Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:48–61
5:48Page 116
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.
٤٨ - ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله، فهو مشتمل على الحق والصدق في أخباره وأوامره ونواهيه. ﴿مُصَدِّقٗا﴾ أي: موافقاً ﴿لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ أي: قبله أو ما تقدّمه ﴿مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: كتب الله المنزّلة، لكونه مشتملاً على التوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما اشتملت عليه. ﴿وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ أي: على الكتاب، بمعنى: الكتب، والمعنى: أن الله أنزل القرآن رقيباً على ما سبقه من الكتب السماوية، شاهداً لها بالصحة، أميناً عليها، حاكماً على ما جاء فيها، فما وافقه منها فهو حقّ، وما خالفه منها فهو باطل، حافظاً لما فيها من أصول شرائعها وأحكامها، مقررّاً لما فيها مما لم يُنسخ، وناسخ لما خالفه منها، ومؤتمناً عليها، لكونه مشتملاً على ما هو معمول به منها، وما هو متروك، ومبيِّناً لكثير مما حرّفه وبدّله أحبارها ورهبانها، وغالباً لها، لكونه المرجع في مُحكمها ومنسوخها. من الهيمنة: وهي الحفظ والارتقاب. يقال: هيمن الرجل على الشيء، إذا رقبه وحفظه وشهده، فهو مهيمن عليه، أي: رقيب وحافظ، ومؤتمن عليه. ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم﴾ يا محمد، أي: بين النّاس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، أو بين أهل الكتاب، إذا ترافعوا واحتكموا إليك ﴿بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ﴾ إليك في القرآن وبيّنه، من الأحكام والشرائع، وبما قرره لك مِنْ حُكم مَنْ كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك. والأمر بالحكم: للنبي ﷺ ، ولكل حاكم بعده. ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ أي: أهواء أهل الملل السابقة، وآراءهم التي اتفقوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، عادلاً بذلك ﴿عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ﴾ الذي أمرك الله به، وأنزله عليك، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر والحكم الذي تُحكم به موافقاً لأهوائهم، ولما أدركوا عليه أسلافهم، وإن كان منسوخاً، أو باطلاً محرفاً عن الحكم الذي أنزله الله على رسله، كما أراد اليهود في الرّجم ونحوه، مما حرّفوا وغيّروا وبدَّلوا. ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ﴾ أيها الأمم. والخطاب للأمم الثلاث ﴿شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ﴾ أي: سبيلاً وسُنَّة. أو شريعة تتبعها ، وطريقاً واضحاً في الدين تسلكه وتسير عليه. فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى- عليهما السلام- شرعتها ما في التوراة، والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد- عليهما الصلاة والسلام- شرعتها ما في الإنجيل. وأما هذه الأمة فشرعتها ما في القرآن فقط، وليس لأحد -من الناس كائنا من كان- بعد بعثته ﷺ إيمان مقبول، إلا الإيمان بشرعته. وهذه الشرائع تختلف باختلاف الأمم، وتتغير بتغيرّ الأحوال والأزمنة، وكلها ترجع إلى العدل والحق في وقت شرعتها، وكلّها متَّقفة في أصل التوحيد، لقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)الأنبياء(٢٥)، ولما ثبت في «صحيح البخاري» أن رسول الله ﷺ قال:«نحن معاشر الأنبياء إخوة لعَلاَّت-وهم أبناء الرجل من نسوة شتى- ديننا واحد»، يعني بذلك: التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمَّنه كل كتاب أنزله. والشرعة: الشريعة لغة، وهي الطريق الظاهر الموصل للماء. أو: الطريقة الظاهرة التي يُتوصّل بها إلى النجاة. وشرعاً: المراد بها: ما شرعه الله لعباده من الدين وأحكامه. وسمّي الدين شريعة، تشبيهاً بشريعة الماء، من حيث إن كلاً سبب الحياة. والمنهاج: الطريق البيّن الواضح في الدين، من نهج الأمر ينهج: إذا وضح. والعطف باعتبار جمع الأوصاف. ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ تدين بدين واحد، وملّة واحدة، وعلى شريعة واحدة، في جميع الأزمان والأعصار، ولكنه تعالى لحكمته البالغة، يعلم ما للأمم والعصور من خصائص وطبائع، وما يناسب كل أمة من أحكام وشرائع، يستقيم بها أمرها، وتقتضيه مصلحتها، فأنزل شرائع شتّى، تتفق جميعها في الأصول، وهو التوحيد والإخلاص لله في العبادة، وتختلف بعض أحكامها في الفروع، باختلاف الأمم والعصور. ثم ختم شرائعه بشريعة محمد ﷺ إلى يوم الدين، فلا يقبل الله من أحد ديناً، بعد بعثته ﷺ، إلا دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ . ﴿وَلَٰكِن﴾ جـعـل لـكـل منـكـم شـرعـة ومنـهاجـاً ﴿لِّيَبۡلُوَكُمۡ﴾ أي: ليختبركم ويمتحنكم، وهو أعلم بحالكم وأمركم، ﴿فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ﴾ من الكتاب، والأحكام، والشرائع المختلفة، لينظر المطيع منكم فيثيبه، والعاصي فيعاقبه، وفيه: دليل على أن اختلاف الشرائع إنما هو لهذه العلة، أي: الابتلاء والاختبار، لا لكون مصالح العبد مختلفة متباينة، باختلاف الأوقات، وتباين الأحوال فقط. ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ أي: سارعوا إليها وإلى الصالحات من الأعمال وإلى خيري الدنيا والآخرة، وبادروا إلى طاعة الله واتباع شرعه، والتصديق بكتابه الذي أنزله على خاتم رسله.والمسابقة إلى الخير تقتضي المبادرة إليه، وحسن الاجتهاد في أدائه، على الوجه المأمور به كاملاً غير منقوص.﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ﴾ أي: معادكم ومآلكم ومصيركم ﴿جَمِيعٗا﴾ من الأمم السابقة واللاحقة بالبعث يوم القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُم﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ من الحق وأمر الدين، والشرائع والأحكام، فيجزي كلاً منكم بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ.
5:49Page 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.
٤٩ - ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم﴾ أي: بين أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ عليك في القرآن والسُّنة من الأحكام والشرائع، وهذا بيان لقوله تعالى: (فاحكم بينهم أو اعرض عنهم)، أي: إن جاءوك لتحكم بينهم، فأردت أن تحكم، فليكن حكمك بينهم بما أنزل الله إليك من الكتاب والسنة، فهو القسط الذي قال الله فيه: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) أي: بالحق والعدل. ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ وآراءهم، وشهواتهم، المخالفة للحق والعدل إحقاقاً له وإبطالاً للباطل. وكررّ النّهي عن اتباع أهوائهم، لشّدة التحذير منها، والتأكيد على اتباع حكم الله. ﴿وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ﴾ أي: يُضلوك، أو يصرفوك، أو يصدوك بكيدهم ﴿عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ ﴾ بتصوير الباطل بصورة الحق، أو بالكذب على التوراة بإنكار بعض أحكامها، أو بتدليس الحقّ فيما يُنهونه إليك من الأمور، فتترك العمل به. أي: فلا تغترّ بهم، ولا تركن إليهم. ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ عن الحكم بينهم بما أنزل الله وأعرضوا عن قبوله واتباعه، وخالفوا شرع الله، وأرادوا غيره من الأحكام الموافقة لأهوائهم ﴿فَٱعۡلَمۡ﴾ علم يقين ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم﴾ بالعقوبة العاجلة والآجلة ﴿بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ﴾ التي اقتضت عقوبتهم، كالتولّي عنك، والإعراض عمّا جئت به والتحوُّل عن حكم الله إلى حكم الهوى، وعدم قبول حكم الله فيهم.﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ أي: لخارجون عن طاعة ربهم ومتابعة رسوله، مخالفون للحقّ، ناكبون عنه. وهذا كقوله: (وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف( ١٠٣)، وقوله: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)الأنعام(١١٦). وقد روى ابن جرير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أن جمعاً من أحبار يهود أتواْ رسول الله ﷺ فقالوا: إنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.
5:50Page 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].
٥٠ - ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ﴾ [وفي قراءة بالتاء: (تبغون)] أي: يريدون ويطلبون؟ وعن حكم الله يعدلون وينصرفون؟ وهذا استفهام إنكاري، والمعنى: أينصرفون عن قبول حكمك بما أنزل الله، ويميلون عن الحق، ويعرضون عنه، ويتولّون عنه، فيبغون حكم الجاهلية الذي لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي؟ وعليه: فكل حكم خالف حكم الله ورسوله، فهو حكم الجاهلية، لأن حكم الله مبني على الحقّ والعدل والعلم، وحكم الجاهلية مبني على الباطل والظلم والجهل والهوى. ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا﴾ وقضاء، أي: ومن أعدل من الله في حكمه وقضائه ﴿لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ بصدق التنزيل المحكم في القرآن، أي: لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن أن الله أحسن الحاكمين، وأعلمهم، وأعدلهم، وأحكمهم، فلا أحد أحسن ولا أعلم ولا أعدل ولا أحكم من الله.واليقين: هو العلم التّام، الموجب للعمل. وخصّ الموقنين بالذكر دون غيرهم، لكونهم يتدبرون ذلك عن الله ويعقلونه، وينظرون بعين اليقين إلى العواقب. وفي الحديث عند الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ :«أبغض النّاس إلى الله عزّ وجل من يبتغي في الإسلام سنّة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». وروى البخاري بإسناده نحوه بزيادة، :«أبغض النّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنّة الجاهلية، ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه».
5:51Page 117
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١
O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
٥١ - أسباب نزول الآية: أخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ ، تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول ﷺ ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم. وفي رواية:« أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود، كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأتولّى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي» .وفي رواية أنه قال:«يا رسول الله، أبرا إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم»، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه الآيات. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ﴾ أي: أنصاراً من دون المؤمنين ، توالونهم، وتوادّونهم، وتناصرونهم و تستنصرون بهم، وتركنون إليهم، وتولُّونهم أموركم، وتصافونهم مصافاة الأحباب،ومثله قوله تعالى:(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة)الممتحنة(١).﴿بَعۡضُهُمۡ﴾ أي: بعض اليهود والنّصارى ﴿أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ يتناصرون فيما بينهم، ويكونون يداً وعوناً على من سواهم، لاتّحادهم في الكفر، ومعاداة الإسلام وأهله، فهم جميعاً يبغونكم الغوائل، ويتربصون بكم الدوائر ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ﴾ أيها المؤمنون ﴿فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ أي: من جملتهم وفي عدادهم، وحكمه حكمهم.وفي الآية: وعيد شديد لمن تولاهم من دون الله ورسوله والمؤمنين. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بموالاتهم الكفار.
5:52Page 117
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
٥٢ - ﴿فَتَرَى﴾ يا محمّد وكذا كل من تصحُّ منه الرؤية ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: شكّ، وريب، ونفاق، وضعف إيمان واعتقاد- كعبد الله بن أبي بن سلول- ﴿يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ﴾ أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم، باطناً وظاهراً. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون- من ضعف إيمانهم، وقلة يقينهم واعتقادهم بالله ، معتذرين عن موالاتهم اليهود والنّصارى-: ﴿نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ من دوائر الدّهر ونائبة من نوائبه، ودُولة من دُوله، بأن ينقلب الأمر للكفار، وتكون الدّولة والغلبة لهم على المسلمين، فنحتاج إليهم وتكون لنا أياد لديهم. أو: نخشى أن يدور علينا الزمن بمكروه من قحط أو جدب، فلا يُميروننا- أي: يعطونا الطعام- ولا يقرضوننا. وهذا سوء ظنّ منهم بالله ورسوله ودينه. والدائرة: النائبة من حوادث الدهر، التي تحيط بالنّاس، إحاطة الدائرة بما فيها، وأصلها: ما أحاط بالشيء، ثم استُعير لما ذُكر، وتطلق على الهزيمة. قال تعالى- راداً لظنهم السيء-: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ﴾ أي: بالنّصر لرسوله ﷺ ، بإظهار دينه، وإعلاء كلمته. وقيل: الفتح: القضاء والفصل الذي يُعزّ الله به الإسلام على اليهود والنّصارى. ﴿أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ﴾ تعالى، بهتك ستر المنافقين، وافتضاح حالهم، وإظهار أمرهم لرسوله والمؤمنين. أو: هو الأمر الذي تندفع به صَوْلة اليهود والنّصارى ومن معهم، وتنكسر به شوكتهم. وقيل: هو ضرب الجزية عليهم. ﴿فَيُصۡبِحُواْ﴾ أي: الذين والوْا اليهود والنّصارى من المنافقين ﴿عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: أضمروا فيها من الشكّ، والنّفاق، وموالاة الكفار ﴿نَٰدِمِينَ﴾ على ما كان منهم، مما أضرّ بهم، ولم ينفعهم، لبطلان ما أضمروا من الأسباب والتأويلات، وانكشاف خلافها.
5:53Page 117
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
٥٣ - ﴿وَيَقُولُ﴾ [ بالرفع: استئنافاً، و في قراءة بدون الواو: ( يقولُ)، و في أخرى بالنّصب: (و يقولَ) عطفاً على «يأتي»] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ أي:يقول بعضهم لبعض تعجباً من حال هؤلاء المنافقين الذين في قلوبهم مرض، بعد هتك سترهم. ويجوز أن يكون الخطاب من المؤمنين لليهود.﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي: أقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم وحلفهم غاية الاجتهاد، وأغلظه وآكده. والمراد: أنهم أكدوا الأيْمان وشددوها بأقصى وسعهم وطاقتهم، ﴿إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ﴾ في الدّين والإيمان المقتضي للنّصرة والمحبة والموالاة، والمناصرة و المعاضدة في القتال. والجَهْد: الوسع والطاقة، من جَهَد نفسه يجهدها في الأمر: إذا بلغ أقصى وُسعها وطاقتها فيه. وجَهَد الأيْمان: أغلَظَها وآكَدَها. قال تعالى: ﴿حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ أي: بطلت، وضاعت ثمرتها، وذهب ثوابها، فقد ظهر ما أضمروه، وتبيّن ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم الذين ظنوه بالإسلام وأهله ، باطلاًً ﴿فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ﴾ أي: صاروا كذلك في الدنيا بالفضيحة وهتك الستر، وفي الآخرة بالعذاب، وأليم العقاب.
5:54Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤
O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
٥٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ﴾ أي: يرجع عن الحق والإسلام إلى الباطل والكفر، فلن يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه. [وفي قراءة: (يَرْتَدِدْ) بدون تشديد]. ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ﴾ بدلهم ﴿بِقَوۡمٖ﴾ مخلصين في نصرة دينه وإقامة شريعته، صادقين في إعلاء كلمته، وهذا كقوله: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) محمد(٣٨)، وقوله: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين)النساء( ١٣٣)، وقوله: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز)إبراهيم(١٩)، أي: بممتنع، ولا صعب. ثم وصفهم بقوله: ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ ويرضى عنهم ويرضون عنه، يخلصون لله العمل ويطيعونه في كل أمر ونهي، كقوله سبحانه وتعالى:(رضي الله عنهم و رضوا عنه)البينة(٨). وفي الحديث:«إن الله إذا أحب عبداً، نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحِبَّه، فيحبُّه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحِبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». متفق عليه و اللفظ لمسلم.فمحبة الله للعبد أجلُّ نعمة أنعم بها عليه، وأكرم فضيلة تفضل بها عليه، فيوفقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات. وفي الآية: إثبات صفة المحبة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله. ومن لوازم محبة العبد لله:متابعة محمد ﷺ ، فيما جاء به، ظاهراً وباطناً، في الأقوال والأفعال وجميع الأحوال، قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)آل عمران(٣١). والإكثار من التقرب إلى الله بالفرائض والنّوافل، كما في الحديث القدسي الصحيح:«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنّوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولأن سألني لأعطينَّه، ولأن استعاذني لأعيذنَّه». ومعرفة الله والإكثار من ذكره، وفي الحديث:«تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشّدة». وفي حديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:«ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». وعند الحاكم وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال ﷺ :«هم قوم هذا» وأشار إلى أبي موسى الأشعري. ورواه ابن جرير بنحوه. ومن جملة أوصافهم- أيضاً-: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: عاطفين عليهم، متذللين متواضعين لهم، ليِّني الجانب معهم، رحماء بهم أرقاء عليهم. وأذلة: جمع ذليل، من تذلل: إذا تواضع، وعُدّي ب «على» لتضمينه معنى الحنوّ. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: أشداء غلظاء عليهم، من أعزّني فلان: إذا أظهر العزة من نفسه، وأبدى الجفوة والغلظة. والعزّة: حالة تمنع الإنسان من أن يُغلب أو يُقهر. وهذه من صفات المؤمنين الكُمّل، أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه، حانياً على وليِّه، خافضاً له جناح الذّل من الرحمة، متعزِّزاً على خصمه، مترفِّعاً على عدوه متعالياً عليه، لا يقبل الدنيَّة في دينه، كما قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)الفتح(٢٩). ﴿يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أعداء الله، بأموالهم وأنفسهم، قولاً وعملاً، نصرة لدين الله، وإعلاء لكلمته. ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ﴾ في جنب الله، أي: اعتراض مُعترض في دين الله، كما يخاف المنافقون لوم الكفار. فهم يقدمون رضا الله على رضا الناس، إذ لا يردهم عن طاعة الله، ونصرة دينه، وإقامة حدوده، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنّكر- راد، ولا يصدهم عنه صاد. وفي هذا المعنى: روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال:«أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدّنوّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئاً، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرّاً، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش». وروى أحمد- أيضاً- عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ :«ألا لا يمنعن أحدكم رهبة النّاس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يُقرِّب من أجل ولا يُباعد من رزق أن يقول بحق، أو أن يُذكِّر بعظيم». وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري- أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ :« لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمراً لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت فيّ كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف». وثبت في الصحيح:«ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسه يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق». ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور من الأوصاف المشتملة على غاية المدح، ونهاية الثناء، من كونهم يحبون الله ويحبهم، ويظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، والشدة والغلظة والترفّع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة والعذل في دين الله، ﴿فَضۡلُ ٱللَّهِ﴾ وتوفيقه ﴿يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ﴾ إيتاءه من عباده، ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ﴾ كثير الفضل والجود ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق ذلك، فيعطيه ويوسع عليه من فضله وجوده وكرمه وإحسانه.
5:55Page 117
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥
Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].
٥٥ - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: فليس اليهود والنصارى بأولياء لكم، إنما ولايتكم واجبة راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى، فكل مؤمن تقي ولي لله، ومن كان ولياً لله، فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله، كان من تمام ذلك التولي، تولي من تولاهما، وهم: المؤمنون ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ بشروطها وأركانها، وفروضها ونوافلها في أوقاتهـا ﴿وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ لمستحقيها، طيبة بها نفوسهم، فرضاً ونفـلاً، ﴿وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾ أي: خاشعون لله، خاضعون له، ذليلون بين يديه. فالمراد بالركوع هنا: الخضوع والخشوع لله، أي: يقيمون الصلاة وهم خاشعون خاضعون لله، ويؤتون الزكاة فيضعونها في مواضعها، غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عنهم. وأداة الحصر في قوله:(إنما) تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبرِّي من ولاية غيرهم.
5:56Page 117
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦
And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.
٥٦ - ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ فيستنصـر بهـم ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فيعينهم وينصرهم ﴿فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ﴾ وهم المؤمنون القائمون بنصر دينه، وتحكيم شرعه، وإعلاء كلمته، ﴿هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ لعدوهم، الذين لهم العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، لنصرة الله إياهم. فكل من رضي بولاية الله، ورسوله، والمؤمنين وبرئ مما سواها، فهو منصور غالب في الدنيا والآخرة. وإضافة الحزب إلى الله، في قوله: (حزب الله) إضافة عبودية وولاية، وتكريم وتشريف. ومثله قوله: (وإنّ جندنا لهم الغالبون)الصافات(١٧٣)، وقوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)المجادلة(٢١) وقوله: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)المجادلة(٢٢ ). والحزب: الجماعة المجتمعة التي حزبها أمر من الأمور وألمَّ بها اتجاه خاص.
5:57Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧
O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.
٥٧ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا﴾ أي: سخريةً واستخفافاً به ﴿وَلَعِبٗا﴾ أي: هزلاً، وأخذاً على غير طريق الجد.وأصل (هزواً): هُزُءاً، فأُبدلت الهمزة واواً لضم ما قبلها، يقال: هزأ منه وبه - بفتح الزاي وكسرها - هُزؤاً وهُزواً، أي: سخر منه وبه، كاستهزأ. [وفي قراءة: (هُزُؤاً) بالهمز، مع ضم الزاي وسكونها]. و(لعباً) مصدر لعب، يلعب، كسمع يسمع. والمعنى: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم سخرية وهزلاً ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ وهم: اليهود والنصارى ﴿وَٱلۡكُفَّارَ﴾ أي: المشركين ﴿أَوۡلِيَآءَۚ﴾ أي: نصراء وعوناً لكم من دون المؤمنين. و(من) في قوله:(من الذين أوتو الكتاب) لبيان الجنس، كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)الحج(٣٠).[و في قراءة: بالجر عطفاً على (الذين أوتوا الكتاب): (والكفارِ أولياء)] وفي الآية: نهي للمؤمنين عن موالاة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وسائر الكفار والمشركين، وأهل البدع والأهواء، المتخذين دين الله هزواً ولعباً. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بترك موالاتهم، وبامتثال أمره، واجتناب نهيه. ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ بشرع الله، صادقين في إيمانكم، وترك موالاتهم. ومثله قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)آل عمران(٢٨).
5:58Page 118
وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨
And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.
٥٨ - ﴿وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ أي: دعوتم إليها بالأذان والإقامة ﴿ٱتَّخَذُوهَا﴾ أي: الصـلاة ﴿هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ﴾ أي: سخرية يستهزؤون بها، وهزلاً يتضاحكون منها ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: اتخاذهم للصلاة هزواً ولعباً ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ﴾ عن الله شرعه ودينه لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي:«إذا سمع الأذان أدبر، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب للصلاة -أي: أقيم لها - أدبر، فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء وقلبه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام» أخرجاه في الصحيحين. وقد ثبتت مشروعية ألفاظ الأذان فيما رواه أحمد ومسلم في «صحيحه» وأهل السنن الأربعة من حديث أبي محذورة:«أن رسول الله ﷺ ألقى عليه التأذين بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله».
5:59Page 118
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩
Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"
٥٩ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ أي: هل تكرهون منا، وتعيبون علينا، أو تسخطون منا، وتنكرون علينا قولاً أو عملاً ﴿إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ﴾ على أنبياء الله ورسله، والمعنى: هل تنكرون منا وتعيبون علينا إلا إيماننا بالله ورسله وكتبه المنزلة، وقد علمتم أنّا على الحق؟ فليس هذا مما يُنكر. ﴿وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ أي: مع أن أكثركم خارجون عن طاعة الله والإيمان، متجرئون على معاصيه، أي: فكيف تنقمون منا إيماننا بالله ورسله وكتبه المنزلة؟ فليس هذا بعيب ولا مذمة. والواو في «وأنّ» بمعنى: مع. وقيل: إن قوله: (وأن أكثركم فاسقون) معطوف على (أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل) أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون خارجون عن طاعة الله، حائدون عن طريقه المستقيم. والاستثناء في قوله: (إلاّ أن آمنا) منقطع، كما في قوله سبحانه: (وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)البروج(٨). وقوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)التوبة(٧٤). يقال: نقم عليه أمره، ونقمت منه نقماً - من باب: ضرب - عبته وكرهته أشد الكراهة، و أنكرت عليه قولا و عملا. وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس قال: إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله ﷺ ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال:«أؤمن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل و إسحق و يعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم» فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به، فنزلت الآية.
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
٦٠ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد، وهو خطاب لليهود الذين كانوا يقولون للمسلمين: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، ومرادهم في ذلك: لا نعلم أهل دين شراً من أهل دينكم، فرد الله عليهم على لسان نبيه: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُم﴾ أي: هل أخبركم ﴿بِشَرّٖ مِّن﴾ أهل ﴿ذَٰلِكَ﴾ الدين الذي تنقمونه، أو: بشرٍّ من حال هؤلاء الذين تنقمون منهم دينهم ﴿مَثُوبَةً﴾ أي: جزاء ثابتاً وعقوبةً ﴿عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ يوم القيامة؟ والمثوبة: الثواب من ثاب إليه إذا رجع، فالجزاء يرجع إلى صاحبه، بمعنى: العقاب. وتسمية العقاب:«مثوبة» تهكم بهم، كقوله: (فبشرهم بعذاب أليم)الإنشقاق(٢٤). ثم بيَّن الله لهم من هو شر الناس، والمستحق للعقاب في واقع الأمر فقال: هو ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي: أبعده وطرده عن رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيۡهِ﴾ غضباً لا يرضى بعده أبداً - إلا من تاب منهم وآمن - ﴿وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ﴾ في قلوبهم وطباعهم، أو: جعل منهم ذلك بالمسخ، كقوله: (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) الأعراف(١٦٦). وعن ابن مسعود عند مسلم قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله؟ فقال:«إن الله لم يُهلك قوماً - أو قال: لم يمسخ قوماً - فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك». وعنه عند أبي داود الطيالسي، قال: سَأَلْنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال:«لا، إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم، فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم مثلهم». ﴿وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ﴾ أي: وجعل منهم من أطاع الشيطان وكل داع إلى ضلالة في معصية الله. والطاغوت: الشيطان، أو كل ما عُبد من دون الله. و(عَبَد) في هذه القراءة فعل ماضٍ، و(الطاغوت) منصوب به. أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت،و هو مجاز عن الطاعة. [وفي قراءة: بضم باء «عَبَد»، أي:«وعَبُدَ الطاغوتِ»، وهو اسم جمع ل«عَبْد»، ونصَبه بالعطف على «القردة»]. والمعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. و حاصل معنى الآية: قل لهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين -الذي تنقمونه وتنكرونه وتعيبون عليه - عقوبةً عند الله يوم القيامة، هو من أبعده الله عن رحمته، وغضب عليه، وجعل منهم قردةً وخنازير في طباعهم وقلوبهم، ومن أطاع الشيطان، وكل داع إلى الضلالة. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتصفون بهذه الخصال السيئة ﴿شَرّٞ مَّكَانٗا﴾ أي: منزلةً يوم القيامة، من غيرهم، لأن مصيرهم إلى النار، والمراد ب«المكان»: القرار الذي يؤول أمرهم إليه ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: وأكثر ضلالاً وبعداً عن طريق الحق وقصد السبيل، وهو الملة الحنيفية السمحة. والسواء: الوسط المعتدل. و ذكْرُ (شر) في الآية مرتين،(وأضل) إنما هو في مقابلة قولهم للمسلمين: لا نعلم ديناً شراً من دينكم. فهذا من باب المشاكلة لهم في اللفظ والمجاراة لهم في الاعتقاد. وقوله:(أضل) من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة. أي: أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل مما يعتقدونه من ضلال المسلمين في اعتقادهم الباطل، فكيف يصدر منكم طعن في دين الإسلام وأنتم - يا أهل الكتاب على ما أنتم عليه من الكفر - قد وُجد منكم جميع ما ذكر من الصفات؟!
5:61Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
٦١ - ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمۡ﴾ أي: منافقو اليهود، الذين كانوا يدخلون على رسول الله ﷺ ، يظهرون له الإيمان به وبما جاء به نفاقاً، ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا﴾ أي: بألسنتهم نفاقاً ومكراً، ولم تؤمن قلوبهم، فكانوا يصانعون المؤمنين في الظاهر بالإسلام، وقلوبهم منطوية على الكفر، ﴿وَ﴾ هـم فـي واقـع الأمـر ﴿قَد دَّخَلُواْ﴾ عنـدك متلبسين ﴿بِٱلۡكُفۡرِ﴾ مستصحبينه في قلوبهم، مشتملين به ﴿وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ﴾ من عندك متلبسين ﴿بِهِۦۚ﴾ أيضاً، فلم ينتفعوا بما قد سمعوا منك علماً وموعظةً، بل خرجوا كما دخلوا، أي: إن مدخلهم ومخرجهم كان مشتملاً على الكفر، مُستصحباً له. ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ﴾ في قلوبهم من الكفر والنفاق، فيجازيهم به. وهو وعيد لهم ممن يعلم سرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences