Al-Jami' al-WajizAz‑Zumar · 39:53–74

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:53–74

39:53Page 464

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

٥٣ - ﴿قُلۡ﴾ يا أيها الرسول، ومن قام مقامه في الدّعوة لدين الله، مخبراً للعباد عن ربّهم:﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: أفرطوا في المعاصي، واستكثروا منها، وتجاوزوا الحدّ فيها، جانين على أنفسهم بارتكابها.والخطاب للمؤمنين المذنبين، ولجميع العصاة من الكفرة وغيرهم، ودعوة لهم جميعاً إلى التوبة والإنابة. والإسراف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشْهر، ولتضمنه معنى الجناية عُدِّي ب «على».﴿لَا تَقۡنَطُواْ﴾ – بفتـح النـون وكسـرها، قـراءتـان – ﴿مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: لا تيأسوا من مغفرته تعالى لكم. و القنوط: اليأس، وفعله: كنَصر وضَرَب وحَسِب وكَرُم.﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾لمن تاب وآمن، أي: يسترها، أو يمحوها ولا يؤاخذ بها، لمن شاء من عباده – إلاّ الشرك -: أما عصاة المؤمنين: فإن تابوا قبل موتهم، قَبِل توبتهم، كما وعد، تفضلاً منه وإحساناً، وإن لم يتوبوا قبل الموت، فهم في مشيئته تعالى، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة بفضله ورحمته.وأما غير المؤمنين: فإن تابوا من الكفر، قَبِل الله توبتهم، والإسلام يجّب ما قبله. وإن ماتوا مصرّين على كفرهم، فلن يغفر الله لهم، كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النساء(٤٨) فإن الشرك والكفر لا يُغفر لمن لم يتب منه.﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة، عظيمهما، بليغهما، واسعهما.وهذه الآية: أرجى آية في كتاب الله تعالى، لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أوّلاً أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين، غير المسرفين، من باب الأوْلى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعده شكّ في قوله: (إن الله يغفر الذنوب) أي: يغفر كلّ ذنب، كائناً ما كان، إن شاء، إلاّ الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، ثم أكّد ذلك بقوله: (جميعاً) – مختصر الشوكاني -.وفي الصحيحين وأبي داود والنسائي: عن ابن عباس، أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفّارة، فنزل قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق ولا يزنون) ونزل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الآية.وأخرج أحمد في مسنده عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) إلى آخر الآية ».وأخرج أحمد من حديث عمرو بن عنبسة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، شيخ كبير يدعم على عصاً له، فقال: يا رسول الله، إن لي غدرات، وفجرات، فهل يُغفر لي، فقال ﷺ: «ألست تشهد أن لا إله إلاّ الله؟ » قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال ﷺ: «قد غفر لك غدراتك وفجراتك».وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ: عن أسماء بنت يزيد، قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: (إنه عمل غير صالح)هود(٤٦) وسمعته ﷺ يقول: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً) و لا يبالي (إنه هو الغفور الرحيم)».قال ابن كثير في تفسيره: فهذه الأحاديث كلّها دالّة على المراد: أنه يغفر الذنوب جميعاً مع التوبة، فلا يقنطنّ عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع، كما قال تعالى: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)التوبة(١٠٤) وقال: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)النساء(١١٠) وقال في حقّ المنافقين: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً ١٤٥ إلاّ الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ١٤٦)النساء(١٤٥-١٤٦).وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم ندم وسأل عابداً من عباد بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، وأكمل به مائة، ثم سأل عالماً من علمائهم هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها، فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله عز وجل أن يقيسوا ما بين الأرضيْن، فإلى أيهما كان أقرب، فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة – هذا معنى الحديث -.وأخرج أحمد من حديث أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله تعالى، لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا، لجاء الله عز وجلّ بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله، فيغفر لهم».وروى أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لولا أنكم تذنبون، لخلق الله عز وجلّ قوماً يذنبون، فيغفر لهم».

39:54Page 464

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

٥٤ - ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ﴾ أي: ارجعوا إليه، أو: أقبلوا إليه بالتوبة والطاعة ﴿وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ﴾ أي: أخلصوا له العبادة والدّين، أو اخضعوا له بالطاعة والعبادة، أو استسلموا وانقادوا له بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر ﴿مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ أي: في الدنـيا ﴿ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ بدفـعه ومنعـه إن لم تتوبوا.و المعنى: بادروا بالتوبة والعمل الصالح مع الإخلاص في العبادة والطاعة، قبل حلول النقمة.والآية: حثّ على المبادرة إلى التوبة، والمسارعة إلى الإنابة، بفعل الطاعات، واجتناب المنكرات، والاستسلام لأمر الله، والخضوع لحكمه، وإخلاص العبادة والدين له.

39:55Page 464

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

٥٥ - ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ أي: القرآن، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه، والقرآن كلّه حسن.وقيل: المراد بأحسنه: المحكمات دون المتشابهات، وقيل: المراد بأحسنه: الأفضل في كل أمر فيه فاضل وأفضل منه، من عبادة وغيرها، كالعفو دون الانتقام فيما يحقّ فيه الانتقام، فالانتقام جائز، والعفو جائز، والآية تحثّ على العفو – وهو الأحسن -.﴿مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَـةٗ﴾ أي: فجـأة ﴿وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ﴾ بمجيئه وإتيان وقته. أو: وأنتم غافلون عنه، لا تشعرون ولا تعلمون به.

39:56Page 464

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

٥٦ - ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ﴾ أي: بادروا بالتوبة والإنابة لئلا تقول نفس، أو قبل أن تقـول نفس، يـوم القيامـة: ﴿يَٰحَسۡرَتَىٰ﴾ أي: يا حسرتي وندامتي وحزني ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ أي: قصّرت في طاعته وأمره، أو: في جانب حقّه. أو: بسبب تفريطي وتقصيري في طاعة الله، أو في حقّه تعالى، و هوما يحقّ له ويجب من الطاعة والإخلاص في العبادة.وأصل الجنب والجانب: الجهة المحسوسة للشيء، وأُطلق على الطاعة مجازاً، حيث شُبِّهت بالجهة، بجامع التعلّق في كلٍّ بصاحبه، فالطاعة لها تعلّق بالله، كما أن الجهة لها تعلّق بصاحبها.﴿وَإِن كُنتُ﴾ مخففّة من الثقيلة، أي: وإنّي كنت في الدنيا ﴿لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ﴾ أي: المستهزئين بدين الله وكتابه وأهله.

39:57Page 465

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

٥٧ - ﴿أَوۡ تَقُولَ﴾ أي: النفس المفرّطة في التوبة والإنابة، يوم القيـامة: ﴿لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي﴾ أي: أرشدني إلى طاعته ودينه وهدايته، فاهتديت ﴿لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ عذابه، أو: ممّن يتقي الشرك والمعاصي.و «لو» هنا للتمنّي، وليست شرطية، لأنها لو كانت كذلك، لكانوا محتجّين بالقضاء والقدر على ضلالهم، وهي حجّة باطلة يوم القيامة.

39:58Page 465

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

٥٨ - ﴿أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ﴾ أي: رجعة إلى الدنيا، وعودة إليها ﴿فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ أي: المؤمنين بالله، الموحّدين له، المحسنين في عبادتهم وأعمالهم.

39:59Page 465

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

٥٩ - فيقال له من قِبَل الله: ﴿بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي﴾ الدالّة على الحقّ، وهو القرآن، فإنه سبب كلّ هداية. أي: جاءتك أيها العبد النادم آياتي في الدار الدنيا، وقامت عليك حججي وبراهيني ﴿فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ﴾ عن اتّباعها والإيمان بها ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بها الجاحدين لها.أي: قد كنت متمكّنا من التصديق والمتابعة، فلماذا تطلب الرجعة إلى الدنيا الآن؟قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه – في هذه الآيات – ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال:(ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)الأنعام(٢٨).وفي الحديث: عند أحمد والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً: «كلّ أهل النار يرى مقعده من الجنّة، فيقول: لو أن الله هداني، فتكون عليه حسرة، قال: وكلّ أهل الجنّة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني، قال: فيكون له شكرا».

39:60Page 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

٦٠ - ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى﴾ يا محمد هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ بنسبة الشريك والولد والصاحبة إليه، أو بالإخبار عنه بما لا يليق بجلاله وكماله، أو بالقول على الله وفي شرعه بغير علم، وبما لم يقله، ونحو ذلك ﴿وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم.﴿أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى﴾ أي: مأوى ومكان إقامة ﴿لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن طاعة الله، وعن الإيمان به وعن الانقياد للحقّ؟ بلى، إن في جهنم مسكناً ومقاماً لهم. والكبر – كما ثبت في الحديث الصحيح -: هو «بطر الحقّ، وغمط الناس».وفي الحديث: عند ابن أبي حاتم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، مرفوعاً: «إن المتكبّرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذّر، في صور الناس، يعلوهم كلّ شيء من الصّغار، حتى يدخلوا سجناً من النار، في واد يقال له: بولس، من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النّار، ومن طينة الخبال».

39:61Page 465

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.

٦١ - ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ﴾ من عذاب جهنّم ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ﴾ الشرك والمعاصي ﴿بِمَفَازَتِهِمۡ﴾ [و في قراءة بالجمع:(بمفازاتهم)] أي: بسبب فوزهم وخلاصهم وظفرهم بالبُغية، أو: بمكان فوزهم، وهو الجنّة بأن يُجعلوا فيها، ونجاتهم من النار.كما قال تعالى:(فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)آل عمران(١٨٥).وهي مفعلة من الفوز.﴿لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ﴾ يوم القيامة، أي: العذاب الذي يسوؤهم ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ بل هم آمنون من كلّ فزع، مزحزحون عن كلّ شرّ، نائلون كل خير، فلهم الأمن التامّ يوم القيامة، بنفي السوء والحزن عنهم.كما قال تعالى: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور)فاطر(٣٤).

39:62Page 465

ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢

Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.

٦٢ - ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ﴾ كائناً ما كان ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ أي: متصرّف فيه كيف شاء، قيّم عليه بالحفظ والتدبير، فهو ربّ الأشياء كلّها ومليكها، والمتصرّف فيها، والقائم بحفظها، وتدبيرها من غير مشارك له، والكلّ تحت تدبيره وقهره وكلاءته.وفي الآية دليل على إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها وتصريفها، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها.

39:63Page 465

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣

To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.

٦٣ - ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ أي: مفاتيح خزائنهما، أو خزائنُهما.جمع مِقْلد أو مِقليد. أو اسم جمع لا واحد له من لفظه، من التقليد بمعنى: الإلزام. أي: أنه لا يملك أمر السماوات والأرض، ولا يتمكن من التصرّف فيهما غيره تعالى.والمعنى: أن أزمة الأمور كلّها بيده تبارك وتعالى، علماً وتدبيراً وتصريفاً.﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ الدالّة على الحقّ، وهو القرآن، وما فيه من حجج الله وبراهينه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

39:64Page 465

قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤

Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"

٦٤ - ﴿قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ﴾ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في سبب نزولها: أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت. أي: قل لهم ذلك.[و قرأ ابن عامر الدمشقي بفك التشديد:(تأمرونني)].

39:65Page 465

وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥

And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.

٦٥ - ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ﴾ ممّن تقدّمك من الأنبياء والرّسل﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ﴾ بالله شيئاً، على سبيل الفرض والتقدير ﴿لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي: ليبطلنّ عملك الذي عملت قبل الشرك، ويفسدنَّ ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ أي: الهالكين في الدنيا والآخرة.وهذا الكلام على سبيل الفرض والتقدير، للإعلام بغاية شناعة الشرك، وكونه بحيث يُنهى عنه من يستحيل أن يباشره – وهو محمد ﷺ وكذا سائر الأنبياء والرسل – فكيف بمن عداه وعداهم !.أو: إن الخطاب له ﷺ والمقصود أمّته.وإذا كان الشرك محبطاً لعمل الأنبياء والرسل – على سبيل الفرض والتقدير - فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأوْلى والأحرى.والآية كقوله تعالى في سورة الأنعام – آية: (٨٨) – بعد أن عدّ كثيراً من أنبيائه ورسله، ثم قال: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون).

39:66Page 465

بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦

Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.

٦٦ - ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ﴾ أي: اعبده وحده لا شريك له و أخلص له العبادة والدّين﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ الله على نعمه وتوفيقه وهدايته.وهذا يشمل الشكر على النّعم الدينية والدنيوية، بصرفها فيما خُلقت له.

39:67Page 465

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧

They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.

٦٧ - ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ﴾ أي: ما عظّموه تعالى حق تعظيمه، وما عرفوه حقّ معرفته، حين أشركوا به غيره، وعبدوا معه غيره، وهو العظيم القادر على كلّ شيء، المالك لكل شيء، وكلّ شيء تحت قهره وقدره وقدرته.﴿وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: والأرض – مجموعةً - مقبوضةٌ له، أو في قبضته تعالى يوم القيامة.وخُصّ «يوم القيامة» بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لدار الدنيا أيضاً، لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم، كما قال تعالى: (والأمر يومئذ لله)الإنفطار(١٩) وقال: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهّار)غافر(١٦).والقبضة: المرّة من القبض، وتطلق على المقدار المقبوض بالكفّ. والمراد: أن الأرض جميعاً مُلكه وفي مقدوره وتصرّفه.﴿وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ﴾ أي: يمين الرحمن جلّ في علاه، كطيّ السجلّ للكتب.﴿سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ به، أي: تنزّه وتقدّس وتعاظم عن شركهم به.والآية بيان لعظيم قدرته تعالى، وأن المتولّي لإبقاء السماوات والأرض في الدنيا، هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة، فله سبحانه وحده القدرة التامّة على الإيجاد والإبقاء والإفناء في الدارين، فكيف يشركون به غيره؟وفي الآية إثبات القبضة واليمين لله تبارك وتعالى من غير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تبديل، ولا تكييف ولا تحريف ولا تشبيه.أخرج البخاري و مسلم والترمذي والنسائي: عن ابن مسعود، قال: جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله عز وجلّ يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)الآية.وأخرج أحمد في مسنده عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبَلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: وأنزل الله عز وجل: (وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) الآية.وأخرج البخاري – واللفظ له - ومسلم عن أبي هريرة قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله تعالى الأرض –يوم القيامة – ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟».وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: (وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحرّكها، يُقبل بها ويُدبر: يمجّد الربّ نفسه: أنا الجبّار، أنا المتكبّر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر، حتى قلنا، ليخرنّ به.وذهب الزمخشري وغيره: إلى أن الآية تمثيل لحال عظمته تعالى، ونفاذ قدرته – بحال من يكون له قبضةٌ فيها الأرض جميعاً، ويمينٌ بها يطوي السماوات، أي: من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز.وقال غيره: هو تنبيه على مزيد جلالته وعظمته تعالى، بإفادة أن الأرض كلّها مع عظمها وكثافتها في مقدوره، كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفّه، فالقبضة مجاز عن الملْك أو الصّرف، كما يقال: هو في يد فلان وفي قبضته، للشيء الذي يهون عليه التصرّف فيه، وإن لم يقبض عليه. واليمين، مجاز عن القدرة التامّة.قال الآلوسي في تفسيره: والسّلف يذهبون إلى أن الكلام تنبيه على مزيد جلالته وعظمته، ورمز إلى أن آلهتهم – أرضية أم سماويّة – مقهورة لله تعالى. إلاّ أنهم لا يقولون بالتجوّز بالقبضة عن المِلْك أو التصرّف، ولا باليمين عن القدرة، بل ينزّهونه تعالى عن الجوارح والأعضاء، ويؤمنون بما نسبه تعالى إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه. ذكر هذا العلامّة حسنين مخلوف في تفسيره. قلت: ومذهب السّلف في إثبات اليمين و القبضة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و كماله، أصوب وأحكم، وأعلم وأسلم. والله تعالى أعلم.

39:68Page 466

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨

And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.

٦٨ - ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ أي: في القَرْن، النفخة الأولى، التي بها الموت، وهي نفخة الصّعق. وإسرافيل هو الذي ينفخ في الصّور بأمر الله.﴿فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: خرّ ميّتا من كان حيّا فيهما. والصّعق: الموت في الحال.﴿إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي: من الملائـكة، كجبريـل وإسرافيل، وميكائيل، وملك الموت، وغيرهم، وقيل: حملة العرش، والصحيح أنه لا دليل على تعيينهم.قال ابن كثير في تفسيره -كما جاء في حديث الصّور المشهور -: «ثم يقبض أرواح الباقين، حتى يكون آخر من يموت: ملك الموت، وينفرد الحيّ القيوم - الذي كان أوّلا، وهو الباقي آخراً – بالديمومة والبقاء، ويقول: (لمن الملك اليوم)؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: (لله الواحد القهّار) أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كلّ شيء، وحكمت بالفناء على كلّ شيء، ثم يحيي أوّل من يُحيي: إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصّور أخرى» كما قال تعالى:﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾ أي: في الصّور، وهو القَرْن، نفخـةً ﴿أُخۡرَىٰ﴾ وهي النفخة الثانية: نفخة البعث والنشور ﴿فَإِذَا هُمۡ﴾ أي: جميع الخلائق الموتى﴿قِيَامٞ﴾ من قبورهم أحياءً ﴿يَنظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ماذا يُفعل بهم، أو ما الله فاعل بهم.وقد اختُلف في عدد النفخات، فقيل ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصّعق، ونفخة البعث. وقيل: اثنان: نفخة الفزع والصعق، ونفخة البعث.روى الإمام أحمد بن حنبل، ومسلم في صحيحه – واللفظ له – من حديث عبد الله بن عمرو وفيه: «ثم يُنفخ في الصّور، فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى ليتاً، ورفع ليتاً - و هي صفحة العنق - وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلاّ صَعق، ثم يرسل الله تعالى – أو ينزل الله عز وجلّ – مطراً كأنه الطلّ أو الظلّ، فتنبت منه الناس، ثم يُنفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون» الحديث.وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيْت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيْت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيْت، «ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذنبه، فيه يركّب الخلق».وعَجْب الذنب، أي: العصعص.

39:69Page 466

وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩

And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.

٦٩ - ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ أي: أرض المحشر ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة بنوره تعالى، حين يتجلّى سبحانه للخلائق لفصل القضاء بين الناس ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ أي: أعطيت صحائف الأعمال للحساب والمجازاة في أيدي أصحابها، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله.كما قال تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها)الكهف(٤٩).﴿وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ إلى الموقف يشهدون على الأمم بأنهم بلّغوهم رسالات الله إليهم، ويُسألون عمّا أجابتهم به أممهم.﴿وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ أي: من الملائكة الحفظة على أعمال العباد، من خير وشرّ. أو: الذين يشهدون على الأمم من أمّة محمد ﷺ للرّسل بالبلاغ، كما قال سبحانه و تعالى: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)البقرة(١٤٣).﴿وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بين العباد بالعدل والقسط والإنصاف.﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ شيئاً، فلا يُنقص من ثوابهم، ولا يُزاد في عقابهم، بل جزاؤهم على قدر أعمالهم، كما قال تعالى: (فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)الأنبياء(٤٧).

39:70Page 466

وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.

٧٠ - ﴿وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ﴾ أي: جزاءه من خير أو شرّ ﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة أو معصية، أي: عالم بذلك، فلا يحتاج إلى كاتب، ولا حاسب، ولا شاهد، وإنما وضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء، لتكميل الحجّة وقطع المعذرة، ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)الإسراء(١٤).

39:71Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١

And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."

٧١ - ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ سوقاً عنيفاً ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ﴾ أي: جماعات متفرقة، أو أفواجاً متتابعة بعضها في إثر بعض.جمع زُمْرة: وهي الجماعة القليلة، ومنه: شاة زَمِرة، أي: قليلة الشعر، ورجل زَمِر، أي: قليل المروءة.كما قال تعالى: (يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا)الطور(١٣) – أي: يدفعون إليها دفعاً شديداً – وقال: (ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً)مريم(٨٦) أي: عطاشاً ظماءً، وقال: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً)الإسراء(٩٧).﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا﴾ ليدخلوها، أي: بمجرّد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها سريعاً، لتُعجّل لهم العقوبة. وقوله: (فتحت أبوابها) جواب «إذا».﴿وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ﴾ من الزّبانية القائمين عليها، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُم﴾ أي: من أنفسكم، تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنـون مـن مخاطبتهم والأخـذ عنهـم ﴿يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ﴾ التي أنزلها عليهم، وأرسلهم بها إليكم، الدالّة على الحقّ والصدق واليقين.أو: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحّة ما دعوكم إليه.﴿وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ﴾ أي: يخوّفونكم ويحذّرونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم إليه؟ ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾ أي: قد أتتنا الرّسل بآيات الله وحججه وبراهينه، وأنذرونا لقاء هذا اليوم ﴿وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ﴾ أي: وجبت وثبتت ﴿كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بسبب كفرهم وتكذيبهم رسل ربّهم، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجّة عليهم، كما قال تعالى: (كلّما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ٨ قالوا بلى قد جاءنـا نذير فكذّبنـا ٩)الملك(٨ -٩).

39:72Page 466

قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢

[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

٧٢ - ﴿قِيلَ﴾ لهـم عـلى وجـه الإهـانـة والإذلال: ﴿ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ﴾ أي: مقدَّرا لكم الخلود فيها من قِبَل الله تعالى.أو: ماكثين فيها، لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها.قال ابن كثير: ولم يسند هذا القول إلى قائل معيّن، بل أطلقه ليدلّ على أن الكون كلّه شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه من العذاب والنكال، بما حكم العدل الخبير عليهم به.﴿فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: مأوى المستكبرين عن طاعة الله، جهنّم. أي: بئس المثوى لكم و السكن الدائم، جهنّم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحقّ، فبئس الحال، وبئس المآل.

39:73Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣

But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1

٧٣ - ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ﴾ سوق إعزاز وتشريف وتكريم ﴿إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ﴾ أي: جماعة في إثر جماعة، متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل والطاعة: المقرّبون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، وهكذا، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها وتشاكله.كما قال تعالى:(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا)مريم(٨٥).﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها بعد مجاوزة الصّراط ﴿وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا﴾ أي: وقد فُتحت أبوابها لاستقبالهم. والجملة حالية.وجواب «إذا» مقدّر بعد (خالدين)، أي: سعدوا أو فازوا. أو: دخلوها.﴿وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: سلامة لكم من كلّ آفة وشرّ حال، أو أمنة من الله لكم أن ينالكم بعدها مكروه أو أذى ﴿طِبۡتُمۡ﴾ أي: طَهُرتُم من دنس الشرك والمعاصي. أو: طابت أقوالكم وأعمالكم، وطاب سعيكم وجزاؤكم، أو: طابت قلوبكم بمعرفة الله ومحبّته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته، فطاب مثواكم.﴿فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ﴾ أي: ادخلوا الجنّة مقدّرين الخلود فيها، لا يلحقكم موت فيها ولا فناء، ماكثين فيها أبداً، لا يبغون عنها حولاً.وجواب «إذا » مقدّر، تقديره -كما تقدم -: دخلوها، أو: سعدوا وطابوا أو فازوا. وفائدة حذف الجواب ههنا: ذهاب الذّهن كلّ مذهب في الرجاء والأمل.فائدة قوله في أهل النار: (حتى إذا جاءوها فُتحت أبوابها) بدون «واو» الحال كما في أهل الجنة: (وفتحت أبوابها) إشارة إلى أن أهل النار، بمجرّد وصولهم إليها، فُتحت لهم أبوابها، من غير إنظار ولا إمهال، ليصير حرّها إليهم، إهانة لهم، وأشدّ لعذابهم.وأمّا الجنّة، فيحتاجون لدخولها إلى الشفاعة، فلم تفتح لهم بمجرّد وصولهم إليها، بل يستشفعون إلى الله بمحمد ﷺ، فيشفع لهم، فيشفِّعه الله تعالى، ويأذن لهم بدخول الجنة.وقد ثبت في الصحيح: أن أهل الجنّة بعد مجاوزة الصّراط، يُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصّ لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقوا، أُذن لهم في دخول الجنّة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أوّل شفيع في الجنة» وفي لفظ: «وأنا أوّل من يقرع باب الجنّة».وعند أحمد ومسلم بنحوه عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، قال: فيقول: بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك».وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب، تفتح وتغلق، وأن لكلّ منهما خزنة.

39:74Page 466

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."

٧٤ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: المؤمنون عند دخولهم الجنّة – وهو عطف على «دخلوها» أو «سعدوا وفازوا» المقدّريْن –: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ﴾ أي: أنجزنا ما وعدنا على ألسنة رسله الكرام من النعيم المقيم في الجنّة ﴿وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: أرض الجنّـة، كما قال تعالى:(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)الأنبياء(١٠٥).﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ﴾ أي: ننزل منها حيث نريد، فأين شئنا حللنا.﴿فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ الجنّة. أي: فنعم الأجر أجرنا على عملنا. وفي الصحيحين عن أنس في حديث المعراج، قال ﷺ: «أدخلت الجنّة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك».والجنابذ: ما ارتفع من الأرض وغيرها، والمراد: عقود اللؤلؤ. وقوله: (وأورثنا الأرض) أي: أن أرض الجنة صارت من غيرهم إليهم، فملكوها وتصرّفوا فيها، فيرث أهل الجنّة عن أهل النار مقاعدهم في الجنّة، ويرث أهل النار عن أهل الجنّة مقاعدهم في النار.والآية كقوله: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ٣٤ الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب ٣٥)فاطر(٣٤ -٣٥).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском