Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Saba 34:23–52
34:23Page 431
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
٢٣ - ﴿وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ﴾ أي: عنـد الله تعالى – ردّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده –﴿إِلَّا لِمَنۡ﴾ أي: إلاّ لشافعٍ ﴿أَذِنَ لَهُۥۚ﴾ فيها، من الملائكة والنّبيين – ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة عنده – فيشفعون لمن يستحقّها. [و في قراءة بالبناء للمفعول:(إلا لمن أُذِن له)].وظاهرٌ أن الكفار لا يستحقونها، وأن الأصنام والأنداد ليست أهلاً لها، ونظيره قوله تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه)البقرة(٢٥٥) وقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨) ، وقوله: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)النجم(٢٦).والآية تكذيب لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله).﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ﴾ أي:كُشف عنها الفزع وأزيل عنها الخوف، بالإذن في الشفاعة. والمراد: قلوب الشافعين والمشفوع لهم في الموقف يوم القيامة.والتضعيف هنا للسّلب، كما في قولهم: قرّدت البعير: إذا أزلت قُرادَه، ومنه التمريض.[و في قراءة بالبناء للفاعل:(حتى إذا فَزَّع عن قلوبهم)أي: الله].والفزع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف.وقوله: «حتى»: غاية لَما فُهم مما قبلها، من أنّ ثمّ انتظاراً وترقباً من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم فيها أم لا؟ والكل في فزع وخوف في ذلك الموقف الرهيب، فكأنه قيل: يتربّصون ويتوقفون مليّا فزعين، حتى إذا كُشف الفزع وأزيل عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بإطـلاق الإذن فـي الشفاعـة مـن ربّ العـزّة و الجـلال ﴿قَالُواْ﴾ أي: قـال بعضهـم لبعـض استبشاراً بـذلك: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ﴾ أي: في الإذن بالشفاعـة ﴿قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ ﴾ أي: القول الحقّ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ﴾ بذاته، وفوق جميع خلقه، بالقهر والغلبة، العليّ في قدره، بما له من صفات الكمال والجلال، ﴿ٱلۡكَبِيرُ﴾ أي: العظيم في ذاته وصفاته.ويحتمل أن يكون عود الضمير في «قلوبهم»: إلى المشركين، لأنهم مذكورون في اللفظ، والقاعدة في الضمائر، أن تعود إلى أقرب مذكور، فيكون المعنى: إذا كان يوم القيامة، وفُزّع عن قلوب المشركين، أي: زال الفزع عنها وسئلوا – حين رجعت إليهم عقولهم – عن حالهم في الدنيا، وتكذيبهم للحق الذي جاءت به الرّسل، فإنهم يقرّون أن ما هم عليه من الكفر والشرك، باطل، وأن ما قاله الله، وأخبرت به عنه رسله، هو الحقّ.(حتى إذا فزّع عن قلوبهم) أي: كُشف الفزع عن قلوب المشركين يوم القيامة ، واستيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا (قالوا) أي: قال بعضهم لبعض ، أو: الملائكة لهم: (ماذا قال ربكم) في الدنيا؟ (قالوا الحقّ) أي: القول الحقّ، فعلموا أن الحقّ لله ، وأقرّوا بذلك حين لا ينفعهم الإقرار (وهو العليّ الكبير).ويحتمل أن يكون عود الضمير: إلى الملائكة، وذلك أن الله تعالى إذا تكلّم بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه، أرعدوا من الهيبة والخشية، حتى يلحقهم مثل الغَشْي: (حتى إذا فزّع عن قلوبهم) أي: زال الفزع عن قلوب الملائكة (قالوا) أي: بعضهم لبعض: (ماذا قال ربكم)؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، (قالوا الحقّ) أي: أخبروا بما قال الله من غير زيادة ولا نقصان، للكلام الذي سمعوه من الله، أو: قالوا: قال ربكم القول الحق (وهو العلي الكبير).ويكون المعنى على هذا القول: أن المشركين الذين عبدوا مع الله تلك الآلهة، كيف صُدفوا وصُرفوا عن إخلاص العبادة لله العلي الكبير، الذي – من عظمته وجلاله - أن الملائكة الكرام، يبلغ بهم الخضوع والصعق، عند سماع كلام الله، هذا المبلغ، ويقرّون كلّهم أنه لا يقول إلاّ الحقّ، فما بال هؤلاء المشركين، استكبروا عن عبادة من هذا شأنه، وعظمة ملكه وسلطانه؟ فتعالى الله عن شركهم وكذبهم وإفكهم، علوّا كبيراً.وإذا كان هذا فزع الملائكة من أمر الربّ تبارك وتعالى، فكيف يشفعون لديه لمن لا يرضاه؟واختار ابن جرير هذا القول – وهو عود الضمير في الآية على «الملائكة».فقد روى البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه عن أبي هريرة: أن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها، خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا – للذي قال -: الحقّ وهو العلي الكبير» الحديث.وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن خزيمة عن النّواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره، تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم، أخذت السماوات منه رجفة – أو قال: رعدة – شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماوات، صعقوا وخرّوا لله سجّدا، فيكون أوّل من يرفع رأسه جبريل – عليه السلام – فيكلّمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مرّ بسماء ، يسأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا؟ فيقول جبريل: قال الحقّ، وهو العلي الكبير، فيقولون كلّهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض».
34:24Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
٢٤ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين مع الله آلهة أخرى: ﴿مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ بالمطـر ﴿وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ بالنّبات والخصب والنّماء؟ ﴿قُلِ ٱللَّهُۖ﴾ أي: هو الذي يرزقكم من السماء والأرض، لا إله غيره، ولا ربّ سواه.﴿وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ﴾ أي: أحد الفريقين: من الذين يوحدون الله الخالق الرازق، ويخصونه وحده بالعبادة والطاعة، والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق، ولا نفع ولا ضرّ.﴿لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بيّن واضح، أي: لعلى أحد الأمرين: من الهدى والضلالة.ومعلوم عند كل منصف: أن من عبد الذي يخلق ويرزق، وينفع ويضرّ، هو الذي على الهدى ، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ، ولا نفع ولا ضرّ ، هو الذي على الضلالة.وفي الإبهام تلطّف بهم داع إلى الإيمان، إذا وُفّقوا له، مع أنّ وصف الحال أوضح من لسان المقال.فالآية إخبار من الله بأنهم على الضلالة، على جهة الإنصاف في الحجّة، بعدما عُرف مما تقدّم من هو على الهدى، ومن هو على الضلال، فهو كقول المتبصّر في الحجة لصاحبه: أحدنا كاذب، وقد عرف أنه الصادق المصيب، وصاحبه الكاذب المخطئ.
34:25Page 431
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
٢٥ - ﴿قُل﴾ لهم: ﴿لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا﴾ أي: كسبنا من جُرم ، أو أذنبنا أو اكتسبنا من الزّلات والآثام ﴿وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ فليكن المقصود منا ومنكم: طلب الحقّ، وسلوك طريق الإنصاف، ولا يكن إجرامنا مانعاً لكم من اتباع الحقّ.وفي الوصف ب «الإجرام» في حقّ أهل الهدى، في مقابلة «العمل» في حقّ أهل الضلالة، أبلغ إنصاف في الحجّة و التلطف في الدعوة إلى الله.
34:26Page 431
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
٢٦ - ﴿قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: يحكم بالعدل، ويقضي به، فيثيب المطيع ، ويعاقب العاصي.﴿وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ﴾ أي: الحاكم في كل أمر بالحقّ، القاضي به بالصّواب والعدل.﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بما يتعلقّ بحكمه وقضائه من المصالح. أو: العليم بالمحق والمبطل.
34:27Page 431
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
٢٧ - ﴿قُلۡ أَرُونِيَ﴾ أي: أعلموني ﴿ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ﴾ أي: بالله ﴿شُرَكَآءَۖ﴾ في العبادة، أي: صيرتموهم له شركاء وجعلتموهم له عدلاً ﴿كَلَّاۚ﴾ ردع و زجر لهم عن اعتقاد الشريك له، أي: ليس لله نظير ولا مثيل، ولا شريك و لا عديل، أي: ارتدعوا عن دعوى الشركة.﴿بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ﴾ الواحـد الأحـد ، الذي لا شريك له ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره، القاهر فوق خلقه ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وفي تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه وسلطانه!.
34:28Page 431
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
٢٨ - ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ﴾ أي: وما أرسلناك يا محمد إلاّ إلى الناس جميعاً.ف «كافّةً»: حال من الناس قُدّم للاهتمام، وأصله من الكفّ بمعنى: المنع، و أريد به العموم، لما فيه من المنع من الخروج، واشتهر فيه حتى قُطع فيه النّظر عن معنى المنع بالكليّة.والآية كقوله:(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)الإعراف(١٥٨).﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ أي: مبشّرا للمؤمنين بالجنة ، ومنذراً مخوّفاً للكافرين بالنّار،﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك.وفي الصحيحين من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى الناس عامّة».و عند أحمد في المسند: أن رسول الله ﷺ قال: «بُعثت إلى الأسود والأحمر». قال مجاهد: يعني: الجن والإنس، وقال غيره: يعني: العرب والعجم، والكلّ صحيح.
34:29Page 431
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
٢٩ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إخبار عن الكفّار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ﴾ الذي تعدوننا به، وهو قيام الساعة، أو الوعد بالعذاب ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ فيه، فأخبرونا به. كقوله:(يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها و يعلمون أنها الحق)الشورى(١٨).
34:30Page 431
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
٣٠ - ﴿قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ عليه، وهو يوم القيامة. كما قال تعالى: (إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر)نوح(٤) وقال: (وما نؤخره إلاّ لأجل معدود)هود(١٠٤).
34:31Page 431
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١
And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."
٣١ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة وغيرهم: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ﴾ أي: تقدّمه من الكتب، كالتوراة والإنجيل، الدالّين على البعث والمعاد، لإنكارهم ذلك.قال تعالى متهدّدا لهم ومتوعّدا، ومخبراً عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجّهم: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ﴾ يا محمّد ﴿إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ أي: محبوسون عنده تعالى في موقف الحساب ﴿يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ﴾ أي: يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا متناصرين، متعاضدين، متحابين، لرأيت أمراً عظيماً، وهَوْلاً جسيماً.﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ﴾ وهم: الأتبـاع ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ منهم، وهم: القادة والرؤساء المتبوعون: ﴿لَوۡلَآ أَنتُمۡ﴾ صددتمونـا عن الإيمان بالله، والاتّباع لرسوله ﴿لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ﴾ بالله، مصدّقين لرسوله وكتابه.
34:32Page 432
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
٣٢ - ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ وهو القادة والرؤساء ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ﴾ وهم الأتباع، مجيبين عليهم، مستنكرين لما قالوه: ﴿أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ﴾ أي: منعناكم عن الإيمان ﴿بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ﴾ الهدى؟ لا.﴿بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ﴾ في أنفسكم ، مصرّين على الكفر والإجرام وعمل الآثام، مؤثرين الكفر على الإيمان.
34:33Page 432
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣
Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?
٣٣ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ﴾ أي: الأتباع ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ أي: القادة والرؤساء، ردّاً لما أجابوا به عليهم، ودفعاً لما نسبوه إليهم من صدّهم لأنفسهم: ﴿بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ أي: بل صدّنا مكركم بنا في الليل والنهار و دعوتكم المستمرة لنا إلى الكفر، وإغراؤكم وتمنيتكم لنا ﴿إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ﴾ أي: أشباهاً ونظراء، وأمثالاً من مخلوقاته، نعبدها من دونه تعالى –جمع ندّ - وتُقيموا لنا شُبهاً وأشياء تُضلّونا بها.وأضيف المكر لليل والنّهار: لوقوعه فيهما. والمكر في الأصل: الاحتيال والخديعة، يقال: مَكَر به يمكُر، فهو ماكر ومكّار.﴿وَأَسَرُّواْ﴾ أي: السّادة والأتباع ﴿ٱلنَّدَامَةَ﴾ أي: أخفوا الندم على ما كان منهم في الدنيا ، من الإضلال والضلال بالنسبة للمستكبرين، ومن الضلال فقط بالنسبة للمستضعفين، فأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل فريق منهم عن الآخر، مخافة الشماتة والتعيير ﴿لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ﴾ أي: لما عاينوه وهالتهم شدّته. أو: أظهروا النّدم على ما سلف منهم عند رؤية العذاب. وأسرّ: من الأضداد ، تأتي بمعنى: الإخفاء والإبداء، وهمزتها تصلح للإثبات والسّلب، فمعنى أسرّه: جعله سرّا، أو أزال سرّه ، ونظيره: أشكيت.﴿وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ﴾ أي: القيود والسلاسل – التي تجمع أيديهم في أعناقهم – ﴿فِيٓ أَعۡنَاقِ﴾ المستكبرين والمستضعفين ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في النّار.﴿هَلۡ﴾ ما ﴿يُجۡزَوۡنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا، من الشرك والكفر؟ وكلٌّ بحسبه: للقادة عذاب بحسبهم ، وللأتباع بحسبهم ، (قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون)الأعراف(٣٨). و الاستفهام بمعنى النّفي ، أي: لا يُجزون إلاّ بما كانوا يعملون.
34:34Page 432
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
٣٤ - ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ﴾ من القرى ﴿مِّن نَّذِيرٍ﴾ ينذرهم ويحذّرهم عقاب الله، أي: من نبيّ أو رسول،﴿إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ﴾ أي: أغنياؤها ومتنعموها، ورؤساؤها، وجبابرتها، المتّسعون في النعيم فيها، البطرون بها. أي: قال قادة الشّر لرسلهم: ﴿إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ أي: مكذّبون لكم بما أرسلتم به من التوحيد والإيمان.
34:35Page 432
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
٣٥ - ﴿وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا﴾ ممّن آمن واتبع الحق ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الآخرة ، إن كان ثمّ بعثٌ وعذاب، أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبّة الله تعالى لهم، واعتنائه بهم، ورضاه عنهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ، ثم يعذّبهم في الآخرة.ولكن هيهات لهم ذلك، فإن الله تعالى يقول: (أيحسبون أنما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)المؤمنون(٥٥). وقال: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذّبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)التوبة(٥٥).
34:36Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
٣٦ - ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ﴾ أي: يوسّعه ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ أن يبسطه له، امتحاناً واختباراً ﴿وَيَقۡدِرُ﴾ أي: يُقترِّ ويضيّق الرزق على من يشاء أن يقترّ عليه، ابتلاءً.ضدّ يبسط، والأمر في كليهما من البسط والتضييق، على حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة وكمال العدل، فليس مجرّد البسط دليلاً على رضى الله، ولا عدمه دليلاً على عدم رضاه ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك.
34:37Page 432
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
٣٧ - ﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ﴾ أي: قُربى، أو بالمزيّة التي تقربكم عندنا قربةً. منصوب على المصدرّية من معنى العامل.والتقدير: تقرّبكم قُربى ، فليست كثرة الأموال والأولاد ممّا يقربكم إلى رحمتنا وفضلنا، بل هي فتنة واختبار لكم لنعلم من يسيّرها في طاعة الله، ممّن يعصي الله فيها.﴿إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا﴾ أي: لكن من آمن وعمل صالحاً، فاستعمل ما له في طاعة الله، وربّى ولده على طاعة الله، فإنّها تقربه عندنا زُلفى.﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ﴾ [وفي قراءة: (جزاءً الضعفُ)] أي: أن يجازيهم الله الضّعف – مصدر مضاف لمفعوله - أو: لهم الجزاء والثواب المضاعف – من إضافة الموصوف إلى الصّفة – ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: بسبب أعمالهم الصالحة، تُضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.﴿وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ﴾ أي: المنازل الرفيعة العالية في الجنّة ﴿ءَامِنُونَ﴾ من كلّ شرّ ومكروه. [وفي قراءة: (الغُرفة) بالإفراد بمعنى الجمع].
34:38Page 432
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
٣٨ - ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا﴾ أي: القرآن، بالردّ والإبطال والطعن فيها والصدّ عنها﴿مُعَٰجِزِينَ﴾ أي: حال كونهم معاجزين لنا، مسابقين لنا، مغالبين قاصدين المعاجزة والمغالبة والقهر. [و في قراءة: (معجِّزين)] أي: مقدّرين عجزنا، وعدم قدرتنا عليهم، زاعمين سبقهم لنا، وأنهم يفوتوننا بأنفسهم.﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ﴾ أي: في جهنّم، تُحضرهم الزّبانية إليها، فلا يجدون عنها محيصا.
34:39Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
٣٩ - ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ﴾ أي: يوسّعه ﴿لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ﴾ امتحاناً واختباراً ﴿وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ﴾ أي: يضيّقه له بعد البسط، أو لمن يشاء من عباده ابتلاءً، بحكمته وقدرته.﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ﴾ فيما أمركم به، في الخير وفي سبيل الله، من نفقة واجبة ومستحبّة ﴿فَهُوَ﴾ أي: الله تعالى ﴿يُخۡلِفُهُۥۖ﴾ عليكم، أي: يعوّضه في الدنيا بالبذل والبسط، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، وهذا الإخلاف من الله تعالى إمّا كائن في الدنيا، أو في الآخرة، أو في كليهما.وفي الحديث القدسيّ عند مسلم: «يقول الله تعالى: عبدي! أَنفِق أُنفق عليك».وقال ﷺ لبلال: «أنفق بلالاً، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً». رواه الطبراني.وأخرج ابن أبي حاتم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن بعد زمانكم هذا، زمان عضوض، يعضّ الموسر على ما في يده، حذار الإنفاق، ثم تلا هذه الآية: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)».﴿وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ فإن رزق العباد لبعضهم البعض، إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة، بل هو تعالى خالق الرزق وخالق الأسباب التي ينتفع بها المرزوق بالرّزق.
34:40Page 433
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠
And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"
٤٠ - ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ﴾ أي: واذكـر يـوم يحشـرهم ﴿جَمِيعٗا﴾ للحساب والجزاء: العابد والمعبود، والمستكبر والمستضعف.﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ الله [و في قراءة بالنون في الفعلين:(و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول)] ﴿لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ تقريعاً للمشركين وتوبيخاً لمن عبدهم من دون الله: ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ﴾ أي: ءأنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟كما قال تعالى في سورة الفرقان: (ءأنتم أضللتم عبادي أم هم ضلّوا السبيل)الفرقان(١٧) ، وكما يقول تعالى لعيسى عليه السلام: (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله)المائدة(١١٦) فالسؤال هنا على طريق التقرير.
34:41Page 433
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١
They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."
٤١ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: الملائكة الكرام: ﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك وتقديساً وتبرئة، عن أن يكون لك شريك أو ندّ ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ﴾ أي: أنت الذي نواليه من دونهم، ونُطيعه ونعبده، لا موالاة بيننا وبينهم.﴿بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ﴾ أي: الشياطين، حيث كانوا يطيعونهم فيما يسوّلون لهم من عبادتنا، أو عبادة غيرنا، من الأصنام والأوثان.﴿أَكۡثَرُهُم﴾ أي: أكثر المشركين ﴿بِهِم مُّؤۡمِنُونَ﴾ أي: بالجنّ والشياطين مصدّقون فيما يلقون إليهم من الوساوس والأكاذيب، و منها أمرهم بعبادة غير الله تعالى.
34:42Page 433
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢
But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."
٤٢ - قال تعالى: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ﴾ يوم القيامة﴿لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ﴾ أي: بعض المعبودين لبعض العابدين﴿نَّفۡعٗا﴾ أي: شفاعة ونجاة ﴿وَلَا ضَرّٗا﴾ أي: ولا عذاباً وهلاكاً، قد تقطّعت بينكم الأسباب والوسائل ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بعبادة غير الله ، ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا، أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً.
34:43Page 433
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."
٤٣ - ﴿وَإِذَا تُتۡـلَىٰ عَـلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَـا﴾ أي: القـرآن ﴿بَيِّنَٰتٖ﴾ أي: واضحات الدلالة، ظاهرات المعاني، بلسان محمد ﷺ ﴿قَالُواْ مَا هَٰذَآ﴾ أي: التالي لها، وهو النبي ﷺ ﴿إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ﴾ أي: يصرفكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ﴾ أي: أسلافكم من الأصنام والأنداد والأوثان ﴿وَقَالُواْ﴾ أيضا: ﴿مَا هَٰذَآ﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ﴾ أي: كذب مختلق على الله، أو: كذب في نفسه، مفترىً على الله من حيث نسبته إليه. و «مفترى»: تأسيس لا تأكيد.﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ﴾ أي: للقرآن ﴿لَمَّا جَآءَهُمۡ﴾ به رسول الله ﷺ ﴿إِنۡ﴾ أي: ما ﴿هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن ظاهر لمن تأمّله، أي: ليس هذا إلاّ من جنس السّحر.
34:44Page 433
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.
٤٤ - قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ﴾ أي: ما أنزلنا على العرب من كتب سماويّة قبل القرآن يدرسون فيها ويقرؤونها ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ﴾ يا محمد ﴿مِن نَّذِيرٖ﴾ يدعوهم إلى الحقّ، وينذرهم بالعذاب، وقد كانوا يودون ذلك، ويقولون: لو جاءنا نذير، أو أنزل علينا كتاب، لكنّا أهدى من غيرنا، فلمّا منّ الله عليهم بذلك ، كذّبوه وجحدوه وعاندوه، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه ولا شبهة، يتشبثون بها.أي: فمن أين كذّبوك؟ ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه؟وقد يكون المعنى: لم نأتهم بكتب تدلّ على صحّة الشرك، ليُعذروا فيه، ولم نُرسل إليهم قبلك نذيراً، يدعوهم إلى الشرك، ويخوّفهم العقاب على تركه، فمن أين جاء شركهم؟!وفي هذا من التهكم والتجهيل لهم مالا يخفى !
34:45Page 433
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.
٤٥ - ﴿وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ أي: من الأمم الماضية، والقرون الخالية، رُسُلَنا، كما كذّبوك ﴿وَمَا بَلَغُواْ﴾ أي: هؤلاء المخاطبون، من مشركي مكة، وغيرهم من العرب ﴿مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ﴾ أي: عُشر ما أعطينا مَنْ كان قبلهم، من القوّة وطول العمر، وكثرة المال والنّعم، كعاد وثمود، وأمثالهم ﴿فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ ﴾ إليهم، فأهلكناهم ﴿فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: تغييري بهم و إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك والتدمير وانتصاري لرسلي ، وانتقامي لهم؟ أي: إنه واقع موقعه، فليحذر هؤلاء من مثله.وأصل النكير: تغيير المنكر، أي: إزالته بالعقوبة في الدنيا، إذ هي التي يحصل فيها تغييره.
34:46Page 433
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.
٤٦ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذّبين المعاندين، المتصدّين لردّ الحق وتكذيبه، والقدح بمن جاء به: ﴿إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ﴾ أي: آمركم وأوصيكم بخصلة واحدة، أو: أحذّركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه بكلمة واحدة ، وهي:﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ أي: لأجله في طلب الحقّ، قياما خالصاً له، من غير هوىً ولا عصبيّة، وأن تجتهدوا في الأمر بإخلاصٍ وقصْدٍ لاتباع الصواب، متفرّقين ﴿مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ﴾ أي: اثنين اثنين، وواحداً واحداً، لأن ذلك أدعى لصحة التفكير ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ﴾ في أمر محمد ﷺ، ورسالته، وما جاء به، فينصح بعضكم بعضا، فيتعاضد الاثنان في التفكر والتأمل في أمره، وينظر الواحد في أمره بعدْل ونَصَفة، فعند ذلك تعلموا أنه على الحقّ وأنه ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ﴾ أي: من جنون و خبل، حتى يتصدّى لهذا الأمر العظيم من تلقاء نفسه، غير مبال بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه، بل هو من تعلمونه: أرجح الناس عقلاً، وأصدقهم قولاً، وأفضلهم علماً ، وأحسنهم عملاً، وأجمعهم للكمالات البشرية.﴿إِنۡ﴾ أي: ما ﴿هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ﴾ أي: بين يدي الساعة، أي: قبْلها أو أمام عذاب الآخرة، فما جاءكم به إنّما هو وحي يوحى إليه من الله تعالى، وما هو إلاّ رسول ، بشير ونذير.وفي الحديث عند البخاري عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لمّا صعد الصفا، واجتمعت إليه قريش، قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدوّ يصبحكم أو يمسّيكم، أما كنتم تصدّقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»الحديث.والتعبير عنه ﷺ ب «صاحبكم» للإشارة إلى أن حاله معروف مشهور بينهم، فإنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بقوة العقل ورجاحة الرأي ورزانة الحلم وسداد القول والفعل.
34:47Page 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."
٤٧ - ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿مَا سَأَلۡتُكُم﴾ على الإنذار والتبليغ والنصح والرسالة ﴿مِّنۡ أَجۡرٖ﴾ أي: من جُعْل أو عطاء ﴿فَهُوَ لَكُمۡۖ﴾ إن سألتكموه ، وليس لي.أي: لا أسألكم على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، مالاً ولا أجراً ﴿إِنۡ أَجۡرِيَ﴾ أي: ما ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ﴾ أي: لا على غيره ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ﴾ أي: مطّلع عليّ وعليكم، لا يغيب عنه شيء، شاهد على عملي وعلى أعمالكم، يحفظها عليكم، ثم يوفيكم إيّاها.
34:48Page 433
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."
٤٨ - ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: يُلقى الوحي إلى أنبيائه ، بسبب الحقّ، أو متلبّساً بالحق، كقوله تعالى:(يُلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده)غافر(١٥).أو: يرمي الباطل بالحق فيدفعه ويزهقه، كما قال تعالى: (بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه)الأنبياء(١٨).أو: يقضي ويحكم أو يتكلّم بالحقّ، بتضمين «يقذف» معنى: يقضي، أو يتكلّم.أو: يرمي به في أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإعلاء كلمة الحقّ.﴿عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ أي: ما غاب عن أبصار خلقه وإدراكهم، في السماوات والأرض، فلا تخفى عليه منه خافية.
34:49Page 434
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1
٤٩ - ﴿قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقّ﴾ أي: الإسلام والتوحيد، أو: القرآن. أي: ظهر سلطانه وبانت دولته وقوّته ﴿وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ أي: الشرك والكفر ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: لم يبق له أثر.و المعنى: ذهب الباطل، ولم يبق له إبداء ولا إعادة. وهو كناية عن ذهابه واضمحلاله بالكليّة، وزهوقه ومحو أثره ، فإن الإبداء: فِعْل الأمر ابتداءً، والإعادة: فِعْله ثانياً، ولا يخلو الحيّ عنهما، فعدمهما: كناية عن هلاكه، كما يقال: فلان لا يأكل ولا يشرب، كناية عن هلاكه.وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ لمّا دخل المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بقوسه ويقرأ: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) الإسراء(٨١)، (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)سبأ(٤٩).
34:50Page 434
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."
٥٠ - ﴿قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ﴾ عن الحق والهدى ﴿فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ﴾ أي: إثم ضلالي عليها، لأن وبال ذلك عائد عليّ لا على غيري ﴿وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ﴾ من القرآن والوحي، إذ فيهما الحكمة والموعظة، والهدى والبيان.﴿إِنَّهُۥ سَمِيعٞ﴾ لأقوال عباده ﴿قَرِيبٞ﴾ يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.وفي الصحيحين: «إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً مجيباً».
34:51Page 434
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١
And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.
٥١ - ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ﴾ يا محمد ﴿إِذۡ فَزِعُواْ﴾ في الآخرة، أي: خافوا عند الموت، أو: عند البعث ومعاينة العذاب، أو في الدنيا عند ظهور الحقّ وسلطانه، لرأيت أمراً هائلاً عظيماً ﴿فَلَا فَوۡتَ﴾ أي: فلا نجاة، ولا مهرب و لا التجاء لهم يومئذ من عذاب الله، فلا يفوتوننا يومئذ ﴿وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ﴾ أي: من القبور إلى موقف الحساب، أو: من موقف الحساب إلى النّار، إذا بُعثوا. أو من ظهر الأرض إلى بطنها ، إذا ماتوا.
34:52Page 434
وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢
And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2
٥٢ - ﴿وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ أي: بمحمد ﷺ ، أو بالقرآن، يقولون ذلك يوم القيامة ﴿وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ﴾ [وفي قراءة بالهمزة: (التناؤش)] أي: تناول الإيمان والتوبة ﴿مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ عن محلّه، إذ هم في الآخرة، ومحل قبول الإيمان والتوبة في الدنيا.أي: ومن أين لهم تناول الإيمان والتوبة من الكفر في الآخرة،وقد كان ذلك قريباً منهم في الدنيا، فضيّعوه! فكيف يقدرون على الظفر به في الآخرة، وهي بعيدة من الدنيا!.والتناوش: التناول ، يقال: ناشه ينوشُه نوشاً: تناوله، ومنه: تناوشوا بالرّماح، أي: تناول بعضهم بعضاً بها.والآية تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعدما فات عنهم، فهو بعيد بالنسبة إليهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences