Al-Jami' al-WajizSad · 38:33–76

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Sad 38:33–76

38:33Page 455

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

٣٣ - ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّۖ﴾ أي: ردّوا الخيل المعروضة عليّ، أو: أعيدوا عرضها عليّ، مرّة أخرى، فَرَدُّوُها ﴿فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾ أي: فشرع يضرب سوقها وأعناقها بالسّيف، قربة لله تعالى، وغضباً له، لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وكان تقريب الخيل بذبحها مشروعاً في شريعته.والعرب تقول: مسح عِلاوَته: إذا ضرب عنقه.وقيل: المراد بالمسح: وسْمُها لتُعرف أنها خيل محبوسة في سبيل الله. أي: فجعل يسمها بسوقها وأعناقها.و قيل: شرع يمسح بيده على سيقانها و أعناقها تكريما لها، للاعتماد عليها في الجهاد.قال العلامة حسنين محمد مخلوف في تفسيره: قال الرازي في تفسير الآية: إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في شريعتهم، كما هو مندوب في شريعتنا، ثم إن سليمان احتاج إلى الجهاد، فأمر بإحضار الخيل وإعدائها، وقال: إني لا أحبّها لأجل الدنيا، وحظ النفس، وإنما أحبها لأمر الله وتقوية دينه، وهو المراد بقوله: (عن ذكر ربّي) ثم أمر بإعدائها حتى توارت بالحجاب، ثم بردّها إليه، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، عناية بها، لكونها من أعظم عُدد الجهاد، وإعلاماً بأن من الحزم مباشرة الوالي الأمور بنفسه، كلّما استطاع، لأنه كان أعلم الناس بأحوال الخيل ومحاسنها، وعيوبها وأمراضها، فكان يمسحها حتى يعلم هل فيها ما يدلّ على المرض. وقال: إن هذا الذي ينطبق عليه لفظ القرآن، ولا يترتّب عليه شيء من المحظورات.اهـ. ملخّصا.ونقل الآلوسي عن الشعرانيّ نحوه، ثم قال: إنه وجه ممكن في الآية على بُعْد، إذا قطع النظر عن الأخبار المأثورة.قلت: ولم يثبت عن المعصوم ﷺ في هذا القول أو ذاك خبر صحيح، إلاّ أن القول الأول ذكره غير واحد من السّلف، كما قال ابن كثير، والله تعالى أعلم.

38:34Page 455

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

٣٤ - ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ﴾ أي: ابتليناه واختبرناه وامتحنّاه، و هو ما ثبت في الصحيحين: أنه حلف ليطوفنّ على نسائه الليلة، لتلد كلّ واحدة، فارساً يجاهد في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فنسي، ولم يقل، فطاف عليهنّ جميعاً، فلم تحمل منهنّ إلاّ واحدة، جاءت بشق إنسان.﴿وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا﴾ هو شق الإنسان الذي ولدته امرأته، فكان ذلك محنته لأنه لم يستثن، لِمَا استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التمنّي، في أن تلد كلّ واحدة فارساً يقاتل في سبيل الله، وذلك بالنسبة إلى مقامه، خلاف الأوْلى.﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ إلى الله و رجع إليه بالتوبة، والإنابة والاستغفار.

38:35Page 455

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

٣٥ - ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي﴾ ما كان منّي من عدم الاستثناء، فإنه قد ثبت في الصحيحين - كما تقدم -: «أنه قال: لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة، تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تلد منهنّ إلا امرأة واحدة، ولدت نصف إنسان»، فقال النبي ﷺ: «لو قالها، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون».﴿وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي﴾ أي: لا يكون ﴿لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ﴾ أن يملك مثله، أي: لا يكون لأحد سواي، هبَةَ فضلٍ وإيثار وامتنان.﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ أي: كثير العطاء والهبات، عظيم الموهوبات.روى البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية و مسلم و النسائي: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إن عفريتاً من الجنّ تفلّت عليّ البارحة، ليقطع عليّ الصّلاة، فأمكنني الله تبارك وتعالى منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: (رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) فردّه خاسئاً».وروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء: أن إبليس عرض لرسول الله ﷺ في صلاته، قال: «إن عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك، ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامّة، فلم يستأخر ثلاث مرّات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان، لأصبح موثقاً يلعب به صبيانُ أهل المدينة».وروى أحمد – وبعضه أبو داود في سننه – عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام يصلّي صلاة الصّبح، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته، قال: «لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين – الإبهام والتي تليها – ولولا دعوة أخي سليمان، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد، فليفعل».

38:36Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

٣٦ - ﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ﴾ أي: جعلناها منقادة له مذلّلة لطاعته، إجابة لدعوته ﴿تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً﴾ أي: رخوة ليّنة سهلة غير عاصفة، مع قوّة هبوبها، وسرعة جريها. أو: منقادة ﴿حَيۡثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث قصد وأراد.من قولهم: أصاب الله بك خيراً: إذا أراده.

38:37Page 455

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

٣٧ - ﴿وَٱلشَّيَٰطِينَ﴾ أي: وسخّرنا له الشياطين ﴿ كُلَّ بَنَّآءٖ ﴾ يبني الأبنية الهائلة، من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ﴿وَغَوَّاصٖ﴾ في البحر لاستخراج درره ونفائسه وحليّه.

38:38Page 455

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

٣٨ - ﴿وَءَاخَرِينَ﴾ منهم ﴿مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ﴾ أي: مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والسلاسل والقيود، أو: مشدودين مسلسلين وموثوقين في الأغلال والقيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم، وهم المردة من الشياطين، ممّن تمرّد وعصى، وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.

38:39Page 455

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

٣٩ - وقلنا له: ﴿هَٰذَا عَطَآؤُنَا﴾ أي: الذي أعطيناكه من الملك العظيم والسلطان الكامل، من السيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم.﴿فَٱمۡنُنۡ﴾ أي: أعط منه من شئت ﴿أَوۡ أَمۡسِكۡ﴾ عن الإعطاء، أي: امنع من شئت ﴿بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ أي: غير محاسب على شيء من الأمرين: المنّ والإمساك. أي: لا جناح عليك في الإعطاء والإمساك، لعلمه تعالى بكمال عدله، وحسن أحكامه.

38:40Page 455

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

٤٠ - ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ﴾ أي: لقربة منّا ومكانة وكرامة. والزلفى والزلفة: القُربة والمنزلة. ﴿وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾ أي: حسن مرجع ومنقلب في الدار الآخرة، وهو الجنّة.وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ خُيّر بين أن يكون عبداً رسولاً، وبين أن يكون نبياً ملكا، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.

38:41Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

٤١ - ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد في باب الابتلاء وحسن عاقبة الصّبر عليه ﴿عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ﴾ أي: دعاه وابتهل إليه ﴿أَنِّي﴾ أي: بأنّي ﴿ مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ﴾ أي: أصـابني بضـرّ أو تـعـب ومـشقّـة ﴿وَعَذَابٍ﴾ أي: ألم وضرّ في الجسد، وهلاك في المال والولد.[وفي قراءة بضم النون والصاد: (بنُصُب) وفي أخرى بفتحهما:(بنَصَب)].ونسب ذلك إلى الشيطان، وإن كانت الأشياء كلّها من الله تعالى خلقا و تقديرا، تأدّباً معه تعالى.كما قال تعالى في سورة الأنبياء، الآية ٨٣: (وأيوب إذ نادى ربّه أني مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين).

38:42Page 455

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

٤٢ - ﴿ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ﴾ أي: فاستجبنا له وقلنا له ذلك، أي: اضرب برجلك الأرض، فضربها، فأنبع الله له عيناً جارية، وقلنا له: ﴿هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ﴾ أي: ماء تغتسل به ﴿بَارِدٞ وَشَرَابٞ﴾ تشرب منه، فاغتسل وشرب، كما أمره الله، فأذهب عنه كلّ داء كان بباطنه وظاهره وتكاملت عافيته ظاهراً وباطناً.وفي الحديث عند البخاري و أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أيوب يغتسل عرياناً، خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه، فناداه ربّه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟ قال عليه الصلاة والسلام: بلى يا ربّ، ولكن لا غنى بي عن بركتك».

38:43Page 456

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

٤٣ - ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ﴾ أي: أعطاه الله مثل أهله عدداً مع زيادة مثلٍ آخر، فرُزق من الأولاد ضعْف ما كان.﴿رَحۡمَةٗ مِّنَّا﴾ به، على صبره وثباته وإنابته، وتواضعه واستكانته.روى ابن جرير عن أنس مرفوعا: «إن أيوب جلس في البلاء نحواً من ثماني عشرة سنة».﴿وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: موعظة لأصحاب العقول، وعبرة لهم وتذكيراً، ليعلموا أن عاقبة الصّبر الفرج، وأن مع العسر يسراً.

38:44Page 456

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

٤٤ - ﴿وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا﴾ أي: حزمة صغيرة، أو قبضة من حشيش، أو شماريخ، أو قضبان، أو من عثكال النخل بشماريخه ﴿فَٱضۡرِب بِّهِۦ﴾ أي: اضرب بذلك الضغث زوجك ﴿وَلَا تَحۡنَثۡۗ﴾ في يمينك بترك ضربها. وكان أيوب عليه السلام قد حلف في مرضه، لئن شفاه الله، ليضربنّ امرأته مائة جلدة، لذنب جنته، فلما شفاه الله، وكانت امرأة صالحة محسنة إليه، رحمها الله تعالى ورحمه، فأفتاه أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ، أو قضيب، ضربة واحدة، فيبرّ في يمينه، ويخرج من حنثه، ويوفي بنذره، على ما ذكره المفسّرون.كما قال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)الطلاق(٢).والحنث: الوقوع في الذنب بسبب عدم فعل المحلوف عليه.﴿إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ﴾ أي: على البلاء الذي ابتليناه به، فإنه ابتُلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، فصبر طاعة لله، ومرضاة له.﴿نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ﴾ أيّوب ﴿إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ﴾ أي: رجّاع إلى الله تعالى في كل أموره الدينيّة والدنيويّة، منيب إليه بالتوبة والاستغفار. والآية ثناء من الله تعالى على عبده أيّوب ومدح له.

38:45Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

٤٥ - ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد ﴿عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ﴾ [وفي قراءة: (عبدنا) بالإفراد و«إبراهيم» بيان له، وما بعده عطف على عبدنا].﴿أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي﴾ أي: أصحاب القوّة في الطاعة والعبادة ﴿وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ أي: البصائر في العلم والدّين، فوصفهم بالعلم النافع، والعمل الصالح. جمع يدٍ، بمعنى: القوّة. وبصرٍ، بمعنى: بصيرة، مجازاً.وقيل: (أولي الأيدي) أي: أصحاب النّعم على الناس، والإحسان إليهم، لأنهم قد أحسنوا وقدّموا خيراً.

38:46Page 456

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

٤٦ - ﴿إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ﴾ أي: خصصناهم أو: جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة عظيمة، لا شوْب فيها، هي: ﴿ذِكۡرَى ٱلدَّارِ﴾ الآخرة، أي: تذكّرهم للآخرة دائماً، والعمل لها. والباء للسببيّة.أي: نزع الله من قلوبهم حبّ الدنيا وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. أو: خصصناهم من دون أهل زمانهم بتذكّر الدار الآخرة والعمل لها.[وفي قراءة بالإضافة: (بخالصةِ ذكرى الدار) وهي للبيان].

38:47Page 456

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ﴾ أي: المختارين المجتبيْن ﴿ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ جميع خيّر - بالتشديد – المنزّهين عن شوائب الشرور.أي: الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه، فهم أخيار مجتبوْن مختارون.

38:48Page 456

وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨

And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.

٤٨ - ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمّد ﴿إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ الذين اختارهم الله لدينه، واصطفاهم لشرعه، واختار لهم أكمل الأحوال من العلم النافع، والعمل الصالح.وقد تقدّم ذكر«اليسع» في سورة الأنعام – آية: (٨٦) – وهو نبيّ.وتقدم ذكر «ذي الكفل» في سورة الأنبياء – آية: (٨٥) – قيل: هو نبيّ، وقيل: هو رجل صالح من بني إسرائيل، تكفّل لأحد أنبيائهم بطاعات، فوفّى بها، والله تعالى أعلم.

38:49Page 456

هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩

This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -

٤٩ - ﴿هَٰذَا ذِكۡرٞۚ﴾ أي: هذا المذكور من محاسنهم وأوصافهم، ذكر لهم بالثناء الجميل في الدنيا، وشرف لهم يُذكرون به أبد الدهر. فإن الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس.﴿وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ ربّهم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. أو: المتقين عذابه بالطاعة ﴿لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾ أي: مرجع ومنقلب في الآخرة، يرجعون إلى مغفرة الله، ورضوانه، ونعيم جنّته.ويبدل منه قوله:

38:50Page 456

جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠

Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.

٥٠ - ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٖ﴾ أي: جنات إقامةٍ دائمةٍ وخلود – وهي بدل، أو عطف بيان لقوله: (لحسن مآب) – ﴿مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ﴾ أي: مفتّحة لهم أبوابها متى جاؤوها – فالألف واللام ههنا، بمعنى: الإضافة – كقوله سبحانه وتعالى:(حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها)الزّمر(٧٣).

38:51Page 456

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١

Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.

٥١ - ﴿مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا﴾ أي: عـلى الأرائـك والسّرر ﴿يَدۡعُونَ فِيهَا﴾ أي: في جنات عدن - حال كونهم متكئين فيها على الأرائك ﴿بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ﴾ متنوّعة ﴿وَشَرَابٖ﴾ كثير، فمهما طلبوا وجدوا.

38:52Page 456

۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢

And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.

٥٢ - ﴿وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ﴾ أي: زوجات لهم حور، حابسات نظرهنّ على أزواجهنّ، لا ينظرن إلى غيرهم، لشدة محبتهنّ لهم. أو: قصرن أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم.﴿أَتۡرَابٌ﴾ أي: مستويات في السنّ والشباب والحُسْن.

38:53Page 456

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣

This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.

٥٣ - ﴿هَٰذَا﴾ أي: المذكور من صفة الجنّة وحسنها ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ أيها المتقون [و في قراءة بالياء: (ما يوعدون)] ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ أي: لأجله، جزاء على أعمالكم الصالحة. أو: هذا الجزاء الذي وُعدتم به، وأجله يوم الحساب.

38:54Page 456

إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤

Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.

٥٤ - ﴿إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا﴾ الذي أنعمنا به عليكم ﴿مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ﴾ أي: انقطاعٍ وفناءٍ أبداً، بل هو دائم لا زوال له، ولا انقضاء ولا انتهاء.يقال: نَفِد نفاداً ونَفَداً: فني وذهب.والآية كقوله تعالى:(عطاء غير مجذوذ)هود(١٠٨) وكقوله: (لهم أجر غير ممنون)الإنشقاق(٢٥) أي: غير مقطوع، وكقوله: (أكلها دائم وظلها)الرعد(٣٥).

38:55Page 456

هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥

This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -

٥٥ - ﴿هَٰذَاۚ﴾ أي: الجزاء الموصوف للمتقين ما ذُكر، أو: الأمر هذا ﴿وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله، العاصين أمره، المخالفين لرسله، المجاوزين الحدّ في الكفر والمعاصي.﴿لَشَرَّ مَـَٔابٖ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع ومصير، ثم فسّره بقوله:

38:56Page 456

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦

Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.

٥٦ - ﴿جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا﴾ أي: يدخلونها، أو يقاسون حرّها ﴿فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ أي: ما مهّدوه لأنفسهم، وهو الفراش.شبّه سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد، وهو الفراش، أي: فبئس الفراش – أي: المستقرّ جهنّم – الذي افترشوه لأنفسهم.

38:57Page 456

هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧

This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.

٥٧ - ﴿هَٰذَا﴾ أي: المهاد، أو العذاب الشديد و النكال ﴿فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ﴾ أي: ماء بالغ أقصى الحرارة، قد تناهى حرّه ﴿وَغَسَّاقٞ﴾ – بالتشديد والتخفيف، قراءتان - أي: قيح وصديد يسيل من أجسادهم.من قولهم: غسق الجرح – كضَربَ وَسَمِع – يغسق غسوقاً وغسقاناً: إذا سال منه ماء أصفر.وقيل: الغسّاق: هو البارد الذي لا يُستطاع من شدة برده المؤلم، أو: ما قتل ببرده. والأول أظهر، لما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال:«لو أن دلواً من غسّاق يُهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا».

38:58Page 456

وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨

And other [punishments] of its type [in various] kinds.

٥٨ - ﴿وَءَاخَرُ﴾ – بالإفراد، والجمع: (وأُخر)، قراءتان – ﴿مِن شَكۡلِهِۦٓ﴾ أي: من ضَرْبه ونحوه.والمعنى: وعذاب آخر من مثل المذكور ونحوه من الحميم والغسّاق في الشدّة والهوان والفظاعة: ﴿أَزۡوَٰجٌ﴾ أي: أصناف وأجناس، وأنواع وألوان.والمعنى: أنهم يعذّبون في النار أنواعاً من العذاب وألواناً، وأصنافاً أخرى منه، من مثل الحميم والغسّاق ونحوهما.

38:59Page 456

هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩

[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."

٥٩ - ويُقال للطاغين المتبوعين عند دخولهم النّار مع أتباعهم، أو: يقول بعض الطاغين لبعض:﴿هَٰذَا فَوۡجٞ﴾ أي: جمع كثير من أتباعكم في الضّلال ﴿مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ﴾ أي: داخل معكم النّار كُرهاً، مقاسٍ فيها ما تقاسونه.يقال: قَحَم في الأمر يقحُم قحُوماً: رمى بنفسه فيه من غير رويّة. وأقحم فرسه النّهر فانقحم، أي: أدخله فدخل. والاقتحام: ركوب الشدّة والدخول فيها.فيقول المتبوعون من الرؤساء والقادة: ﴿لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ﴾ أي: لا سعة عليهم. دعاء على الأتباع بضيق المكان، أي: لا أتوْا مكاناً رحباً بل ضيقاً. والمعنى: لا رَحُبت بهم النار ولا اتّسعت بهم مداخلها.﴿إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾ أي: داخلوها وواردوها، أو مقاسو حرّها مثلنا.والآية إخبار من الله تعالى بانقطاع المودّة التي كانت بين الكفّار، من أتباع ومتبوعين، في الدنيا، وأنها تصير يوم القيامة عداوة وملاعنة، كقوله:(كلما دخلت أمّة لعنت أختها)الأعراف(٣٨).ويحتمل أن يكون قوله:(لا مرحباً بهم) صفة ل «فوج» أو حال.

38:60Page 456

قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠

They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."

٦٠ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: الأتباع للرؤساء، أو: الفوج المقتحم مع الطّغاة: ﴿بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ﴾ أي: لا كرامة لكم، أو: لا سعة عليكم﴿أَنتُمۡ﴾ أيها الرؤساء والقادة ﴿قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ﴾ أي: قدّمتم الصُّليّ لنا والعذاب في النار بإغوائنا وإغرائنا،ودعوتكم لنا إلى الكفر والضلال، ولم نرتكبه من تلقاء أنفسنا ﴿فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ﴾ أي: المنزل، والمستقر، والمصير لنا ولكم، جهنّم.

38:61Page 456

قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١

They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."

٦١ - ﴿قَالُواْ﴾ أي:الأتباع أيضا: ﴿رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا﴾ أي: دعانا إلى هذا المصير والعمل له في الدنيـا ﴿فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا﴾ أي: مثل عذابه ﴿فِي ٱلنَّارِ﴾ أي: عذاباً على كفره وضلاله، وعذاباً على دعائه إيانّا إلى الكفر والضلال.كما قال تعالى: (قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون)الأعراف(٣٨) أي: لكل منكم عذاب بحسبه.

38:62Page 457

وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢

And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1

٦٢ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: الكفار عموماً، أو الطاغون بعضهم لبعض: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَىٰ﴾ في النّار معنا ﴿رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم﴾ في الدنيا ﴿مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ﴾ أي: من الأراذل الذين لا خير فيهم. يعنون بذلك ضعفاء المؤمنين وفقراءهم. أي: هذا حال الكفّار عموماً، يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النّار معهم، فلما دخلوا النار، افتقدوهم فلم يجدوهم.

38:63Page 457

أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣

Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"

٦٣ - ﴿أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا﴾ – بكسر السين وضمّها، قراءتان– أي: هُزْءًا وسخرية، أو مهزوءاً بهم في الدنيا؟ فأخطأنا! أنكروا على أنفسهم ذلك الاستسخار منهم، حيث لم يروهم معهم في النّار. وهمزة الاستفهام للإنكار، وقد سقطت لأجلها همزة الوصل.﴿أَمۡ زَاغَتۡ﴾ أي: بل أمالت وتنحّت ﴿عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ فلا نراهم، وهم فيها؟! ولا نعلم مكانهم!.أي: إن عدم رؤيتنا لهم في النار دائر بين أمرين: الأوّل: أننا مخطئون في عدّنا إياهم من الأشرار، بل هم من الأخيار، وإنما كان كلامنا لهم في الدنيا من باب السخرية والاستهزاء بهم! وهو الواقع كما قال تعالى: (فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون)المؤمنون(١١٠).الثاني: أنهم معنا في النار، ولكن لم يقع بصرنا عليهم بَعْدُ، وهذا محال.

38:64Page 457

إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤

Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.

٦٤ - ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ أي: الذي حكاه الله عنهم، وأخبرناك به يا محمّد ﴿لَحَقّٞ﴾ يقين لا مرية فيه ولا شك، ثابت واجب وقوعه، وهو ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ فيها، بعضهم مع بعض، ولعن بعضهم لبعض، ودعاء بعضهم على بعض، وما قالته الرؤساء للأتباع، والأتباع للرؤساء، أي هذا أمر لابدّ أنه كائن في النار يوم القيامة.

38:65Page 457

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥

Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1

٦٥ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لكفار مكّة، المشركين بالله، المكذّبين لرسوله:﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ ﴾ أي: مخوّف لكم من عقاب الله، وأليم عذابه ﴿وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ﴾ يستحقّ العبادة والتأليه ﴿إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ﴾ الذي لا شريـك له ﴿ٱلۡقَهَّارُ﴾ لكل شيء سواه، الذي قهر كل شيء وغلبه. والآية تقرير لتوحيد الألوهية، ثم قرّر بعد ذلك توحيد الربوبيّة، فقال:

38:66Page 457

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2

٦٦ - ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا﴾ مـن المخلوقات، أي: خالق جميع ذلك، ومالكه، ومربّيه، ومدبّره بجميع أنواع التدابير، ومتصرّف فيه ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره، الذي لا يغالبه مغالب ﴿ٱلۡغَفَّٰرُ﴾ لمن أطاعه، وتاب إليه وأناب، أي: هو غفّار مع عظمته وعزّته.

38:67Page 457

قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧

Say, "It is great news

٦٧ - ﴿قُلۡ﴾ لهم منذراً ومحذراً: ﴿هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا القرآن، أو: ما أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً من عند الله الذي لا إله إلا هو، وما بيّنته لكم من توحيد الإلهية والربوبيّة، وما أخبرتكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، وما أنذرتكم به من الحساب والعقاب – نبأ جليل خطير، وخبر عظيم بليغ، يجب أن تلقوا إليه بالاً، وتذعنوا له إذعاناً.

38:68Page 457

أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨

From which you turn away.

٦٨ - ﴿أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ﴾ أي: منصرفون لا تصدّقون بما فيه، لفرط غفلتكم، وتماديكم في ضلالتكم. والآية توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه وعمّا جاء به، ولم يتفكّروا فيه، فيعلموا صدقه.

38:69Page 457

مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩

I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].

٦٩ - ﴿مَا كَانَ لِيَ﴾ أي: قبل أن يوحى إليّ ﴿مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ﴾ أي: من الملائكة ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم وخَلْقه وخلافته، كما سيأتي في آية ٧١ من هذه السورة، و كما تقدم في آية ٣٠ من سورة البقرة.أي: لولا الوحي وتعليم الله إيّاي، من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى في شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، وغير ذلك من الأمور التي لا تُعرف إلا بطريق الوحي، فإخباري بها دليل شاهد على صدقي، وأني رسول من عند ربيّ.

38:70Page 457

إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠

It has not been revealed to me except that I am a clear warner."

٧٠ - ﴿إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾ أي: ما يوحى إليّ ﴿إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠﴾ أي: إنّي ﴿نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾أي: بيّن الإنذار، أو: ظاهر النّذارة جليّها، فلا نذير أبلغ من نذارته عليه الصلاة و السلام.

38:71Page 457

إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١

[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.

٧١ - ثم ذكر اختصام الملأ الأعلى، فقال:﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: اذكر يا محمد حين قال ربّك ﴿لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ أي: على وجه الإخبار لهم: ﴿إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ﴾ أي: مادّته وجنسه من طين، هو آدم عليه السلام.

38:72Page 457

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢

So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

٧٢ - ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ﴾ أي: أتممت خلْقه، وصوّرته على الصّورة الإنسانية ﴿وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ أي: أفضت عليه، وأجريت فيه، ما تكون به الحياة، من الروح التي هي من أمري و خلقي، فصار حيّا بعد أن كان جماداً لا حياة فيه.﴿فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ سجود تحيّة وتكريم، لا سجود عبادة. وإضافة الروح إلى الله تعالى: تشريف لآدم عليه السلام.والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، ويموت بخروجه منه، قال تعالى:(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً)الإسراء(٨٥).

38:73Page 457

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣

So the angels prostrated - all of them entirely,

٧٣ - ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: بعد خلقه وتسويته والنفخ فيه من روحه ﴿كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ﴾ فيه تأكيدان لسجود جميع الملائكة له تعظيماً وتكريماً.

38:74Page 457

إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.

٧٤ - ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ﴾ لم يسجد، ولم يمتثل أمـر الله وتعالى، بل ﴿ٱسۡتَكۡبَرَ﴾ أي: تعاظم وتكبّر عن أمر ربّه وطاعته، وأنف من السجود لآدم ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ في علم الله تعالى، لاستكباره عن أمر الله وطاعته.كما قال سبحانه و تعالى في سورة الإسراء، الآية ١٦: (إلاّ إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه) وإبليس: أبو الجنّ، مأخوذ من أبلس من رحمة الله، أي: أيس منها.

38:75Page 457

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥

[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"

٧٥ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ﴾ أي: ما الذي صرفك وصدّك عن السجود لآدم ممتثلاً أمري، وأنا الذي تولّيت خلقه بيديّ من غير واسطة، وهذا تشريف لآدم وتكريم وتخصيص له بهذه الخصيصة، دون سائر الخلق.﴿أَسۡتَكۡبَرۡتَ﴾ في امتناعك عن السجود، وامتثال أمري؟ والاستفهام للتوبيخ ﴿أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ﴾ أي: المستحقين للعلوّ والرّفعة، كلاّ.والآية فيها إثبات اليدين لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، من غير تشبيه ولا تأويل، ولا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. قال العلامة حسنين مخلوف: مذهب السّلف: أن اليد – مفردة وغير مفردة – إذا وصف الله تعالى بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ، فهي صفة ثابتة له، على الوجه الذي يليق بكماله وجلاله، مع تنزّهه تعالى عن مشابهة الحوادث في الجسمية والجوارح، تعـالى الله عن ذلك علوّا كبيراً.مذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة، والتثنية: للتأكيد، أو أنه تمثيل للاعتناء بخلقه.قلت: ومذهب السلف أوْلى وأسلم، وأعلم وأحكم.

38:76Page 457

قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦

He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

٧٦ - ﴿قَالَ﴾ إبليــس معـارضـاً ربّـه جـلّ وعــلا: ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ﴾ أي: مـن آدم، وأشـرف، ثم بيـّن ذلـك بقولـه:﴿خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ زاعماً أن عنصر النّار خير وأشرف من عنصر الطين. وهذا مقياس فاسد، فإن عنصر النار، مادّة الشر والفساد، والخفّة والطيش، والعلوّ والكبر، وعنصر الطين، مادّة الرّزانة والتواضع، والطين يغلب النار ويطفئها، والنار تحتاج إلى مادّة تقوم بها، والطين قائم بنفسه. ذكره السعدي في تيسيره.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском