Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:175–223
26:175Page 374
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ أي: الغالب القاهر لأعدائه ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بأوليائه، حيث نجّى لوطاً وأهله، ودمر قومه بالخسف والحصب.
26:176Page 374
كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦
The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers
١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡـكَـةِ﴾ أي: الغـيـضـة ﴿ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ بتكذيبهم شعيباً عليه السلام، فتكذيبهم له، تكذيب بجميع المرسلين، لاتفاق دعوتهم في التوحيد و إخلاص العبودية لله.واختُلف في أصحاب الأيكة على قولين:الأول: قال ابن كثير في تفسيره: هم أهل مدين على الصحيح، وكان شعيب من أنفسهم.الثاني: وقال غيره: هم غير أهل مدين، وأُرسل إليهم شعيب كما أرسل إلى أهل مدين.والأيكة: الغيْضة الكثيفة الملتفة الشجر، تُنبت السّدر والأراك، ونحوهما من ناعم الشجر، كما ذكره الخليل.وهي واحدة الأيك، وكل شجر ملتفّ، فهو أيكة.
26:177Page 374
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧
When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?
١٧٧ - ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.ولم يقل هنا : «أخوهم»:فمن قال: إنهم أهل مدين، علّل عدم قوله: «أخوهم» إلى أنهم نُسبوا إلى عبادة الأيكة، فقطع نسب الأخوّة بينهم للمعنى الذي نُسبوا إليه من عبادة الأيكة، وإن كان شعيب أخاهم نسبا.ومن قال: إنهم غير أهل مدين، علّل عدم قوله: «أخوهم» إلى أنه لم يكن منهم، بدليل قوله:(وإلى مدين أخاهم شعيبا)الأعراف(٨٥).
١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ﴾ من الله﴿أَمِينٞ﴾ على تبليغي ما أرسلت به إليكم.
١٧٩ - ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بأن تعبدوه وحده لا شريك له، وأن تخلصوا له الدين ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
26:180Page 374
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
١٨٠ - ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ﴾ أي: على تبليغي رسالة الله إليكم ونصحي لكم﴿مِنۡ أَجۡرٍۖ ﴾ أي: ثواب أو جزاء ﴿إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: فما ثوابي إلاّ على الله وحده (عليه توكلت وإليه أنيب)هود(٨٨).
26:181Page 374
۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١
Give full measure and do not be of those who cause loss.
١٨١ - ﴿أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ﴾ أي: أتموه وأكملوه﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ﴾ أي: الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن، المطففين فيهما، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون. يقال: خَسَر الشيء – من باب: ضَرَب - : إذا نقصه، وأخسره، مثلُه.
26:182Page 374
وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢
And weigh with an even [i.e., honest] balance.
١٨٢ - ﴿وَزِنُواْ﴾ أي: وزناً عدلاً ﴿بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ﴾ أي: بالميزان العدل السّوي الذي لا بخس فيه على من وزنتم له.
26:183Page 374
وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣
And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.
١٨٣ - ﴿وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنّـَاسَ أَشۡيَآءَهُـمۡ﴾ أي: لا تنقصوهم حقوقهم وأموالهـم ﴿وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ أي: لا تفسدوا فيها أشدّ الإفساد بالقتل والغارة وقطع الطريق، ونحو ذلك.أو: لا تكثروا فيها الفساد.وكانوا يفعلون هذا، كما قال تعالى:(ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله)الأعراف(٦٠).من عَثِيَ – بكسر الثاء المثلثة -: أفسد. و (مفسدين) حال مؤكدة لمعنى عاملها.
26:184Page 375
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤
And fear He who created you and the former creation."1
١٨٤ - ﴿وَٱتَّقُواْ﴾ الله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: و الخليقة الأولين، من الأمم الماضية الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة، كعاد وثمود وغيرهم، فأفردوه بالعبادة والتوحيد، وقابلوا نعمه بالشكر والتحميد.والجبلّة: الأمة من الخلق، والجماعة من الناس، ومنه قوله تعالى:(ولقد أضل منكم جبلاّ كثيرا)يس(٦٢).وتطلق الجبلّة أيضاً: على الخلقة والطبيعة، أي: وذوي الجبلّة الأوّلين.
26:185Page 375
قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥
They said, "You are only of those affected by magic.
١٨٥ - ﴿قَالُوٓاْ﴾ له: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ﴾ أي: المسحورين الذين سُحروا كثيرا، حتى غلب السّحر على عقولهم.وهذا الجواب منهم بمثل ما أجابت ثمود رسولها – آية:(١٥٣) من هذه السورة - تشابهت قلوبهم.
26:186Page 375
وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦
You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.
١٨٦ - ﴿وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا﴾ فأيُّ فضيلة لك علينا، حتى تختص بالرسالة دوننا، و تدعونا إلى اتباعك؟ وهذا أيضا بمثل ما أجابت به ثمود رسولها، وقد أجابت الرسل عن هذا بقولهم:(إن نحن إلاّ بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده)إبراهيم(١١).﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ أي: وإنه ليغلب على ظنّنا أنك كاذب فيما تدّعيه على الله من النبوة، ولكن إخبارهم عن ظنّهم كذَّبه، من كذّب منهم (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذبا) الكهف(٥).
26:187Page 375
فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧
So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."
١٨٧ - ﴿فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡـنَا كِسَفٗا﴾ أي: قِـطَـع عـذاب ﴿مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ في رسالتك لنا ودعواك إلينا.وهذا القول منهم تعنّت واستبعاد وتعجيز لنبيّهم، شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله:(أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا)الإسراء(٩٢). جمع كِسْفة: وهي القطعة من الشيء.[وفي قراءة: (كِسْفاً) بكسر فسكون بمعناه، وهي جمع كِسْفة أيضا].
26:188Page 375
قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨
He said, "My Lord is most knowing of what you do."
١٨٨ - ﴿قَالَ﴾ شعيب عليه السلام: ﴿رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ من الشّرك والكفر والمعاصي، فمجازيكم به إن شاء، وليس في وسعي أن آتيكم بهذه الآيات من عندي، إن عليّ إلاّ البلاغ، وعلى الله الحساب.
26:189Page 375
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩
And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.
١٨٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: فاستمرّوا على تكذيبهم لنبيّهم، وأصرّوا على ذلك ﴿فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ﴾ وهي سحابة أظلّتهم بعد حرّ شديد أصابهم، فاستظلّوا بظلّها، فأمطرت عليهم ناراً، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة، فأهلكوا جميعاً، وأتاهم العذاب من جنس ما اقترحوا.﴿إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ لعظم عذابه.والظُلَّة - بالضمّ –: الغاشية وما أطبق وستر من فوق.
26:190Page 375
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور من قصّة شعيب وقومه ﴿لَأٓيَةٗۖ ﴾ دالة على صدق ما أرسل به شعيب، وصحّة ما دعا إليه، وبطلان ما هم عليه من الكفر والمعاصي، وعلى أخذ العصاة بمقتضى أعمالهم. أو لعبرة يعتبر بها كلّ من عقل عن الله آياته.﴿وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ أي: أكثر قوم شعيب، أو: أكثر المخاطبين بهذه الآيات، وهم أهل مكّة وغيرهم.
26:191Page 375
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
١٩١ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ أي: الغالب القوي في انتقامه من الكافرين وتعذيب مـن شاء بمـا شاء ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين، حيث نجّى شعيبا والذين آمنوا معه، وأخذ المكذّبين لهم بعذاب يوم الظلّة.أو:(الرحيم) بعباده بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.
26:192Page 375
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
١٩٢ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: القرآن الكريم، ومنه هذه الأخبار التي تُتلى عليك يا محمّد ﴿لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ الذي ربّاكم بنعمه، وهداكم لمصالح دينكم ودنياكم، وأولاكم وأخراكم، أي: فهو مُنزَّل منه حقاّ.
26:193Page 375
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
١٩٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ﴾ أي: جبـريـل عليه السلام، فهو روح القدس الأمين على الوحي.[وفي قراءة بالتشديد، ونصب الروح، والفاعل: الله:(نَزَّل به الروحَ الأمينَ)].
26:194Page 375
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
١٩٤ - ﴿عَلَىٰ قَلۡبِكَ﴾ يا محمّد، سالماً من الزيادة والنقص، كما في قوله:(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)البقرة(٩٧). أي: تلاه عليك حتى وعاه قلبك حفظا و فهما. وخص القلب بالتنزيل عليه لأنه أوّل مدرك من الحواس الباطنة، أو هو مركز الوعي و الإدراك.﴿لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ﴾ به بأس الله ونقمته على من خالفه و كذّبه، المبشّرين به المؤمنين المتبعين له.
١٩٥ - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بيّن واضح المعنى، ظاهر جليّ المفهوم، قاطع للعذر، مقيم للحجّة، دليل إلى المحجّة.أو: بلسان من بُعث إليهم وباشر دعوتهم، ليأخذوا عنه، ويفهموا منه.
26:196Page 375
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: ذِكْر القرآن المنزّل من عند الله على محمد ﷺ، ونعته، والإخبار عنه بأنه صدق وحقّ ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ أي: لمُثْبتٌ في كتب﴿ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ من الأنبياء السابقين، كالتوراة والإنجيل، ومبشّرٌ به فيها، كقوله عن عيسى عليه السلام:(ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)الصّف(٦).والزّبر: جمع زبور، أي: كتب جمع كتاب، ومنه قوله تعالى:(وكل شيء فعلوه في الزّبر)القمر(٥٢) أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة.والزّبور كذلك : كتاب داود عليه السلام.
26:197Page 375
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
١٩٧ - ﴿أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ﴾ أي: لكفّار مكة﴿ءَايَةً﴾ أي: حجة ودلالة وعلامة على تنزيله الحق، وعلى صحّة ما جاء به محمّد ﷺ، وأنه من عند الله حقّا وصدقاً. [و قرأ ابن عامر الدمشقي:(أولم تكن لهم آيةٌ) على أن «تكن» تامة].﴿أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ العُدول منهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن آمنوا به؟ فإنهم يخبرون بصحّته وصدقه، لأنهم يعلمون حقيقته.والمعنى: أو ليس يكفي أهل مكّة من الشاهد الصادق على أن هذا القرآن منزّل من عند الله على محمّد ﷺ، وأنه رسول الله صدقاً وعدلاً - أن العلماء العدول من بني إسرائيل الذين يعترفون بما في أيديهم من كتبهم، من صفة محمد ﷺ ومبعثه وأمّته، يعلمون صحة ذلك؟ فإنهم يجدون ذكر هذا القرآن، وهذا الرسول في كتبهم التي يدرسونها، كما أخبر بذلك من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي ومن شاكلهم.وفي شهادة أهل الكتاب حجّة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدّقونهم.
26:198Page 375
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
١٩٨ - ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ﴾ أي: القرآن بهذه الصّفة التي هو عليها، من إعجاز نظمه وبيانه ﴿عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ﴾ أي: على رجـل من الأعاجـم، الذي لا يقدر على التكلّم بالعربية، ولا يُتصوّر اتهامه باكتساب نظم القرآن واختراعه، لعُجمته.
26:199Page 375
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
١٩٩ - ﴿فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم﴾ قراءة عربيّة صحيحة – خارقة للعادة – يعني: على كفّار قريش ﴿مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ﴾ أي: لكفروا به، مع انضمام إعجاز القراءة من الأعجميّ للكلام العربيّ، إلى إعجاز القرآن نفسه، وذلك بما سبق لهم في علم الله من الشقاء.وأعجمين: جمع أعجم، وهو الذي لا يُفصح، وفي لسانه عُجمة، وإن كان عربيّ النّسب.أو: جمع أعجميّ، إلاّ أنه حُذف منه ياء النّسب تخفيفاً، كأشعرين جمع أشعريّ، وهو الذي لا يعرف العربية أصلاً.والآية إخبار عن شدّة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن ولرسوله،كما أخبر عنهم بقوله:(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كلّ شيء قُبُلا ما كانوا ليؤمنوا)الأنعام(١١١).
26:200Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
٢٠٠ - ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثل إدخالنا التكذيب بالقرآن بقراءة الأعجميّ له﴿سَلَكۡنَٰهُ﴾ أي: أدخلنا التكذيب به ﴿فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: كفّار مكّة، بقراءة النبي ﷺ له، و ذلك بسبب ظلمهم و إجرامهم. أو: وعلى مثل هذه الحال وهذه الصّفة من الكفر بالقرآن، والتكذيب له، والجحود والعناد، أدخلنا الكفر والتكذيب و وضعناهُ ومكّناهُ في قلوب المجرمين و قررناه فيها، لئلا يصدّقوا بهذا القرآن، و ذلك بما سبق في علم الله من شقائهم.
26:201Page 375
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
٢٠١ - ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن أو: النبيّ ﷺ، أي: إنهم لا يزالون على جحوده والتكذيب به ﴿حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ﴾ أي: يعاينوا الوعيد، حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا الإيمان به.و المعنى: فكيفما فُعل بهم، وصُنع، وعلى أيّ وجه دُبّر أمرهم، فلا سبيل إلى أن يتغيّروا عمّا هم عليه من الجحود والإنكار.كقوله سبحانه:(إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كلّ آية حتى يروا العذاب الأليم ٩٧)يونس(٩٦ - ٩٧).
26:202Page 375
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
٢٠٢ - ﴿فَيَأۡتِيَهُم﴾ أي: عذاب الله﴿بَغۡتَةٗ﴾ أي: فجأة من غير توقع وانتظار ﴿وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ بإتيانه، أي: والحال أنهم لا يشعرون بمجيئه، ليكون أبلغ في عقوبتهم والنّكال بهم.
٢٠٣ – ﴿فَيَقُولُواْ﴾ حين يرون العذاب:﴿هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ﴾ أي: ممهلون مؤخّرون لنؤمن ونعمل صالحاً؟ كلاّ.قالوا هذا تحسّرا على ما فات من الإيمان، وتمنّيا للرجعة إلى الدنيا، لاستدراك ما فرط منهم.والآية كقوله:(فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين)غافر(٨٤).
٢٠٤ - قال الله تعالى:﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ إنكار عليهم، وتهديد لهم و وعيد، فإنهم كانوا يقولون للرسول ﷺ تكذيباً واستبعاداً: ائتنا بعذاب الله، كقوله:(فأمطر علينا حجارة من السماء)الأنفال(٣٢).والآية كقوله سبحانه:(ويستعجلونك بالعذاب)الحج(٤٧).
26:205Page 375
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
٢٠٥ - ﴿أَفَرَءَيۡتَ﴾ أي: أخبرني﴿إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ﴾ طوالاً في الدنيا، بطول العمر وطيب العيش.
26:206Page 375
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
٢٠٦ - ﴿ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ به من العذاب والهلاك، على كفرهم وتكذيبهم بآيات الله.
26:207Page 376
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
٢٠٧ - ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم﴾ أي: أيّ شـيء أغـنـى عنهـم﴿مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ﴾ به من النعيم في الدنيا، من طول الأعمار وطيب المعايش، في دفع العذاب عنهم أو تخفيفه ؟ أي: لم يغن عنهم تمتّعهم ذلك التمتّع الطويل في الدنيا، في دفع العذاب عنهم، فإن متاع الدنيا إذا انقضى، فكأنه لم يكن، ولا ينفع أصحابه في الآخرة، لزواله عنهم، كقوله:(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشية أو ضحاها)النازعات(٤٦).وفي الحديث عند أحمد: «يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيراً قطّ ؟ هل رأيت نعيما قطّ ؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ويؤتى بأشدّ الناس بؤساً كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط ؟ فيقول: لا والله يا ربّ».
26:208Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
٢٠٨ - ﴿وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ﴾ من القرى﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ أي: رسل تنذر أهلها.والآية إخبار عن كمال عدل الله في خلقه، فما أهلك أمّة من الأمم إلاّ بعد الإنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقيام الحجّة عليهم، كقوله:(وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا)الإسراء(١٥) وقوله:(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا)القصص(٥٩).
٢٠٩ - ﴿ذِكۡرَىٰ﴾ أي: عظة لهم، وإقامة حجّة عليهم، أو تذكرة وتنبيها. فهذا الخبر عن الآخرة تذكير للناس ما داموا في دار العمل.﴿وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ في إهـلاكهم وتعذيبـهم بعـد إنذارهم وإعذارهم وإقامة الحجة عليهم، كقوله:(ولا يظلم ربك أحداً)الكهف(٤٩) وقوله:(إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون)يونس(٤٤).
26:210Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
٢١٠ - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ﴾ أي: بالقرآن﴿ٱلشَّيَٰطِينُ﴾ وهذا ردّ لما زعمه المشركون في القرآن من أنه قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة، كما زعموا أن لمحمد ﷺ تابعاً من الجنّ يُخبره كما تُخْبر الكهنة، وأن القرآن ممّا ألقاه إليه.
26:211Page 376
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
٢١١ - ﴿وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ﴾ أي: للشياطين، أي: لا يليق بحالهم، ولا يصحّ منهم، ولا يصلح لهم أن ينزلوا به، لما بين القرآن والشياطين من منافاة عظيمة، فسجاياهم الفساد وإضلال العباد، والقرآن نور وهدى وبرهان عظيم. ﴿وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ ذلك، أي: لو انبغى لهم، لما استطاعوا ذلك.
26:212Page 376
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
٢١٢ - ﴿إِنَّهُمۡ﴾ أي: الشياطين ﴿عَنِ ٱلسَّمۡعِ﴾ للقرآن أو لكلام الملائكة الكرام ﴿لَمَعۡزُولُونَ﴾ أي: لمحجوبون مرجومون بالشّهب، لا يصلون إلى استماعه.أي: لو انبغى لهم، واستطاعوا حمل القرآن وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرساً شديداً وشهباً في مدّة إنزال القرآن على رسول الله ﷺ، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه وتأييده لكتابه .(أفاده ابن كثير).والآية كقوله حكاية عن الجنّ:(وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا)الجن(٩).
26:213Page 376
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
٢١٣ - ﴿فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ﴾ في الدّاريْن إن فعلت ذلك. والخطاب له ﷺ والمقصود أمّته.والآية أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، محبّة، وخوفاً، ورجاءً، وذلاّ، وإنابة إليه في جميع الأوقات.
٢١٤ - ﴿وَأَنذِرۡ﴾ أي: خوّف ﴿عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾ أي: الأدنين إليك، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهاراً، كما رواه البخاري ومسلم. وخصّ الأقربين بالنّذارة، لأن الاهتمام بشأنهم أولى. وهذه النذارة الخاصّة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أفرادها، فيكون الخصوص دالا على التأكيد وزيادة الحضّ والحثّ، كما قال تعالى:(لتنذر أمّ القرى ومن حولها)الشورى(٧) وقال:(لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)يس(٦) وقال:(لأنذركم به ومن بلغ)الأنعام(١٩) فإنه لا يخلّص أحداً منهم إلاّ إيمانه بربّه عز وجل.وفي صحيح مسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار».وقد ورد في نزول هذه الآية جملة أحاديث منها:ما أخرجه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق بمثله، عن ابن عباس قال: لمّا أنزل الله:(وأنذر عشيرتك الأقربين) أتى النبي ﷺ الصّفا فصعد عليه، ثم نادى: «يا صباحاه»، فاجتمع الناس إليه، فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب، با بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدّقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلاّ لهذا؟ وأنزل الله:(تبت يدا أبي لهب وتبّ).وأخرج أحمد ومسلم عن عائشة قالت: لمّا نزلت:(وأنذر عشيرتك الأقربين) قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفيّة ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم».وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: لمّا نزلت هذه الآية:(وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله ﷺ قريشاً، فعمّ وخصّ، فقال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمّد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً، سأبلّها ببلالها».وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت:(وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد رسول الله ﷺ رضْمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، فجعل ينادي: «يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم، كرجل رأى العدوّ، فذهب يربأ أهله، رجاء أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه».
26:215Page 376
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
٢١٥ - ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ﴾ أي: ألن جنابك وتواضع﴿لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ كقوله:(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضوا من حولك)آل عمران(١٥٩).
26:216Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
٢١٦ - ﴿فَإِنۡ عَصَوۡكَ﴾ أي: عشيرتك الأقربين﴿فَقُلۡ﴾ لهم:﴿إِنِّي بَرِيٓءٞ﴾ إلى الله﴿مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ من عبادة غير الله.أو: (فإن عصوك) أي: بعض من اتبعك من المؤمنين في أمر من الأمور (فقل إني برئ ممّا تعملون) أي: تبرأ من عملهم، لا منهم، ولكن عظهم وانصح لهم، وابذل وسعك في ردّهم عن المعصية، وتوبتهم منها، بخفض الجناح ولين الجانب لهم.
26:217Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
٢١٧ - ﴿وَتَوَكَّلۡ﴾ يا محمّد [وفي قراءة:(فتوكّل) بالفاء] ﴿عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ أي: فوّض إليه جميع أمورك، وثق به، فإنه مؤيدك وحافظك، وناصرك ومظفرك، ومعلي كلمتك.والتوكل: اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضارّ، مع ثقته به، وحسن ظنّه بحصول مطلوبه، فإنه تعالى عزيز لا يُغلب ولا يُقهر، رحيم بأوليائه.
٢١٨ - ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى صلاتك، وأينما كنت.أو:(حين تقوم) من النوم إلى التهجّد.
٢١٩ - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ راكعاً وقائماً وساجداً وجالساً، أي: ويرى سبحانه تغيّرك من حال، كالجلوس والسجود، إلى حال كالقيام والركوع فيما بين المصلّين إذا أممتهم في الجماعة.أو: يرى تقلّبك في الصلاة مع المصلين، فلا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلّبت مع الساجدين.وخصّ الصلاة بالذكر من سائر العبادات، لفضلها وشرفها. أو: الآية كناية عن رعاية الله له ﷺ والعناية به.
٢٢٠ - ﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى ﴿هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوال عبـاده ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بنيّاتهم وأعمالهم وأحوالهم.
26:221Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
٢٢١ - ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ﴾ أي: أخبركم، يا أهل مكّة ﴿عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ﴾ من النّاس. بحذف إحدى التاءين من الأصل «تتنزّل». وهو جواب لمن قال: إن محمّدا ينزل عليه شيطان، أو يأتيه رئي الجانّ.وفيه بيان استحالة تنزّل الشياطين على رسول الله ﷺ بعد امتناع تنزّلهم بالقرآن، لأنها:
٢٢٢ - ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ أي: كذاب من الناس ﴿أَثِيمٖ﴾ أي: كثير الإثم و الفجور، كالكهنة والعرافين.فهذا حال الذي تنزّل عليه الشياطين، فهم إنما ينزلون على من يشابههم ويشاكلهم في الكذب و الفجور.
26:223Page 376
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
٢٢٣ - ﴿يُلۡقُونَ﴾ أي: الشياطينُ ﴿ٱلسَّمۡعَ﴾ أي: ما سمعوه أو استرقوا سمعه من الملائكة من خبرٍ حَدَث في السماء إلى الكهنة، ويكذبون مع الكلمة الحقّ مائة كذْبة – كما في البخاري وغيره –﴿وَأَكۡثَرُهُمۡ﴾ أي: الشياطين، أو: الكهنة﴿كَٰذِبُونَ﴾ فيما يُخبرون، لأنهم يضمّون إلى المسموع كذباً كثيراً. وكان هذا قبل أن تُحجب الشياطين عن السماء، كما في قوله تعالى حكاية عن الجنّ:(وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً)الجن(٩).و قيل: (يُلقون) أي: الكهنة (السمع) إلى الشياطين (وأكثرهم كاذبون) فيما يتكهنون به.وفي الحديث عند البخاري عن عروة بن الزّبير قال: قالت عائشة: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهّان، فقال: «إنهم ليسوا بشيء» قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدّثون بالشيء يكون، فقال: «تلك الكلمة من الحقّ، يخطفها الجنيّ، فيقرقرها في أذن وليّه، كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة».وروى البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السّمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربّما أدركه الشهاب قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا ؟ فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء».و الآيات بيان لحال وصفة من تنزّل عليه الشياطين من الكهنة والسّحرة، وأن حال محمد ﷺ وصفته مباينة لهذه الأحوال والصفات أعظم مباينة، والوحي الذي ينزل عليه من عند الله، مباين لأحوال هذه الشياطين أعظم مباينة، فكيف يستوي الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدى والضلال ؟.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences