Al-Jami' al-WajizTaha · 20:72–101

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Taha 20:72–101

20:72Page 316

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

٧٢ – ﴿قَالُواْ﴾ أي : السحرة لفرعون بعد أن آمنوا بالله ، وهانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل : ﴿لَن نُّؤۡثِرَكَ﴾ أي : لن نختارك و نفضلك ﴿عَلَىٰ مَا جَآءَنَا﴾ به موسى ﴿مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ الواضحة الدالة على صدق ما جاء به من عند ربه ، فلن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقـين ونفضلك عـلى الإيمان والاتبـاع ﴿وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ﴾ أي : و لن نؤثرك ونختارك على الذي خلقنا من العدم على غير مثال سبق وأبدعنا و أوجدنا، فهو المستحق للعبادة وحده، لا أنت.أو : هو قسمٌ بالله ، أي : والله الذي فطرنا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات . وفعله من باب : نصر.﴿فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ﴾ أي : افعل ما شئت واصنع ما بدا لك ، مما توعدتنا به . ﴿ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾ أي: إنما سلطانك علينا ، ونفوذ أمرك فينا، إنما هو كائن في هذه الحياة الدنيا بما توعدتنا به من القتل والصلب والعذاب ، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها .وقيل : إنما تقضي ما تقضي في هذه الحياة الدنيا ، وتجزى عليها في الآخرة، ولا سلطان لك بعدها .

20:73Page 316

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

٧٣ – ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا﴾ التي سلفت منا من الكفر والإشراك وغيره ، فإن الإسلام يَجُبّ ما قبله ، والتوبة تهدم ما سبقها، والإيمان مكفر للسيئات والآثام . ﴿وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ ﴾ أي : وآمنا بربنا ليغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر ، تعلما وعملا لمعارضة موسى عليه السلام.﴿وَٱللَّهُ خَيۡرٞ ﴾ منك ثوابا ، لمن تاب وأناب ﴿وَأَبۡقَىٰٓ﴾ منك عذابا وعقابا لمن خالف أمره وعصاه ولجّ في كفره وطغيانه . أو : (والله خير) مما أوعدتنا به من الأجر والمنزلة والجاه (و أبقى) أي: وأدوم منك ثوابا وإحسانا لما وعدتنا به ومنّيتنا .قال ابن عباس : كانوا في أول النهار سحرة ، وفي آخره شهداء بررة.ولكن لم يأت حديث صحيح على الجزم بوقوع ما توعدهم به فرعون في حقهم من القتل والصلب.

20:74Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

٧٤ – ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا﴾ كافرا ، أي : يلقى الله يوم القيامة مجرما ﴿فَإِنَّ لَهُۥ﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ، وينقضي عذابه ﴿وَلَا يَحۡيَىٰ﴾ حياة طيبة تنفعه ، كقوله : (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور)فاطر(٣٦). والآية إما استئناف من كلام الحق تبارك وتعالى ، أو من تمام ما وعظ به السحرة فرعون .وفي الحديث عند أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ خطب ، فأتى على هذه الآية فقال: «أما أهل النار الذين هم أهلها ، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها ، فإن النار تميتهم إماتة ، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون ، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له : نهر الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل». وفي رواية : «ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحما ، وأذن في الشفاعة، جيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال : يا أهل الجنة ، اقبضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل».

20:75Page 316

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:

٧٥ – ﴿وَمَن يَأۡتِهِۦ﴾ أي : يأت ربه يوم القيامة ﴿مُؤۡمِنٗا﴾ به ، مصدقا لرسله، متبعا لكتبه ﴿ قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الواجبة والمستحبة ، الفرائض منها والنوافل ، قد صدّق ظاهرُه باطنه، وعلانيتُه سريرته، فاجتمع له الإيمان بالقلب و تصديق ذلك بالقول والعمل .﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ﴾ أي : المنازل الرفيعة العالية في الجنة .جمع «عليا» مؤنث «أعلى».وفي الحديث عند أحمد والترمذي عن النبي ﷺ قال : «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة،والعرش فوقها ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» .وفي الصحيحين: «إن أهل عليين ليرون من فوقهم ، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» .و في السنن:«وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما» .و يبدل من قوله : (لهم الدرجات العلى) ، قوله :

20:76Page 316

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1

٧٦ – ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ﴾ أي : إقامة دائمة ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي : من تحت مساكنها و منازلها وأشجارها ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي : ماكثين أبدا ﴿وَذَٰلِكَ﴾ أي : الأجر والثواب هو ﴿جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾ أي: تطهر من دنس الشرك و الكفر و النفاق ، فعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به و طهر نفسه أيضا بالإيمان والعمل الصالح، والتوبة والإنابة إلى الله . وللتزكية معنيان : حسي : وهو التنقية وإزالة الخبث ، ومعنوي: و هو الزيادة والتنمية بحصول الخير، ومنه سميت الزكاة زكاة ، لهذين الأمرين .

20:77Page 317

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧

And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."

٧٧ - ﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي﴾ أي: سر ببني إسرائيل ليلا ، أي : أول الليل ، من أرض مصر إلى خليج السويس .و «أسْر» بهمزة قطع من «أسْرى».[و في قراءة: بهمزة وصل وكسر نون «أن» (أنِ اسْر)من «سرى» لغتان، أي: سر بهم ليلا].﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا﴾ أي : اجعل أو اتخذ لهم- بالضرب بعصاك – طريقا ﴿فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾ هو بحر السويس ﴿يَبَسٗا﴾ أي : يابسا لا طين فيه ولا ماء .واليبس : المكان إذا كان فيه ماء وذهب ، وذلك أن الله أيبس لهم تلك الطريق .﴿لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا﴾ أي: أن يدركك فرعون و جنوده من ورائك فلا تخاف إدراكا و لحاقا أو تبعة.[و في قراءة:(لا تخفْ دركا)].﴿وَلَا تَخۡشَىٰ﴾ الغـرق من أمامك. فامتـثل أمـر الله ، وضرب البحر بعصاه (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم)الشعراء(٦٣) أي : الجبل العظيم.و الدرك -محركة-: اللحاق ، يقال : أدركه : إذا لحقه وتبعه .

20:78Page 317

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1

٧٨ – ﴿فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ﴾ أي: تبعهم فرعون وجنوده ، فسلكـوا وراءهـم في تلك الطـرق ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ﴾ أي : علاهم من البحر ما علاهم ، وغمرهم البحر ، فأغرقهم جميعا .والتكرير : للتعظيم والتهويل .

20:79Page 317

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].

٧٩ – ﴿وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ﴾ عن الإيمان والرشد بدعائهم إلى عبادته و تكذيب رسول الله موسى عليه السلام ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ أي: وما هداهم إلى طريق النجاة ، بل أوقعهم في الهلاك ، وأوردهم موارد الغي والضلال ، بخلاف قوله لهم:(وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)غافر(٢٩).

20:80Page 317

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠

O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,

٨٠ – ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ﴾[و في قراءة: بالتاء (قد أنجيتكم من عدوكم)] أي : من فرعون وجنوده بإغراقهم في البحر، كقوله:(وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)البقرة(٥٠) .﴿وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ﴾ [ و في قراءة : بالتاء (وواعدتكم)و في أخرى بالنون وحذف الألف : (و وعدناكم)] بعد هلاك فرعون ﴿جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ﴾ وهو جبل سيناء الذي كلمه الله تعالى عليه، وسأل موسى فيه الرؤية كما في قوله : (رب أرني أنظر إليك)الأعراف(١٤٣) وأعطاه الله التوراة هنالك، وكان موسى قد اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه ، كما في قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا)الأعراف(١٥٥).﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ﴾ في التيه. والآية تذكير بنعم الله تعالى عليهم الدينية والدنيوية ، والخطاب لمن وُجد من اليهود زمن النبي ﷺ بما أنعم الله على أجدادهم زمن موسى عليه السلام . والمنّ : حلوى كانت تنزل عليهم من السماء وهي مادة صمغية حلوة كالعسل .والسلوى: طائر يُشبه السمانى كان يسقط عليهم زمن التيه، رحمة من الله بهم وإحسانا إليهم .وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء ، فسألهم عن ذلك ، فقالوا : هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال : «نحن أولى بموسى منهم ، فصوموه» .

20:81Page 317

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."

٨١ - ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ [و في قراءة: بالتاء ( من طيبات ما رزقتكم)] واشكروا الله على ما أنعم به عليكم. والمراد بالطيبات : المستلذات من الأطعمة ، الحلال منها . ﴿وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ﴾ أي : في رزقي ، بأن تكفروا نعمي، وتستعملوها في معاصي الله . أو : لا تتعدوا حدود الله فيما رزقناكم بأن تكفروا بالله ونعمه ، وتخالفوا أمره ، وتستعملوا رزقه و نعمه في معاصيه .أو : لا تظلموا في رزق الله.من الطغيان : وهو مجاوزة الحد في العصيان.﴿فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ﴾ أي : فيجب عليكم غضب الله و يلزمكم عقابه.يقال : حل أمر الله عليه ، يحِل حلالا – بكسر الحاء – أي : وجب .[وفي قراءة بضم الحاء : (فيحُل) أي: فينزل عليكم غضبي] . يقال : حل يحُل حُلولا – بضم الحاء– أي: نزل. ﴿وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي﴾ أي : يجب عليه غضب الله [و في قراءة: بضم اللام: (يحلُل)] أي: ينزل به غضب الله ﴿فَقَدۡ هَوَىٰ﴾ أي : هلك وتردى ، وخاب وخسر وشقي في الدنيا والآخرة ، أو صار إلى الهاوية ووقع فيها وسقط في النار . وأصل الهوي : السقوط من عُلْو .يقال : هوى يهوى هَوِيا و هُوِيا – بفتح الهاء وضمها – وهَوَيانا : سقط إلى أسفل ، ثم استعمل في الهلاك ، للزومه له .

20:82Page 317

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.

٨٢ – ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ﴾ أي : كثير المغفرة والرحمة ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الكفر والشرك، أي : رجع عما كان عليه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق .﴿وَءَامَنَ﴾ بالله و ملائكته و كتبه و رسله واليوم الآخر ، أي :بقلبه ﴿وَعَمِلَ صَٰلِحٗا﴾ أي : عمل عملا صالحا بجوارحه ، يصدق ما تواطأ عليه القلب من الإيمان ، مما ندب إليه الشرع وحسنه ، من الواجبات والمستحبات ، والفرائض والنوافل .﴿ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ﴾ أي : استقام على التوبة والإيمان والعمل الصالح حتى الموت، أو : لزم الإسلام ، واستقام على الصراط المستقيم ، وأخلص الدين لله ، وتابع الرسول ﷺ ، واستمر على ذلك حتى الموت .و «ثم» لترتيب الخبر على الخبر: كقوله جل جلاله : (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)البلد(١٧).

20:83Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

٨٣ – ﴿وَمَآ أَعۡجَلَكَ﴾ أي : وأيّ شيء عجل بك، أو: ما الذي حملك على العجلة ﴿عَن قَوۡمِكَ﴾ فتقدمت عليهم وخلفتهم وراءك ﴿يَٰمُوسَىٰ﴾؟ .يقال: أعجله و عجّله تعجيلا : استحثه، من العجلة : وهي طلب الشيء وتحريه قبل أوانه . وكان موسى عليه السلام قد أُمر بحضور الميقات لتلقي التوراة، مع قوم مخصوصين مختارين من بني إسرائيل و هم النقباء السبعون الذين اختارهم من بني إسرائيل للذهاب معه إلى الطور ، لأجل أن يأخذوا التوراة ، فسار بهم موسى، ثم عَجّل من بينهم ، مشوقا إلى ربه ولقائه، وخلّفهم وراءه ، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل ، فقال الله له : (ما أعجلك عن قومك يا موسى) أي: ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم ؟

20:84Page 317

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

٨٤ – ﴿قَالَ﴾ موسى لربه :﴿هُمۡ أُوْلَآءِ﴾ أي: بالقرب مني يأتون ﴿عَلَىٰٓ أَثَرِي﴾[و في قراءة : (على إثْري)] وسيصلون بعدي ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾ أي : لتزداد عني رضا، بمسارعتي إلى لقائك وامتثال أمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك .

20:85Page 317

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

٨٥ – ﴿قَالَ﴾ الله له : ﴿فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ﴾ أي : ابتليناهم واختبرناهم بعبادة العجل ، أو : أوقعناهم في الفتنة ﴿مِنۢ بَعۡدِكَ﴾ أي : من بعد فراقك لهم ومجيئك لميقاتنا ﴿وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾ فعبدوا العجل، أي : جعلهم في ضلالة عن الحق بما أوقعهم فيه من عبادة العجل .والفتنة : الابتلاء والاختبار . والقوم الذين ابتلاهم الله بعبادة العجل هم الذين خلفهم موسى مع هارون ، وهم غير النقباء السبعين، وكانوا قد أطاعوا السامري فيما دعاهم إليه من عبادة العجل الذي صنعه لهم، وكان السامري من عظمائهم من قبيلة تعرف بالسامرة، وكان منافقا.

20:86Page 317

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

٨٦ - ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ﴾ بعدما أخبره ربه بفتنتهم وابتلائهم ﴿غَضۡبَٰنَ﴾ من جهتهم ، أي : في غاية الغضب و الحنق عليهم ﴿أَسِفٗاۚ﴾ أي: حزينا على ما صنع قومه من بعده وأحدثوا، أو : شديد الغضب ، جزعا عليهم ، أو : متغيظا عليهم.والأسف: الحزن والغضب معا ، وقد يطلق على كل واحد منهما على الانفراد .﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ﴾ أي : على لسـاني ﴿وَعۡدًا حَسَنًاۚ﴾ أي: صدقا، بإنزال التوراة عليكم، أو: بكل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة إن أقمتم على طاعته و عبادته. ﴿أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ﴾ أي: المدة في انتظار ما وعدكم الله به من إنزال التوراة عليكم ونسيان ما سلف من نعمه ، ﴿أَمۡ أَرَدتُّمۡ﴾ أي: بل أردتم بصنيعكم هذا ﴿أَن يَحِلَّ﴾ أي : يجب ﴿عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ بعبادتكم العجل أو ينزل بكم غضب الله وعذابه ﴿فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي﴾ أي : وعدكم لي بالثبات على ديني والاستقامة على طاعة الله. قيل : وعدوه بأن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا وتخلّفوا عن اللحاق به .و «أم» في قوله : (أم أردتم) : بمعنى: «بل» ، فهي للإضراب عن الكلام الأول ، وعدول عنه إلى الثاني، كأنه يقول : بل أردتم بصنيعكم أن ينزل بكم غضب الله ويلزمكم .

20:87Page 317

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

٨٧ - ﴿قَالُواْ﴾ أي : بنو إسرائيل لموسى : ﴿مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ﴾ الذي وعدناك من طاعة الله أو اللحاق بك إلى الطور ﴿بِمَلۡكِنَا﴾ أي :بقدرتنا وطاقتنا ، ورغبتنا واختيارنا ، بل كنا مضطرين إلى الخلف به . أي : ما فعلنا الذي فعلنا عن أمر منا وقدرة و اختيار . يقال : ملكه يملكه ملكا – بتثليث الميم-: احتواه قادرا على الاستبداد به .[و في قراءة : بضم الميم : ( بمُلْكِنا) وفي أخرى : بكسرها : (بمِلْكِنا)].ثم شرعوا يعتذرون له بأعذار واهية عن سبب خلفهم لموعده ، فقالوا: ﴿وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا﴾ أي : أثقالا وأحمالا ، والمراد : آثاما وتبعات. جمع وزر : وهو الثقل. [وفي قراءة بفتح الحاء و الميـم مخففـا:(حَمَلنا أوزارا)] ﴿مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ﴾ أي : من حُلي القبط – وهم : أهل مصر - ﴿فَقَذَفۡنَٰهَا﴾ أي: فطرحناها في النار وألقيناها عنا تأثما، أي : طلبا للخلاص والنجاة من إثمها . ﴿فَكَذَٰلِكَ﴾ أي : فكما ألقينا ﴿أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾ ما معه من الحلي ، وقيل: ألقى ما معه من الحلي ومن التراب الذي وقع عليه حافر فرس جبريل عليه السلام ، كما سيأتي في آية ٩٦ من هذه السورة .وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي القبط ، لعلة أو لمناسبة عندهم ، فكان بأيديهم حين خرج بهم موسى من مصر، فكانت الفتنة حين ألقوه في النار تأثما ، وألقى السامري ما معه من حُليهم .

20:88Page 318

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."

٨٨ – ﴿فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ﴾ السامري ﴿عِجۡلٗا﴾ صاغه من الحلي الذي كان بأيديهم لأهل مصر، ﴿جَسَدٗا﴾ أي: جثة لا روح فيه لا يعقل ولا يُميّز.أو : (جسدا) أي : مجسدا أحمر ظاهر الحمرة، لكونه مصنوعا من الذهب.والجسد: الدم اليابس والزعفران ، أو نحوه من الصبغ، ومنه : ثوب مُجسّد: أي : مصبوغ بالزعفران أو أحمر .و يحتمل أن يكون المراد بقوله:(جسدا) أي : لحما ودما، أي: صار عجلا حيا.﴿لَّهُۥ خُوَارٞ﴾ أي: صوت يشبه صوت البقر ، إذ صاغه على صورة العجل، وجعله مجوفا ، ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وجعله في مهب الريح ، فإذا هبت الريح سُمع لهذه الأنابيب صوت يشبه خوار البقر .والخوار: صوت البقر ، فإما أن يكون خواره بالريح كما تقدم ، وإما أن يكون العجل المصور قد انقلب بأمر الله ، عجلا حيا بلحم ودم ، يخور كما يخور الحي من العجول ، فتنة واختبارا لهم ، وذلك بسبب أثر التراب الذي أبصره السامري يوم غرق آل فرعون بحافر فرس جبريل عليه السلام ، فقبض قبضة منه، فألقاها على العجل المصور ، فتحرك العجل – بأمر الله – وصار له صوت وخوار .﴿فَقَالُواْ﴾ أي : السامري ومن وافقه من بني إسرائيل من الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه : ﴿هَٰذَآ﴾ أي : العجل ﴿إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ أي : فنسي موسى إلهه ههنا ، وذهب يطلب ربه في الطور . أو: فنسي موسى أن يذكركم أن هذا إلهكم وإلهه ، فعكفوا عليه وعبدوه .

20:89Page 318

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?

٨٩ – قال الله تعالى ردا على السامري وأتباعه ، وتقريعا لهم ، وبيانا لسخف عقولهم فيما ذهبوا إليه من أن موسى ضل ربه ولم يعلم مكانه ، وذهب يطلبه في الطور ، أو أنه نسي أن يذكر لبني إسرائيل أن العجل إلهه وإلههم: ﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ﴾ أي : هؤلاء الضلال ، أي: أفلا يعتبرون ويتفكرون ﴿أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا﴾ أي : أن العجل الذي عبدوه لا يرد عليهم جوابا إذا سألوه ولا يكلمهم إذا كلموه أو يراجعهم إذا راجعوه أو يخاطبهم إذا خاطبوه . ﴿وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ في دنياهم ولا في أخراهم ، فلا يدفع العجل عنهم ضرا ولا يجلب لهم نفعا ، فكيف يعبد من هذا شأنه، ويتخذ إلها من دون الله ؟

20:90Page 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

٩٠ – ﴿وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ﴾ أي : من قبل أن يرجع إليهم موسى من الطور : ﴿يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ﴾ أي : وقعتم في الفتنة بسبب عبادتكم العجل ، أي : إن الله ابتلاكم واختبركم به ، فضللتم عن طريق الحق لأجل عبادتكم له .﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا لا العجل.﴿فَٱتَّبِعُونِي﴾ في عبادة الله ، ولا تتبعوا السامري في عبادة العجل ﴿وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي﴾ لكم بعبادة الله ، واتركوا ما أنهاكم عنه ، فلا تطيعوا أمر السامري.

20:91Page 318

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

٩١ – ﴿قَالُواْ﴾ لهارون : ﴿لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ﴾ أي : لن نزال على عبادة العجل مقيمين مستمرين على ذلك ﴿حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ﴾ فينظر في الأمر ، هل يُقررنا على عبادته ، أو ينهانا عنه ، فعند ذلك اعتزلهم هارون عليه السلام .

20:92Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

٩٢ – ﴿قَالَ﴾ موسـى بعــد رجوعــه من الطور: ﴿يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ﴾ أي : أيّ شيء حملك ، أو : ما الذي منعك واضطرك ﴿إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ﴾ بعبادة العجل ، ودخلوا في الفتنة ، ووقعوا في الضلالة .

20:93Page 318

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

٩٣ - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ﴾ [و في قـراءة: بإثبات الياء : (ألا تتبعني)] وتلحق بي فتخبرني بهذا الأمر العظيم لأبادر الرجوع إليهم ﴿أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي﴾ أي: فيما كنت قدمت إليك من القيام لله و منابذة من خالف دينه ، و هو قوله:(اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)الأعراف(١٤٢). أو : (أفعصيت أمري) بالإقامة والبقاء بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها .

20:94Page 318

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

٩٤ – ﴿قَالَ﴾ هارون لموسى: ﴿يَبۡنَؤُمَّ﴾ [و في قراءة: بكسر الميم: (يا ابن أمِّ)] أراد: يا ابن أمي، وذكرها استعطافا واسترقاقا لقلب موسى ، و مع أنه شقيقه لأبويه، إلا أن ذكر الأم هنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف ﴿لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡـيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ﴾ أي: لا تفعـل هــذا بي عقوبة منك لي -وكان موسى قد أخذ برأس أخيه مغضبا يجره إليه - فإن لي عذرا في عدم اتباعك واللحاق بك وهو : ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ إن اتبعتك وتركتهم على ما هم عليه من عبادة العجل، وأمر السامري ﴿أَن تَقُولَ﴾ لي يا هارون: ﴿فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي : فرقت جماعتهم، وذلك لأن هارون لو خرج للحاق بموسى لتبعه جماعة من بني إسرائيل، وتخلف مع السامري عند العجل آخرون ، و ربما أفضى ذلك- وليس عندهم راع ولا خليفة- إلى اقتتالهم وتفريق جماعتهم وتشتيت شملهم .﴿وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي﴾ أي : وخشيت إن اتبعتك أيضا أن تقول لي يا هارون: (لم ترقب قولي) أي : لم تعمل بوصيتي لك فيهم ، ولم تحفظها ، ولم تراع ما أمرتك به من قولي : (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)الأعراف(١٤٢).واعتذر هارون لأخيه موسى في سورة الأعراف بقوله: (إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني) الأعراف(١٥٠) . عندها قال موسى: (رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين)الأعراف(١٥١). ثم توجه بخطابه إلى السامري:

20:95Page 318

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

٩٥ – ﴿قَالَ﴾ أي : موسى عليه السلام : ﴿فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ﴾ أي: فما شأنك الداعي إلى ما فعلت، أو : ما الأمر العظيم الذي حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟

20:96Page 318

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

٩٦ – ﴿قَالَ﴾ السامري : ﴿بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ﴾ [و في قراءة : بالتاء: (تبصروا به)] أي : علمت بالبصيرة ما لم يعلموا به.يقال : بصُر بالشيء يبصُر – ككرم وفرح – أي : علمه. قيل : إنه رأي جبريل عليه السلام حين جاء لهلاك فرعون و قومه.﴿فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام .وقد رُوي : أن السامري رأى جبريل عليه السلام راكبا على فرس حين جاء لهلاك فرعون وقومه، أوحين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات، ولم يره أحد غيره من قوم موسى ، و رأى الفرس كلما وضعت حافرها على شيء اخضرّ، فعلم أن للتراب الذي تضع عليه الفرس حافرها شأنا ، فأُلقي في روعه أن يقبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام ، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيا ، فأخذ من أثر الفرس حفنة ، وألقاها في الحُلي المذاب الذي صوّره عجلا. و القبضة تكون بملء الكف أو بأطراف الأصابع .﴿فَنَبَذۡتُهَا﴾ أي : فألقيتها وطرحتها في الحلي المذاب الذي صوّرته عجلا ﴿وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي﴾ أي:زينت وحسنت لي أن أقبض ذلك الأثر ، ثم أنبذه، فكان من أمري ما كان .يُقال : سولتُ له الأمر تسويلا، إذا صورته له بالصورة التي تستهويه وتحسِّنه لديه .وإنما خُص السامري من دون قومه برؤية ذلك الأثر-ابتلاء، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وأما علْمُه بأن لذلك الأثر شأنا ، فيجوز أن يكون لما شاهده من اخضرار الأرض تحت حافر فرس جبريل عليه السلام، أو بإخبار موسى عليه السلام له فيما مضى . فائدةو هذا القول الذي ذكره جمهور المفسرين-من أن السامري أبصر أثر حافر فرس جبريل عليه السلام- ليس عليه دليل من خبر المعصوم ﷺ ، لكن ابن أبي حاتم أخرج نحوه من حديث عليّ موقوفا ، و من قول عكرمة و مجاهد.و قد نقل الرازي في تفسيره عن أبي مسلم الأصفهاني : أن في الآية وجها آخر و هو : أن يكون المراد بالرسول: موسى عليه السلام ، وبأثره : سننه و رسمه الذي أُمر به.فيكون المعنى: (بصرت بما لم يبصُروا به) أي : علمت من صناعة التماثيل ما لم يعلموه ، فاستعنت ببعض تعاليم الرسول ، موسى عليه السلام ، واستخدمتها في هذا العمل الذي زينته لي نفسي . قلت: و قول الجمهور يتأيد بما رواه ابن أبي حاتم من حديث علي موقوفا، فإنه لا يكون من قبيل الرأي .

20:97Page 318

قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧

[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.

٩٧ – ﴿قَالَ﴾ له موسى: ﴿فَٱذۡهَبۡ﴾ يا سامري من بيننا ، واخرج عنا . ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ﴾ أي : في مدة حياتك ﴿أَن تَقُولَ﴾ لمن رأيته ، عقوبة لك: ﴿لَا مِسَاسَۖ﴾ أي : لا أَمَسّ ولا أُمسّ طول الحياة.مصدر : ماسَّ ، ك «قتال» من قاتل .والمراد : فكما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه و مسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول لمن رأيته من قومك : لا مساس، أي أنك لا تماس الناس ولا يمسونك، و لا تقربهم و لا يقربونك ، و لا تخالطهم و لا يخالطونك .أي : أن موسى أمر بنفي السامري عن قومه ، وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له على ما صنع .﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ أي : يوم القيامة ﴿مَوۡعِدٗا﴾ لعذابك ﴿لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ﴾ -بفتح اللام- أي : بل تُوفّاه وتُبعث إليه [و في قراءة بكسر اللام :(لن تخلِفه)] أي: لن تغيب عنه ، فلا محيد لك عن ذلك الموعد ، فإن الله لن يخلفك إياه.﴿وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ﴾ أي : معبودك ﴿ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ﴾ أي : دمت عليه مقيما تعبده ، وهو العجل .و أصل «ظلْت» : ظلِلْت – بلامين أولاهما مكسورة فحذفت تخفيفا.﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ﴾ بالنار [و في قراءة : بتخفيف الراء: (لنُحْرِقَنّه) و في أخري: بفتح النون و ضم الراء (لنَحْرُقنَّه) أي: لنبردنَّه بالمبرَد] ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ أي : لنذرينه في البحر تذرية فتذهب به الريح، أو : لنذرونه في البحر ذروا حتى لا يبقى منه عين ولا أثر . يقال : نسف الطعام ينسفه بالمنسف: إذا ذراه فطيّر عنه قشوره وترابه .

20:98Page 318

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨

Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."

٩٨ – ثم قال موسى لهم بعد أن فعل بالعجل ما فعل من الحرق والنسف والتذرية : ﴿إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ﴾ المستحق للعبادة وحده دون سواه ، هو : ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ﴾ له الأسماء الحسنى والصفات العلى فلا معبود بحق سواه ، لا هذا العجل الذي فتنكم به السامري .﴿وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا﴾ – تمييز محول عن الفاعل- أي: وسع علمه كل شيء وأحاط بكل شيء علما ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، لا إله غيره ، ولا رب سواه.

20:99Page 319

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩

Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].

٩٩ – ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وفرعون ﴿نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ﴾ أي: من أخبار ﴿مَا قَدۡ سَبَقَۚ﴾ من الأمم السالفة الماضية ﴿وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ﴾ أي : أعطيناك ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ أي : من عندنا ﴿ذِكۡرٗا﴾ هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .

20:100Page 319

مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠

Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],

١٠٠ - ﴿مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ﴾ فلم يؤمن به ، وابتغى الهدى في غيره ، أو : كذب به وأنكره ، وأعرض عن اتباعه أمرا ونهيا ، ولم يعمل بما جاء فيه ، ﴿فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا﴾ أي : إثما عظيما ، وعقوبة ثقيلة ، بسبب إعراضه وتوليه عن القرآن وهديه.كقوله:(ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده)هود(١٧) .وهو عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، أهل الكتاب وغيرهم ، كما قال عنه :(لأنذركم به ومن بلغ)الأنعام(١٩) . فكل من بلغه القرآن فهو نذير له ، وداع له ، فمن اتبعه هُدي ، ومن خالفه وأعرض عنه ضل و شقي في الدنيا و الآخرة، والنار موعده يوم القيامة .

20:101Page 319

خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١

[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -

١٠١ - ﴿خَٰلِدِينَ فِيهِۖ﴾ أي : في وزرهم، والمراد : في عذاب وزرهم وجزائه ، فإن العذاب كائن على الأعمال بحسبها صغرا وكبرا فلا محيد لهم عن العذاب ولا انفكاك لهم عنه. ﴿وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا﴾ أي : بئس الحمل حملهم ، و الوزر وزرهم والعذاب عذابهم يوم القيامة . و حمْلا : تمييز مُفسِّر للضمير في «ساء»، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره : حملهم أو وزرهم، واللام للبيان .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском