Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:164–177
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
١٦٤ - أسباب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء، قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله: (إن في خلق السماوات والأرض) الآية. ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ في ارتفاعـها واتساعها، وإحكامها، وإتقانها، وما فيها من الكواكب السيارة، كالشمس،والقمر،والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد ومعايشـهم. ﴿وَٱلۡأَرۡضِ﴾ في جعلها مهاداً للخلـق، للاستقرار عليها، والانتفاع بما فيها وما عليها، من بحارها وجبالها، وقفارها وعمرانها، وما أودعه الله فيها من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم. ﴿وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما بالذهاب والمجيء والإضاءة والإظلام ، والحرارة والبرودة، والزيادة والنقصان، مما فيه تمام مصالح العباد وانتظام معايشهم. ﴿وَٱلۡفُلۡكِ﴾ أي: السفن ﴿ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾بإذن الله وتسخيره مثقلة موقرة ﴿بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ﴾ من التجارات والحمولات والبضائع والأموال ﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ﴾ هو المطر النازل من السحـاب ﴿فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ﴾ بأصناف النباتات وأنواع الأقوات ﴿بَعۡدَ مَوۡتِهَا﴾ أي: بعد يبسها وقحلها ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي: فرق ونشر في الأرض بالتوالد ﴿مِن كُلِّ دَآبَّةٖ﴾ تدب على الأرض على اختلاف أشكالها وألوانها، ومنافعها، فهو تعالى قائم على رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. ﴿وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ﴾ [وفي قراءة : بالإفراد (الريح)] أي: تقليبها في مهابها وأحوالها جنوباً وشمالا، شرقاً ودبوراً وتسخيراً، صباً ونكباء، حارة وباردة، لينة وعاصفة، عقيماً ولواقح، بالرحمة تارة، وبالعذاب أخرى، مبشرة بين يدي السحاب، فتارة تسوقه وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه. وتصريف : إما مصدر مضاف للمفعول، والفاعل هو الله، أي: وتصريف الله الرياح. أو: مصدر مضاف للفاعل، والمفعول السحاب، أي: وتصريف الرياح السحاب. ﴿وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ﴾ أي: المذلل بأمر الله، يسير إلى حيث شاء الله، فيحي به البلاد والعباد. والتسخير: القهر على الفعل. ﴿بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ثابت بينهما من غير عمد ولا علائق. ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ واضحات بينات دالات على كمال وحدانيته وإلهيته، وجليل قدرته وربوبيته، وعظيم سلطانه ورحمته، واستحقاقه الإفراد بالعبادة، لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بمصالح عباده وشؤونهم ﴿لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ أي: يتدبرون، ويستعملون عقولهم فيما خلقت له، فيستدلون بها على قدرته ورحمته وحكمته. وهذا كقوله: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)آل عمران (١٩٠).
2:165Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
١٦٥ - ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: مع ما تقدم من البيان التام على كمال وحدانيته وإلهيته وربوبيته. ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا﴾ أي: أمثالاً ونظراء، والمراد بها: الأصنام والأوثان التي اتخذوها آلهة،ورجوا منها النفع، وخافوا الضر، وقربوا لها القرابين. وقيل: الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب. ﴿يُحِبُّونَهُمۡ﴾ بالتعظيم والإجلال، والخضوع والإكرام ﴿كَحُبِّ ٱللَّهِۖ ﴾ أي: كحب المؤمنين الله، أو: يحب المشركون أندادهم كما يحبون الله، أي: يساوون أندادهم بالله في العبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ من الكفار وأهل الأنداد لأندادهم- لأنهم مخلصون في محبتهم لله، وأولئك مشركون في محبتهم له- يرجعون إلى الله في الشدة وينسونه في الرخاء.﴿وَلَوۡ يَرَى﴾ أي: يعلم [و في قراءة: (ترى) بالتاء ، أي: تبصر يا محمد] ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ﴾ أنفسهم بالشرك، واتخاذ الأنداد ووضعها موضع المعبود، والشرك ظلم عظيم. ﴿إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ﴾ أي: يوم القيامة عياناً بأبصارهم [و في قراءة: (يُرون) بالبناء للمفعول] ﴿أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ أي: لو عاينوا العذاب لعلموا أن القدرة والغلبة كلها لله، وأن الحكم له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وسلطانه.﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ أي: العقاب للظالمين، أي: لو يعلمون ما يعاينونه من شدة عذاب الله وبطشه، لانتهوا عما هم فيه من الضلال. [وفي قراءة بكسر الهمزة فيهما: (إن القوة لله جميعاً وإن الله شديد العذاب)]. والمعنى: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم- في الدنيا- بالشرك واتخاذ الأنداد، قدرة الله وغلبته، وشدة عذابه وعقوبته، وقت معاينتهم العذاب يوم القيامة، وعجز آلهتهم عن أن تدفع عنهم شيئاً من عذاب الله، لما اتخذوها من دونه أنداداً.
2:166Page 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
١٦٦ - ﴿إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ﴾ أي: السادة والرؤساء، وأئمة الكفر والضلال، وهم: المتبوعون. ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ أي: التابعين لهم على الكفر والضلال من الأتباع. والمعنى: أنكر المتبوعون إضلال التابعين لهم. ﴿وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ﴾ أي: عاينوا عذاب الله- وهم المتبوعون والتابعون- قيل: عند المعاينة في الدنيا، وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة.﴿وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ﴾ أي: انفصلت بسبب كفرهم الوشائج والصلات التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا، من القرابات والمودات والعهود والاتفاق على الدين والاتباع والاستتباع التي كانوا يرجون بها النجاة. والأسباب: جمع سبب وهو في الأصل: الحبل الذي يرتقى به الشجر ونحوه، ثم سمي به كل ما يتوصل به إلى غيره عيناً كان أو معنىً.
2:167Page 25
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.
١٦٧ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ أي: الأتباع ﴿لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ﴾ أي: لو ثبت لنا عودة ورجعة إلى الدنيا. و «لو» للتمني .والكرّة: العودة والرجوع، يقال: كرّ يكرّ كرّاً، أي: رجع.و جـواب «لو»: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من المتبوعين- وهم السادة والرؤساء- ومن عبادتهم ﴿كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ﴾ اليوم. وهم كاذبون في دعواهم، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما أراهم شدة عذابه وتبرأ بعضهم من بعض ﴿يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ السيئة يوم القيامة في الصحائف. وقيل: يريهم الله الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم فتركوها ﴿حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ أي: ندامات شديدة عليهم، حين يتيقنون الجزاء على أعمالهم. وحسرات : جمع حسرة، وهي أعلى درجات الندم والغم على ما فات. يقال: حسر يحسر حسراً وحسرة، فهو حسير، إذا اشتدت ندامته على أمر فاته. وأصله من الحسْر، بمعنى: الكشف أو الإعياء، كأنه انحسرت قواه من فرط الغم، أو: أدركه الإعياء عن تدارك ما فرط منه. ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ بعد دخولها.وفيه دليل على خلود الكفار في النار.
2:168Page 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
١٦٨ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ خطاب للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهـم﴿كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: مـن جميع ما في الأرض، حال كونها ﴿حَلَٰلٗا﴾ أي: مباحاً لكم تناوله، من غير ما حرم الله عليكم. والحلال: هو المباح الذي انحلت عنه عقدة الحظر والتحريم ، مأخوذ من الحل، الذي هو نقيض العقد. ﴿طَيِّبٗا﴾ أي: مستلذاً، مستطاباً في نفسه غير خبيث ولا ضار للأبدان والعقول. والطيب: المستلذ، أو المباح الذي لا يتعلق به حق الغير. وقد نزلت هذه الآية في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحوام من الأنعام. ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ﴾ أي: آثاره وزلاته وطرقه ومسالكه وأعماله التي يحلل بها الحرام، ويحرم بها الحلال ، مما يخالف شرع الله، وما يدعوكم إليه من المعاصي ويزينه من كفر وفسق وظلم. وخطوات: جمع خطوة كغرفة، وأصلها ما بين القدمين، ثم استعيرت لما ذكر. [وفي قراءة: بسكون الطاء (خطْوات)]. ﴿إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة بيِّنُها. ومثله قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً)فاطر(٦). وفي الحديث عند مسلم، عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ، قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم (أي: صرفتهم عن الهدى إلى الضلالة)...وحرمت عليهم ما أحللت لهم». الحديث. وروى ابن مردويه، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة». وفي الآية : دليل على:أن الأصل في الأعيان: الإباحة، أكلاً وانتفاعاً.وأن المحرم نوعان:محرم لذاته، وهو الخبيث ، وضده: الطيب. محرم لما عرض له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، وضده: الحلال. وفيها كذلك دليل على أن الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب، يأثم تاركه، لظاهر الأمر.
2:169Page 25
إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩
He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.
١٦٩ - ﴿إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ﴾ [و في قراءة : (يأمرْكم)، بإسكان الراء] أي: بالإثم والمعصية، أو بالشر الذي يسوء صاحبه وتسوءه عاقبتها، والمراد به هنا: كل ما يغضب الله تعالى من المعاصي والآثام والذنوب. والسوء: ما يُكره من الأمور والأحوال، وفي الأصل: مصدر ساءه يسوؤه سوءاً ومساءة، إذا أحزنه.﴿وَٱلۡفَحۡشَآءِ﴾ أي: ما تجاوز الحد وتناهى قبحه من المعاصي والآثام، كالزنا والقتل وشرب الخمر، ونحو ذلك. وهي من باب عطف الخاص على العام، فالفحشاء، والفاحشة، والفحش: ما عظم قبحه شرعاً من الأقوال والأفعال. ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ مـن تحريم ما أحل، وتحليل ما حرم، فكل ما لم يرد فيه نص ظاهر، من الأعيان الموجودة في الأرض ، فأصله الحِلّ، حتى يرد دليل يقتضي تحريمه. ويدخل فيه القول على الله بغير علم في شرعه وقدره.
2:170Page 26
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠
And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?
١٧٠ - أسباب نزول الآية : روى ابن عباس، قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن حريملة ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله الآية.﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: الكفار- من يهود ومشركين- ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ على رسوله- مما تقدم وصفه من التوحيد وتحليل الطيبات واجتناب المحرمات- واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل. ﴿قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ أي: وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأنداد، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. ﴿أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ﴾ أي: أيتبعونهم ويقتدون بهم ويقتفون أثرهم فيما خالفوا فيه شرع الله، ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا﴾ مـن أمر الدين ﴿وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ إلى الحق والصواب. والهمزة للإنكار والتوبيخ والتعجب. أي: لا يليق بكم ذلك، بل عليكم أن تفكروا، ولا تقلدوا تقليدا أعمى.
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
١٧١ - ﴿وَمَثَلُ﴾ أي: و صفة ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل، ومن يعظهم ويدعوهم إلى الإيمان والهدى، أي: مثلهـم معهـم ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ﴾ أي: يُصوِّت ويصيح ﴿بِمَا لَا يَسۡمَعُ﴾ من الدواب والبهائم ﴿إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ﴾ أي: إلا صوتاً لا يُفهم معناه، ولا يُدرك مغزاه. والمعنى: مثل داعي الذين كفروا وواعظهم إلى الإيمان والهدى- وهو محمد ﷺ- كمثل الراعي الناعق بغنمه، لا تسمع منه إلا صوتاً ولا تفهم ما يقول. وكذلك الكافر لا يفهم مما يخاطبه به داعيه وواعظه إلى الخير إلا صوتاً غير أنه لا يعقل ولا يفقه ما يقول. والنعيق: دعاء الراعي الشاء، يقال: نعق الراعي بالغنم، ينعق نعقاً ونعيقاً ونعاقاً ونعقاناً، إذا صاح بها وزجرها. ﴿صُمُّۢ ﴾ عن سماع الحق سماع فهم وقبول ﴿بُكۡمٌ﴾ أي: خرس عن النطق بالحق والخير ﴿عُمۡيٞ﴾ عن رؤيـة طريق الحـق ومسـلكـه، ﴿فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ الموعظة والرشاد ولا يفهمونها، ولا يرون الحق ولا يتكلمون به.
2:172Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
١٧٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ أي: من مستلذات ما أحللناه لكم- من الأطعمة- ولا تحرموا شيئاً لم يحرمه الله. و في الحديث عند مسلم وأحمد والترمذي أن رسول الله ﷺ قال:«يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له». ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ﴾ على ما أحل لكم من الطيبات، باستعمالها في طاعته، والتقوّي بها على رضاه. ﴿إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ أي: إن كنتم تخصوه بالعبادة، فكلوا من الطيبات واشكروه على نعمه ، فمن أكل الطيب من الرزق وشكر الله، فقد عبده.
2:173Page 26
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ﴾ [وفي قراءة : (الميِّتة) بتشديد الياء] أي: أكلها، وقد بينت الآية- دون حصر- التحريم في أكل الميتة وفي المطعومات المذكورة بعدها لكونها من الخبائث التي حرمها الشارع.والميتة: هي ما مات حتف أنفه من غير تذكية أو ذبح شرعي، وسواء كانت منخنقة، أو موقوذة - أي: مقتولة ضرباً- أو متردية من علو أو نطيحة، أو عدا عليها السبُع. (وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة: آية (٣)، إن شاء الله). وألحق بها بالسُّنّة: ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة كذلك، لما رواه أبو داود و الحاكم و الترمذي وحسّنه من قوله ﷺ :«ما قُطع من حي فهو ميت» .واستثنى الشارع من ذلك ميتة الجراد وميتة البحر، لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه)المائدة(٩٦)، وقوله ﷺ في البحر عند مالك وأصحاب السنن: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». فيجوز أكل جميع حيوانات البحر حيها وميتها. ﴿وَٱلدَّمَ﴾ أي: المسفوح المهراق الجاري، لقوله تعالى : (أو دماً مسفوحاً) الأنعام(١٤٥)، فآية الأنعام خاصة والآية هنا عامة، والخاص مُقدَّم على العام ومُقيِّد له، كما تقرر في الأصول، عدا الكبد والطحال، لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عند أحمد وأصحاب السنن: «أحلت لنا ميتتان و دمان ، فأما الميتتان: فالسمك والجراد ، و أما الدمان: فالكبد و الطحال» . أما اليسير من الدم، فقد روت عائشة في الصحيح: أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة من الدم على البرمة، فيأكل ذلك النبي ﷺ ولا ينكره.﴿وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ﴾ و المراد به: جميع أجزائه وشحمه وجملته تغليباً أو قياساً، وعبر عن ذلك باللحم، لأنه معظمه، والمقصود بالأكل، وغيره تبع له. ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ ﴾ أي: ذبـح لغير الله، كالأصنام والأوثان، والقبور ونحوها، أو ذكر عليه عند الذبح غير اسم الله، كاللات والعزى ونحوها. والإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً، ومنه: إهلال الصبي، والإهلال بالحج. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها- كاللات والعزى- ورفعوا بها أصواتهم، ثم توسع فيه، فقيل لكل ذابح: مهل، سمّ أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية، أو لم يجهر.﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ﴾ [و في قراءة : (اضطِر) بكسر الطاء] أي: ألجأته الضرورة بإكراه، أو جوع مهلك، أو فقدان ما يتغذى به- مع فقد الحلال- إلى أكل شيء من هذه المحرمات المذكورة، فأكله. و اضطر: من الاضطرار ، وهو الاحتياج إلى الشيء، يقال: اضطره إليه، أي: أحوجه، وألجأه إليه، فاضطر. وهو في الأصل مأخوذ من الإضرار: وهو حمل الإنسان على أمر يكرهه، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك. ﴿غَيۡرَ بَاغٖ﴾ في أكله، أي: غير طالب للمحرّم راغب فيه لذاته، مع قدرته على الحلال، أو : غير طالب له مع عدم جوعه،أو : غير طالب له للذته و شهواته ، أو : غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر. وقيل: المراد بالباغي: الذي يأكل فوق حاجته. وقيل: من خرج باغياً على المسلمين، فلا رخصة له وإن اضطر إليه. وباغ : من البغاء: وهو الطلب، يقال: بغيته بغاء وبغى وبغية ، إذا طلبته. ﴿وَلَا عَادٖ﴾ فيه، أي: ولا متجـاوز قـدر الضـرورة الشرعية والحد الشرعي في تناول ما أبيح له لسد جوعته ورمقه اضطراراً. وقيل: العادي من يأكل هذه المحرمات مع قدرته على الحلال.وقيل: من خرج على المسلمين عاديا مجاوزاً الحد في ذلك، فلا رخصة له وإن اضطر إليه. و عاد: اسم فاعل، بمعنى: متعد، يقال: عدا طوره، إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره، فهو عاد، ومنه قوله تعالى: (بل أنتم قوم عادون) الشعراء (١٦٦). ﴿فَلَآ إِثۡمَ﴾ أي: لا جناح ولا ذنب ﴿عَلَيۡهِۚ﴾ في أكله، فسقطت الحرمة للاضطرار. وقيل: سقط الإثم مع بقاء الحرمة، للاضطرار. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لذنب من أكل الحرام مضطراً إليه. ﴿رَّحِيمٌ﴾ به إذ أحل له الحرام للضرورة الملجئة إليه.فائدة فقهيةذبائح أهل الكتاب على قولين:الأول: ذهبت طائفة من العلماء: إلى حرمة ذبائح أهل الكتاب، لأنها مما أهل به لغير الله، وذلك أنهم يذكرون عليها- عند الذبح- اسم عزير أو عيسى عليهما السلام. وفي الحديث عند مسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله». الثاني: وذهبت طائفة أخرى: إلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً، وتخصيص ما أهل به لغير الله بما ذبح للأصنام ونحوها. واستدلوا بعموم قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم)المائدة: (٥)، أي: ذبائحهم- وهي آخر السور نزولا- وهو سبحانه يعلم ما يقولون. قلت: وهذا القول أولى وأظهر، لعموم آية المائدة المتقدمة . ظاهر الآية: يقتضي أن لا يحرم من المطعومات سوى هذه الأربعة، لكن الشارع حرم مطعومات أخرى، كلحوم الحمر الأهلية، فتصير كلمة «إنما» متروكة الظاهر في العمل.قاله الرازي.إذا وجد المضطر ميتة، وطعام الغير- بحيث لا قطع فيه ولا أذى- فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بلا خلاف، لحديث عباد بن شرحبيل العنزي، قال: أصابتنا عاما مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطاً، فأخذت سنبلاً ففركته، وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: «ما أطعمته إذ كان جائعاً ولا ساعياً، ولا علمته إذ كان جاهلاً». فأمره فرد عليه ثوبه، وأمر له بوسق طعام أو نصف وسق. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. قال مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار، وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، كالإفطار للمريض في رمضان. الآية دليل على القاعدة الأصولية الشرعية: «الضرورات تبيح المحظورات». ففيها استثناء لحالة الضرورة الملجئة.
2:174Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
١٧٤ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ المشتمل على نعت محمد ﷺ وصفته، ومبعثه بالرسالة والنبوة، وهم: اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في كتبهم، خوفا على الجاه والرياسة. والآية تشمل كل من كتم ما شرعه الله، وكل من رضي بتغيير شيء من دين الله وكتمان الحق والعلم في مقابل منفعة عاجلة، ومصلحة زائلة. ﴿وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا﴾ أي: يستبـدلون بـه ويأخذون على كتمان العلم والحق عوضاً يسيراً وعرضاً زائلاً من الدنيا، فهو قليل وإن كان مما يستكثر. وكان أحبار اليهود ورؤساؤهم يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، في مقابل كتمان ما أنزل الله إليهم من الحق والعلم، خوف ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ﴾ أي: إنما يأكلون- في مقابلة كتمان الحق- نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة، فكان الجزاء من جنس العمل. وقيل: أولئك ما يأكلون إلا ما يدخلهم النار ويوجب عليهم عذابها. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ كلام محبة ورضا وتحقيق أمنيات، لحلول غضبه وسخطه عليهم، وعدم الرضا عنهم، وذلك لكتمانهم الحق مع علمهم به ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمۡ﴾ أي: لا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب والمعاصي بالمغفرة. وقيل: لا يثني عليهم ويمدحهم.وفي الحديث عند ابن مردويه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر».﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع، هو النار يوم القيامة، إذا ماتوا مصرين على الكفر.و في الآية : دليل على إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و كماله .
2:175Page 26
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
١٧٥ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ أي: استبدلوا واعتاضوا عن الهدى- وهو اتباع كتاب الله وعدم الإعراض عنه- بالضلالة- وهي كتمان الحق والعلم- أي: أخذوا الضلالة بدلا عن الهدى في الدنيا، وعوضاً عنه.﴿وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة- المعدة لهم في الآخرة لو لم يكتموا الحق- بالعذاب يوم القيامة. أي: استبدلوا أسبابه بأسبابها. ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّار﴾ أي: فما أدومهم على عمل المعاصي المفضية بهم إلى النار. وقيل: ما أشد صبرهم على النار وأجرأهم على العمل الذي يقرب إليها. والمراد بالتعجب في هذه الآية ونظائرها: الإعلام بحالهم، وأنه ينبغي أن يتعجب منها كل أحد، أي: من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم.
2:176Page 26
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
١٧٦ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من حالهم من أكلهم النار في بطونهم، وإيثارهم الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة، ومباشرتهم الأسباب الموجبة للعذاب، ومجازاة الله لهم بالعدل ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب، بسبب أن الله أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء من قبله، كتبه لهداية خلقه، وتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزواً، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل. ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، فكتموا وحرفوا وصرفوا الحق على أهوائهم ومراداتهم، وهم اليهود. وقيل: المشركون، اختلفوا في القرآن، فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم كهانة، وبعضهم: أساطير الأولين. ﴿لَفِي شِقَاقِۭ﴾ أي: خلاف ونزاع ومحادة لله ﴿بَعِيدٖ﴾ عن الحق والصواب والهداية.
2:177Page 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
١٧٧ - ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ في الصلاة [وفي قراءة: (البرُّّ) بالرفع] ﴿قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ﴾ أي: تلقاء الجهات المختلفة. نزلت رداً على اليهود والنصارى لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول الله ﷺ إلى الكعبة، فزعمت اليهود: أن البر هو مجرد التوجه إلى جهة المغرب، وزعمت النصارى: أنه مجرد التوجه إلى جهة المشرق. فبيّن الله حكمه في ذلك، وهو أن المراد: إنما هو طاعة الله عز وجل وامتثال أمره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه. أي: ليس البر كله فيما زعموا، إنما البر فيما بيّنه الله في هذه الآية. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ﴾ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن إيماناً قلبياً صادقاً كاملا مقرونا بالعمل الصالح، أو: ولكن البَرَّ- بفتح الباء- أي: البار أو ذا البِرِّ من آمن.فالمعنى الأول: بحذف المضاف، كقولهم: الجود حاتم، أي: الجود جود حاتم. والمعنى الثاني: اسم فاعل من برَّ يَبرُّ فهو بَرٌّ، وأصله: برِرٌ، وعند الإدغام نقلت كسرة الراء إلى ما قبلها بعد سلب حركتها. [وفي قراءة: (ولكنِ البرُّ من آمن)]. والبرُّ: اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقربة لله تعالى، وقد فسرته هذه الآية بأصول الإيمان الستة، وأصول الأعمال الصالحة التسعة، فتكون الآية قد اشتملت على خمسة عشر نوعاً من أنواع البر ، وهي من آمن ﴿بِٱللَّهِ ﴾ أي: آمن بأنه إله واحد، موصوف بكل صفات الكمال والجلال، منزه عن كل نقص وعيب. ﴿وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ وهو كل ما أخبر الله في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ، مما يكون بعد الموت من بعث ونشر وحساب، وجنة ونار وغير ذلك.﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ الذين وصفهم الله في كتابه، ووصفهم رسوله ﷺ. ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: جنس الكتاب، وهو اسم جنس يشمل جميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأحكام والأخبار. ﴿وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ عموماً، وخصوصاً محمد ﷺ. ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ أي: و أعطى المال- وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلاً كان أو كثيراً- فأخرجه وهو محب له، راغب فيه. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، مرفوعاً: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر». وعند الحاكم من حديث ابن مسعود، مرفوعاً: قال رسول الله ﷺ: «(وآتى المال على حبه):أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر». ومثله قوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)آل عمران(٩٢) وقوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)الحشر(٩). ويدخل فيه: إخراج الصدقة عن قلة لما يخشاه من العدم والفقر. ﴿ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: القرابـة، وهم: قرابات الرجل، وهم أوْلى من أعطي من الصدقة على حسب قربهم وحاجتهم. وفي الحديث عند النسائي: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة»، فهم أوْلى الناس بك وببرك وإعطائك.﴿وَٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ وهـم: الذيـن لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء وصغار دون البلوغ، ولا قدرة لهم على التكسب. وفي الحديث: «لا يتم بعد حلم». ﴿وَٱلۡمَسَٰكِينَ﴾ وهم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم، وكسوتهم وسكناهم، وهم الذين أسكنتهم الحاجة، وقيل: الساكن إلى ما في أيدي الناس، لكونه لا يجد شيئا، فيعطون ما يسد حاجتهم وخلتهم، ويدفع مسكنتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه».﴿وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المنقطع عن أهله ووطنه، الذي قد فرغت نفقته وماله، فيعطى ما يوصله إلى بلده. وسمي ابن السبيل، لملازمته السبيل، أي: الطريق في سفره. وكذا الذي يريد سفراً في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال ابن عباس: (ابن السبيل): هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾ أي: المتعرضين لطلب المال، أو لحاجة من الحوائج، توجب السؤال، لاضطرارهم إليه، فيعطون من الزكوات والصدقات، وذلك كمن يتحمّل حمالةً لإصلاح ذات البين، أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة، كالمساجد، والمدارس، ونحو ذلك، فيعطى وإن كان غنيا. وفي الحديث عند أحمد وأبي داود ، قال رسول الله ﷺ: «للسائل حق، وإن جاء على فرس». ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ أي: في فـك الرقاب وتخليصها مـن الاسترقاق، أو الأسر. أو شراء رقاب وعتقها. ويدخل فيه المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من الرق و لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، فيعطون من المال توفية لمالكهم. وعند ابن ماجه والترمذي من حديث فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ: «في المال حق سوى الزكاة، ثم قرأ: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب- إلى قوله:- وفي الرقاب)». ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: أتم أفعالها وأكمل هيئاتها في أوقاتها، بركوعها وسجودها وخشوعها، وطمأنينتها، ظاهرا و باطنا، فرضها ونفلها. ﴿وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ﴾ المفروضـة وهي زكاة المال، وفيـه دليل: على أن الإيتاء المتقدم إنما هو صدقة التطوع والبر والصلة. ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ﴾ الله أو الناس. والعهد: هو الالتزام بإلزام الله، أو إلزام العبد نفسه. فيدخل في ذلك: حقوق الله كلها التي ألزم بها عباده، وحقوق العباد التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد، كالأيمان والنذور ومنه قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)الرعد(٢٠). ﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ﴾ أي: في حال الشدة والفقر.و البأساء: ما يصيب الناس في الأموال، كالفقر. مشتقة من البؤس، والألف للتأنيث، يقال: بئس يبأس بؤساً وبأساً، أي: اشتدت حاجته.﴿وَٱلضَّرَّآءِ﴾ أي: وفي حال المرض والسقم . والضراء: ما يصيب الناس في الأنفس، كالمرض. مشتقة من الضر، والألف للتأنيث، يقال: ضره وأضره وضاره ضُراً وضَراً، ضد: نفع. ﴿وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ﴾ أي: وقت شدة القتال في سبيل الله ومجاهدة العدو. يقال: بؤس يبؤس بأساً، فهو بئيس، أي: شديد شجاع.﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المتصفون بما ذكر، من العقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة الحميدة ﴿ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ﴾ في إيمانهم، أو في دعوى البر، لأنهم حققوا الإيمان بالأقوال والأفعال، فصدّقت أفعالُهم أقوالَهم. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ الله، بترك المحارم، وفعل الطاعات.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences