Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:74–94
2:74Page 11
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
٧٤ - ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم﴾ أي: صلبت عن قبول الحق- والخطاب لبني إسرائيل في زمنه ﷺ توبيخا وتقريعاً- وخلت من الإنابة والإذعان لآيات الله ودلائل قدرته، فلم تؤثر فيها الموعظة ﴿مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾أي: من بعد إحياء القتيل و تكلمه وتعيينه لقاتله ﴿فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ﴾ في القسوة التي لا علاج للينها ﴿أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ ﴾ من الحجارة ، أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار﴿وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ﴾ أي: وإن من الحجارة ما تتفتح منها العيون- بسعة وكثرة- بالأنهار الجارية ﴿وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ﴾ أي: ومنها ما يتصدع- بطول أو عرض- فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جاريا ﴿وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ﴾ أي: يتردى وينزل من علو إلى أسفل ﴿مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ ﴾ أي: منقادة لأمر الله- كسقوط الجبل أمام موسى لما تجلى ربه عليه- وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع ، أي: إن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق.﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [وفي قراءة: بالياء: (يعملون)] بل يؤخركم لوقتكم ويجازيكم عليه أوفى جزاء وأتمه. وفي الحديث عن ابن عمر- عند ابن مردويه والترمذي- أن رسول الله ﷺ قال:«لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله،فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي».
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
٧٥ - ﴿أَفَتَطۡمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ﴾ أي: أن ينقاد لكم اليهود بالطاعة والاستجابة والتصديق ﴿وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: طائفة من أحبارهم. والفريق: جمع لا واحد له من لفظه، كالطائفة والحزب. ﴿يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ أي: التوراة التي أنزلها الله عليهم.﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ﴾ أي: يبدلونه ويغيرونه، أو يؤولونه بالباطل على غير تأويله. والتحريف: زيادة ألفاظ، أو النقص منها، أو تبديل شيء بغيره، وعمد أحبار اليهود إليه موافقة لأهوائهم، كجعل الحلال حراماً، والحرام حلالاً، وتغيير صفة رسول الله ﷺ، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، وغير ذلك.﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: بعد ما فهموه على الجلية، ووعوه على الكليـة، ومـع هـذا يخالفونـه على بصيرة.﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أنهم مفترون ومخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، فكيف تطمعون في إسلامهم وهذه حالهم؟ والهمزة للإنكار.
2:76Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
٧٦ - أسباب نزول الآية: أخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا أن صاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أيحدث العرب بهذا؟ فإنكم كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم، فنزلت الآية.﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ أي: اليهود، أو منافقوهم ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: أصحاب محمد ﷺ ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا﴾ بأن محمداً ﷺ نبي، وهو المبشر في كتابنا، أي: أظهروا الإيمان قولاً بألسنتهم، ما ليس في قلوبهم. ﴿وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ﴾ أي: مضى بعضهم إلى بعض، أو: انفرد بعضهم مع بعض ﴿قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: قال بعضهم لبعض عاتبين: أتخبرون المؤمنين بما بيّن الله لكم في التوراة من نعت محمد ﷺ وصفته؟ أو: أتخبرون المؤمنين بما حكم الله به عليكم في التوراة من أخذ الميثاق عليكم بالإيمان بمحمد ﷺ واتباعه ونصرته؟ والفتح- على المعنى الأول-: من قولهم: فتح الله على فلان علم كذا، أي: رزقه ذلك وسهله وبينه له، وعلى المعنى الثاني: من الفتح ، بمعنى: الحكم والقضاء والنصر، ومنه قوله تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)الأعراف(٨٩) أي: احكم واقض بيننا وبينهم بالحق. ﴿لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ﴾ أي: ليخاصموكم، أو: يصيروا خصماءكم بما بينه الله لكم، أو حكم به عليكم، فتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم في الآخرة. ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ ما في التحدث من الضرر عليكم، فتنتهوا! .
2:77Page 12
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
٧٧ -﴿أَوَلَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: اليهود أو منافقوهم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي: يعلم ما يخفون من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به- وهم يجدونه مكتوبا عندهم- أو: من قولهم إذا خلا بعضهم إلى بعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم. ﴿وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ أي: و يعلم ما يظهرون من أمرهم وقولهم لأصحاب محمد ﷺ: آمنا. والاستفهام في الآية للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف.
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
٧٨ - ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن اليهود جهلة بكتابهم- التوراة- عوام لا يقرأون ولا يكتبون. والأميون: جمع أمي، وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب. نسبة إلى الأم، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يقرأ من الرجال إلى أمه- في جهله بهما- دون أبيه. ﴿لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: لا يدرون شـيئاً مما في توراتهم من الحدود والأحكام والمواثيق، لجهلهم بكتابهم، ولأنهم عوام ليسوا من أهل العلم. ﴿إِلَّآ أَمَانِيَّ﴾ [وفي قـراءة: بتخفيـف الياء: (إلا أماني)] أي: إلا أكاذيب وتخرصات وأباطيل تلقوها عن أحبارهم، فاعتقدوها وأخذوها عنهم، تقليدا لهم، لفرط جهلهم. وقيل: (إلا أماني) من كونهم مغفوراً لهم بما يدعونه لأنفسهم وسلفهم من الأعمال الصالحة. وقيل: (إلا أماني) أي: إلا تلاوة، فلا علم لهم بما في كتابهم ولا حظ لهم منه إلا مجرد التلاوة دون تفهم. والأماني: جمع أمنية، وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء وتقديره، كقولهم: منى الشيء أي قدره، وأكثر ما يكون التمني في تصور الشيء عن ظن وتخمين، فصار الكذب له أملك، وساغ أن يعبر عن الكذب بالتمني، وعن الأكاذيب بالأماني، فالتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. والاستثناء هنا منقطع، بمعنى : لكن يعلمون منه أماني . وقيل: الأماني: التلاوة ومنه قوله تعالى: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)الحج(٥٢)، أي: ألقى في تلاوته شبها وأباطيل.﴿وَإِنۡ هُمۡ﴾ أي: في جحدهم نبوة محمد ﷺ، وغير ذلك مما يختلقونه ويحرفونه ويتأولونه ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: يشكون شكاً لا يتعين ولا علم لهم به،فإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
2:79Page 12
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩
So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.
٧٩ - أسباب نزول الآية : أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي ﷺ مكتوبة عندهم في التوراة فغيروا وبدلوا وكتبوا خلاف ما أنزل.﴿فَوَيۡلٞ﴾ أي: هلاك ودمار، أو: حسرة وحزن، أو: شدة عذاب، وقيل: هو واد في جهنم. و (ويل) في الأصل: مصدر لا فعل له من لفظه، مثل: ويح، ولا يثنى ولا يجمع. ﴿لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: مختلقا من عندهم مما تمليه عليهم أهواؤهم وأنفسهم.﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ كذباً وافتراءً على الله، ففيه إظهار للباطل، وكتم للحق. ﴿لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ ﴾ أي: عرضاً زائلاً مـن الدنيا، كمـال أو جاه أو رئاسة. ﴿فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ من الكذب والبهتان والتحريف والافتراء على الله- كتغيير صفة النبي ﷺ وآية الرجم وغير ذلك- وهذا من جهة تلبيس الدين على الناس. ﴿وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ من الرشا والسحت وأكل أموال الناس بالباطل.
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
٨٠ -أسباب نزول الآية : قال مجاهد عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فنزلت الآية إلى قوله تعالى: (خالدون). وقال العوفي عن ابن عباس: قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة وهي مدة عبادتهم العجل. فإذا انقضت انقطع عنهم العذاب فنزلت الآية.﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ ﴾ أي: وقال اليهود: لن تصيبنا النار يوم القيامة إلا سبعة أيام معدودة، أو أربعين يوماً- مدة عبادة العجل- ثم ينقطع العذاب عنهم وينجون ﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا﴾ أي: ميثاقا منه بذلك؟ وحذفت همزة الوصل في (اتخذتم) استغناء بهمزة الاستفهام.﴿فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ﴾ أي: إن كان وقع عهد من الله لكم، فهو لا يخلف عهده ، ولكن ما جرى ولا كان، فلا عهد لكم عند الله بذلك. ﴿أَمۡ﴾ أي: بل أن ﴿تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾من الكذب والافتراء عليه. وفي حديث أبي هريرة عن الشاة المسمومة التي أهديت لرسول الله ﷺ، أنه قال لهم:«من أهل النار؟» قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبداً» الحديث.رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن مردويه واللفظ له.
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
٨١ -﴿بَلَىٰۚ﴾ أي: تمسكم النار وتخلدون فيها، فليس الأمر كما تمنيتم واشتهيتم وزعمتم. و(بلى) حرف جواب ك«نعم» و«أجل»، إلا أنها لا تقع جواباً إلا لنفي متقدم، إبطالاً ونقضاً وإيجاباً له، سواء دخله استفهام أم لا، كنحو: ما قام زيد؟ تقول: بلى، أي: قد قام، ونحو: أليس زيد قائماً؟ تقول: بلى، أي: هو قائم، ومنه قوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى)الأعراف(١٧٢)، أي: أنت ربنا، ولو قالوا: نعم لكفروا. ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ﴾ أي: بل الأمر أنه من عمل سيئة، وهي الكفر أو الشرك، ولم يتب منها .و(سيئة): نكرة في سياق الشرط فتعم الشرك وما دونه.﴿وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾ [وفي قراءة: بالجمع (خطيئاته)] أي: أحدق به كفره أو استولى عليه شركه فلم يدع له منفذاً وأحاط بما له من حسنة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة.﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ ﴾ أي: من أهل النار ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: مقيمون فيها بلا انقطاع. وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال:«إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه». وقد احتج الخوارج على كفر صاحب المعصية بهذه الآية ، وهي حجة عليهم، فإن الآية ظاهرة في الشرك أو الكفر.
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
٨٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالح من الأعمال ، الخالص لوجه الله، الموافق للشريعة.﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ ﴾ أي: مـن أهـل الجنـة ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها على الدوام بلا انقطاع.
2:83Page 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.
٨٣ -﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: واذكر حين أخذنا عليهم العهد المؤكد في التوراة وعلى ألسن أنبيائهم ورسلهم ﴿لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ [وفي قراءة: بالياء:(لا يعبدون)] أي: لا تشركوا به ولا معه شيئاً، وأفردوه وحده، دون غيره، بالعبادة. وهو خبر بمعنى النهي، ومثله قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)النحل(٣٦). ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا﴾ أي: وأحسنوا إلى الوالدين إحساناً كاملا- قوليا وفعلياً- ببرهما، وحسن معاشرتهما، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما. والأمر به، نهي عن ضده. وقد قرن الله تعالى بين حقه في العبادة وحق الوالدين في الإحسان، كقوله: (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير)لقمان(١٤)وقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً)الإسراء(٢٣).وفي الصحيحين عن ابن مسعود، «قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». ﴿وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: وأحسنوا إلى القرابة بصلتهم، والقيام على ما يحتاجون إليه حسب الوسع والطاقة. وفي الحديث الصحيح أن رجلاً قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك، ثم أدناك فأدناك». ﴿وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ أي: وأحسنوا إلى اليتامى- وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، أي: مات آباؤهم وهم صغار- والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، و هم الذين أسكنتهم الحاجة .﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ أي: كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، وقولوا لهم قولا حسنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي منه والقولي.[وفي قراءة: (وقولوا للناس حَسَناً) بفتح الحاء و السين ، أي: قولاً حسناً طيباً]. والحسن: اسم عام جامع لمعاني الحسن كلها. وعند أحمد ومسلم والترمذي عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال:«لا تحقرن من المعروف شيئاً، وإن لم تجد، فالق أخاك بوجه منطلق». ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ تأكيد للأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين اللازم من إقامة الصلاة بشروطها و أركانها و واجباتها ومستحباتها ، و إيتاء الزكاة الواجبة منها و المستحبة . ﴿ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ أي: تركتموه وراء ظهوركم، وأعرضتم عن الوفاء به، بعد العلم به، والمراد: آباؤهم. ﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ﴾ ومن هذا القليل عبد الله بن سلام وأصحابه الذين آمنوا بمحمد ﷺ.﴿وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم كفراً وعناداً. وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في قوله: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً...) النساء(٣٦).
2:84Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
٨٤ - ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ﴾ أي: واذكر حين أخذنا عليكم العهد المؤكد﴿لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ ﴾ أي: لا تريقونها بقتل بعضكم بعضا ﴿وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ﴾ أي: ولا يخرج بعضكم بعضا من داره، ولا يظاهر عليه كرها أو ظلما. وقوله: (أنفسكم) أي: أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة.وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».وقوله: (لا تخرجون) و(لا تسفكون) كقوله: (لا تعبدون) جمل خبرية بمعنى النهي، أي: جاء النهي فيها بلفظ الخبر، فهي أبلغ من صريح النهي.﴿ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ﴾ أي: اعترفتم بذلك الميثاق وصحته وقبلتموه. ﴿وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ﴾ على أنفسكم بذلك. وكان الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه ولا يسرقه.
2:85Page 13
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: أنتم يا هؤلاء المشاهدون الحاضرون منهم في زمن رسول الله ﷺ تخالفون ما أخذ الله عليكم في التوراة، فيقتل بعضكم بعضاً ﴿وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ﴾ أي: يخرج بعضكم بعضاً من داره مخالفة لعهد الله لكم في التوراة. ﴿تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم﴾ أي: تتعاونون عليهم بحلفائكم من العرب ، وهم: الأوس والخزرج. و(تظاهرون): من التظاهر، وهو التعاون. وأصله من الظهر، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر. [وفي قراءة: (تظَّاهرون) بتشديد الظاء ، وفيه إدغام التاء في الأصل في الظاء، لأن أصلها: تتظاهرون]. ﴿بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾ أي: بالمعصية والظلم، وبلا سبب يحل به ذلك. والإثم: اسم للفعل المبطئ عن الثواب، وجمعه: آثام. ويطلق على الذنب والمعصية، يقال: أثم يأثم إثماً ومأثماً، فهو آثم وأثيم. وقيل: هو اسم للفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم واللوم. وقيل: هو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب. والعدوان: التجاوز في الظلم.﴿وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ﴾ [ وفي قراءة: (أسْرى)] أي: مأسورين، والمراد: أهل ملتكم الذين تخرجونهم من ديارهم وتتظاهرون عليهم. وأسارى : جمع أسير، بمعنى: مأسور، وهو الذي يؤخذ على سبيل القهر والغلبة، فيشد بالإسار، وهو القيد. ﴿تُفَٰدُوهُمۡ﴾ [وفي قراءة: (تَفْدوهم)بفتح التاء وسكون الفاء وبلا ألف بعدها] أي: تنقذوهم من الأسر بالفداء- بالمال وغيره- وكان هذا مما عهد إليهم في توراتهم. يقال: فاداه وفداه، أعطى فداءه فأنقذه. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ﴾ أي: والشأن أنه كما حرم عليكم ترك الفداء، حرم عليكم قتل بعضكم بعضاً وإخراج بعضكم بعضاً من داره، والمظاهرة عليه. وكانت النضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بين الأوس والخزرج، قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، يظاهر على إخوانه، حتى يسفكوا دماءهم ، ويخرجونهم من بيوتهم- وهو محرم عليهم في توراتهم- فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، عملاً وتصديقاً لما في التوراة، ولكن الأسر نتيجة الإخراج فكيف تفعلون الشيء وتبطلون نتيجته.﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وهو الفداء، أي: أتفادوهم تصديقاً لحكم التوراة ﴿وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ﴾وهو القتل والإخراج والمظاهرة أي: أتقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم، وتظاهرون عليهم، كفراً لما في التوراة ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ﴾ أي: هوان وذل وبلاء وفضيحة ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ﴾ بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره. و خزي: مصدر خزي الرجل يخزى خزياً وخزىً: وقع في بلية فذل بذلك، وهو خزيان، وهن خزايا، وأخزاه الله: فضحه. وقد خزوا بقتل قريظة، ونفي النضير إلى الشام، وضرب الجزية عليهم. ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ﴾ جزاء مخالفتهم كتاب الله- أي: التوراة- وتلاعبهم بآيات الله. ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [وفي قراءة: بالياء: (يعملون)] فتفوتونه. وفي الآية: ذم لليهود في قيامهم ببعض ما في التوراة ومخالفة بعضها الآخر .
2:86Page 13
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
٨٦ -﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ أي: استحبوا وآثروا قليل الدنيا على كثير الآخرة، أو باعوا آخرتهم بدنياهم، وهواهم بدينهم. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ أي: لا يفتر عنهم.﴿وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ أي: ليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب، ولا يمنعهم منه ، ولا يدفع عنهم المكروه.
2:87Page 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.
٨٧ - ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة، فحرفوها وبدلوها وخالفوا أوامرها، وأولوها بأهوائهم ﴿وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ ﴾ أي: وأتبعنا على أثره الرسل على منهاجه يحكمون بشريعته، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعد موسى عليه السلام. وفي «القاموس» : قفا أثره يقفوه قفوا وقفوّاً، إذا تبعه. وقفى على أثره بفلان، إذا أتبعه إياه، وقفيته زيداً وبه: أتبعته إياه. وأصله من قفوت فلاناً: إذا اتبعت قفاه، أو: صرت خلف قفاه.والقفا: مؤخرة العنق، ثم أطلق على كل تابع ولو بعُد الزمن بينه وبين متبوعه، وهذا كقوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترى)المؤمنون(٤٤). ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: المعجزات الدالة على صدقه (كما سيأتي في الآية (٤٩) من سورة آل عمران) كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وإخباره الناس بكثير من الغيوب، وإتيانهم بالمائدة من السماء، وإنزال الإنجيل عليه. ﴿وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ﴾ [وفي قراءة: بإسكان الدال(القُدْس)] أي: قويناه وأعناه بجبريل عليه السلام، ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به. والروح القدس: أي المقدسة الطاهرة، من إضافة الموصوف إلى الصفة، ووصف بالقدس، لطهارته عن مخالفة ربه في كل شيء. وسمي روحاً لمشابهة الروح الحقيقي في أن كلاً منهما مادة الحياة، فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية، تحيا به القلوب، والروح تحيا به الأجسام. وهذا كقوله تعالى: (قل نزله روح القدس)النحل(١٠٢). وفي الحديث عند البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول لحسان بن ثابت: «اللهم أيد حسان بروح القدس» الحديث. وفي رواية: «اهجهم وجبريل معك». وعند ابن حبان في«صحيحه» عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال:«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها» الحديث. ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ﴾ أي: بما لا يوافقها ولا يلائمها، أو: بما لا تميل إليه نفوسكم من الحق. ﴿ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ﴾ أي: تكبرتم عن اتباعه وإجابته وشق ذلك عليكم. ﴿فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ﴾ كعيسى ومحمد ﷺ. ﴿وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ أي: قتلتم،كزكريا ويحيى- عليهما السلام-. و قوله تعالى : (وفريقاً تقتلون) أراد بذلك: وصفهم في المستقبل أيضاً، فقد حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر، وقال في مرض موته- كما في البخاري-: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهَري».
2:88Page 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
٨٨ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: اليهود للنبي ﷺ استهزاءً، وتيئيساً له من إيمانهم، لئلا يعاودهم بالدعوة إلى الله. ﴿قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ﴾ أي: مغشاة بأغطية- حسية- فلا تعي ولا تفقه ولا تفهم ما تقول، أو: لا يخلص إليها ولا ينفذ فيها مما تقول شيء. وغلف: جمع أغلف، وهو الذي جعل له غلاف، أي: غطاء، ومثله قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)فصلت(٥). ﴿بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ﴾ أي: أقصاهم وأبعدهم من رحمته، وطردهم عن كل خير، بسبب عدم إيمانهم- لا ما زعموا من قولهم: قلوبنا غلف-. واللعنة: الطرد والإبعاد.﴿فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: إيمانهم قليـل جداً- فهم يؤمنون ببعض ما جاء به موسى عليه السلام ويكفرون بما جاء به محمد ﷺ. وقيل: قليل من يؤمن منهم. وقيل: هم لا يؤمنون بشيء أصلاً. ونظير هذا قوله تعالى في سورة النساء: (وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً)النساء(١٥٥) وهذا القول منهم غاية في العناد والمكابرة.
2:89Page 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.
٨٩ - أسباب نزول الآية: أخرج محمد بن إسحق، عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته. فقال سلام بن مشكم- أخو بني النضير-: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ،فنزلت الآية. ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ﴾ أي: اليهود ﴿كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ أي: القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ﴾ من التوراة لا يخالفه ولا يناقضه. ﴿وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: كانوا قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون ببعثته على أعدائهم من المشركين، إذا قاتلوهم، يقولون: إن نبياً يبعث قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. والاستفتاح: الاستنصار، من الفتح، وهو النصر- كالفتاحة-.﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ﴾ من الحق، وهو بعثة النبي ﷺ الذي يجدون صفته ونعته عندهم في التوراة. ﴿كَفَرُواْ بِهِۦۚ﴾ بغياً وحسداً وخوفا على الرياسة والجاه ﴿فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ وهم اليهود. واللعنة: الطرد من رحمة الله.
2:90Page 14
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠
How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.
٩٠ - ﴿بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ﴾ أي:بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم، أي: حظها من الثواب ﴿أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: كفرهم بما أنزل الله على محمد ﷺ من القرآن ﴿بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ﴾ أي: حسداً، لأجل تنزيل الله الوحي والكتاب على محمد ﷺ. وحاصل المعنى: أنهم باعوا أنفسهم وحظها من الثواب- وهو الإيمان بالله ورسوله- واستعاضوا عنه الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ، فأبقوا أنفسهم في نار جهنم، فبئست الصفقة. ثم إن الذي حملهم على هذه الصفقة الخاسرة، حسدهم للعرب أن يكون خاتم النبيين منهم. والاختصاص بالنبوة فضل من الله يؤتيه من يشاء. وأصل البغي: الظلم، وأطلق على الحسد، لأن الحاسد يظلم المحسود جهده بتمني زوال نعمة الله عنه. و(بغيا) مفعول له ل «يكفروا» منصوب. [وفي قراءة: (أن يُنْزِل) بضم الياء وسكون النون وكسر الزاي]. ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ﴾ أي: رجعوا بغضب من الله فوق غضب مستحقين له، وهما: كفرهم بعيسى عليه السلام وكفرهم بمحمد ﷺ.وقيل: عبادتهم العجل، وكفرهم بمحمد ﷺ. ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ أي: ذو إهانـة وصغار وذله.
2:91Page 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"
٩١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ﴾ أي: اليهود- في زمن النبي ﷺ- والمراد هنا: آباؤهم.﴿ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ على محمد ﷺ وصدقوه واتبعوه. ﴿قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا﴾ أي: نصدق بما أنزل علينا من التوراة، ولا نقر إلا بذلك. ﴿وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ﴾ أي: و الحال أنهم يكفرون بما سواه، أو بما بعده- أي: بما بعد التوراة من كتب الله- وهو القرآن، ﴿وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ حق يصدق ما معهم من التوراة، ويوافقه فلا يخالفه ولا يناقضه. وجملة (وهو الحق): حال ثانية مؤكدة. ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ أي: إن كنتـم صادقين في دعواكـم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم أنبياء الله الذين جاءوكم بتصديق ذلك، وقد نهيتم عن قتلهم فيما أنزل عليكم. والخطاب هنا لليهود في زمن النبي ﷺ بما فعل آباؤهم لرضاهم به، وسيرهم على طريقتهم.
2:92Page 14
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢
And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.
٩٢ - ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالآيات والدلائل الواضحات المبينة للحق، وهي: إما التوراة، أو الآيات التسع المشار إليها في قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)الإسراء(١٠١)، وهي: العصا واليد والسنين ونقص الثمرات، والطوفان والجراد والقُمّل، والضفادع والدم ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ﴾ الذي صنعه لكم السامري إلها تعبدونه من دون الله ﴿مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي: من بعد ذهاب موسى إلى الميقات لمناجاة ربه. ونظيره قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار)الأعراف(١٤٨). ﴿وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ باتخاذ العجل إلهاً معبوداً.
2:93Page 14
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣
And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."
٩٣ -﴿ وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ﴾ أي: العهد المؤكد على العمل بما في التوراة والإيمان والطاعة. ﴿وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ أي: جبل الطور ليسقط عليكم، حين أعرضتم عن قبول التوراة، فالتزمتم قولا و خالفتم فعلا. وقد تقدمت قصة رفع الطور في الآية (٦٣). وقلنا: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ﴾ أي: بجد واهتمام. ﴿وَٱسۡمَعُواْۖ﴾ ما تؤمرون به سماع قبول وطاعة واستجابة. ﴿قَالُواْ سَمِعۡنَا﴾ أي: قولك ﴿وَعَصَيۡنَا﴾ أي: أمرك ﴿وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ﴾ أي: داخل حب العجل وعبادته قلوبهم وخالطها-كما يخالط الصبغ الثوب، والشراب الجسد- حتى خلص إليها، بسبب كفرهم. وأصل الإشراب: مخالطة المائع للجامد، ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان، نحو : أشرب بياضه حمرة، وحذف المضافان للعلم بهما، وذلك للمبالغة.﴿قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ﴾ أي: إن كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى نقض المواثيق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، وعبادة العجل، وغير ذلك من معاصي الله، فبئس هذا الإيمان الداعي صاحبه إلى كل شر، الناهي عن كل خير.﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ أي: بالتوراة كمـا زعمتم، فوضـح كذبهـم وتبين تناقضهم.والمعنى: لستم بمؤمنين، لأن الإيمان لا يأمر بما ذكر من معاصي الله، والمراد: آباؤهم، ثم أنتم على شاكلتهم، لستم بمؤمنين بالتوراة، وقد كذبتم محمدا ﷺ، والإيمان بها يأمر بتصديقه واتباعه.
2:94Page 15
قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤
Say, [O Muḥammad], "If the home of the Hereafter with Allāh is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."
٩٤ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهم: ﴿إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ﴾ أي: الجنة، وذلك حين قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. ﴿عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: خاصة بكم، دون غيركم، كما زعمتم: أنكم أولياء الله وأحباؤه وأنكم من أهل الجنة. يقال: هذا الشيء خالصة لك، أي: خالص لك خاصة.﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ أي: إن صدقتم في زعمكم أنكم من أهل الجنة، وأنها مخصوصة بكم دون غيركم، فسلوا الموت واطلبوه- لأنه موصل إلى الدار الآخرة- وقيل: دعوا إلى مباهلة رسول الله ﷺ والدعاء بالموت على أكذب الطائفتين، فامتنعوا من ذلك.وفي الحديث عند البخاري وغيره عن ابن عباس، مرفوعا:«لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، و لو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا». والمباهلة: الدعاء بالموت على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين، وسميت تمنياً: لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له. وكانت المباهلة بالموت، لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء حالهم ومآلهم بعد الموت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences