Al-Jami' al-WajizAl‑Ma'idah · 5:14–31

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:14–31

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

١٤ - ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ﴾ أي: وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى، ميثاقهم، كما أخذنا على بني إسرائيل من قبلهم العهود والمواثيق على الإيمان بمحمد ﷺ ومتابعته ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، ففعلوا كما فعل اليهود: خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولذا قال: ﴿فَنَسُواْ حَظّٗا﴾ أي: فتركوا نصيباً ﴿مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ﴾ في الإنجيل، من العهود والمواثيق، والإيمان بمحمد ﷺ ، أي: فنسوا نسياناً علمياً، ونسياناً عملياً، فضلوا وأضلوا. ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ أي: ألزمنا، أو ألصقنا، أو أوقعنا، أو ألقينا، أو هيجنا وحرَّشنا ﴿بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ بتفريقهم، واختلاف أهوائهم، وتسلط بعضهم على بعض، فكل فرقة تكفّر الأخرى وتعاديها وتشاقها. يقال: أغريت فلاناً بكذا، حتى غَرِي به، نحو ألزمته به وألصقته، وأصل ذلك من الغراء: وهو ما يُلصق به. ﴿وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: يخبرهم في الآخرة ﴿بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ من نقضهم العهود والمواثيق وكتمانهم الحق، وقولهم على الله الكذب، فيجازيهم عليه. والآية: بيان لقبائح النصارى وجناياتهم، إثر بيان قبائح اليهود وشرورهم. ونصارى: جمع نصران، كندامى: جمع ندمان، وحيارى: جمع حيران. ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب أي: نصراني. وصارت لقباً لكل من اعتنق المسيحية.

5:15Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

١٥ - سبب نزول الآية: روى ابن جرير عن عكرمة: أن اليهود أتوا النبي ﷺ يسألونه عن الرجم، فقال:«أيكم أعلم»، فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، وأخذ المواثيق، فقال: إنه لما كثُر فينا، جَلدنا مائة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم رسول الله ﷺ بالرجم، فأنزل الله الآية. ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا﴾ محمـد ﷺ بالهـدى وديـن الحـق ﴿يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ﴾ أي: تكتمون ﴿مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ المنزل عليكم، وهو التوراة والإنجيل، كآية الرجم وصفة محمد ﷺ ونعته، مما بدلوه، وحرفوه، وأوّلوه، وافتروا فيه على الله. ﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ﴾ مما تخفونه وتكتمونه، فيسكت عنه، ويترك بيان ما لا تقتضي الحكمة أو الفائدة في بيانه. روى الحاكم في «مستدركه» عن ابن عباس قال:«من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب- أخذاً بهذه الآية- فكان الرجم مما أخفوه». ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ﴾ هو محمد ﷺ، أو الإسلام ﴿وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيِّن ظاهر، وهو القرآن الذي يستضاء به في ظلمات الجهالة، ويُهتدى به من عماية الضلالة، ويرشد العباد إلى أمور دينهم ودنياهم من العلم بالله، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، ومن العلم بأحكامه الشرعية والجزائية.

5:16Page 110

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

١٦ - ﴿يَهۡدِي بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ﴾ في أقواله وأفعاله ﴿رِضۡوَٰنَهُۥ﴾ أي: ما رضيه الله من الإيمان والاجتهاد في العلم والإخلاص في القول والعمل ﴿سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ﴾ أي: يهديهم طرق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة، التي يسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، جملة وتفصيلاً. ﴿وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي: من ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، وضلالات الجهل والغفلة. ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: إلى نور الإيمان والسُّنة والطاعة والعلم والذكر. ﴿بِإِذۡنِهِۦ﴾ أي: بإرادته وأمره وتوفيقه، لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ﴿وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويبين لهم أوضح المسالك، وهو دين الإسلام الذي رضيه الله لعباده، دين الحق في الاعتقاد، والأقوال والأفعال.

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

١٧ - ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ﴾ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، و وجه شبهتهم: أنه ولد من غير أب، ولكن الله ردّ شبهتهم هذه بقوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)آل عمران(٥٩). ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿فَمَن يَمۡلِكُ﴾ أي: يدفع أو يمنع أو يردّ ﴿مِنَ﴾ أمر ﴿ٱللَّهِ شَيۡـًٔا﴾ أراده وقدَّره ﴿إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ﴾ أي: يميت ﴿ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ﴾ أي: لو أراد الله إهلاكهـم، فمن ذا الذي كان يمنعه منه، أو يصرفه عنه؟ لا أحد يملك ذلك أبداً، ولا قدرة لأحد عليه، فإذا تحقق هذا، دل على أنه لا إله إلا الله، ولا رب غيره، ولا معبود بحق سواه. إذ لو كان المسيح إلهاً كما يزعمون لدفع عن نفسه الصلب والقتل- كما زعموا- وعن أمه الموت عند نزوله بها ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ﴾ خلقاً وعبيداً، وتصريفاً وتدبيراً ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ﴾ من أب وأم، كسائر بني آدم، ومن غير أم ولا أب، كآدم عليه السلام، ومن غير أب كعيسى عليه السلام، فتلك مشيئته، وذاك أمره ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ شاءه وأراده، وقدره وقضاه ﴿قَدِيرٞ﴾ لا يعجزه شيء.

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

١٨ - سبب نزول الآية: روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ بعض أحبار يهود، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوِّفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله الآية. ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ﴾ أي: قال كل منهما، مزكياً نفسه بلا دليل ولا برهان: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ﴾في المنزلة والكرامة، أي: كأبنائه في القرب، والمنزلة، وهو كأبينا في الرحمة والشفقة والمعاملة، والابن يطلق عندهم- في كتبهم- على العبد في مقام التشريف والتكريم، فحملوه على غير تأويله، وحرفوه وبدلوه، وأثبتوا لأنفسهم ما أثبتوه لعزير، حيث قالوا: (عزير ابن الله)التوبة(٣٠). والنصارى أثبتوا لأنفسهم- أيضاً- ما أثبتوه للمسيح، حيث قالوا: (المسيح ابن الله)التوبة(٣٠). ﴿وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ﴾ لأننا على دينه، يريدون بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده وقربهم منه. ومن المعلوم أن كلاً من الفريقين لم يرد بذلك القول، البنوَّة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم، إلا مذهب النصارى في المسيح وحده. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمـد -رداً على ما زعمـوا من الدعـاوى الباطلــة، والأمــاني العاطلــة-:﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ﴾ أي: لو كنتم- كما تدَّعون- أبناءه وأحباءه، فلم يعذبكم في الدنيا، بالقتل والأسر والمسخ، بما اقترفتم من الذنوب والمعاصي، وفي الآخرة بالنار على كفركم وكذبكم وافترائكم على الله؟ فإن الابن من جنس أبيه، لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب، وأنتم تذنبون، والحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تُعذَّبون، فدل هذا على أنكم كاذبون، فيما ادعيتم لأنفسكم زوراً وبهتاناً. ﴿بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ﴾ أي: من جملة وجنس ما خلق من البشر، لكم مالهم، وعليكم ما عليهم، تجري عليكم أحكام العدل والفضل كغيركم، وتحاسبون على أعمالكم بحسبها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ المغفرة له بفضله، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ﴾ تعذيبه بعدله، فلا معقب لحكمه، ولا اعتراض على أمره. ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ﴾ فالجميع ملكه وخلقه وعبيده، وتحت قهره وسلطانه ومشيئتـه. ﴿وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجـع والمآب، فيحكم بين عباده بما يشاء.

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

١٩ - ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا﴾ محمد ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمۡ﴾ شرائع الدين وأحكام الإسلام ﴿عَلَىٰ فَتۡرَةٖ﴾ أي: على انقطاع وفتور وسكون ﴿مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ وطموس من السبل، وتغيّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان، فكانت النعمة بمبعثه أتم النعم وأجلّها. وأصل الفترة: الانقطاع، يقال: فتر الماء، إذا انقطع عما كان عليه من البرودة إلى السخونة، وفتر عن عمله يفتُر ويفتِر فُتُوراً: إذا انقطع عما كان عليه من الجدِّ. وسميت المدة التي بين النبيين فترة، لفتور الدواعي والهمم فيها إلى العمل بشرائع الدين. وكانت الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ خمسمائة وستون سنة كما روى البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة. والله تعالى أعلم. ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ ﴾ أي: جاءكم رسولنا مبيناً، لئلا تقولوا هذا القول محتجين معتذرين به عن تفريطكم وتقصيركم، ﴿فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ﴾ يبشـر بالثـواب العاجـل والآجـل، لمـن آمن وتابـع ﴿وَنَذِيرٞۗ﴾ ينذر بالعقاب العاجل والآجل، لمن خالف وعصى، أي: فلا تعتذروا عن كفركم وجحودكم. ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾ يثيب بفضله من أطاع، ويعاقب بعدله من عصى.

5:20Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

٢٠ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ بقلوبكم وألسنتكم، شاكرين لها، باستعمالها في طاعة الله ﴿إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ﴾ أي: منكم ﴿أَنۢبِيَآءَ﴾ يدعونكم إلى الإسلام والهدى، وهو عبادة الله وحده وطاعته، ويحذرونكم من العماية والرّدى ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا﴾ أي: أحراراً تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم، بعد أن كنتم مستعبدين، مملوكين لفرعون وقومه. وقيل: وجعل منكم ملوكاً، فامتنَّ عليهم بأن جعل فيهم النبوة والملك. وعن مجاهد قال: (وجعلكم ملوكاً) أي: لكم بيوت وزوجات وخدم.روى ابن جرير وعبد الرزاق وغيرهما عن ابن عباس قال:«كان الرجل من بني إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار، يسمى ملكاً». وفي الحديث عند الترمذي وابن ماجه، عن عبد الله بن محصن:«من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». ﴿وَءَاتَىٰكُم﴾ أي: أعطاكم من فضله ونعمه الدينية والدنيوية ﴿مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: من عالمي زمانهم. وقيل: عنى بذلك ما خصّهم به من الكرامات وخوارق العادات، كفلق البحر وإنزال المن والسلوى، وتظليلهم بالغمام، ونحو ذلك، وكثرة الأنبياء والملوك فيهم.

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

٢١ - ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المطهرة، أو المباركة، قيل: هي بيت المقدس.﴿ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ أي: أمركم بدخولها، ووعدكم بالنصر فيها على عدوكم، إن كنتم مؤمنين بأمره، مصدقين بوعده، ﴿وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ﴾ أي: ولا ترجعوا القهقرى منهزمين أمام عدوكم، جبناً وفشلاً، تاركين أمر ربكم. وقيل: راجعين عما جئتكم به من التوحيد والعدل إلى الوثنية والفساد في الأرض. ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ لخيري الدنيا والآخرة.

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

٢٢ - فتعللوا له بما يدل على ضعف نفوسهم، وخور عزائمهم، وعدم إيمانهم بأمر الله ورسوله: ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ﴾ شديـدي البطـش، متغلّبين، قاهرين لعدوهم، لا تتأتى مقاومتهم، ولا طاقة لنا بهم. قيل: كانوا من العمالقة، وهم بقايا قوم عاد، استحوذوا على الأرض المقدسة وملكوها بعد أن كانت في حوزة بني إسرائيل زمن يعقوب عليه السلام. جمع جبَّار، صيغة مبالغة من جَبَرَ- الثلاثي- وهو الذي يقهر الناس ويكرههم على ما يريده. يُقال: نخلة جبَّارة: أي طويلة لا يُنال ثمرها. ﴿وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا﴾ طواعية دون قتال، إذ لا قِبَلَ لنا على مقاومتهم ومصاولتهم.﴿فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾ لها. وفي هذا من الخور، وضعف القلوب، وقلة اليقين بالله، ما فيه.

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

٢٣ - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الله تعالى، مُنهضين لهمم قومهم، ومحرِّضين لهم على قتال عدوهم- بعد أن نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسوله موسى عليه السلام- أي: ممن لهم مهابة ومنزلة عند بني إسرائيل. وقد قيل: إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وكانا من النقباء الاثني عشر. ﴿أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا﴾ بالإيمان، والصبر، وصدق اليقين، بوعد الله لهم بالنصر والظفر. ﴿ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ﴾ أي: باب بلد الجبارين، أو باب بيت المقدس. أي: باغتوهم وامنعوهم من الخروج إليكم وخذوهم على حين غرَّة ﴿فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ﴾ عليهم طاعة لأمر الله ورسوله، ويقيناً بوعده لكم بالنصر والغلبة ﴿فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ﴾ منتصرون عليهم بإذن الله، فكم من فئة قليلة، في العدد والعدة، غلبت فئة كثيرة بإذن الله . ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ﴾ في كل أموركم، وسائر شئونكم وأحوالكم ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ بالله حق الإيمان وبكمال قدرته ووعده بالنصر- كما ادَّعيتم- وفي الآية: دليل على وجوب التوكل على الله في كل أمر، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله.

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

٢٤ - ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ﴾ أي: بنـو إسرائيـل لموسى عليه السلام ﴿إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا﴾ أي: الأرض المقدسة التي أُمرنا بدخولها ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ أي: ما دام الجبارون فيها. وهذا القول منهم لنبيهم كان جبناً وفشلاً، وعناداً وجراءة على الله ورسوله. ﴿فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ﴾ القوم الجبَّارين، وهذا جهل منهم بالله عز وجل وبصفاته، وكفر بما يجب لله عليهم. ﴿إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ عن القتال، ناكلون عن الجهاد، مخالفون لأمر الله ورسوله. وجاء في سيرة ابن هشام: أن رسول الله ﷺ لما استشار الناس في قتال المشركين يوم بدر، قال له المقداد بن عمرو الكندي: والله يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك.

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

٢٥ - ﴿قَالَ﴾ موسى- لما رأى من عنادهم و عتوِّهم، ونكولهم عن طاعة الله ورسوله-: ﴿رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ﴾ أحداً أُلزمه بالقتـال ﴿إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ﴾ هـارون، فليس لي على أحد منهم أمر ولا طاعة. ﴿فَٱفۡرُقۡ﴾ أي: فافصل بحكمك ﴿بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ الخارجين عن أمرك وطاعتك، ميِّزنا عن جملتهم، ولا تلحقنا بهم في العقوبة، واقض بيننا وبينهم بحكمك، أو افتح بيننا وبينهم بالحق. وفيه دليل على أن هذا القول والفعل منهم من الكبائر الموجبة للفسق.

5:26Page 112

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

٢٦ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى- مجيباً لدعوة موسى عليه السلام-: ﴿فَإِنَّهَا﴾ أي:الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ﴾ دخولها، بسبب أقوالهم وأفعالهم عقوبة لهم على مخالفة أمر الله ورسوله، ونكولهم عن الجهاد في سبيله، قدر مدة ﴿أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: يتحيَّرون فيها، يذهبون ويجيئون سائرين على غير هدى، ضالين مترددين. من التيه: وهو الحيرة، يقال: تاه يتيه ويتوه: إذا تحيَّر، وتوَّهه: حَيّره، ووقع في التيه والتّوْه، أي: في مواضع الحيرة، وأرض تيه، أي: مضلة، وهي أرض سيناء. وأرض تيْهاء: إذا تحيَّر سالكها لعدم الاهتداء فيها.﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ أي: العاصين أمر الله، فلا تحزن عليهم، ولا تأسف لهم، فإنهم مستحقون بفسقهم ما حل بهم من بقائهم في التيه، وحرمانهم من دخول الأرض المقدسة. وفي الآية: دليل على أن العقوبة على الذنب: قد تكون بزوال نعمة موجودة أو بجلب نقمة، قد انعقد سبب وجودها أو تأخُّرِها إلى وقت آخر. من الأسى: وهو الحزن، يقال: أسِي أسىً- بكسر السين، كتعب- أي: حزن، فهو أسيٌّ أي: حزين. وأسا على مصيبته- من باب عدا- حزن عليها. ولعل الحكمة في هذه المدة، أن يموت أكثر الجيل الأول الذين قالوا تلك المقالة الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، ولا يقين بالله، وعن همم لا ترقى إلى معارج العزة والسعادة، لكونها ألفت الذل، والاستعباد، والضعف والمهانة. وحتى ظهر الجيل الجديد الذي رباه موسى عليه السلام على العلم والجهاد، والصبر، والعزة بالله واليقين بنصر الله. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر فأدناه- كما في الحديث الذي رواه مسلم- فلما مضت الأربعون سنة، نهض بهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى عليه السلام ، وهو الذي افتتحها بأمر الله. فقاتل الجبارين بمن بقي معه من بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس، فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، حتى إذا تضّيفت الشمس للغروب، وخشي دخول السبت عليهم، قال للشمس: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ، فحبسها عليه حتى فتحها. وفي الحديث عند أحمد في «مسنده»:«إن الشمس لم تُحبس على بشر، إلا ليوشع بن نون ، ليالي سار إلى بيت المقدس». وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه:« إن نبياً من الأنبياء قاتل أهل مدينة، حتى إذا كاد يفتحها، خشي أن تغرب الشمس، فقال: أيتها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، بحرمتي عليك، إلا وقفت ساعة من النهار، قال: فحبسها الله تعالى، حتى افتتح المدينة».

5:27Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

٢٧ - ﴿وَٱتۡلُ﴾ يا محمد ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: على قومك، أو على اليهود و أمثالهم وأشباههم وعلى كل من تبلغه دعوتك ﴿نَبَأَ﴾ أي: خبر﴿ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ﴾ وهما: هابيل وقابيل- فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، ولم يثبت عن المعصوم ﷺ في اسميهمـا شيء صحيـح- ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالصدق وعلى الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله: (إن هذا لهو القصص الحق)آل عمران(٦٢)، وقوله: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق)الكهف(١٣). ﴿إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا﴾ أي: اتل عليهم خبرهما حال تقريب كل واحد منهما شيئاً من ماله، لقصد التقرب به إلى الله. والقربان: اسم لما يُتقرب به إلى الله تعالى من البر، كصدقة، أو ذبيحة، أو نحوهما، وهو في الأصل: مصدر قَرُبَ منه- بضم الراء، ككرم- إذا دنا. ﴿فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا﴾ وهو هابيل. قيل: كان صاحب غنم وضرع ﴿وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَر﴾ وهو قابيل. قيل: كان صاحب حرث وزرع. وكانت إمارة قبول القرابين في الأمم السابقة: أن تنزل من السماء نار بيضاء، فتأكلها، فإن لم تنزل، لم تكن مقبولة، فتأكلها السباع والطير، لعدم جواز أكل القرابين إذ ذاك. ويجوز أن يكون قبول قربان أحدهما، وعدم قبول الآخر، قد عُلم بخبر من السماء، ﴿قَالَ﴾ الذي لم يُتقبل منه للذي تُقبل منه، بغياً وحسداً :﴿لَأَقۡتُلَنَّكَۖ﴾ فرد عليه مترفقاً بحاله ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ له في فعله، المخلصين له في عمله، الممتثلين أمره، المجتنبين نهيه. فعدم قبول قربانك إنما هو لعدم تقواك. وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف- كابن عباس وابن مسعود وابن عمرو ومجاهد وابن جرير- أن الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يُزوِّج بناته من بنيه، لضرورة الحال، فكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يُزوِّج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا أن يُقربا قرباناً إلى الله، فمن تُقبل منه، فهي له، فقدَّم هابيل- وكان صاحب غنم وضرع- أكرم ما عنده وأحسنها، طيبة بها نفسه، وقدم قابيل- وكان صاحب حرث وزرع- أشرَّ ما عنده، غير طيبة بها نفسه. فتُقبِّل ممن أخلص لله عز وجل في قربانه، ولم يُتقبل من الآخر، فقتله بغياً عليه وحسداً له.

5:28Page 112

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.

٢٨ - ثم قال له- مخبراًَ أنه لا يريد أن يتعرض لقتل أخيه، لا ابتداءً، ولا مدافعة-: ﴿لَئِنۢ﴾ اللام لام قسم، ﴿بَسَطتَ﴾ أي: مددت ﴿إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ﴾ أي: إن قصدت قتلي ظلماً وعدواناً، فلن أقصد قتلك، ولا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، وليس ذلك جُبناً منّي ولا عجزا،ً بل أصبر وأحتسب ﴿إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ في قتلك، فالخائف من الله لا يقوم على الذنوب صغيرها وكبيرها. وقد ثبت في الصحيحين عن الأحنف بن قيس مرفوعاً عن رسول الله ﷺ، أنه قال:«إذا تواجه- وفي رواية: إذا التقى- المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل؟ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».فائدةوفي الشرع الإسلامي: جواز دفع القاتل ومدافعته إجماعاً، وهو مأمور به لحديث:«أفرأيت إن قاتلني، قال: قاتله». وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح: وجوب ذلك- أي: الدفع والمدافعة- لما فيه من النهي عن المنكر، ولقوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)الشورى(٣٩)، وقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)البقرة(٢٥١). وهذا الوجوب يكون في غير الفتنة والشبهة، أما حين تكون الفتنة كما وقع بين الصحابة، وبين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وحيث يرى كل من الطرفين أنه يقاتل الآخر في سبيل الله، فقد قيل: إن الأوْلى ترك الدفع بدلالة هذه الآيات. وفي الحديث عند أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ قال:«إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أفرأيت إن دخل علّي بيتي، فبسط يده إليّ ليقتلني؟ قال: كن كخير ابني آدم».

5:29Page 112

إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

٢٩ - ﴿إِنِّيٓ أُرِيدُ﴾ باستسلامي لك ﴿أَن تَبُوٓأَ﴾ أي: ترجع إلى الله وتُقرّ ﴿بِإِثۡمِي﴾ أي: بذنب قتلك لي إذا قتلتني، ﴿وَإِثۡمِكَ﴾ أي: و ذنبك الأصلي السابق المانع من قبول قربانك، و الذي قد صار عليك بذنوبك من قَبْل قتلي، ومن أجله لم يُتقبل قربانك. وقيل: المعنى: إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وتبوء: من البوء: وهو الرجوع واللزوم، يقال: باء إليه: رَجَع، وبؤت به إليه: رجعت، وباء بحقه: أي: أقرّ به ولزم. ﴿فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ﴾ ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك، فأكون منهم. ﴿وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ لأنفسهم. وفيه: دليل على أن القتل بغير حقّ من كبائر الذنوب، وأنه مُوجب لدخول النّار. وقد صحّ الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلِّها، فإن المقتول يطالب القاتل في عَرَصات القيامة، فيؤخذ من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت حسنات القاتل، ولم يستوفِ المقتول حقّه ومظلمته، أُخذ من سيئات المقتول، فطُرحت على القاتل، ثم يُطرح في النّار. وقد روى الحافظ أبو بكر البزّار، من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ :«قتل الصبر-أي: الحبس حتى الموت- لا يمرّ بذنب إلا محاه».وفيه: أن الله يكفِّر عن المقتول صبراً، بألم القتل، ذنوبه. وقد قيل- في جواب: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه إثم قتله؟-: أنه أخبر عن نفسه بأنه لا يُقاتل أخاه إن قاتله، بل يكفّ عنه يده، طالباً إن وقع قتلٌ أن يكون من أخيه ،لا منه. وفيه من الموعظة له لو اتّعظ، والانزجار له لو انزجر، ما فيه.

5:30Page 112

فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠

And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ﴾ أي: فسهّلت له نفسه هذا الأمر، وزيّنته وحسّنته له. أو: سوّلت له نفسه هذا الأمر وشجّعته على قتل أخيه ﴿فَقَتَلَهُۥ﴾ ظلماً وحسداً بعد هذه الموعظة، وهذا الزّجر. يقال: طاع الشيء، يطوع، ويُطاع، أي: سهل وانقاد، وطوّعه فلان له، أي: سهّله. ﴿فَأَصۡبَحَ﴾ أي: فصار بقتله له ﴿مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ في الدنيا والآخرة، البائعين أخراهم بدنياهم. وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود، عند الجماعة إلا أبا داود، قال: قال رسول الله ﷺ :«لا تقتل نفس ظُلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل- أي: نصيب- من دمها، لأنه كان أوّل من سنّ القتل».ويؤيده: ما ورد في الصحيح:«ومن سنّ سُنّة سيّئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».

5:31Page 112

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١

Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.

٣١ - فلما قتل أخاه، لم يدر كيف يصنع به، ويواري سوءته، لكونه أول ميّت مات من بني آدم ﴿فَبَعَثَ﴾ أي: أرسل ﴿ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: يحفر فيها ويثيرها ليدفن غراباً آخر ميتاً، حتى واراه الثرى، ﴿لِيُرِيَهُۥ﴾ بذلك الصنيع ﴿كَيۡفَ يُوَٰرِي﴾ أي: يستر ﴿سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ﴾ أي: جيفته أو عورته، أو جسده. وسمي سوءة:لأنه يسوء ناظره. ﴿قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ﴾ كلمة جزع وحُزْن وتحسّر، وأصلها: يا ويلتي، وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، كأن المتحسّر ينادي ويْلته، ويطلب حضورها، بعد تنزيلها منزلة من يُنادى، ولا يكون ذلك إلا في أشدّ حال. والويلة، كالويل: الهلكة والفضيحة والبليّة. ﴿أَعَجَزۡتُ﴾ أي: أضعفتُ عن الحيلة في ﴿أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ﴾ أي: أغطّي ﴿سَوۡءَةَ أَخِيۖ﴾ أي: جيفته. فواراه بدفنه في التراب. ﴿فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ﴾ على حيرته وقلة حيلته في عدم دفن أخيه عند قتله، فعلاه الله بندامة بعد خسران، وهكذا تكون عاقبة المعاصي: الندامة والخسارة. وهذه الآية أصل في دفن الميت.وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال:«ما من ذنب أجدر أن يُعجِّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يُدَّخَر لصاحبه في الآخرة- من البغي وقطيعة الرحم».رواه أبو داود.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском