Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الأنبياء
Al-Anbya
The Prophets · Meccan · 112 ayahs
21:1Page 322
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١
[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.
١ - ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ﴾ أي: قَرُب الزمن الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم ودنا ، وهو زمن قيام الساعة ، إذ هو آت لا محالة ، وكل آت قريب . ﴿وَهُمۡ﴾ أي: الناس ﴿فِي غَفۡلَةٖ﴾ تامّة عنه، وجهالة عامّة بالإيمان والحساب والجزاء، وسائر ما جاء به الرسول ﷺ ﴿مُّعۡرِضُونَ﴾ عن الدلائل والآيات والنذر، منشغلون بالدنيا ومتعها عن الآخرة ونعيمها، غير متأهّبين لها بالإيمان و العمل الصالح، غافلون ساهون عن الاستعداد ليوم الحساب.فالآية تنبيه على اقتراب الساعة ودنوّها، وأن الناس في غفلة عنها، وعمّا خلقوا لأجله، لا يعملون لها، ولا يستعدّون لذلك اليوم،معرضون عمّا أمروا به ، ونهوا عنه.والغفلة في الأصل : عدم تذكّر الشيء. والمراد هنا: الترك إهمالاً وإعراضاً .وفي الحديث عند النسائي عن أبي سعيد الخدريّ: أن النبي ﷺ قال في قوله تعالى : (في غفلة معرضون) قال: «في الدنيا» .والآية كقوله تعالى:(أتى أمر الله فلا تستعجلوه)النحل(١).
21:2Page 322
مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢
No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play
٢ - ﴿مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ﴾ تنزيله بالوحي ، أي: جديد تنزيله على النبي ﷺ، مجدِّد لهم التذكير، فقد كان ينزل به جبريل عليه السلام ،بإذن الله تعالى، آية آية، وسورة سورة، في وقت بعد وقت، على قلب رسول الله ﷺ.والخطاب في الآية لمشركي قريش، ومن شابههم من الكفار .﴿إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ﴾ سماعاً لا يجاوز آذانهم إلى القلوب والعقول ﴿وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ﴾ أي: يستهزؤون ، لا يعتبرون به، ولا يتفكرون في وعده ووعيده .وعن ابن عباس قال: ما لكم تسألون أهل الكتاب عمّا بأيديهم، و قد حرّفوه، وبدّلوه ، وزادوا فيه ، ونقصوا منه ، وكتابكم أحدث الكتب بالله، تقرأونه محضاً لم يُشب- أي : لم يُخلط بغيره من الأباطيل والأضاليل – أخرجه البخاري بنحوه.
21:3Page 322
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣
With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"
٣ - ﴿لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ﴾ أي: غافلة عن القرآن وعن معناه ، لا تتأمّل في آياته، ولا تفكّر في حكمه .يقال : لَهِيَ عنه – كرضي – ولَهَا – كدعا – لُهِيًّا ولُِهْياناً: سلا وغفل وترك ذكره.وهو حال من فاعل(استمعوه) أو (يلعبون) .﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: بالغوا في إخفاء تناجيهم بما يهدمون به أمر القرآن ، حتى لا يفطن أحد إلى أنهم يتناجون ، مبالغة في إحكام التدبير السيء.والنجوى : المسارّة بالحديث.وقالوا : ﴿هَلۡ هَٰذَآ﴾ أي: محمد ﷺ ﴿إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ﴾ أي: يستبعدون كونه نبيا، لأنه بشر مثلهم، فكيف اختُصّ بالوحي دونهم؟أي : كيف تصدقونه في دعوى النبوة والرسالة ، والرسول لا يكون إلا ملَكاً؟﴿أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ﴾ أي: أجهلتم أمره، وأنّه ساحر، فتحضرون عنده، وتقبلون منه ، وتتبعونه وتنقادون له. أو : أفتقبلون السحر؟ يعنون بذلك : القرآن .﴿وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ أي: تعاينون سحره، وتعلمون أنه سحر؟فتكونون كمن يأتي السحر، وهو يعلم أنه سحر.وقد قالوا ذلك لزعمهم أن كلّ ما يظهر على يد البشر من خوارق العادات، فهو من قبيل السحر .
21:4Page 322
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤
He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."
٤ - ﴿قَالَ﴾ أي: محمد ﷺ [و في قراءة: (قل) يا محمد] مجيباً لهم: ﴿رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ﴾ سرّه وعلانيته، كائناً ﴿فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ بما احتوت عليه أقطارهما جميعاً ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوالكم، و لكلّ ما يُسمع من الأصوات، باختلاف اللغات، وتفنّن الحاجات ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ به وبأحوالكم، وبكل ما يُعلم من النّوايا والأقوال، والأعمال والأحوال.والآية تهديد لهم و وعيد (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما)الفرقان(٦).
21:5Page 322
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥
But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."
٥ - ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ﴾ أي: مشركو مكّة ، وغيرهم من الكفار، قالوا في القرآن،هو: ﴿أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ﴾ أي: أخلاط كأخلاط الأحلام و أباطيل لا حقيقة لها.والأضغاث : ما لا تأويل له ولا تفسير في الرؤى.﴿بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ﴾ أي: اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وتقوّله دون أن يكون له أصل ﴿بَلۡ هُوَ﴾ أي : محمد ﷺ ﴿شَاعِرٞ﴾ وما جاء به شعر، يُخيِّل مالا حقيقة له. و«بل» للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة.والآية إخبار عن تعنّت الكفار وعنادهم في الحقّ ، واختلافهم فيما يصفون به القرآن ورسوله، وحيرتهم فيه وضلالهم عنه ، فتارة يجعلونه أضغاث أحلام ، وتارة يجعلونه سحراً، وتارة يجعلونه شعراً، وتارة مفترى ، كما قال تعالى : (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا)الإسراء(٤٨) . وفي هذا التردّد دليل على أنهم يجهلون حقيقة القرآن وكنهه ، أو أنهم علموا حقيقته ، ولكن أرادوا التمويه على أتباعهم .﴿فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ﴾ أي: بمعجزة حسّية ظاهرة للعيان ﴿كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ﴾ من الأنبياء بهذه الآيات والمعجزات، كناقة صالح و عصا موسى و يده و آيات عيسى في إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص ، فهم يقترحون على رسول الله آيات –كآيات الأولين– ليؤمنوا به ويتابعوه على دينه .
21:6Page 322
مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦
Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?
٦ - قال تعالى : ﴿مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم﴾ أي : قبل مشركي قريش ﴿مِّن قَرۡيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية حين سألوا الآيات فأوتوها، فلم يؤمنوا بها ﴿أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ ﴾ بتكذيبها ما أتاها من الآيات على يدي رسولها .﴿أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾ أي : يصدقون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلاّ. فالاستفهام هنا بمعنى النفي، أي: لا يكون ذلك الإيمان منهم أبدا.والمعنى: أنه لم تؤمن أمّة من الأمم المهلكة قبلهم ، عند إنزال ما اقترحوا من الآيات ، بل كذّبوا ، فأهلكناهم بعذاب الاستئصال ، فكيف يؤمن هؤلاء لو أُعطوا ما اقترحوا من الآيات ؟وفي الآية إشارة إلى رحمة الله تعالى بهذه الأمة ، من أن يأخذهم بعذاب الاستئصال ، حيث لم يجبهم إلى ما اقترحوه من الآيات ، لأنهم لو أجيبوا إلى ما طلبوا، ثم لم يؤمنوا، لجرت فيهم سنّة الله فيمن سبقهم من الأمم المهلكة بعذاب الاستئصال ، كعاد وثمود وغيرهم .وقد روى ابن جرير عن قتادة في سبب نزول هذه الآية: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُحوّل لهم الصّفا ذهباً ، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثَمّ ولم يؤمنوا ، لم يُنظروا، وإن شئت استأنيت بقومك ، فنزلت الآية.
21:7Page 322
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧
And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
٧ - ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ﴾ يا محمد إلى الأمم السابقة ﴿إِلَّا رِجَالٗا﴾ من البشر ﴿نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ﴾ [وفي قراءة: (يُوحى إليهم) بالياء وفتح الحاء] أي: ولم نُرسل ملائكة ، كقوله في الآية الأخرى : (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى)يوسف(١٠٩) وقوله : (قل ما كنت بدعاً من الرسل)الأحقاف(٩) وقوله تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا : (أبشر يهدوننا)التغابن(٦).والآية ردّ لقولهم في الآية السابقة: (هل هذا إلا بشر مثلكم) .قال تعـالى : ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ﴾ [و فـي قــراءة : (فسلوا)] ﴿أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ﴾ أي:أهل العلم بهذا الأمر من اليهود والنصارى، عن حال الرسل الذين أرسلوا إليهم، أكانوا بشراً أم ملائكة؟﴿إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك، فإنهم يعلمونه. فائدةهذه الآية وإن كان سببها خاصاً بسؤال أهل الذِّكْر والعلم عن حال الرسل المتقدمين ، إلا أنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، أصوله وفروعه ، إذا لم يكن عند الإنسان علم بها ، فإنه يسأل عنها من يعلمها . و على هذا ففي الآية الأمر بالتعلم ، وسؤال أهل العلم عما لا يعلمه المرء من أمور دينه ودنياه، و في تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم ، نهي عن سؤال غيرهم من أهل الجهل وعدم العلم والمعرفة ، ونهي له أن يتصدّى لذلك.وفي الآية أيضا دليل على أن النساء ليس منهن نبية ، فالنبوة والرسالة مختصة بالرجال لقوله : (إلاّ رجالا).
21:8Page 322
وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨
And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].
٨ - ﴿وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ﴾ أي : الرسل الذين أرسلناهم قبلك ﴿جَسَدٗا﴾ أي: أجساداً ، أو : ذوي جسد ﴿لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾ أي : لا يتغذّون بالأغذية ، أي : ما جعلناهم ملائكة، بل جعلناهم مثلك أجساداً يأكلون الطعام ويتغذّون بالأغذية، كقوله تعالى : (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)الفرقان(٢٠) أي: قد كانوا من جملة البشر، يأكلون ، ويشربون، ويمشون في الأسواق للتكسّب والتجارة .والآية ردّ لقولهم : (ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)الفرقان(٧).والجسد : مصدر جَسِدَ الدم يَجْسد: إذا التصق ، وأطلق على الجسم المركّب لالتصاق أجزائه بعضها ببعض ، ويطلق على الواحد المذكّر وغيره، ولذلك أُفرد . وقيل : أُفرد لإرادة الجنس.﴿وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ﴾ في الدنيا ، بل يموتون كما يموت غيرهم من البشر، كقوله : (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)الأنبياء(٣٤) وقوله : (إنك ميت وإنهم ميتون)الزمر(٣٠) .فخاصّة الأنبياء والرسل ، أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل وتنزل عليهم الملائكة عن أمر الله ، بما يحكمه في خلقه ، من أمر أو نهي أو تشريع.
21:9Page 322
ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩
Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.
٩ - ﴿ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ﴾ بإنجائهم، وإهلاك الظالمين المكذّبين لهم ، كما في قوله : (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين)إبراهيم(١٣) .أي: أنجزنا وعدنا الذي وعدناه رسلنا بإنجائهم ، وإهلاك من كذّبهم .وفي الحديث الصحيح في دعاء الصفا والمروة : «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .وفَعَل الله ذلك فقال:﴿فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ﴾ أي : الرسل ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ و هم : أتباعهم من المؤمنين ، أنجيناهم من العذاب ﴿وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ المكذّبين بما جاءت به الرسل ، المجاوزين الحدّ في الكفر والمعاصي.
21:10Page 322
لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠
We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?
١٠ - ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ﴾ يا معشر قريش﴿كِتَٰبٗا﴾ هو القرآن الكريم ﴿فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ﴾ أي: موعظتكم ، أو: فيه شرفكم و فخركم وصيتكم لأنه شرف لمن اتبعه وعمل به. أو : حديثكم الذي تذكرون به .وقيل : مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ ما ينفعكم وما يضرّكم ، فتلقّوْن هذه النعمة بالقبول ، وتؤمنون بهذا الكتاب.و الآية كقوله تعالى : (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)الزخرف(٤٤).
21:11Page 323
وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١
And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.
١١ - ﴿وَكَمۡ قَصَمۡنَا﴾ أي: وكثيراً أهلكنا ﴿مِن قَرۡيَةٖ﴾ أي : من أهل قرية ﴿كَانَتۡ ظَالِمَةٗ﴾ بالكفر والمعاصي، أي: كافرة بالله ، مكذّبة لرسله ، مع ما كانت عليه من القوة والسطوة والغلبة ﴿وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا﴾ أي : أحدثنا بعد إهلاك أهلها ﴿قَوۡمًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: أمّة أخرى بعدهم .كقوله : (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح)الإسراء(١٧) و قوله سبحانه و تعالى : (وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد)الحج(٤٥).وأصل القصم : كسر الشيء حتى يبين وينفصل، يقال: قصم ظهره يقصِمه فانقصم ، أي: كسره فانكسر، واستعمل في الإهلاك مجازاً، ومنه قيل للداهية المهلكة: قاصمة الظهر.
21:12Page 323
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢
And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.
١٢ - ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ﴾ أي : شعر أهل القرية بالإهلاك والعذاب، أو: عاينوا وأدركوا بحاسّتهم ، أو: رأوا عذابنا الشديد النازل بهم، و تيقنوا أنه واقع بهم لا محالة .وأصل الإحساس : الإدراك بالحاسّة. والبأس: الشدّة والمكروه .﴿إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ﴾ أي : يهربون مسرعين من قريتهم ، أو يفرّون هاربين منها.وأصل الركض: ضرب الدابّة بالرِّجْل لحثها على العَدْو . ومنه قوله تعالى :(اركض برجلك)ص(٤٢) وكنّي به عن الهرب السريع .
21:13Page 323
لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣
[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1
١٣ - فقالت لهم الملائكة استهزاءً وتهكّما بهم : ﴿لَا تَرۡكُضُواْ﴾ أي: لا تهربـوا مسرعين من قريتكم ﴿وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ﴾ أي: ما نُعِّمتم فيه من العيش الهنيء ، والنّعم الوافرة التي كانت سبب بطركم وكفركم . ﴿وَمَسَٰكِنِكُمۡ﴾ أي: وارجعوا إلى مساكنكم التي كنت تسكنونها وتفتخرون بها.والمعنى: قيل لهم استهزاءً: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب ، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبّة.﴿لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ﴾ أي: تُقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في الأمور، والمهمّات ، ومطالب الدنيا ، كعادتكم، وهذا على طريقة التهكم بهم ، والتوبيخ لهم والاستهزاء بهم وبحالهم .أو: (لعلكم تسألون) عمّا كنتم فيه من أداء شكر نعم الله عليكم .
21:14Page 323
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤
They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."
١٤ - ﴿قَالُواْ﴾ لمّا أيقنوا بنزول العذاب ﴿يَٰوَيۡلَنَآ﴾ أي: يا هلاكنا ﴿إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ أنفسنا بالكفر وتكذيب الرسل .أي: دعوْا على أنفسهم بالويل والندم والثبور ، و أقروا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب ، ولكن حين لا ينفعهم ذلك ، ولا يجديهم الاعتراف حينئذ .
21:15Page 323
فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥
And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].
١٥ - ﴿فَمَا زَالَت تِّلۡكَ﴾ الكلمات أو المقالة ، وهي : الاعتراف على أنفسهم بالظلم.﴿دَعۡوَىٰهُمۡ﴾ أي : دعاؤهم ، يدعون بها ويردّدونها .﴿حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا﴾ كالزرع أو النبات المحصود بالمناجل﴿خَٰمِدِينَ﴾ ميّتين لا حراك بهم، كالنّار الخامدة إذا سكن لهيبها.أي : جعلناهم كالنبات المحصود بالمناجل ، وكالنّار الخامدة في الهلاك والاستئصال. والمراد : أنهم صرعى ميّتون لا حراك لهم .و حصيد : فعيل بمعنى مفعول – أي: محصود – يستوي فيه الواحد وغيره ، وفعله من بابي: نَصَر وضَرَب.و خامدين : من خمدت النّار تخمُدُ وتخمِد – بضمّ الميم وكسرها – خَمْدا وخُمودًا : إذا سكن لهيبها .
21:16Page 323
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
And We did not create the heaven and earth and that between them in play.
١٦ - ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ﴾ عابثين ، أي: ما خلقناهما عبثا و باطلا ، بل خلقناهما بالحق والعدل والقسط ، دالين على كمال قدرتنا ، وعظيم ملكنا وسلطاننا. و المعنى : ما خلقنا هذه المخلوقات البديعة الصّنع ، المحكمة التدبير ، عبثاً ولا باطلاً ولا لعباً ، خاليةً من الحكم والمصالح، بل خلقناها لحكم بالغة ، و غايات جليلة ، ومنافع عظيمة ، كما قال تعالى : (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار)ص(٢٧).
21:17Page 323
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.
١٧ - ﴿لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا﴾ أي: ما يُتلهّى به و يُلعب -على سبيل الفرض والتقدير المحال-.واللهو : الترويح عن النفس بما تتشاغل به عن الجدّ ، وهو قريب من العبث الباطل ، وهو محال عليه تعالى، ومحال في حقّه ، فهو من تعليق المحال على المحال.ومن اللهو : اتخاذ الصاحبة والولد ، واللهو : ما يُتلهى به أيضا.يقال : لهوت به ألهو لَهْواً ،وتلهّيت به: أولعت به .أي: لو أردنا اتخاذ اللهو ﴿لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا ، أي : لكان ذلك من جهة إرادتنا و قدرتنا ﴿إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ﴾ ذلك ، و لكنه مستحيل استحالة ذاتية ، فيستحيل أن نريده .أي : نحن أجل وأعلى من أن نلهو ونعبث ، بل كل أفعالنا حقّ وعدل وقسط .والآية كقوله :(لو أراد الله أن يتخذ ولدً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار)الزمر(٤).
21:18Page 323
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2
١٨ - ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ﴾ أي: بل شأننا أن نرمي بالإيمان على الكفر ، أو : نُورد الحجة على الشبهة، فندحض الباطل بالحق ، أو: نُغلّب الحق الذي من جملته الجدّ، على الباطل الذي من جملته اللهو والعبث.﴿فَيَدۡمَغُهُۥ﴾ أي : فيمحقه ويُهلكه ، أو: يقهره ويذهبه، ويدحضُه .﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ ﴾ أي: ذاهب هالك ، أو : زائل تالف، مضمحلّ .وأصل الدّمغ : شجّ الرأس وكسر الدماغ ، يقال : دَمَغَه يَدْمَغُه: إذا شجّه في رأسه ، حتى بلغت الشجّة الدّماغ، واسمها الدامغة .و زاهق :هالك باطل. يقال : زهق الشيء يَزْهَق زُهُوقاً : بطل وهلك ، فهو زاهق وزهوق.﴿وَلَكُمُ﴾ أي: الواصفون الله جلّ وعلا بما لا يليق به، من اتخاذ الصاحبة والولد ، والشريك والنظير ﴿ٱلۡوَيۡلُ﴾ أي: العذاب والعقاب في الآخرة ، أو الهلاك أو الخزي ، وقيل: واد في جهنم .﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ الله تعالى به ، مما لا يليق بشأنه الجليل، وأمره العظيم .
21:19Page 323
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.
١٩ - ﴿وَلَهُۥ﴾ أي : جلّ و علا ، وتبارك وتقدّس ﴿مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ مِلكاً وخلْقاً وعبيدا، وتصريفا وتدبيرا ﴿وَمَنۡ عِندَهُۥ﴾ أي: الملائكة ، وهو مبتدأ ، وخبره : ﴿لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ﴾ أي: لا يستنكفون عن عبادة الله ، أو : لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادته والتذلل إليه سبحانه .﴿وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ﴾ عــنها، أي: لا يــكلّـون ولا يتعبون منها، ولا يملّون ولا يسأمون ولا يَعْيوْن بها ، كقوله تعالى : (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقرّبون)النساء(١٧٢).مأخوذ من الحسير: وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب.يقال: حسر البعير يحسُره ويحسِره – بضم السين وكسرها – أي : ساقه حتى أعياه ، كأحسره .واسْتَحْسَرتْ: أعيتْ وكلّتْ ، يتعدّى ولا يتعدّى. وحسر البصرُ يحسِر حُسُورا : كلّ وانقطع من طول مدىً ونحوه .
21:20Page 323
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.
٢٠ - ﴿يُسَبِّحُـونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّـهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ﴾ عـن تسبيحهم لله وعبادته، أي: لا يسكنون عن نشاطهم في تنزيه الله تعالى ، وتقديسه و تعظيمه وطاعته وعبادته ، فذلك سجيّة فيهم، لا يشغلهم عنه شاغل .أي: هم مواظبون على التسبيح لله دائماً ، دائبون على ذلك ، لا يضعفون عنه ولا يسأمون ،كما قال تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)التحريم(٦).يقال: فَتَر يفتُر ويفتِر – بضم التاء وكسرها – فُتُوراً وفُتاراً: سكن بعد حدّة ، ولان بعد شدّة . وفتر الماء : سكن حرّه ، فهو فاتر .
21:21Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?
٢١ - ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ ﴾ أي : بل ءاتخذوا آلهة كائنة ﴿مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: من أجزاء الأرض، وهي: الأصنام والأوثان والأنداد؟ و «أم» بمعنى: «بل» التي للانتقال.والاستفهام للإنكار والتوبيخ .﴿ هُمۡ ﴾ أي: الآلهة ﴿يُنشِرُونَ﴾ الموتى؟ أي: أهم يحيون الموتى ويبعثونهم من قبورهم ؟ كلاّ ، استفهام بمعنى النفي ، فلا يقدر على شيء من ذلك إلاّ الله وحده .من أنشر الله الميت فنَشر : أي : أحياه فحيي .
21:22Page 323
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.
٢٢ - ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ﴾ أي : في السموات والأرض ﴿ءَالِهَةٌ﴾ معبودون بحـقّ ﴿إِلَّا ٱللَّه﴾ أي: غيـر الله ﴿لَفَسَدَتَاۚ﴾ في ذاتهما، وفسد من فيهما من المخلوقات، أي: لبطلتا وخربتا و اختلّتا وخرجتا عن نظامهما المشاهد للتنازع والاختلاف.و وجه فسادهما : أن ذلك يستلزم أن يكون كل واحد من الآلهة قادراً على الاستبداد بالتصرف ، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف والتمانع بينهم ، ويحدث بسببه الفساد والخراب .﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ﴾ أي : فتنزيهاً له تعالى ، وتقديساً ، وتبرئة له عن كل نقص ، من أن يكون له شريك في الألوهية .﴿رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ﴾ أي: خالقه .والعرش: أعظم المخلوقات على الإطلاق . فربوبيّته تعالى لما دون العرش من باب أولى. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: الكفّارُ الله به من اتخاذ الصاحبة والولد ، والشريك والنظير وغير ذلك من الأوصاف، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .قال صاحب «صفوة البيان» العلامة حسنين محمد مخلوف: إن هذا النظام المحكم المستمر، والاتساق البديع الدائم ، والارتباط بين أجزاء العالم العلوي والسفلي ، والآثار الكونية المترتبة على ذلك ، لا يمكن أن يصدر إلا عن صانع قادر ، حكيم مدبر ، منفرد – وحده دون غيره – بالإيجاد والإبداع والتدبير ، لا شريك له في فعله، ولا معقّب لحكمه، ولا رادّ لأمره.وعليه : فإن تعدّد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم في الأفعال، و التصادم والتمانع بينهم في الإرادات، فيختلّ النظام ، ويضطرب الأمر، ويخرب العالم ، ولما كان المشاهد غير ذلك ، دلّ على وحدانية الإله المتصرّف المدبّر القادر على كل شيء.فلو فرض تعدد الآلهة، وأراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه ، فإنه محال أن يقع مرادهما معاً، للزوم اجتماع الضّدين، ومحال كذلك أن يمتنع مرادهما معاً، لأنه لا مانع من وجود مراد أحدهما، إلا وجود مراد الآخر، وإذا وقع مراد أحدهما دون الآخر، كان هو الإله القادر والآخر عاجز، فلا يكون إلهاً. ثم إن اتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن أيضاً . فدّل هذا : على أنه يتعين أن الذي يوجد مراده وحده، ويقع من غير ممانع ولا مدافع ولا منازع ، هو الله وحده دون سواه. وقد ذكر الله دليل التمانع في قوله : (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون)المؤمنون(٩١).ومنه – على أحد التأويلين – قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ٤٢ سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ٤٣)الإسراء(٤٢-٤٣).
21:23Page 323
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
٢٣ - ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ﴾ في عباده، من إعزاز وإذلال ، وهداية وإضلال، و إسعاد و إشقاء، لأنه الربّ المالك المتصرّف، الحاكم في خلقه بما يشاء فضلاً وإحساناً وعدلاً، الذي لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لأمره ، فلا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره، ولا يُردّ عليه حكمه .﴿وَهُمۡ﴾ أي : الخلق ﴿يُسۡـَٔلُونَ﴾ يوم القيامة ، عن أقوالهم وأفعالهم ، لأنهم عبيد لله ، خاضعون لعظمته وعزّته، وكمال قدرته ، يجري عليهم قضاؤه وتقديره، ولا يخرجون في أحوالهم كلّها عن علمه وإرادته ومشيئته ، إلا أن الله قد أعطاهم نور العقل ليستدلوا و يرشدوا ويميزوا به الحق والباطل ، فأبصر قوم ، وعمي آخرون، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون .والآية كقوله : (فوربّك لنسألنهم أجمعين عمّا كانوا يعملون)الحجر(٩٢) .
21:24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
٢٤ - ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ ﴾ أي : بل ءاتّخذوا ﴿مِن دُونِهِۦٓ﴾ تعالى ، أي : سواه ﴿ءَالِهَةٗۖ﴾ لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ والاستفهام للإنكار و التوبيخ. و « أم » بمعنى : «بل» للانتقال.﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمّد : ﴿هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ﴾ أي: دليلكم وحجتكم على صحة ما ذهبتم إليه ، من أنّ مع الله آلهة أخرى، ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك ، لا عقلاً ، ولا نقلاً . أما دليل العقل : فقد مرّ بيانه ، وقامت الأدلة القطعية على بطلانه، وهو قوله:(لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا)الأنبياء(٢٢).وأما دليل النقل : فقوله : ﴿هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ﴾ أي: ذكر أمّتي ، وهو : القرآن ﴿وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ﴾ من الأمم السابقة ، كالتوراة والإنجيل وغيرهما ، ليس في واحد منها أنّ مع الله آلهة أخرى ، بل كلّها متفقة على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا ربّ سواه .﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ﴾ من الباطل فيما يقولون وما يأتون وما يذرون ، لكونهم جاهلين عن الحق، مقلّدين لأسلافهم في الباطل، بلا إعمال فكر ، ولا إشغال نظر.﴿فَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ عن قبول الحقّ، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول ، فلا يتأملون في حجّة ، ولا يتدبّرون في برهان، ولا يتفكرون في دليل ، فإن الحق واضح بيّن جليّ ، لكنهم أعرضوا عن قبوله، وعن النظر الصحيح الموصل إلى قبوله.
21:25Page 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
٢٥ - ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ﴾ يا محمد ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ إلى أمّة من الأمم ﴿إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ﴾ [وفي قراءة: (يُوحَى إليه) بضم الياء وفتح الحاء] ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [و في قراءة : بإثبات الياء (فاعبدوني)] أي: وحّدوني وأخلصوا لي العبادة و الدين ، فكل نبي بعثه الله دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك الله ، وبيّنت كتبهم أنه الإله الحق المعبود ، وأن عبادة ما سواه باطلة .والآية تقرير لأمر التوحيد والإخلاص في العبادة ، كما قال تعالى : (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)الزخرف(٤٥).
21:26Page 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
٢٦ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: مشركو مكة ، ومشركو العرب، المكذبون لرسول الله ﷺ ﴿ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ﴾ أي: من الملائكة ، فقد كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قيل: إن القائلين بهذه الفرية هم خزاعة ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .﴿سُبۡحَٰنَهُۥۚ﴾ أي : تنزيهاً له تعالى وتقديساً عن اتخاذ الصحابة والولد.﴿بَلۡ﴾ هم ، أي : الملائكة ﴿عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ﴾ عند الله، بكرامته لهم، فهم مخلوقون له تعالى، مقربون عنده.وقد وصفهم الله في هذه الآيات بسبع صفات .و (عباد): جمع عبد ، وهذا ينافي الولادة .والعبوديّة لله تعالى : إظهار التذلّل والخضوع له سبحانه .و مُكْرم : اسم مفعول من «أكرم»، وإكرام الله للعبد: إحسانه إليه ، وإنعامه عليه .
21:27Page 324
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
٢٧ - ﴿لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ﴾ أي: لا يتكلمون إلاّ بما يأمرهم به ، ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ، فلا يتقدمون بين يديه بأمر إلا بإذنه .﴿وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ﴾ فلا يخالفونه فيما أمرهم به ، بل يمتثلون لأمره قولاً و عملاً ، طاعة له و إكراماً، وإجلالاً وإعظاماً، كقوله تعالى :(لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)التحريم(٦).
21:28Page 324
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
٢٨ - ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾ أي: يعلم أمورهم الماضية منها والمستقبلة ، ما عملوا وما سوف يعملون ، فلا خروج لهم عن علمه ، كما لا خروج لهم عن أمره وتدبيره ، فعلمه تعالى محيط بهم ، لا يخفى عليه منهم خافية .﴿وَلَا يَشۡفَعُونَ﴾ لديه تعالى ﴿إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ﴾ الله أن يُشفع له ، فلا يشفعون لأحد إلا بإذنه ورضاه، ولا يشفعون إلاّ لمن رضي الله منه قوله وعمله، بأن كان خالصاً لله، متبعاً فيه رسوله ﷺ .وهذه الآية من أدلة إثبات الشفاعة، وأن الملائكة يشفعون بأمر الله ، ولمن رضي الله قوله وعمله ، كقوله: (من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه)البقرة(٢٥٥) وقوله : (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)سبأ(٢٣) .﴿وَهُم﴾ أي : الملائكة ﴿مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ﴾ تعالى ، أي : من خوفه ورهبته وعقابه ﴿مُشۡفِقُونَ﴾ أي: حذرون من أن يخالفوا أمره ونهيه . أو : خائفون وجلون ، قد خضعوا لجلاله، و عنت وجوههم لعظمته وجماله . يقال: أشفق منه ، أي: حذره.والخشية : الخوف مع التعظيم .والإشفاق : الخوف مع التوقّع والحذر الشديد .
21:29Page 324
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
٢٩ - ﴿وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من الملائكة -على سبيل الفرض والتقدير-: ﴿إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ﴾ أي : من دون الله ، أو: مع الله ﴿فَذَٰلِكَ﴾ أي: القائل منهم – على سبيل الفرض والتقدير – ﴿نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ﴾ بسبب هذا القول ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما نجزيه ﴿نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: المشركين بالله، المتخذين من دونه أو معه آلهة، لا تملك لأنفسها - فضلا عن أن تملك لمتخذيها وعابديها - نفعاً ولا ضراً.والشرط في الآية في قوله : (و من يقل منهم) لا يلزم وقوعه ، كقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فانا أول العابدين)الزخرف(٨١) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences