴾ أي: منعّميها وجباريها، وقادتها و رؤساءها ، أمرناهم بالطاعة على لسان رسلنا. و خصوا بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الكل، لأنهم أئمة الفسق و رؤساء الضلال، و غيرهم تبع لهم. [و في قراءة: بالمد (آمرنا مترفيها) أي: كثّرناهم] ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ أي: فخرجوا عن أمرنا لهم بالطاعة إلى المعصية ﴿فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ﴾ بالعذاب والهلاك، أي: وجب وعيد الله فيهم بسبب معصيتهم وفسقهم وطغيانهـم ﴿فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا﴾ أي: فأهلكناها ومحونا آثارها، أو: استأصلناها بالهلاك، و ذلك بإهلاك أهلها وتخريبها، لأن غير المترف يتبع المترف في فسقه عادة. من التدمير : وهو إدخال الهلاك على الشيء مع طمس أثره .و المترف: المنعّم الذي أبطرته النعمة ، وهم: الجبارون المتسلطون، و الملوك الجائرون ، و الأغنياء الفاجرون .فائدةو اختلف في المراد بقوله :(أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) على أقوال :الأول: أي : وإذا دنا وقت تعلّق إرادتنا بإهلاك أهل قرية بعذاب الاستئصال لما اقترفوه من الظلم والمعاصي ، أمرنا بالطاعة متنعّميها وجبّاريها و قادتها ، ففسقوا فيها وتمرّدوا وعصوا ، فاستحقوا العقوبة. وهو من باب قولهم: أمرته فعصاني. من التّرفة: و هي النعمة، يقال: أترفته النعمة، إذا أطغته. الثاني: أو يكون المعنى : و إذا دنا ذلك الوقت ، أفضنا عليهم النّعم المبطرة لهم ، و صببناها عليهم كأننا أمرناهم بالفسق ، ففسقوا فيها وعصوا . وإليه ذهب الزمخشري في «كشّافه».الثالث: أو يكون الأمر أمراً قدرياً كونيا، أي أمرنا مترفيها أمراً قدرياً، ففسقوا فيها ، كقوله: (أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا)يونس(٢٤)، فيكون المعنى : أنَّا سخرناهم و زينا لهم فعل الفواحش ففعلوها فاستحقوا العذاب .الرابع: أو يكون المعنى : سلّطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب .الخامس: وقيل :(أمرنا) بمعنى كثّرنا، كآمرنا ، وبها قريء كما تقدم. وقُريء في الشاذ أيضاً: (أمّرنا) بتشديد الميم ، أي كثّرنا فسّاقها ومترفيها ، أو جعلناهم أمراء مسلطين .

17:17Page 283

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.

١٧- ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ﴾أي: وكثيراً أهلكنا من الأمم المكذّبة لرسلها ﴿مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ﴾ كعاد وثمود و قوم لوط ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾ أي : عالماً ببواطنها و ظواهرها ، و خفيها وجليها، مطلعا عليها لا تخفى عليه منها خافية . و في الآية: دلالة على أن القرون بين آدم و نوح كانت على الإسلام ، كما قال ابن عباس : كان بين آدم و نوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام . وفيه تهديد و إنذار للمشركين .و القرون : جمع قرن ، يطلق على الزمن المعين و على أهله المقترنين فيه، و على كل أمة.

17:18Page 284

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

١٨-﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ﴾ بعمله و سعيه ﴿ٱلۡعَاجِلَةَ﴾ أي : المنفعه العاجلة ، أو: الدار العاجلة ، وهي الدنيا، فعمل لها وسعى لها وجعلها نصب عينيه ، فلا يؤمن بمعاد ، ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا﴾ أي: في تلك العاجلة ﴿مَا نَشَآءُ﴾ نحن ، لا ما يشاؤه ذلك المريد ﴿لِمَن نُّرِيدُ﴾ التعجيل له منهم، من بسط أو تقتير، فلا يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه منها ، إلا إذا شاء الله له ذلك، و أراده . فكم من عامل لها ناصب، يموت بحسرته عليها .﴿نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿يَصۡلَىٰهَا﴾ أي : يدخلها أو: يقاسي حرّها ، بسبب تركه العمل للآخرة و إخلاصه الدين لله و اختياره الفاني على الباقي ﴿مَذۡمُومٗا﴾ أي : حال كونه ملوما ممقوتاً ﴿مَّدۡحُورٗا﴾ أي: مطروداً مقصيا مبعدا من رحمة الله، أو: ذليلا مهاناً. وقوله: (يصلاها) : من صليت الرجل النار: إذا أدخلته فيها، وصليت الشاة: شويتها .وفي الحديث: عند أحمد عن عائشة رضي الله عنها ، مرفوعاً:«الدنيا دار من لا دار له ، و مال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».

17:19Page 284

وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩

But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].

١٩ - ﴿وَمَنۡ أَرَادَ﴾ بعمله ﴿ٱلۡأٓخِرَةَ﴾ فرضي بها ، وآثرها على الدنيا ، واختار الباقى على الفاني ﴿وَسَعَىٰ لَهَا﴾ أي: للآخرة ﴿سَعۡيَهَا﴾ اللائق بها على الوجه الشرعيّ الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، على قدر وُسعه و إمكانه ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ ﴾ أي: و الحال أنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله و اليوم الآخر والقدر خيره وشره ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾أي: الجامعون للشرائط الثلاثة: من إرادة الآخرة بعمله ، وكونه موافقا لكتاب الله و سنة رسوله، و هو مؤمن مصدّق ﴿كَانَ سَعۡيُهُم﴾ وعملهم ﴿مَّشۡكُورٗا﴾ عند الله ، أي: مقبولاً، مثاباً عليه، غير مردود ، أو: منمّىً مدخراً لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم.

17:20Page 284

كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠

To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.

٢٠ - ﴿كُلّٗا﴾ أي : من الفريقين: المعجّل لهم ، الذين أرادوا بعملهم الدنيا ، والمشكور لهم ، الذين أرادوا بأعمالهم الآخرة ﴿نُّمِدُّ﴾ أي : نعطي و نزيد ﴿هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ﴾ مرّة بعد أخرى ﴿مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ﴾ فنزيد المعجل لهم من العطايا العاجلة ونزيد المشكور لهم من العطايا الآجلة ، أو نزيد كلا الفريقين من عطائنا و رزقنا في الدنيا، تفضلا منه تعالى و إحسانا. يقال : أمدّ الجيش بالجند ، إذا زاده و قوّاه. ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ﴾ في الدنيا ﴿مَحۡظُورًا﴾ أي: ممنوعاً عن أحد ، ممن يريد إعطاءه ، مؤمناً كان أو كافراً، بَراً أو فاجراً ، تفضلا منه تعالى وإحسانا، فجميع الخلق ، من أهل طاعته ومعصيته راتعون في فضله و إحسانه . من الحظْر بمعنى: الحَجْر، يقال: حَظَره يحظُره ، فهو محظور ، أي: ممنوع .

17:21Page 284

ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١

Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.

٢١ - ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمد ﴿كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ﴾ أي: بعض الناس ﴿عَلَىٰ بَعۡضٖۚ﴾ في الدنيا ، و ذلك في الرزق والعلم والجاه و غيرها ، فمنهم غني و فقير و صحيح وسقيم و قوي وضعيف، و تابع و متبوع و عالم وجاهل، وبين ذلك كلّه ، لحكمة بالغة لا يعلمها إلا الله، تتقاصر العقول و الأفهام عن إدراكها .و قيل : انظر كيف فضلنا العاملين للآخرة على العاملين للدنيا .﴿وَلَلۡأٓخِرَةُ﴾ و ما فيها من نعيم مقيـم و عـطاء جزيـل ﴿أَكۡبَرُ﴾ أي: أعظم ﴿دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ﴾ أي: وأعظم ﴿تَفۡضِيلٗا﴾ من الدنـيا ، فينبـغي الاعتناء بها دونهـا ، فالتفاضل في الآخرة ودرجاتها بين المؤمنين و الكافرين، هو فوق التفاضل والتفاوت في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض و نحوهما. فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ، و منهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها و سرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه من الجحيم ، و أهل الدرجات يتفاوتون فيما هم فيه من النعيم المقيم.و في الحديث الصحيح :«إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض».و في الصحيحين :«إن أهل الدرجات العُلى ليرون أهل عليّين ، كما ترون الكوكب الغابر في أُفق السماء» .

17:22Page 284

لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢

Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.

٢٢ - ﴿لَّا تَجۡعَلۡ﴾ أيها الإنسان المكلف ﴿مَعَ ٱللَّهِ﴾ في عبادتك وسؤالك إياه ﴿إِلَٰهًا ءَاخَرَ﴾ شريكا له في العبادة والسؤال ، فلا أحد من المخلوقين يستحق شيئا من ذلك.﴿فَتَقۡعُدَ﴾ أي : فتصير على إشراكك بالله أحداً معه أو غيره ﴿مَذۡمُومٗا﴾ أي: ملوماً من الله و ملائكته وصالحي عباده ﴿مَّخۡذُولٗا﴾ أي: غير منصور و لا معان من الله ، فالله يكلك إلى الذي عبدت معه أو غيره، وهو –أي: المعبود من دون الله أو معه - لا يملك لك نفعا و لا ضرا ، فمن تعلق بغير الله فهو مذموم مخذول موكول إلى من تعلق به .و قوله:(فتقعد): يجوز أن تكون على معناها الأصلي، و هي كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات. و قيل: هي بمعنى: تصير ، مأخوذ من قولهم : شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، أي: صارت كالحربة.و في الحديث : عند أحمد و أبي داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«من أصابته فاقة ، فأنزلها بالناس ، لم تُسدّ فاقته ، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل». ومن تعلق بالله وحده ، و أخلص له دينه ، فهو محمود، معان ، منصور في جميع أحواله . ولما بيّن الله تعالى بأن سعادة الإنسان في الآخرة منوطة بإرادته لها في عمله وسعيه و بكونه مؤمنا، فصّل ذلك بذكر خمسة و عشرين نوعاً من أنواع التكاليف : أولها: التوحيد في قوله: (لا تجعل مع الله إلها آخر) ثم الأمر بعبادته وحده ، و النهي عن عبادة غيره و الإحسان إلى الوالدين ،...، و آخرها : قوله : (ولا تمش في الأرض مرحا) .

17:23Page 284

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣

And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.

٢٣ - ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ﴾ أي: أمر و ألزم و حكم و وصّى ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ﴾ أي: بأن لا تعبدوا أحداً، كائناً من كان ﴿إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ فـلا إله غيـره و لا رب سواه ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ أي: وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، بأن تبروهما و تحسنوا إليهما بجميع وجوه البر و الإحسان القولية والفعلية، الظاهرة و الباطنة، كقوله سبحانه :(أن اشكر لي و لوالديك إليّ المصير)لقمان(١٤). ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ﴾[و في قراءة : بالمد المشبع ﴿يبلغانِّ﴾] أي: إن بلغ ﴿عِندَكَ﴾ أي: في كنفك و كفالتك ﴿ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ﴾أي: لا تقل لهما: أنا أتضجّر و أقلق من كل فعل لكما تضجراً .[و في قراءة: بكسر الفاء المشددة بدون تنوين : (أفِّ) و في أخرى بفتحها مشددة: (أُفَّ)].و أفّ - بفتح الفاء من غير تنوين، و بكسرها منوناّ وغير منون-: اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر. أو هو: مصدر بمعنى : تباً و قُبحاً. أو:كلمة أو صوت يُنبئ عن التضجر و الاستثقال والتبرّم و الكراهية. والنهي عن ذلك: يدل على النهي عن سائر أنواع الأذى بدلالة النص. و قيل: لا تسمعهما قولاً سيئاً ، حتى ولا التأفف منهما، و هو أدنى مراتب الأذى و القول السيء، فنبّه به على ما سواه ، أي لا تؤذهما بالقول أدنى أذية . ﴿وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ أي: ولا تزجرهما بغلظة عمّا يتعاطيانه، ممّا لا يعجبك. و النّهر : الزجر بمغالظة . يقال: نهره و انتهره ، بمعنىً : إذا استقبله بكلام يزجره .وخص حالة الكبر بالذكر ، لكونها إلى البر والإحسان من الولد أحوج من غيرها .فالمراد من النهي الأول : المنع من إظهار الضّجر منهما مطلقا ، و من الثاني : المنع من إظهار المخالفة لهما في القول على سبيل الرّد و التكذيب.و قيل : النهي عن القول القبيح والفعل القبيح .﴿وَقُل لَّهُمَا﴾ بدل التأفف و النهر ﴿قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ أي: حسناً جميلاً طيباً ليناً لطيفاً ، بتأدب و توقير ، واحترام و تعظيم .

17:24Page 284

وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤

And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."

٢٤ - ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ﴾ أي: ألن جانبك متذللاً متواضعاً لهما من مبالغتك في الرحمة بهما ، و الرّقة عليهما ، وحسن العناية والرعاية لهما ، احتساباً للأجر والثواب عند الله ، أي: لا لأجل الخوف منهما ، أو الرجاء لما عندهما، و غير ذلك من المقاصد ، بل اتباعاً لأمر الله بالبر والإحسان إليهما .و أصل خفض الجناح : أن الطائر إذا أراد ضمّ فِراخه إليه للتربية والعناية، خفض لهما جناحيه ، فكأنه قال للولد: اكفل والديك عند الكبر، بأن تضمهما إلى نفسك ، كما فعلا بك في حال صغرك ، فهذا كناية عن حسن الرعاية و العناية و التواضع و عدم التعالي.﴿وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا﴾ رحمــة ﴿كَمَا﴾ رحمــاني حين ﴿رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ أي: ادع لهما بالرحمة أحياء و أمواتاً، جزاء على تربيتهما إياك صغيراً ، تربية صالحة . و فيه: أن من تولىّ تربية الإنسان ، في دينه و دنياه ، تربية صالحة ، غير الأبوين ، فإن له على من ربّاه حق التربية . أو : تعطّف عليهما بالرحمة و المغفرة كما تعطفا عليّ في صِغَري بالرحمة والتربية .وفي الآيتين: الأمر بعبادة الله وحده، و النهي عن عبادة غيره ، و الأمر بالبر و الإحسان إلى الوالدين أحياء و أمواتاً . وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها :ما أخرجه الترمذي و الحاكم ، عن أبي هريرة وأنس، أن النبي ﷺ صعد المنبر يوماً فقال : «آمين» فلما سئل عن ذلك قال:«إن جبريل أتاني فقال : يا محمد ، رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما، ولم يدخلاه الجنة ، قل: آمين ، فقلت: آمين».و في رواية عند أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ، ولم يدخل الجنة» .و في رواية عند أحمد عن أبي مالك القشيري ، و عند أبي داود الطيالسي عن شعبة ، أن النبي ﷺ قال :«من أدرك والديه أو أحدهما، ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله و أسحقه» . و روى أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه عن مالك بن ربيعة الساعدي أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال:«يا رسول الله، هل بقي عليّ من برّ أبويّ شيء بعد موتهما ، أبرهما به ؟قال: نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما – أي : الدعاء لهما- و الاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرّحم التي لا توصل إلا بهما- وفي رواية: وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما - فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما».وما رواه أحمد و النسائي وابن ماجه ، من حديث معاوية بن جاهمة السّلمي :«أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ، أردت الغزو ، وجئتك أستشيرك ، فقال: فهل لك من أمّ ؟ قال نعم: قال:فالزمها ، فإن الجنة عند رجليها».و في معناه : أن رجلا جاء يستشيره في الغزو فقال: «هل من أبويك حيٌّ؟» قال: نعم ، كلاهما ، قال: «ففيهما فجاهد» .

17:25Page 284

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥

Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1

٢٥ - ﴿رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ﴾ من إضمار البرِّ و العقوق للوالدين، أو من الإخلاص و عدمه في العبادات و الطاعات ، فهو تعالى مطلع على القلوب و الضمائر والسرائر ، وما فيها من خير و شرّ ﴿إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ﴾ أي: طائعين لله ، مخلصين له الدين ﴿فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ﴾ أي: الرجاعين إليه تعالى بالتوبة و الإنابة ، مما فرط منهم من المعاصي و الذنوب ﴿غَفُورٗا﴾ لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة و همّ ، وهم لا يضمرون عقوقاً، فمن تاب من ذنبه، تاب الله عليه . و أوّابين : جمع أوّاب ، بمعنى: كثير الأوبة و الرجوع إلى طاعة الله. يقال : آب يئوب: إذا رجع ، والأوب: الرجوع. قال تعالى :(إن إلينا إيابهم)الغاشية(٢٥). و في الحديث الصحيح : أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» .

17:26Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

٢٦ - ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ أي : أعط ذوي قرباك حقوقهم الواجبة و المسنونة ، من البر والإحسان والإكرام و الصّدقة و صلة الرحم، و المودة و العطف و المعاضدة والزيارة و حسن المعاشرة ، والمؤالفة على السراء و الضراء و نحو ذلك ، بما تبلغ إليه القدرة وحسبما يقتضيه الحال . و في الحديث :«أمّك و أباك ، ثم أدناك فأدناك». و في رواية «ثم الأقرب فالأقرب» . و في الحديث أيضاً «من أحب أن يبسط له في رزقه و ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». وفي رواية :«وينسأ له في أجله». رواه مسلم .و ذو القربى : قرابة المرء من قبل أبيه و أمه .و الأمر في قوله:(و آت ذا القربى) على قولين:الأول: الوجوب عند أبي حنيفة ، فيجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم ، كالأخ و الأخت والوالد من باب أولى.الثاني: و عند الشافعي : أن الأمر للندب و لا تجب عنده إلا نفقة الأصول و الفروع دون غيرهما من الأقارب.قلت: و الأول أولى عندي ، لعدم الدليل على الصارف من الوجوب إلى الندب .﴿وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: و آت المسكين وابن السبيل حقهما من الزكاة الواجبة أو المسنونة، و المراد : التصدق عليهم من صدقة الفرض أو النفل . و المسكين : من أسكنته الحاجة و أقعدته عن الكسب .و ابن السبيل : الغريب المنقطع به عن بلده ، أو : هو المنقطع في سفره. ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾ بالإنفاق في معصية الله ، وفي غير الحق ، و إن كان يسيراً. أو : هو النهي عن الإسراف المذموم في الحلال ، لمجاوزته للحد المستحسن شرعاً في الإنفاق . فإنه لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطاً كما قال تبارك و تعالى:(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما)الفرقان(٦٧). أو: هو وضع المال في غير موضعه المطلوب شرعا.و أصل التبذير: التفريق في السّرف، و هو تفريق المال كيفما كان ، كما يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه.

17:27Page 284

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

٢٧ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ﴾ أي: أشباههم و أمثالهم أو على طريقتهم في التبذير والإسراف و السفه وترك طاعة الله و ارتكاب معصيته ، و تفريق أموالهم في معاصى الله و صرفها فيما لا ينبغي شرعاً .أو : هم قرناؤهم في النار .﴿وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا﴾ أي: شديد الكفر لنعمه جحودا ، لأنه أنكر نعمة الله عليه، و لم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته . فالمبذّر كفور ، كأخيه الشيطان ، ولعل المراد بالتبذير هنا : هو الإنفاق في معصية الله و وضع المال في غير موضعه ، و في غير الحق، و في كل ما لم يأذن به الله ، أو يشرعه ، كالقمار والخمور و الزنا و غير ذلك .

17:28Page 285

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

٢٨ - ﴿وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ﴾ أي: وإن تعرض عن المذكورين من ذي القربى و المسكين و ابن السبيل، فلم تعطهم ، لفقد النفقة، أو عسرها أو لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض، فأعرضت عنهم ﴿ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا﴾ أي: طلباً لرزق تنتظره من الله يأتيك وترجو أن يفتح الله به عليك فتعطيهم منه ﴿فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا﴾ أي: ليناً سهلاً ، لطيفاً رفيقاً، بأن تعدهم وعدا جميلاً بالإعطاء عند مجيء الرزق و سنوح الفرصة ، أو الاعتذار المقبول إلى أن يشاء الله بصلتهم و إعطائهم.فهذا الأمر بإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل منوط بالقدرة والغنى، فأما مع العدم أو تعسّر النفقة، فردّ جميل ، وقول ميسور ، كقوله : (قول معروف و مغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)البقرة(٢٦٣).

17:29Page 285

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

٢٩ - ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً﴾ أي: مقبوضة عن الإنفاق في سبيل الخير ﴿إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ فلا تمسكها عن الإنفاق كلّ المسك – لمن له حق عليك – فالآية : كناية عن شدّة الإمساك والبخل و الشح .و أصل الغُلّ : الطّوق الذي يُجعل في العنق و تُضم به اليد إليه ، كُنّي به عمّا ذكر . و المعنى : لا تكن بخيلاً مَنُوعاً، لا تعطى أحداً شيئاً .﴿وَلَا تَبۡسُطۡهَا﴾ في الإنفاق ﴿كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ﴾ أي : لا تسرف فتعطي فوق وسعك و طاقتك . أو : تنفق في غير ما يجب عليك . فالآيه: كناية عن التبذير و الإسراف.﴿فَتَقۡعُدَ﴾ فتبقى أو تصير إن فعلت ذلك ﴿مَلُومٗا﴾ بسبب الإمساك والبخل ، يلومك الناس ويذموك ﴿مَّحۡسُورًا﴾ أي: منقطعاً بك معدماً، لا شيء عندك بسبب الإسراف وإتلاف المال ، أو نادماً . من حسره السير ، يَحسِرُه ويَحسُرُه : إذا أثّر فيه أثراً بليغاً. يقال : بعير محسور: إذا ذهبت قوته، فلا انبعاث به. والحسير: الدابة التي عجزت عن السير و كلّت ، فوقفت ضعفا وعجزاً. و منه قوله تعالى: (ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير)الملك(٤).أي: كليل عن أن يرى عيباً . و الآيه: نهي عن البخل و الإسراف وحث على التوسط و الاعتدال في إنفاق المال شرعاً و عقلاً و أمرٌ بالاقتصاد في العيش . و فيها ردّ على من يقول : ينفق الإنسان كلّ ماله و لا يدّخر شيئاً لغده . وقد ورد في الحث على الإنفاق أحاديث منها :ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل البخيل و المنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثُديهما إلى تراقيهما ، فأما المنفق ، فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده، حتى تخفي بنانه ، و تعفو أثره. و أما البخيل ، فلا يريد أن ينفق شيئاً ، إلّا لزقت كل حلقة مكانها ، فهو يوسعها ، فلا تتسع» . وهذا لفظ البخاري في «الزكاة».و في الصحيحين أيضاً عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله ﷺ:«أنفقي هكذا وهكذا و هكذا و لا توعي فيوعي الله عليك و لا توكي فيوكي الله عليك». و في لفظ: «ولا تُحصي فيحصي الله عليك». و في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يُصبح العباد فيه ، إلا و ملكان ينزلان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعط مُنفقاً خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا» و في صحيح مسلم ، أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله قال لي : أنفق أُنفق عليك». و في لفظ: «أن الله يقول : عبدي، أنفق أُنفق عليك» .وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة، مرفوعاً :«ما نقص مال من صدقة، و ما زاد الله عبداً أنفق إلا عزاً ، و من تواضع لله رفعه الله». وفي حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً ، عند أبي داود و الحاكم ، بلفظ :«إياكم و الشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، أمرهم بالبخل فبخلوا و أمرهم بالقطيعة فقطعوا، و أمرهم بالفجور ففجروا».وروى أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله ﷺ قال: «ما عال من اقتصد» .

17:30Page 285

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ﴾ أي: يوسعه ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ من عباده ، فضلاً وإحساناً ﴿وَيَقۡدِرُۚ﴾ أي : يضيق و يقتر على من يشاء منهم عدلاً وحكمة، على حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية . ﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى ، الرازق القابض الباسط ، المتصرف في خلقه بما يشاء ﴿كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾ أي: عالماً ببواطنهم و ظواهرهم وبتدبير أمورهم ، و بمن يستحق الغنى و من يستحق الفقر منهم ، فيرزقهم على حسب مصالحهم ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة .و في الحديث :«إن من عبادى لمن لا يصلحه إلا الفقر، و لو أغنيته لأفسدت عليه دينه ، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ، و لو أفقرته لأفسدت عليه دينه». و قد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجاً و إملاءً ، و الفقر عقوبة ، عياذاً بالله من هذا و ذاك.

17:31Page 285

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

٣١ - ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ﴾ بالوأد ونحوه ﴿خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ﴾ أي : مخافة فاقة و فقر. وهو نهي للموسرين عن قتل أولادهم خشية الفقر، و لذا قدّم الاهتمام برزقهم ، فقال:﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ﴾ أي: فلستم لهم برازقين ، حتى تصنعوا بهم هذا الصّنيع . وقد تقدم في الأنعام نهي المعسرين عن ذلك بقوله : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)الأنعام(١٥١) أي : من فاقة و فقر. فقدم رزق الآباء على الأبناء، فقال : (نحن نرزقكم و إياهم)الأنعام(١٥١) . و المراد : النهي عن وأد البنات لذلك – و كانوا يفعلونه في الجاهلية – لما فيه من سوء الظّن بالله تعالى .يقال : أملق الرّجل : افتقر ، وأصله: من أملق الرّجل، بمعنى: لم يبق له إلا المَلَق - محركة - و هو ما استوى من الأرض ، بمعنى: قاع لا نبات فيه.﴿إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا﴾ أي: إثما عظيما ، و ذنباً فاحشاً . و في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ قال :«أن تجعل لله نداً وهو خلقك» ، قلت: ثم أي ؟ قال :«أن تقتل ولدك خشية أن يَطعم معك»، قلت : ثم أي ؟ قال : «أن تزاني بحليلة جارك». و خِطئاً : أي : إثماً ، وزنا و معنىً، مصدر خَطِيء خِطئاً، كأثم إثما.[وفي قراءة : (خَطَأً) و في أخرى: (خِطاءً) و هما لغة في خِطئاً] . و في الآية : أن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم و والديهم .

17:32Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

٣٢ - ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ ﴾ بمـباشـرة مقدمـاتـه ودواعيه، فالنّهي عن قُربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن مقاربته، ومخالطة جميع أسبابه و مقدماته ودواعيه ، فهو نهي عنه من باب أولى .﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ﴾ أي : ذنباً عظيماً، بالغاً في القبح ، مجاوزاً للحدّ فيه، مستفحشاً في الشرع و العقل والفطر السليمة ﴿وَسَآءَ سَبِيلٗا﴾ أي: و بئس طريقاً و مسلكاً هو ، لأنه يؤدي إلى النار في الآخرة و يُفضي إلى اختلاط الأنساب ، وإفساد الفراش ، و التجريء على محارم الله في الدنيا . و في الحديث : عند ابن أبي الدنيا في مسنده عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا :«ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله ، من نطفة وضعها رجلٌ في رحم لا يحلُّ له» .وعند أحمد في مسنده عن أبي أمامة: أن فتىً جاء يستأذن رسول الله ﷺ في الزنا ، فجعل يقول له: أتحبه لأمك ؟ أتحبه لابنتك ؟ أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك ، أتحبه لخالتك؟ و الفتى يقول : لا ، فوضع ﷺ يده على صدره و قال:«اللهم اغفر ذنبه ، و طهّر قلبه و أحصن فرجه» .

17:33Page 285

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

٣٣ - ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ قتلها، أي : التي جعلها الله معصومة الدم ، بعصمة الدين وعصمة العهد ، فهذا يشمل كل نفس ، من صغير وكبير ، وذكر وأنثى، و حر و عبد ، و مسلم وكافر له عهد ذمّة ، أو حلف.﴿إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ﴾ وهو الحق الشرعي الذي لا يبقى معه للنفس حرمة ، كالنفس بالنفس، قصاصاً من القاتل عمداً وعدواناً، و الزاني المحصن، والتارك لدينه ، المرتد المفارق للجماعة ، والباغي في حال بغيه ، إذا لم يندفع إلا بالقتل.وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ﷺ:«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس و الزاني المحصن ، والتارك لدينه ، المفارق للجماعة – أي: المرتد عن الإسلام–» . و في السنن:«لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم». ﴿وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا﴾ أي: عدوانا بغير حق و لا مسوّغ أو سبب شرعيّ. ﴿فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ﴾ أي: لوليّ الدم أو ولي المقتول ، و هو من يلي أمره من ورثته، و أقرب عصباته إليه. ﴿سُلۡطَٰنٗا﴾ أي: تسلطاً شرعيا وقدريا على القاتل ، بالقصاص ، أو الدية ، أو العفو. فإن الولي بالخَيار في القاتل: إن شاء قتله قصاصاً ، وإن شاء عفا عنه بأخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه مجاناً، كما ثبتت السنة بذلك .وهذا حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص ، كالعمد العدوان و المكافأة . ﴿فَلَا يُسۡرِف﴾ الولي [و في قراءة: بالتاء (فلا تسرف) أيها الولي] ﴿فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ﴾ مجاوزاً الحد في ذلك ، بأن يمثل بالقاتل ، أو يعذبه ، أو يقتص من غير القاتل ، أو يقتله بغير ما قتل به، و لا بأسوأ منه ، كمن لو قتل بالتغريق في ماء عذب ، لم يُغرقه في ماء مالح ، وهكذا.﴿إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا﴾ أي: إن الولي مؤيد معان على القاتل شرعا وقدراً ، فإن الله عز و جل أمر أهل الولايات و القضاء بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه . وفي الآية: دليل على أن الحق في القتل للولي بإشراف الحاكم و قضائه فلا يُقتص إلا بإذنه ، و إن عفا سقط القصاص ، و إن شاء أخذ الدّية ،أو عفا دونها . و أن وليّ المقتول معان على القاتل حتى يأخذ حقه و يقتص منه .

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

٣٤ - ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ﴾ وهو: الذي فقد والده صغيراً ﴿إِلَّا بِٱلَّتِي﴾ أي: بالخصلة أو الطريقة التي ﴿هِيَ أَحۡسَنُ﴾ بحفظ ماله و إصلاحه، والحرص على تنميته و تثميره، وطلب الربح فيه ، والإنفاق منه على اليتيم دون إسراف ، وعدم المباشرة له بإتلافه و إفساده وتعريضه للأخطار بل يأكل الولي منه بالمعروف عند الحاجة لذلك . و الخطاب هنا : لأولياء اليتيم .﴿حَتَّىٰ يَبۡلُغَ﴾ أي: اليتيم ﴿أَشُدَّهُۥۚ﴾ أي: قوته ، أو: زمن قوته واشتداده وصلاح حاله في دينه، بحيث يمكنه بسبب تمام عقله ورشده ودينه ، القيام بمصالح ماله وتدبيره، فإذا بلغ أشده و رشده ، زالت الولاية عنه في ماله ، فَيُدفع إليه ماله، أو يُتصرف فيه بإذنه ، كقوله:(فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم و لا تأكلوها إسرافاً و بدارا أن يكبروا)النساء(٦).﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ﴾ الذي عاهدتم الله عليه ، أو: عاهدتم الناس عليه، أي : قوموا بحفظه و الوفاء به على الوجه الشرعي. و لا تنقضوه إلا بمسوِّغ شرعي ﴿إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ عنه، أي : مسئولا عنه صاحبه ، أوَفَّى به ، أم نقضه ؟.

17:35Page 285

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

٣٥ - ﴿وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ﴾ أي: أتموه من غير تطفيف و لا نقص ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ﴿وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ﴾ [وفي قراءة: بضم القاف:(بالقُسطاس)] أي: بالميزان أو بالعدل و القسط ﴿ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ﴾ أي: السويّ الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، ولا اضطراب و لا جوْر ، ولا دغل ولا خديعة.و القسطاس : الميزان أو العدل ، وفيه لغتان : و بهما قُريء : كسر القاف وضمها ، وهو لفظ معرّب. ويؤخذ من عموم الأمر بالعدل وإيفاء الكيل والوزن، من غير بخس و لا نقص : النّهي عن كل غش في ثمن، أو مثمن، أو معقود عليه ، و الأمر بالنصح و الصدق في المعاملة .﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: إيفاء الكيل و الوزن ﴿خَيۡرٞ﴾ لكم عند الله و عند الناس في معادكم ومعاشكم لانتظام أموركم بالعدل، أو : خير ثوابا ﴿وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا﴾ أي : مآلاً و عاقبة، لما يترتب عليه من الثواب في الآخرة .من الأوْل : وهو الرجوع.وفي الحديث :«لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ، ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ، ما هو خير له من ذلك».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском