Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الحجرات
Al-Hujurat
The Rooms · Medinan · 18 ayahs
49:1Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
١ - سبب نزول الآيات: (١ - ٥):أخرج البخاري وغيره، عن عبد الله بن الزّبير، قال: قدم ركب من بني تميم على رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله) إلى قوله: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم) الآية.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ أي: لا تقطعوا أمراً وتجزموا به دون الله ورسوله.أو: لا تقضوا أمراً حتى يحكم الله ورسوله به، ويأذنا فيه. [وفي قراءة: بفتح التاء (لا تَقدَّموا)] أي: لا تتقدموا الله ورسوله بقول أو فعل، بل كونوا تبعاً لهما في جميع الأمور.والآية إرشاد عامّ في طاعة الله ورسوله، بتقديم أمرهما على كلّ أمر، وحكمهما على كلّ حكم، وقضائهما على كلّ قضاء، وقولهما على كلّ قول (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)الأحزاب(٣٦).و «تقدّموا»: من قدّم المعتدّي، تقول: قدّمت فلاناً على فلان: جعلته متقدّما عليه، وحُذف مفعوله قصداً إلى التعميم.و (بين يدي الله ورسوله) تمثيل للتعجّل في الإقدام على قطع الحكم في أمر من أمور الدين بغير إذنٍ من الله ورسوله – بحالة من تقدّم بين يدي متبوعه، إذا سار في طريق، فإنه في العادة مستهجن.أو: المراد: بين يدي رسول الله، وذُكر لفظ الجلالة تعظيماً للرسول، وإشعاراً بأنه من الله تعالى بمكان يوجب توقيره وإجلاله.﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ في كل أموركم وأحوالكم، بامتثال أمره، واجتناب نهيه.﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقـوالـكم ﴿عَلِيمٞ﴾ بنيّاتـكم وأفعالكم.وفي الآية دليل على اتباع الشرع في كلّ شيء، وعلى تقديم النصّ على القياس.
49:2Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.
٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ﴾ إذا تكلّمتم ﴿فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾ إذا تكلّم، إجلالاً له وتوقيراً ﴿وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ﴾ كقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)النور(٦٣).فالآية الأولى: نهيٌ عن زيادة صوتهم على صوته ﷺ في المكالمة، والثانية: نهيٌ عن مساواة أصواتهم بصوته في المكالمة، فإن ذلك شأن الأقران والنّظراء.والمراد بالنّهيين: أن يجعلوا أصواتهم في مخاطبته ﷺ أخفض من صوته، ويتعهّدوا في مخاطبته الخفض القريبَ من الهمس، كما هو الأدب عند مخاطبة المهيب المعظّم، توقيراً له ﷺ، وإجلالاً، وإعظاماً.وقيل: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، بل يا نبي الله، ويا رسول الله.﴿أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ﴾ أي: إنما نهاكم عن رفع أصواتكم فوق صوت النبيّ والجهر له بالقول، لئلا أو خشية أن يبطُل ثواب أعمالكم ويذهب، بفعل المنهيّ عنه ﴿وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ بذلك ولا تدرون.كما جاء في الحديث عند البخاري و مسلم، وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي بنحوه: «وإن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يُلقي لها بالاً، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض».وقد جاء في سبب نزول هذه الآية ما تقدّم في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن الزّبير برواية أخرى بلفظ: فارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الآية.قال عبد الله بن الزبير: فما كان عمر يُسْمِعُ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه -أي: الرسول ﷺ- مما يخفض صوته.وروى الحافظ البزّار عن أبي بكر الصدّيق، قال: لمّا نزلت هذه الآية: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) قلت:«يا رسول الله، والله لا أكلّمك إلاّ كأخي السّرار».وروى البخاري عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس بن شماس، فقال رجل: أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار-يعني بذلك نفسه - فأتى الرجلُ النبي ﷺ فأخبره أنه قال: كذا وكذا، فقال النبي ﷺ: «اذهب إليه فقل: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنّة».
49:3Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.
٣ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يُخفضونها ويُخافتون بها، إجلالاً له ﷺ وإكراماً وإعظاماً. يقال: غضّ من صوته وغضّ طرْفه: إذا خفضه، وكلّ شيء كففته فقد غضضته. وباب الكلّ: ردّ.﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ﴾ أي: أخلصها واصطفاها للتقوى، أو: جعلها خالصة لها، فلم يبق لغير التقوى فيها حقّ؛ كأن قلوبهم خَلَصت مُلكاً للتقوى، فجعلها لها أهلاً ومحلاً.وأصله: من امتحان الذهب وإذابته، ليخلُص إبريزه من خبثه ويُنقّى. واستعير لما ذُكر، لتخليص القلوب فيه من جميع الشوائب.﴿لَهُم مَّغۡفِرَةٞ﴾ لذنوبهم﴿وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثواب جزيل على طاعتهم، هو الجنّة.روى ابن جرير في قصّة ثابت بن قيس: أنه كان رفيع الصّوت، فلما نزلت آية: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) – تخوّف أن تكون نزلت فيه، فكان يبكي، فدعا به رسول الله ﷺ، وقال له:أما ترضى أن تعيش حميداً، وتموت شهيداً، وتدخل الجنّة؟ فقال: بلى، رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله تعالى: (إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله) الآية.
49:4Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.
٤ - سبب نزول الآية:أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن وابن أبي حاتم وابن جرير: عن زيد بن أرقم قال: جاء ناس من العرب إلى حجر النبي ﷺ، فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمّد يا محمّد، فأنزل الله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) الآية.وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس التميميّ: أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فقال: يا محمد، يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله، فلم يُجبه، فقال: إن حمدي لزين، وإن ذمّي لشين، فقال: «ذاك الله عزّ وجلّ».﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ﴾ أي: حجرات نسائه ﷺ.جمع حجرة: وهي القطعة من الأرض المحجورة – أي: الممنوعة – من الدخول فيها بحائط أو نحوه.﴿أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ أي: لا يجرون على مقتضى العقل من مراعاة الأدب مع رسول الله ﷺ، وعبّر بالأكثر لأن منهم من لم يقصد ترك الأدب، بل نادى لأمرٍ ما.
49:5Page 516
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.
٥ - ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ﴾ في دينهم ودنياهم، وأصلح لهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله ﷺ، والعمل بما يستحقّه من التعظيم والتوقير والتبجيل.﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ لمن تاب منهم وأناب.
49:6Page 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.
٦ - سبب نزول الآية:أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني بسند جيد رجاله ثقات، عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي: أنه قدم على رسول الله ﷺ، فدعاه إلى الإسلام، فدخل فيه، ودعاه إلى الزكاة، فأقرّ بها، وقال: أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب، جمعت زكاته، وتُرسل إليّ رسولاً، فيأتيك بما جمعتُ من الزكاة، فأرسل إليه رسول الله ﷺ رسولاً ليقبض ما كان عنده من الزكاة. ثم إن الرسولَ لمّا بلغ بعض الطريق فرق – أي: خاف - فرجع، فقال: يا رسول الله، إن الحارث قد منعني الزكاة، وأراد قتلي: ثم إن الحارث استبطأ رسول الله ﷺ، فأقبل بأصحابه على رسول الله ﷺ، فلمّا دخل عليه،قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟» قال الحارث: لا، والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسولك. قال: فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا) الآية. وروى نحوه الطبراني من حديث جابر بن عبد الله، وابن جرير عن أمّ سلمة.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ﴾ أي: بخبر ﴿فَتَبَيَّنُوٓاْ﴾ أي: اطلبوا البيان والمعرفة.[وفي قراءة: (فتثبّتوا) أي: اطلبوا الثبات والأناة وعدم العجلة في الحكم].أي: إن أخبركم فاسق بخبر فتعرّفوا صدقه، وتثبّتوا منه، وتبصّروا حقيقته، وحقيقة خبره.﴿أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ﴾ أي: خشية أن تصيبوا قوماً بضرر أو سوء أو مكروه، بسبب جهالتكم حالهم ﴿فَتُصۡبِحُواْ﴾ أي: تصيروا ﴿عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ﴾ بهم من الخطأ والضّرر ﴿نَٰدِمِينَ﴾ على ذلك، مغتمّين له، مهتمّين به، أي: فتندموا على ما فعلتم بهم، متمنّين أن لم يقع منكم ذلك.والنّدم: الغمّ على وقوع شيء، مع تمنّي عدم وقوعه.والفاسق: هو من أخلّ بشيء من أحكام الشرع، بترك مأمور به، أو فعل منهيّ عنه.وفي الآية دليل على أن خبر الصادق، مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق، متوقّف فيه، فإن دلّت القرائن على صدقه، صُدّق وعُمل بخبره، وإن دلّت على كذبه، كُذّب، ولم يُعمل بخبره، فالواجب عند سماع خبر الفاسق: التبيّن والتثبت.ولذا كان كثير من السلف يقبلون روايات كثير من الخوارج، المعروفين بصدقهم، وإن كانوا فُساقاً.
49:7Page 516
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.
٧ - ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ﴾ أي: فعظّموه، ووقّروه، وتأدّبوا معه، وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم من أنفسكم، فلا تقولوا باطلاً، ولا تتسرّعوا في الحكم على الخبر من غير تبيّن وتثبت.﴿لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ﴾ الذي تُخبرون به على خلاف الواقع، فيرتّبُ عليه أحكامه.﴿لَعَنِتُّمۡ﴾ أي: لوقعتم في الجهد والتّعب. أو في الإثم والهلاك والحرج والمشقّة.ولكنه ﷺ لا يُطيعكم في غالب ما تخبرونه به، قبل التبيّن والتثبّت، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه منكم قبل النظر فيه.والعنت: الوقوع في أمر شاقّ، والإثم والحرج. يقال عَنِت فلان – من باب: طَرِب – عَنَتاً: إذا وقع في أمر يخاف منه التّلف.﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ﴾ أي: حسّنه ﴿فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ بتوفيقه إياكم محبّة الحق وإيثاره.أي: فلا يقع منكم إلاّ ما يقتضيه الإيمان ويوافقه من الأمور الصالحة، وترك التسرّع في الأخبار وعدم التثبت فيها.﴿وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ﴾ أي: بغّضه إليكم،وجعله مكروهاً عندكم، بما وفّقكم له من كراهة الشرّ وعدم إرادة فعله.والفسوق: الذنوب الكبار، أو الخروج عن طاعة الله.والعصيان: جميع المعاصي والذنوب الصّغار، أو مخالفة أمر الله ورسوله. وهو من باب عطف الخاص على العامّ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾أي: الموصوفون بهذه الصّفة، الذين حبّب إليهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر ﴿هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ أي: الثابتون على دينهم، المستقيمون عليه، الذين صلحت علومهم وأعمالهم.وفي الحديث عند أحمد والنسائي، من دعائه ﷺ يوم أُحُد: «اللهم حبّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين» الحديث.
49:8Page 516
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.
٨ - ﴿فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ ﴾ أي: أنه تعالى حبّب إليكم ما حبّب، وكرّه ما كرّه، لأجل فضله عليكم، وإنعامه وإحسانه إليكم.مصدر منصوب بفعله المقدّر، أي: أفضل عليكم فضلاً، وأحسن إليكم إحساناً وأنعم عليكم نعمة.﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، من يستحقّ الهداية ممّن يستحق الغواية ﴿حَكِيمٞ﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
49:9Page 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
٩ - سبب نزول الآية:أخرج الشيخان وأحمد عن أنس:أن النبي ﷺ ركب حماراً وانطلق إلى عبد الله بن أبيّ، فقال: إليك عنّي، فو الله لقد آذاني نتن – وفي رواية: ريح – حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، وغضب لكلّ واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنّعال، فنزلت بينهم: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) الآية.﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ ﴾ أي: تقاتلوا ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾ وُجوباً، بالنّصح، وإزالة الشّبهة وأسباب الخصام، والدعاء إلى حكم الله تعالى.والخطاب لأولي الأمر من المسلمين.وجَمَع «اقتتلوا»: نظراً إلى المعنى، لأن كلّ طائفة جماعة.وثنّى «بينهما»: نظراً إلى اللفظ.﴿فَإِنۢ بَغَتۡ﴾ أي: تعدّت واستطالت ﴿إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ﴾ بغير حقّ، وأبت الصّلح والدّخول فيه، والإجابة إلى حكم الله ﴿فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: ترجع إلى حكمه تعالى فيما لها وعليها وترضى به. والآية أمر بقتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وأمره.﴿فَإِن فَآءَتۡ﴾ أي: رجعت عن بغيها، وأجابت الدّعوة إلى أمر الله وحكمه،﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ﴾ أي: بالإنصاف في الصّلح والحكم، وذلك بتحرّي الصّواب الموافق لحكم الله والأخذ على يد الطائفة الباغية حتى تخرج عن بغيها، وتؤدّي الذي يجب عليها للأخرى.والآية: أمر بالصّلح والعدل فيه بين الطائفتين بما يوافق حكم الله تعالى.﴿وَأَقۡسِطُوٓاْۖ﴾ أي: اعدلوا في الحكم وفي كلّ أمر من أموركم، وهو تأكيد لقوله: «بالعدل».﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ أي: العادلين، فيجازيهم أحسن الجزاء.وفي الآية: وجوب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى أمر الله، ووجوب الإصلاح بين المؤمنين بالعدل، وأن أموال البغاة معصومة دون دمائهم إن استمرّوا على بغيهم.وفي الحديث عند مسلم والنسائي وابن أبي حاتم: عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيام، على منابر من نور، على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا».و في الآية إثبات صفة المحبة لله تعالى على اللائق بجلاله و كماله. فائدةاستدل البخاري وغيره بهذه الآية: على أنه لا يخرج العبد عن الإيمان بالمعصية، وإن عُظمت – دون الشرك - لقوله:(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) فسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال فيما بينهم.ويؤيده: ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ قال عن الحسن بن عليّ: «إن ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وقد أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق.وفي صحيح البخاري: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قيل: يا رسول الله، أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إيّاه».
49:10Page 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.
١٠ - ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ في الدّين والعقيدة، أي: يجمعهم أصل واحد، وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد، وهو النّسب، وكما أن أخوّة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر، في دفع الشرّ، وجلب الخير، فإن الأخوّة في الدين تدعو إلى ذلك أيضا، بل هي أدعى إليه، لأنها في الله ولله !وفي الصحيحين: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه».﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ﴾ [وفي قراءة: (إخوتكم)] بالعدْل. والآية: أمر بالإصلاح بين المسلمين عند التنازع والتخاصم والاقتتال، بالعدل والإنصاف، والحمل على حكم الله وحكم رسوله.﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في جميع أموركم، بامتثال أمره، واجتناب نهيه.﴿لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ بسبب التقوى، وهذا تحقيق منه تعالى للرّحمة، لمن اتقاه.
49:11Page 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١
O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.
١١ - سبب نزول الآية:أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم – واللفظ لأحمد – عن أبي جبير بن الضّحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: (ولا تنابزوا بالألقاب) قدم النبي ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلاّ له اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا، فنزلت.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾ أي: لا يحتقر بعض المؤمنين بعضاً، ولا يهزأْ بعضهم من بعض، ولا ينتقص، أو يزدري بعضهم بعضاً. من السّخرية: وهو احتقار الإنسان قولاً أو فعلاً بحضرته على وجه يُضحك.يقال: سَخِرتُ منه سَخَراً – من باب: تَعِب – ومَسْخَراً وسُخُراً – بضمّتين: هزأت به. والاسم: السّخرية، وهي: الاحتقار والازدراء.﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ﴾ أي: المسخور أو المهزوء بهم عند الله ﴿خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من الساخرين أو الهازئين أنفسهم.﴿وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ﴾ أي: ولا يسخر نساء مـن نساء ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ﴾ أي: المسـخـور بـهـنّ ﴿خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ﴾ أي: خيراً من الساخرات بهنّ عند الله.فالسخرية بالناس عموماً واحتقارهم، والاستهزاء بهم، واستصغارهم، كلّ ذلك حرام عند الله، منهيّ عنه، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:«الكبْرُ: بطرُ الحقّ، وغمط الناس».رواه مسلم.و عند أبي داود و الترمذي: «بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم».﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: لا يعبْ بعضكم بعضاً، بقول أو إشارة، سواء كان على وجه يضحك أم لا، وسواء كان بحضرته أم لا. أو: لا يطعن بعضكم على بعض.واللّمز: العيب، وفعله من باب: ضرَب ونصرَ.وعطف هذا النّهي على ما قبله من باب عطف العام على الخاص. واللمز منهيّ عنه، متوعّد عليه بالنّار، كما في قوله تعالى:(ويل لكل همزة لمزة)الهمزة(١).وفي قوله «أنفسكم»: دليل على أن مثل المؤمنين كالجسد الواحد، وأنه ينبغي أن يكونوا كذلك.وقيل: لا تلمزوا غيركم فيلمزكم فتكونوا قد تسبّبتم بلمز أنفسكم.﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ أي: لا يدْعُ بعضكم بعضاً بما يُستكره من الألقاب. أو: لا يعيّر بعضكم بعضاً بلقب ونحوه.والتنابز: التّعاير والتداعي بالألقاب. يقال: نبَزه يَنْبِزه: لقّبه، كنبّزه. والنَّبَز – بالتحريك -: اللقب، محبوباً كان أو مكروهاً، وخُصّ عُرفاً بالمكروه.والتنابز بالألقاب – وهو دعاء المرء صاحبه بما يكره من اسم أو صفة – منهيّ عنه أيضاً، لما يؤدّي إلى العداوة والمباغضة، كأن يقول لأخيه: يا فاسق، يا منافق، يا كافر، ونحوه، أمّا من اشتهر بلقب لا يسوؤه، كالأعمش والأعرج – وهما من رواة الحديث - فيجوز إطلاقه عليه.﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ﴾ المذكور من السخرية واللّمز والتنابز ﴿ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ﴾ أي: بئس الذّكر للمؤمنين – بسبب ارتكاب واحد من هذه الأمور الثلاثة القبيحة – أن يُذكروا بالفسوق بعد اتّصافهم بالإيمان.أو: بئس الصّفة والاسم الفسوق – وهو التنابز بالألقاب – بعد الدخول في الإسلام، كأن يُسمّى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. أو: ساء تسميةُ أحدٍ كافراً أو فاسقاً بعد اتّصافه بالإيمان.﴿وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ﴾ عمّا نهى الله عنه من السخرية والنّبز واللّمز ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أنفسهم. فالواجب على العبد أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حقّ أخيه المسلم باستحلاله والاستغفار له، والمدح مقابلة على ذمه.
49:12Page 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢
O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allāh; indeed, Allāh is Accepting of Repentance and Merciful.
١٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ أي: تباعدوا منه.والآية نهيٌ عن أن يُظنّ بأهل الخير من المؤمنين سوءاً، وهو الظنّ الذي لا يستند إلى دليل، أو أمارة صحيحة، وسبب ظاهر، وإنما هو مجرّد تُهم، مع كون المظنون به ممن شوهد منه التستّر والصّلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر. وفي الحديث عند البيهقي في «شعب الإيمان»: «إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضَه وأن يُظنّ به ظن السوء».وأمّا من يلابس الرّيب، من أهل السّوء والفسوق، ويجاهر بالخبائث، فلا يحرم ظنّ السوء فيه، وإن لم يره الظانّ متلبّسا بها. وقيل: بل يجوز ظنّ السوء بهم بأمارات وعلامات مثلما ظهر منهم.﴿إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾ أي: مؤثم مكسب للعقاب.والإثم: الذنب الذي تُستحقّ العقوبة عليه. يقال: أثِم يَأْثَم إِثْماً، فهو آثِم، أي: مرتكب ذنباً. وبابه: عَلِم.وهذا البعض: هو الكثير المأمور باجتنابه، وهو ظنّ السوء بأهل الخير. أما الظنّ السّيئ لمن بدت منه مخايله، فلا يضرّ، ولا إثم على من ظنّ به السّوء ما لم يتكلّم به، فإن تكلّم بذلك الظنّ وأبداه، أثم.وفي الحديث عند ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر: «والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك - أي: الكعبة – ماله ودمه وأن يُظنّ به إلا خيراً».وعند مالك في «الموطأ» والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث» الحديث.﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ أي: لا تتّبعوا عـورات المسلمـين ومعايبهم وما ستروه من أمورهم، بالبحث عنها، بل خذوا ما ظهر منهم، فإن من تتبّع عورة أخيه المسلم، تتبّع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته.والتجسّس من الجسّ، وهو تعرّف الأخبار، ومنه الجاسوس، وغالباً ما يطلق في الشرّ.وأما التحسّس – بالحاء – من الحسّ، الذي هو أثر الجسّ وغايته، وقيل: كلاهما بمعنىً، والتحسّس يكون غالباً في الخير،كما في قوله تعالى:(اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه)يوسف(٨٧).قال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء، والتحسّس: الاستماع إلى حديث القوم والتسمّع على أبوابهم.وفي الحديث عند مالك في «الموطأ» والبخاري: «ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً».وعند أحمد وأبي داود والنسائي من حديث عقبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ستر عورة مؤمن، فكأنما استحيا موءودة من قبرها».﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ أي: لا يذكر بعضكم بعضاً بشيء يسوؤه ويكرهه، بظهر الغيب، وإن كان فيه.والآية نهيٌ عن الغيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب. يقال: اغتابه اغتياباً:إذ وقع فيه. والاسم: الغيبة، وهي من الكبائر.وفي الحديث عند أبي داود و الترمذي، عن أبي هريرة، قال: «قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذكر أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه».قال ابن كثير في تفسيره: والغيبة محرّمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلاّ ما رجحت مصلحة، كما في الجرح والتعديل والنّصيحة، كقوله ﷺ – لمّا استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر -: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة» وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس، وقد خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو الجهم -: «أمّا معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيّتها على التحريم.قلت: ويستثنى من ذلك أيضاً: غيبة المنافق والفاسق والظالم والمجاهر ببدعته وضلاله، اتقاءً لشرّهم لما في ذلك من المصلحة الدينية الشرعيّة. وأيضا: المستفتي، و المتظلِّم لإنصافه من ظالمه، و المستعين بالحاكم على تغيير المنكر و إزالته.﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا﴾ – بالتخفيف والتشديد: (ميّتاً)، قراءتان – أي: لا يحسن به ذلك ﴿فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ تقرير لذلك، أي: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه.أو: عُرض عليكم ذلك، فكرهتموه.والآية تمثيل لما يناله المغتاب من عرض من اغتابه، على أفحش وجه، وهو تمثيل الغيبة بأكل لحم الميتة، أي: فكما تكرهون هذا طبعاً، فضلا عن كونه محرّماً شرعاً، فاكرهوا ذلك شرعاً، باجتناب ذكره بالسوء غائباً، وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها.﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ أي: عقابه في الغيبة، بأن تتوبوا إلى الله منها، أو: فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ﴾ يأذن بتوبة عبده، فيوفّقه لها، ثم يقبلها منه ﴿رَّحِيمٞ﴾ بمن تاب إليه وأناب. وفي الآية دليل على تحريم الغيبة، وأنها من الكبائر، لأن الله شبّهها بأكل لحم الميّت، المستقذر طبعاً، فضلاً عن كونه محرّما شرعاً.وقد ثبت في خطبة الوداع في الصحيحين قوله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». وعند أبي داود والترمذي – وقال: حسن غريب – عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم».وعند أبي يعلى الموصلي، وأبي داود بنحوه من حديث البراء بن عازب وابن عمر: «لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه في جوف بيته». وعند أحمد وأبي داود من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا عُرج بي، مررت بقوم لهم أظافر من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». فائدةقال ابن كثير: قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته: أن يُقلع عن ذلك، ويعزم على أن لا يعود، وفي اشتراط الندم على ما فات منه، قولان، وأن يتحلّل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يُشترط أن يتحلّله، فإنه إذا أعلمه بذلك، ربما تأذى أشدّ مما إذا لم يعلم بما كان منه.قالوا: فطريقه إذاً أن يُثني عليه بما هو أهله في المجالس التي كان يذمّه فيها، وأن يردّ عنه الغيبة ما استطاع بحسبه وطاقته، لتكون هذه بتلك.وفي الحديث عند أحمد وأبي داود: «من حمى مؤمناً من منافق يغتابه، بعث الله إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبّه، حبسه الله على جسر جهنّم حتى يخرج ممّا قال».
49:13Page 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣
O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
١٣ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ﴾ أي: من آدم وحوّاء، أو: من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء، فأنتم في ذلك سواء، فلا محلّ للتفاخر بالأحساب والأنساب،وقد كانوا يتفاخرون بها على الضعفاء والفقراء.﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ﴾ جمع شَعب – بفتح الشين المعجمة -: وهو الجمع العظيم المنسوبون إلى أصل واحد، فهو أعلى طبقات النّسب. والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعِمارة – بكسر العين – تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر.﴿لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾ أي: ليعرف بعضكم بعضاً، فتصلوا الأرحام، وتتبيّنوا الأنساب، وتتعاونوا على البرّ، لا لتفاخروا وتطاولوا بالآباء والقبائل والأنساب والأحساب.وفي الحديث عند الترمذي – وقال: حديث غريب – عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرّحم محبّة في الأهل، مشراة في المال، منسأة في الأثر».وعند البزّار في مسنده من حديث حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهيّن قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكوننّ أهون على الله تعالى من الجعلان».﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ أي: إن أرفعكم منزلة لديه عزّ وجلّ في الدنيا والآخرة، هو الأتقى، فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى، فمن تلبّس بها، فهو المستحقّ لأن يكون أكرم وأشرف وأفضل.أي: فدعوا التفاخر بالأنساب والأحساب، فإن ميزان التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى لله عزّ وجلّ، والعمل بطاعته.وفي الحديث عند البخاري والنسائي في «الكبرى»، عن أبي هريرة، قال:«سئل رسول الله ﷺ: أيّ الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس، يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».وعند البيهقي: «يا أيها النّاس، ألا إن ربكم واحد، لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلاّ بالتقوى، ألا هل بلّغت؟».وعند مسلم وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».وعند الطبراني من حديث حبيب ابن خراش، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «المسلمون أخوة، لا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى».وعند ابن أبي حاتم وعبد بن حميد من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ خطبهم،فقال:«إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برّ تقي كريم على الله تعالى، و رجل فاجر شقي هيّن على الله تعالى، إن الله يقول: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)» الآية.﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بظواهركم ﴿خَبِيرٞ﴾ ببواطنكم، وجميع أموركم، لا تخفى عليه خافية منكم.
49:14Page 517
۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."
١٤ - ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ﴾ بالله ورسوله، أي: صدّقنا بقلوبنا وألسنتنا.من الإيمان، وهو: التصديق مع الثقة، وطمأنينة القلب.﴿قُل﴾ يا محمد لهم: ﴿لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ﴾ بقلوبكم، أي: لم تصدّقوا تصديقاً صحيحاً، عن اعتقاد قلب، وخلوص نيّة وطمأنينة ﴿وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا﴾ أي: انقدنا واستسلمنا ظاهرا، خوفاً وطمعاً.من الإسلام: وهو الانقياد الظاهري بالجوارح.﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ أي: لم يدخل فيه الآن، لكنه يُتوقّع منكم بَعْدُ.والآية إنكار على الأعراب الذين ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بَعْد، فأُدِّبوا وأُعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، وأن حقيقة الإيمان لم تخالط قلوبهم.﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بالإيمان والإخلاص والعمل الصالح ﴿لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ﴾ أي: لا يَنْقُصكم من أجور أعمالكم وثوابها شيئاً. يقال: لا ته حقّه – كباعه -: إذا نقصه، كقوله:(وما ألتناهم من عملهم من شيء)الطور(٢١).[وفي قراءة: (لا يَأْلتكم) بالهمزة، وبإبدالها ألفا: (لا يالتكم)].﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لمن تاب إليه وأناب ﴿رَّحِيمٌ﴾ به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences