Al-Jami' al-WajizAl‑Baqarah · 2:187–195

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:187–195

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

١٨٧ - أسباب نزول الآيةأخرج البخاري عن البراء، قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، فلما انتصف النهار، غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت الآية.وأخرج البخاري عن البراء قال: لما نزل صوم شهر رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم....) الآية.﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ﴾ لا في نهاره، ﴿ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ﴾ أي: الإفضاء إليهن، ومباشرتهن بالجماع. والرفث في الأصل: الفحش من القول والمنظر، وكلام النساء حين الجماع، وكني به عن المباشرة، للزومه لها غالباً، فهو اسم جامع لكل ما يريده الرجل من امرأته من الجماع والوقاع وغيره. يقال: رفث في كلامه- بفتح الفاء وضمها وكسرها- وأرفث، إذا فحش فيه، أو: أفحش في شأن النساء. وحلُّ الرفث في ليالي الصيام رخصة من الله تعالى ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام. فإنه كان إذا أفطر أحدهم، حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء أو ينام قبلها، فإذا صلى العشاء أو نام قبلها، حرم عليه ذلك إلى الليلة القابلة، فوجدوا في ذلك مشقة وحرجاً كبيرين، فنزلت الآية برخصة الله، وإباحة الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام كلها إلى دخول وقت الفجر. ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ أي: هن سكن لكم، أو ستر لكم عن الحرام والسوء، وأنتم كذلك لهن. وذلك لامتزاج كل واحد منهما بالآخر- من مماسة ومخالطة ومضاجعة- كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه ، فناسب أن يرخص لهم المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا.﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: تخونونها بالمباشرة والجماع في ليالي الصوم، وبالأكل والشرب بعد العشاء. وأصل الخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه. وسماهم خائنين لأنفسهم، لأن ضرر ذلك عائد عليهم. وعن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة- أي: حتى يفطروا- ثم إن أناساً أصابوا من النساء والطعام بعد العشاء- منهم عمر بن الخطاب- فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله قوله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) الآية. رواه أحمد وابن أبي حاتم. ﴿فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: قبل الله توبتكم- من خيانتكم لأنفسكم- برفع الحرج في الجماع ليالي رمضان. ﴿وَعَفَا عَنكُمۡۖ﴾ بالتوسعة والتخفيف والتسهيل مما سـلف من التخـون- وهو ترك بعض ما أمروا به- ﴿فَٱلۡـَٰٔنَ﴾ بعد الرخصة والتوسعة عليكم ﴿بَٰشِرُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهن وطأ وقبلة ولمساً ونحو ذلك. وأصل المباشرة: ملاقاة بشرة الرجل بشرة المرأة. ﴿وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ أي: اطلبوا واقصدوا ما أباحه الله من الرخصة في الجماع- بنية التقرب إلى الله- أو ما قدره من الولد والذرية. وقيل: المراد: اطلبوا ليلة القدر، فلا يشغلكم عنها ما أباحه الله لكم من الرفث في ليالي الصيام. ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ﴾ الليل كله، أي:أباح الله الأكل والشرب- مع ما تقدم من إباحة الجماع- في ليالي الصيام كلها في أي وقت فيها. ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ﴾ أي: إلى أن يظهر لكم بياض النهار من سواد الليل، وذلك عند دخول وقت الفجر، فهو غاية للأكل والشرب والجماع. و التبيُّن: أن يمتاز سواد الليل بانحساره عن بياض النهار بدخول وقت الفجر. أخرج البخاري عن سهل بن سعد، قال: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بَعْدُ: قوله: (من الفجر) فعلموا أنما يعني: الليل والنهار. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت الآية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته بالذي صنعت، فقال: «إن وسادك إذن لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل». ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ﴾ من الفجر﴿إِلَى ٱلَّيۡلِۚ﴾ أي: إلى دخوله بغروب الشمس، فيقتضي الإفطار عند غروب الشمس. وفي الصحيحين عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ قال:«لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وعند أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ:«يقول الله عز وجل: أحب عبادي إلي، أعجلهم فطراً». ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ﴾ أي: ولا تقربوهن- يعني: نساءكم- والمراد بالمباشرة: الجماع ودواعيه من تقبيل ولمس وضم ونحو ذلك. ﴿وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ أي: مقيمون فيها بنية الاعتكاف .وأصل العكوف: المقام وحبس النفس عن الشيء. وعن ابن عباس قال: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً، حتى يقضي اعتكافه. ﴿تِلۡكَ﴾ أي: الأحكام المذكورة- من تحريم الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، وتحريم الفطر على غير عذر، وتحريم الوطء على المعتكف- ﴿حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: محارمه ونواهيه، أو أحكامه المتضمنة لما نهاكم عنه، حدها لعباده وميزها وعرفها ليتعففوا عندها. ﴿فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ وهـذا يشـمل النهي عن المحرمات بتركها والبعد عنها غاية البعد، وعن الوسائل الموصلة إليها. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما بيّن الله لعباده الأحكام السابقة أتم تبيـين، وأوضحـها لهـم أكمل إيضـاح ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ﴾ أي: يبـين سائـر الأحـكام على لسان رسوله ﷺ ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله، باتباع أوامره، واجتناب نواهيه.فائدة فقهيةفي إباحته تعالى جواز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر: دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة المشروعة، وقد وردت السنة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ:«تسحروا فإن في السحور بركة». ويستحب تأخيره، لما في الصحيحين عن أنس، عن زيد بن ثابت، قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة...» الحديث. وعند أحمد عن أبي ذر، قال رسول الله ﷺ:«لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور».وفي جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع- لمن أراد الصيام- دليل على أنه من أصبح جنباً فليغتسل وليتم صومه، ولا حرج عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والعلماء سلفاً وخلفاً، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة، أنهما قالتا:«كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم»، وفي رواية من حديث أم سلمة في الصحيحين: «ثم لا يفطر ولا يقضي». الوصال في الصيام: ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل يوما بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئا.ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تواصلوا، قالوا:إنك تواصل، قال: فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». وعن عائشة قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم»، فثبت بذلك النهي عن الوصال في الصيام ، وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ، وأنه كان يُقوّى على ذلك ويعان. والأظهر: أن ذلك الطعام والشراب في حقه ﷺ إنما كان معنوياً، لا حسياً، وإلا فلا يكون مواصلاً مع الحسي. أما من أراد أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر». الاعتكاف: هو في الشرع: ملازمة المسجد تقرباً وطاعة لله عز وجل وهو سنة في كل وقت، ولا يختص بزمان إلا بالنذر، وآكده في شهر رمضان في العشر الأواخر منه.والمراد بالمسجد: أي مسجد تقام فيه الصلوات الخمس. والمعتكف يحرم عليه النساء، ما دام معتكفاً في مسجده. وإذا ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك- كقضاء غائط، أو أكل، أو نحو ذلك- وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض، لكن يجوز له أن يسأل عنه وهو مار في طريقه. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه، فأرجِّله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان». ب- وذكر الاعتكاف بعد آيات الصيام: إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في رمضان خصوصا في العشر الأواخر منه. فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ: أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وعن أبي هريرة عند البخاري وأبي داود والنسائي قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام- أي: العشر الأواخر منه- فلما كان العام الذي قبض فيه، اعتكف عشرين».

2:188Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

١٨٨ - أسباب نزول الآية:أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن امرىء القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض، وأراد امرؤ القيس أن يحلف، فنزلت الآية. ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ أي: لا يأخذ بعضكم مال بعض بالسبب الباطل- وهو كل ما لم يبح الشرع أخذه من المال من مالكه وإن طابت النفس، كالربا والميسر، وثمن الخمر والرشوة، وشهادة الزور واليمين الكاذبة، والغش والخيانة، والسرقة والغصب، ونحو ذلك.والباطل: الذاهب الزائل، يقال: بطل بطلاً وبطلانا وبطولا، أي: ذهب ضياعاً وخسراً. وقوله: (أموالكم): بيان أن مال المسلمين واحد، فمن أكل مال أخيه بالباطل كان كمن أكل مال نفسه بالباطل، وفيه زيادة زجر عن ذلك. ﴿وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾ أي: ولا تلقوا بأمور تلك الأموال- التي فيها الخصومة- إلى الحكام- أي: القضاة- أو: لا تلقوا بحكومتها، أي: بإقامة الدعوى بها باطلا. وقيل: لا تلقوا بأموالكم رشوة إلى القضاة أو حكام السوء.و تدلوا: أي: تلقوا، يقال: أدليت دلوي في البئر، إذا أرسلتها للاستقاء. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل-إدلاء، ومنه قولهم: أدلى بحجته، إذا ألقى بها. ﴿لِتَأۡكُلُواْ﴾ بالتحاكم بها ﴿فَرِيقٗا﴾ أي: طائفة، أو قطعة، أو جزءً، أو شيئاً ﴿مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ﴾ متلبسين ﴿بِٱلۡإِثۡمِ﴾ أي: بالظلم والعدوان- كشهادة الزور واليمين الكاذبة- ﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أنكم مبطلون في ذلك مما تدعونه وترجونه في كلامكم، فإن خفي على الناس، فلا يخفى عليكم.وحاصل المعنى: لا تسرعوا بالخصومة في الأموال إلى الحكام والقضاة ليعينوكم على إبطال حق أو تحقيق باطل. وقيل: لا تدفعوا الأموال رشوة إلى الحكام، ليحكموا لكم بالباطل، فحكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، لأن الحاكم يحكم على نحو مما يسمع، فحقائق الأمور باقية لا يغيرها حكم الحاكم. وفي الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فليحملها أو ليذرها». وعن ابن عباس-في هذه الآية-قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بيّنة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، ويعلم أنه آثم آكل الحرام.

2:189Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

١٨٩ - ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ﴾ ما فائدتها وحكمتها؟ أو عن ذاتها؟ تبدو دقيقة، ثم تزيد حتى تمتلئ نوراً، ثم تنقص وتعود كما بدأت، لا تكون على حال واحدة، كالشمس. والأهلة: جمع هلال. وقد نزلت هذه الآية جوابا لسؤال الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، كما روي عن ابن عباس. وقال الربيع: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فنزلت الآية. ﴿قُلۡ﴾ لهـم: ﴿هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ في أعمـالهـم الدينية والدنيوية يعلمون بها أوقات عباداتهم، في صيامهم وإفطارهم، وإيتاء زكاتهم، وأداء كفاراتهم، وقضاء ديونهم، وإيفاء المعجل والمؤجل من شروطهم وعهودهم، وعِدد نسائهم ﴿وَٱلۡحَجِّۗ﴾- عطف على الناس- أي: ويعلمون بها أوقات مناسكهم وحجهم، فلوا استمرت الأهلة على حال واحد لم يعرف ذلك كله. ومواقيت: جمع ميقات.وفي الحديث عند الحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». الحديث. ﴿وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ إذ كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، أتوا البيوت من ظهورها، وكانوا يتحرجون من دخول البيوت من أبوابها. وقد ورد أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، وإذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه-قبل تمام حجه- لا يجوز له أن يحول بينه وبين السماء حائل، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتهم حال إحرامهم، تعبداً منهم بذلك، وظناً أنه بر. أخرج البخاري عن البراء، قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فنزلت الآية. وأخرج الحاكم وصححه، عن جابر، قال: كانت قريش تدعي «الحُمْس»، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام ، فبينا رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه رجل، فقال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال النبي ﷺ: «إني رجل أحمسي» قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية ، مبيناً لهم أن ذلك ليس ببر. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ﴾ بِرُّ ﴿مَنِ ٱتَّقَىٰۗ﴾ المحارم والشهوات، أو: ولكن ذا البرّ من اتقى الله بامتثال أمره وترك مخالفته.[وفي قراءة: (ولكنِ البِرُّ من اتقى)]. ﴿وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ﴾ في الإحرام كغيره، لما فيه من السهولة والتيسير عليهم، وهي قاعدة من قواعد الشرع الحكيم. وفيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد أن يأتي أمراً من الأمور، أن يأتيه من بابه الموصل إليه بيسر وسهولة، حتى يحصل له مقصوده. ﴿وَٱتَّقُـواْ ٱللَّهَ﴾ بامتثـال أوامـره، واجتنـاب نواهيــه ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ أي: تفوزون بالمطلوب، وتنجون من المرهوب، فإن تقوى الله سبيل موصل للفلاح.

2:190Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

١٩٠ - ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: في طاعة الله تعالى، إعلاء لكلمته وإعزازا لدينه، و فيه: نهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، ﴿ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ﴾ أي: الذين يناجزونكم القتال، ويباشرونكم أسبابه بالفعل من الكفار. وهذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، بعد أن كانوا قبل الهجرة مأمورين بعدم القتال. وعن ابن عباس: أن المشركين لما صدوا رسول الله ﷺ عن البيت عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع عامه المقبل للعمرة، تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء- في ذي القعدة من السنة السابعة- ولكن أصحابه خافوا ألا تفي لهم قريش بالعهد وتقاتلهم. وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام، والشهر الحرام، فأنزل الله هذه الآية بيانا شافياً لكيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها. ﴿وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ﴾ عليهـم بالبـدء بقتالهم ولا على غير المحاربين منهم، وكان هذا في ابتداء الأمر، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزل قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)التوبة(٣٦)، فأمر بقتالهم كافة- بدؤا، أو لم يبدؤا- .أو: قاتلوا في سبيل الله الذين أعدوا أنفسهم للقتال وتهيئوا له، ولا تعتدوا بقتال من لم يُعِدّ نفسه له، كالصبيان والنساء والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة ممن لا رأي لهم ولا قتال.ويدخل في ذلك: النهي عن المثلة والغلول، وقطع الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة المسلمين، والنهي عن قتال من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها. وفي صحيح مسلم عن بريدة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع». وقيل: لا تتجاوزوا الحدود والأوامر التي شرعها الله لكم في بداية القتال. وقيل: لا يكن منكم اعتداء بالقتال، بوجه من الوجوه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين الحد في ذلك.

2:191Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

١٩١ - ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ﴾ أي: اقتلوا هؤلاء الذين أذن لكم في قتالهم من المشركين المعتدين المحاربين- دون اعتداء منكم- حيث وجدتموهم وأدركتموهم وظفرتم بهم، وتمكنتم من قتلهم، في كل وقت وزمان، قتال مدافعة ومهاجمة، في حل، أو حرم، أو شهر حلال أو حرام. والثقافة بالأمر: الحذق والبصر، يقال: إنه لثقف لقف، إذا كان جيد الحذر. وفي «القاموس» : ثقف الرجُلَ- بكسر القاف، كسمع- أي: ظفر به، وثقفته: صادفته.﴿وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ﴾ أي: ظاهروا على إخراجهم، من مكة، كما أخرجوكم منها، قصاصاً. وقد فُعل بهم ذلك عام الفتح. ﴿وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ﴾ أي: لا تستعظموا قتالهم في الحرم والأشهر الحرم- إذا بدءوا به أو تهيئوا له- فإن كفرهم بالله وشركهم به، وصدهم عن سبيله، أعظم وأبلغ وأشد من القتل الذي يهدف إلى تطهير البيت الحرام من الظلم والشرك. وقيل: إن فتنتهم للمؤمنين عن دينهم بتعذيبهم وتخويفهم، وإيذائهم، وإكراههم لهم على الكفر، وإلجائهم إلى مفارقة أهلهم ووطنهم، أشد سوءً من القتل. وأصل الفتنة: عرض الذهب على النار، لاستخلاصه من الغش والشوائب، ثم استعملت في الشرك والابتلاء بما ذكر. ﴿وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ أي: في الحرم كله- وهو مكة وما حولها إلى أعلام الحرم في عرفات والتنعيم وغيرهما- ﴿حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ﴾ أي: إلا أن يبدأوكم بالقتال فيه، ويهتكوا حرمته، فلا يبدأ المؤمنون قتال المشركين هناك إلا إذا كان قتالهم دفعاً للاعتداء . ﴿فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ﴾ فيه ﴿فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ﴾ فيه، أي: فلكم- إن بدؤوكم بالقتال في حرم مكة- قتالهم وقتلهم دفعاً للصائل وزجراً للمعتدي. ويكون القتال فيه عندئذ اضطرارياً. فالآية محكمة ومخصِّصة لقوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) بالنسبة للمكان، لأنه لا حرمة لهم باعتدائهم عليكم. [وفي قراءة: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم) بدون ألف بعد القاف في الأفعال الثلاثة]. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: حكم القتل والإخراج ﴿جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ على اعتدائهم وبغيهم وفتنتهم وابتدائهم بالعدوان.وفي الآية: دليل على القاعدة الأصولية، وهي: أنه يجوز ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما.

2:192Page 30

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

١٩٢ - ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ﴾ عن قتالكم- في الحرم والشهر الحرام- وأنابوا إلى الله بالدخول في الإسلام والتوبة عما مضى. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لهم ما سلف منهـم ﴿رَّحِيمٞ﴾بهم، يغفر الذنوب جميعا، ومن رحمته أن الإسلام يجبّ ما قبله من الآثام، فلا تتعرضوا لهم بقتال.

2:193Page 30

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

١٩٣ - ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ أي: قاتلـوا الكفار حتى لا يوجد شرك، وصد عن سبيل الله، وحتى يأمن كل من كان مسلماً على دينه، وتعلو كلمة الإسلام. فالهدف من القتال إذن: عدم تمكين المشركين من فتنة المؤمنين عن دينهم ومنعهم من نشر الإسلام. ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ﴾ خالصاً، ظاهراً غالباً، عالياً على سائر الأديان، وتكون العبادة له وحده، فلا يعبد سواه. وليس المقصود إذن من القتال في سبيل الله: سفك دماء الكفار، وأخذ أموالهم، بل المقصود منه: أن يكون الدين كله لله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».﴿فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ﴾ عن الشرك، والصد عن سبيل الله، وقتال المؤمنين- عند المسجد الحرام- أو دخلوا في الإسلام، فكفـوا عنهم، دل عليـه: ﴿فَلَا عُدۡوَٰنَ﴾ أي: فلا اعتداء بقتل، أو غيره. والمراد بالعدوان هنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) النحل(١٢٦)، وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)البقرة(١٩٤). ﴿إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم منهم، الذين لم ينتهوا، المُصرِّين على شركهم، فلا تقاتلوا إلا المبتدئين بقتالكم، فمن انتهى وتخلص من الظلم والشرك، فليس بظالم، ولا عدوان عليه، أما من قاتل، فإنه يقاتل جزاءاً وفاقاً. وعن عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.

2:194Page 30

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

١٩٤ - أسباب نزول الآية: قال ابن عباس: لما سار رسول الله ﷺ معتمراً ومعه الهدي في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة- وهو شهر حرام- فصالحهم صلح الحديبية على أن يرجع من عامه ذلك، وقاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية- أي: سنة سبع من الهجرة- في ذي القعدة، هو ومن كان معه من المسلمين، فأقصه الله منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه فأنزل الله: (الشهر الحرام بالشهر الحرام). أي: فكان الصدّ والقضاء في شهر حرام. ﴿ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ﴾ أي: هذا الشهر الحرام الذي تؤدون فيه عمرة القضاء، مقابل ذلك الشهر الذي صدوكم فيه عن المسجد الحرام ودخول مكة- عام الحديبية- فإن قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته، فقاتلوهم فيه، مكافأة لهم، ومجازاة على فعلهم، لابتدائهم بهتك حرمته. أو: فلما لم تمنع حرمة الشهر الحرام المشركين من الشرك والصد عن سبيل الله، فكيف تمنع المؤمنين من قتالهم، دفعاً لشرورهم، وإصلاحاً لفسادهم.و الأشهر الحرم: أربعة :ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، و رجب.و في الآية: بيان أن من ينتهك حرمة هذه الأشهر باعتدائه على المسلمين يقتصّ منه بذلك جزاءً وفاقا، فإن الجزاء من جنس العمل.﴿وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ﴾ أي: وكل حرمة- أمر الشرع باحترامها وأوجب المحافظة عليها ومنع من انتهاكها- يجري فيها القصاص والمساواة والعدل، فمن هتك أية حرمة، اقتص منه بأن تهتك له حرمة.وقد اقتص الله لنبيه من المشركين بأن أدخله عليهم مكة سنة سبع عند صدهم له عنها سنة ست من الهجرة.و الحرمات: جمع حرمة، وهي ما أمر الشرع باحترامه وحفظه ومنع من انتهاكه، فمن تُعدي عليه في مال أو بدن فله أن يتعدى بمثل ما تُعدي عليه، دون أن يظلم أو يرتكب محرماً، وبه قال الشافعي وغيره. وقال آخرون: إن أمور القصاص والأموال متروكة للحكام. قلت: وهو الأرجح عندي، حفظاً لمصالح الناس، وضبطاً لأمورهم. وعلى هذا: فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل، ومن هتك حرمة البلد الحرام، أخذ منه الحد وهتكت حرمته، ومن قتل مكافئاً له، قُتل به، ومن جرحه أو قطع عضواً منه، اقتص منه بمثله، ومن أخذ مال غيره المحترم، أخذ منه بدله. ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ﴾ بالقتال في الحرم، أو الإحرام، أو الشهر الحرام، ﴿فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ أي: فقاتلوهم على سبيل القصاص والعدل، فهذا بيان لصفة المقاصة، وأنها المماثلة في مقابلة المعتدي.وسميت المقابلة اعتداءً، لشبهها بالمقابَل به في الصورة. ومثله قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)النحل(١٢٦)، وقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)الشورى(٤٠). ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في الانتصار والقصاص وترك الاعتداء، ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر، والتأييد والتوفيق في الدنيا والآخرة.فائدة فقهيةهل لصاحب الحق أن يأخذ من مال الذي عليه الحق بقدر حقه، أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء: والراجح منه ما يلي: إذا كان سبب الحق ظاهراً، كالزوجة والقريب- وهم أصحاب حق- إذا امتنع من تجب عليه النفقة- وهو الذي عليه الحق- من الإنفاق عليهم، فإنه يجوز أخذ الحق من ماله. وكالضيف إذا لم يكرمه صاحب البيت. وإذا كان سبب الحق خفياً، كالذي يجحد دَيْن غيره، أو يخونه في وديعة، أو يسرق منه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز لصاحب الحق- وهو المعتدى عليه بجحد دينه، وخيانته في وديعته، والسرقة منه- أن يأخذ من الذي عليه الحق- وهو المعتدي- مقابلة له، جمعا بين الأدلة.

2:195Page 30

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥

And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.

١٩٥ - أسباب نزول الآية: روى البخاري عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يرد علينا ما قلنا: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو والجهاد في سبيل الله. وأخرج الطبراني ، بسند صحيح، عن النعمان بن بشير قال: كان الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّه﴾ أي: في سائر وجوه القربات والطاعات، وأعظمها: الإنفاق في الجهاد وفي قتال أعداء الله وبذلها لإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، وتقوية المسلمين على عدوهم. ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ أي: ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه هلاككم، في دين أو دنيا، بترك الجهاد في سبيل الله، والإمساك عن الإنفاق فيه، مع القدرة على ذلك، والإقامة في الأموال لإصلاحها. وقيل: لا تستسلموا لأسباب الهلاك، بل دبروا لأنفسكم أسباب النجاة. والأيدي: كناية عن الأنفس.والتهلكة: الهلاك والموت، أو كل شيء تصير عاقبته إليه، وهي مصدر هلك يهلك، هلكاً، وهلاكاً، وتهلكة. والإلقاء باليد إلى التهلكة: يرجع إلى أمرين:ترك ما أمر الله به العبد، كترك الجهاد، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، وترك الفرائض الموجبة لهلاك الروح و الدين، والإقامة على معاصي الله واليأس من التوبة.وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس، أو الروح، أو البدن، كتغرير نفسه بشيء فيه خطر محدق بحياته، ونحو ذلك. ﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۚ﴾ بالنفقة وبذل المال وغيرها، كالإحسان في عبادة الله، والإحسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الناس بقضاء حوائجهم، وتفريج كربهم، والإحسان في الجاه بالشفاعة ونحو ذلك. والإحسان أعلى مقامات الطاعة، و هو: أن تعبد الله كأنك تراه، كما في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب . ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ و يرضى عنهم ويثيبهم، ويجزل لهم العطاء. وفي الآية: إثبات صفة المحبة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله، بلا تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، و لا تحريف و لا تكييف.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском