Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:62–78
5:62Page 118
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
٦٢ - ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من اليهود ومنافقيهم ﴿يُسَٰرِعُونَ﴾ أي: يبادرون أو يقعون سريعاً ﴿فِي ٱلۡإِثۡمِ﴾ أي: في الحرام ، كالكذب، أو الكفر والشرك، أو ارتكاب المعاصي والمآثم والمحارم في حق الله، ﴿وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾ أي: ويبادرون إلى الظلم المتعدي إلى الغير والاعتداء على الناس أو مجاوزة الحد في العصيان. ﴿وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ﴾ أي: المال الحرام، كالربا والرشوة. ﴿لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: بئس العمل عملهم هذا، أي: مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل، ومبادرتهم إلى ذلك كله. وهذا في غاية الذم لهم، والقدح فيهم.
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
٦٣ - ﴿لَوۡلَا﴾ أي: هلاّ ﴿يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ﴾ أي: العلماء العاملون أو العباد والزهاد ﴿وَٱلۡأَحۡبَارُ﴾ أي: والعلماء الفقهاء منهم القائمون بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ﴾ أي: الكذب ، أو الكفر والشرك، أو الحرام، ﴿وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ﴾ أي: المال الحرام، كالربا والرشوة ﴿وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ﴾ أي: فبئس الصنيع من علمائهم صنيعهم هذا، وهو التهاون في إبقائهم - أي: العامة -واقعين في الحرام والمعاصي، دون نهيهم عن المنكر الذي يقولونه بألسنتهم، وما يأكلونه من الرشوة والربا. وفي الآية توبيخ شديد، وذم بليغ، للعلماء التاركين لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم أشد حالاً، وأعظم وبالاً من العصاة أنفسهم. وفي الحديث عند أبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من رجل يكون في قوم، يُعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يُغيِّروا عليه، فلا يُغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا».و قد جاء قوله تعالى:(لبئس ما كانوا يعملون) في جانب العامة من الناس، و قوله: (لبئس ما كانوا يصنعون) في جانب الأحبار و العلماء ، و ذلك أن الفعل:ما يصدر عن الإنسان مطلقا، فإن قصده صاحبه- أي: قصد الفاعلُ الفعل- كان عملا، و إن صاحب الفعل دوام و مرونة، كان صنعة وكان صاحبه صانعا له.
5:64Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
٦٤ - أسباب نزول الآية:أخرج الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله الآية.وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في فنحاص اليهودي، الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - انظر سورة آل عمران ، آية (١٨١). ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ﴾ حين كفَّ الله عنهم، وضيَّق عليهم، ما بسط لهم من الرزق، عقوبةً لهم على عصيانهم أَمْر رسول الله ﷺ ، بعد أن كانوا أكثر الناس مالاً. ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ﴾ أي: موثقة ممسكة عن الخير والبر والإحسان، أو: مقبوضة عن العطاء والبذل والإنفاق وإدرار الرزق علينا، كنّوا بذلك عن البخل بالعطاء - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - فهذا القول من باب الكناية، كما يُكنى ببسط اليد عن الجود والسخاء، كما في قوله تعالى:(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط)الإسراء(٢٩). قال تعالى راداً عليهم: ﴿غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: أُمسكت وأُوثقت وقُبضت عن الجود وفعل الخيرات. وهذا دعاء عليهم بالبخل أو بالفقر والمسكنة - جاء بلفظ الخبر - فجازاهم بجنس مقالتهم، فكان هذا الوصف منطبقاً عليهم، ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله. أو: هو دعاء عليهم بغلِّ أيديهم حقيقةً بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة، فهو إخبار عما سيحل بهم في نار جهنم، بأن يعذبوا فيها بالأغلال، فتشد أيديهم إلى أعناقهم، عقاباً لهم على كفرهم، ووصفهم ربهم بأنه بخيل وفقير - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - . ﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ﴾ أي: أُبعدوا عن رحمة الله ، وطُردوا منها، بسبب قولهم:(يد الله مغلولة)، وهو دعاء ثان عليهم. ﴿بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ﴾ بالجود والعطاء الذي لا نهاية له، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :«إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى: الفيض - وفي رواية: القبض -يرفع ويخفض، وقال: يقول الله تعالى: أَنفق أُنفق عليك». ﴿يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ من توسيع وتضييق، لا حجر عليه، ولا مانع لمشيئته، ولا اعتراض على ما قضى وأراد. فإن شاء وسع، وإن شاء ضيّق، فهو الباسط القابض، والمعطي المانع، فإن بسط وأعطى فلحكمته وفضله، وإن قبض ومنع، فلعلمه وعدله. ومنه قوله: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)الإسراء(٣٠). وقد تقدم القول في آيات الصفات، ومنها صفة اليد، فنثبت لله تعالى ما أثبت لنفسه، وأثبت له رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله وكماله، دون تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تكييف ولا تحريف، ليس كمثله وهو السميع البصير. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم﴾ أي: من اليهود والنصارى ﴿مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ﴾ من القرآن المشتمل على الأحكام والشرائع حسداً و ﴿طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ﴾ إلى طغيانهم وكفرهم، أي: تمرداً وجحوداً وعدواناً لإعراضهم عنه، وردهم له، ومعارضتهم له بالشّبه الباطلة. فيكون ما أتاك الله من النّعمة، نقمة في حقّ أعدائك من اليهود والنّصارى، فكما يزداد المؤمنون بما أنزل الله على رسوله إيماناً وتصديقاً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً، يزداد به هؤلاء غيّاً إلى غيّهم وطغياناً إلى طغيانهم، وكفراً وتكذيباً إلى كفرهم وتكذيبهم. وطغيان: مجاوزة الحدّ في الأمور. ومثله قوله: (قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمىً)فصلت(٤٤)، وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً)الإسراء: (٨٢). فما كان سبباً عند غيرهم في الخير، كان سبباً عندهم في الشر. ﴿وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ﴾ أي: بين طوائف اليهود، أو: بين اليهود والنّصارى ﴿ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ فهم طوائف متعادية، متباغضة في الدين، كل طائفة منهم تخالف الأخرى، ولا يزالون كذلك ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ فلا تجتمع قلوبهم، لعدم اجتماعهم على الحق، فهم متباغضون في قلوبهم، متعادون بأفعالهم. والعداوة أخص من البغضاء، فإن كل عدوّ مبغض، وليس كل مُبغض عدوّ. أما هم فقد جمعوا بين هذا وذاك. ﴿كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ﴾ بتعاطي أسبابها، وإبرام أمورها، وإعداد عدّتها وأخذ أهبتها وإجلاب خيلها ورجلها ليكيدوا بها الإسلام وأهله ﴿أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ﴾ بخذلانهم، ورد كيدهم في نحورهم، وإحاقة مكرهم السيء بهم. فكلما أرادوا كيداً وشراً للمؤمنين، صرفه الله عنهم، وكلما أرادوا حرب رسول الله والمؤمنين، ردهم الله وقهرهم، بحلّ عزائمهم، وإلقاء الرّعب في قلوبهم، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب، ويجمعون عليها، فيبطل الله كيدهم، ويشتت شملهم، ويذهب بريحهم، فلا يظفرون منها بطائل، ولا يعاد عليهم منها بفائدة ونائل. ﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ﴾ مجتهدين في ذلك، مجدين فيه، مفسدين فيها بعمل المعاصي، والكيد للإسلام وأهله. ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ بل يبغضهم ويسخط عليهم، وسيجزيهم على ذلك شر الجزاء.
5:65Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
٦٥ - ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ءَامَنُواْ﴾ بالله ورسوله محمد ﷺ ، وبما جاء به من ربه، كما أُمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم، (وَٱتَّقَوۡاْ﴾ الكفر، والشرك بالله، والمعاصي، والمآثم والمحارم، وجحود نبوة محمد ﷺ ﴿لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ﴾ التي اقترفوها، وسترناها عليهم ومحوناها عنهم، وأزلنا عنهم المحذور وغفرنا لهم أوزارهم، ولو كان منهم ما كان. ﴿وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.
5:66Page 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
٦٦ - ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ بالعمل بما فيهما من الأحكام والشرائع والحدود على أتم وجه وأكمله، ومن جملتها: الإيمان والتصديق بنبوة محمد ﷺ ، وبما جاء به من ربه. ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ﴾ من سائر كتب الله المنزلة على أنبيائه ورسله، ومنها القرآن، أي: فلو قاموا بأوامرها وانتهوا بنواهيها، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعدل. و﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ ﴾ بكثرة الرزق النازل عليهم من السماء ﴿وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ﴾ والنابت لهم من الأرض، وذلك بتوسيع وتيسير أسباب الرزق لهم، وكثرتها وتعدد أنواعها، وهذا كقوله: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)الأعراف( ٩٦). وقيل: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) يعني: من غير كد ولا تعب، ولا عناء ولا شقاء. وعند ابن أبي حاتم، أن رسول الله ﷺ قال:«يوشك أن يرفع العلم» فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم، وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال:«أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله»، ثم قرأ: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) الآية. ﴿مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ﴾ أي: من أهل الكتاب طائفة أو جماعة معتدلة مستقيمة، لم تَغْلُ ولم تُقصِّر، وهم من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه، والنجاشي وأصحابه، ومن نهج نهجهم. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، إذ فوق ذلك رتبة السابقين بالخيرات، كما في قوله سبحانه وتعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله)فاطر(٣٢). والصحيح: أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة. ﴿وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ﴾ أي: والكثير منهم بئس شيئاً يعملونه، وهم المصرون على الكفر، المتمردون عن إجابة محمد ﷺ والإيمان بما جاء به. فالمسيء منهم كثير، والمقتصد منهم قليل. وفي الحديث:«الناس كإبل لا تجد فيها راحلة».
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
٦٧ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ﴾ جميع ﴿مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ﴾ من الأحكام والآيات ولا تكتم منه شيئاً، فقد أُمر ﷺ بالبلاغ للثقلين كافة، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة. ووصْف «الرسول» يقتضي: التبليغ التام الكامل. وعن عائشة عند البخاري في تفسير هذه الآية قالت: من حدّثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه، فقد كذب، وقرأت: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك). وفي الصحيحين عنها - أيضاً - أنها قالت: لو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً من القرآن، لكتم هذه الآية: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)الأحزاب(٣٧). وقد أخرج أبو الشيخ عن الحسن البصري: أن الآية نزلت - حين ضاق ذرعاً بقومه، وعرف أن من الناس من يكذبه - لتثبيته وبشارته بحفظ الله تعالى له، وكفالته إياه. ﴿وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ﴾ أي: وإن لم تبلغ جميع ما أنزل الله إليك ﴿فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ﴾ وما امتثلت أمره، فبعضها ليس أولى بالأداء من بعض. ولكنه ﷺ قد بلَّغ أمته جميع ما أنزل إليه من ربه، وامتثل أمره، فكان يقول لهم في غير موطن:«هل بلّغت؟» فيشهدون له بالبيان والتبليغ. وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع:«أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» - وكانوا نحواً من أربعين ألفاً - فقالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأديت ونصحت، فكان يقول:«اللهم فاشهد». وعن مجاهد، عند ابن أبي حاتم، قال: لما نزلت: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك) قال: يا رب، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت: (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). [وفي قراءة: (رسالاته) بالجمع بدل الإفراد، لأن كتمان بعضها ككتمان كلها، وفيه تعظيم لجرم الكتمان]. ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ أي: يحفظك ويحميك من ضررهم وكيدهم وممن يريدك منهم بسوء أو اعتداء أو أذى، فهو ناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن. فليس عليك إلا البلاغ والبيان، وامتثال أمر الله في إبلاغ جميع ما يوحى إليك. وقد وعده الله بالعصمة من الناس، دفعاً لما قد يظن أنه حامل له على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس. وعن عائشة عند الحاكم والترمذي والبيهقي في «الدلائل» أنها قالت: كان النبي ﷺ يُحرس، حتى نزلت: (والله يعصمك من الناس) فأخرج رأسه من القبة، فقال:«يا أيها الناس، انصرفوا عني، فقد عصمني الله». ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ ولا يوفقهم للخير وأسبابه، لأنه لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم. وهذا كقوله: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)البقرة(٢٧٢)وقوله: (فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب)الرعد(٤٠). فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. وقيل: المعنى: لا يوفقهم طريق الإساءة إليك.
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
٦٨ - سبب نزول الآية:أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جاء أحبار يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ قال: «بلى ولكنّكم أحدثتم، وجحدتم بما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، فبرئْت من إحداثكم» قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، وإنا على الهدى والحق، فأنزل الله فيهم الآية. ﴿قُلۡ﴾ يا محمد: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ من اليهود والنّصارى ﴿لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ﴾ معتدٍّ به من الدّين والحق والهدى ﴿حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ بالإيمان بهما، واتّباعهما، والتمسك بما يدعوان إليه من التوحيد الخالص، فتعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه، وأحكامه وشرائعه التي من جملتها أمركم باتباع محمد ﷺ ، ونهيكم عن مخالفته. ﴿وَ﴾ تقيموا ﴿مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ﴾ من الكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله، ومنها القرآن، خاتم كتب الله، فإن إقامة التوراة والإنجيل والعمل بما فيهما من الأحكام والشرائع، لا يتم ولا يصح بغير إقامة القرآن والعمل بما فيه. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم﴾ أي: من اليهود والنّصارى ﴿مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ﴾ من القرآن، والوحي أو السنة ﴿طُغۡيَٰنٗا﴾ إلى طغيانهم وتمادياً ﴿وَكُفۡرٗاۖ﴾ إلى كفرهم، لعدم إيمانهم بك، واقتدائهم بشريعتك. ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: فلا تحزن عليهم، ولا تتأسف لحالهم ومآلهم، ولا تهتم بهم إن لم يؤمنوا بك ويتابعوك، فإن في المؤمنين غنى لك عنهم، وضرر كفرهم عائد عليهم.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
٦٩ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بالله ورسوله: وهم المسلمون ﴿وَٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ وهم: اليهود، حملة التوراة ﴿وَٱلصَّٰبِـُٔونَ﴾ وهم قوم كانوا يعبدون الملائكة، ويعظمون النّجوم والكواكب ﴿وَٱلنَّصَٰرَىٰ﴾ وهم: حملة الإنجيل ﴿مَنۡ ءَامَنَ﴾ منهم ﴿بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ إيماناً حقاً خالصاً، ويندرج في ذلك: الإيمان برسالة محمد ﷺ ، وبما جاء به، بعد مبعثه ﴿وَعَمِلَ صَٰلِحٗا﴾ فجمع بين الاعتقاد بالجنان، والعمل بالأركان ﴿فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ فيما يستقبلونه من العذاب ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من التقصير، وتفويت الثواب. والمراد: أن مَن آمن من هذه الطوائف إيماناً خالصاً بالله واليوم الآخر، وعمل عملاً صالحاً، ولا يكون ذلك كذلك، حتى يكون موافقاً للشريعة المحمدية، بعد مبعثه ﷺ ، فله النّجاة في الدنيا والآخرة. أما قبل مبعثه، فكل أهل كتاب يحاسبون وفقاً لشريعتهم ومنهاجهم. وعليه، فلا يقبل الله من أحد ديناً، بعد بعثة محمد ﷺ، إلا دين الإسلام الذي جاء به محمد، وختم الله به الرسالات والشرائع. ونظير هذه الآية في سورة البقرة، آية: (٦٢) . وأما رفع «الصابئون» فقيل: إنه لما طال الفصل بين اليهود والنصارى بالصابئين، حَسُن العطف بالرفع. وقيل: إنما رُفعت «الصابئون» للإشارة إلى أنهم من أشد الفرق المذكورة ضلالاً.فكأنه قيل: كل هذه الفرق إذا آمنت وعملت صالحاً، قبل الله توبتها، كذلك الصابئة فإنه تعالى يقبل توبتها.
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
٧٠ - ﴿لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: أخذنا عليهم العهد الثقيل الموكّد على الإيمان بالله ورسله، والسمع والطاعة ﴿وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ﴾ يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد والموعظة، ويعرّفونهم أحكام الله وشرائعه، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. ﴿كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ﴾ منهم ﴿بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ﴾ من الحق والعدل، وبما يخالف ويعارض أهواءهم وشهواتهم ﴿فَرِيقٗا كَذَّبُواْ﴾ وعاندوا، وكفروا بما جاءهم به، كعيسى ومحمـد عليهمـا الصـلاة والسلام ﴿وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ﴾ كزكريا ويحيى عليهما السلام. فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على شرائع الله، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردّوه. والتعبير ب(يقتلون) دون «قتلوا»، حكاية للحال الماضية، ومراعاة لرؤوس الآي.
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
٧١ - ﴿وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ [وفي قراءة بالرّفع: (ألا تكونُ فتنة)] أي: و ظنَّ اليهود أن لا يصيبهم من الله بلاء واختبار بالشدائد، أو عذاب شديد وعقوبة على تكذيب الرّسل وقتلهم، لزعمهم أنهم أبناء الله وأحباءه، أو لإمهال الله إياهم، أو لنحو ذلك، فتمادوا في غيهم وفسادهم. ﴿فَعَمُواْ﴾ أبصارهم عن رؤية الحق والهدى، وعن الدين الذي جاءت به الرسل ﴿وَصَمُّواْ﴾ أذانهم عن استماع الحق وقبوله، فلا يسمعون حقاً، ولا يهتدون إليه ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ﴾ مما كانوا فيه، حين تابوا إليه وأنابوا ﴿ثُمَّ﴾ لم يستمروا على ذلك كثيراً، حتى انقلب حالهم، حيث ﴿عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ﴾ والقليل من استمر على توبته وإنابته. وقوله:(كثيرٌ منهم) بدل من الضمير في قوله: (عموا وصمّوا).﴿وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾) أي: مطلع عليهم، عليم بحالهم، فيجازي كلاً بعمله. وقد قيل: إن العمى والصمم الأول- إشارة إلى المرة الأولى من مرّتي إفساد بني إسرائيل، وذلك حين خالفوا التوراة، وارتكبوا المحرمات، ثم عموا وصمّوا بعد أن تابوا مما كانوا عليه من الفساد، وبعد أن أنعم الله عليهم بفكاكهم من أسر الذل والمهانة التي لبثوا فيها دهراً طويلاً تحت قهر بُخْتَنَصّرْ البابلي، ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد التفرق في الأكناف، والتشتت في الأرض، فاجترأوا- إلا قليلاً منهم- على قتل زكريا ويحيى، وهمّوا بقتل عيسى عليهم السلام، فكان ذلك هو المرة الأخرى من مرتي الإفساد. وقيل: إن العمى والصمم الأول- إشارة إلى ما كان منهم في عهد زكريا ويحيى، والثاني- إشارة إلى ما كان منهم في زمن محمد ﷺ . وقيل: إن العمى والصمم الأول- كان عند عبادتهم العجل ثم تابوا إلى الله فتاب عليهم، ثم عموا وصمّوا مرة ثانية حين طلبوا رؤية الله جهرة وقتلوا أنبياءه.
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
٧٢ - ثم شرع تعالى في بيان قبائح النّصارى، بعد ذكر قبائح اليهود، فقال: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ﴾ تعالى الله عن قولهم، وتنزّه وتقدّس علواً كبيراً. ﴿وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ﴾ لهم في حال كهولته ونبّوته: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ﴾ كما قال لهم وهو في المهد صبياً: (إني عبد الله)مريم(٣٠)، فكيف يدّعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد لله مثلهم؟ فقد أثبت لنفسه العبودية الكاملة لله، ولربه الربوبية الشّاملة لكل مخلوق. وقال لهم أيضاً: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ﴾ أحداً من خلقه في العبادة، كائناً من كان ﴿فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ﴾ دخول ﴿ٱلۡجَنَّةَ﴾ تحريماً أبدياً، لأن الله لا يغفر أن يشرك به. ﴿وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ﴾ خالداً مخلداً فيها ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ يمنعونهم من عذاب الله.وفي الصحيح أن النّبي ﷺ بعث منادياً ينادي في النّاس:«إن الجنّة لا يدخلها إلا نفس مسلمة» .وفي رواية:«مؤمنة». ومثله قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النّساء(٤٨).
5:73Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
٧٣ - ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ﴾ (آلهة) ﴿ثَلَٰثَةٖۘ﴾ هم: الله، وعيسى، ومريم- تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- ﴿وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ﴾ لا معبود بحق سواه متصف بكل صفات الجلال والكمال، منزّه عن كل نقص، منفرد بالخلق والأمر، والملك والتدبير، لا يتعدد ولا يتجزأ .﴿وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من الكفر والافتراء والكذب على الله وعقيدة التثليث، ويوحدوا الله، ويفردوه دون خلقه بالعبودية، والربوبية والألوهية، ﴿لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ﴾ وثبتوا على كفرهم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع، هو عذاب النّار في الآخرة.
5:74Page 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
٧٤ - ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ﴾ وينيبون إليه، ويرجعون عمّا كانوا عليه، فيقروّن لله بالتوحيد، ولعيسى بالعبودية لله، والرسالة ﴿وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥ﴾ عمّا صدر منهم من الكذب على الله، والافتراء عليه، وهو استفهام توبيخ. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لمن تاب، وأناب، ورجع إلى عقيدة التوحيد ﴿رَّحِيمٞ﴾ به، بقبول توبته، وبتبديل سيئاته حسنات. وفي الآية: حثّ وترغيب على المغفرة والتوبة والإنابة إلى الله، فكل من تاب إليه، تاب الله عليه.
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
٧٥ - ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ﴾ كسائر رسل الله، وعبد من عباد الله، اختاره الله للرسالة واصطفاه، كقوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)الزخرف(٥٩). ﴿قَدۡ خَلَتۡ﴾ أي: مضت ﴿مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ الكرام، وسيمضي كما مَضَوْا، فليس له من الأمر والتشريع إلا ما أرسله الله به، فهو من جنس الأنبياء والرسل قبله، فليس بإله أو ثالث ثلاثة، كما زعموا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ﴿وَأُمُّهُۥ﴾ مريم بنت عمران عليها السلام ﴿صِدِّيقَةٞۖ﴾ أي: مبالغة في الصِّدق مع الله، أو التصديق له في سائر أمورها، أو مصدِّقة لما جاء به ولدها من الرسالة. والمعنى: وما أمّه، إلا أمة من إماء الله، كسائر النّساء، ديدنها كثرة الصدق مع الله، والتصديق له في سائر أمورها، فمن أين لكم وصفها بما وصفتموها به؟ والصّدّيقيّة: العلم النّافع، المثمر لليقين، والعمل الصالح. وفي الآية: دليل على أن مريم لم تكن نبيّة، بل أعلى أحوالها ومراتبها: الصّديقية، وكفى به فضلاً وشرفاً.وفيه ردّ على ما ذهب إليه ابن حزم وغيره من القول بنبوَّة سارة (أم إسحاق عليه السلام)، ومريم (أم عيسى عليه السلام) استدلالاً بخطاب الملائكة لهما، وبنبوَّة أم موسى عليه السّلام، استدلالاً بقوله: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)القصص(٧)، قالوا: وهذا معنى النبوة، أي: الإيحاء إليهن بخطاب الملائكة لهنّ. والصحيح الذي عليه الجمهور: أن الله لم يبعث نبياً إلا من الرجال، كما قال: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى)يوسف(١٠٩). ﴿كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ﴾ أي: كانا محتاجين إلى الطعام والشراب، اللذان بهما قوام الجسد والحياة، وإلى القوى التي لا بدّ منها في هضمه ونفضه، كاحتياج سائر البشر إلى ذلك، وليس شيء منه في قدرتهما، إنما هو بقدرة الله وتدبيره.فكيف تنسبون إليهما ما نسبتم من القول الباطل والمحال؟ ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمّد، متعجباً من حال هؤلاء الذين جعلوا من أمر الله في خلق عيسى من غير أب، أمراً مستلزماً للإلهية، له ولأمِّه، ﴿كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ الدّالة على وحدانية الله، أي: نوضّحها ونظهرها. ﴿ثُمَّ ٱنظُرۡ﴾ تعجيباً من حالهم وأمرهم، مرّة أخرى، ﴿أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق واستماعه وتبينه ويضلون عنه بعد ظهور الأدلة، وجلاء البراهين على وحدانية الله وألوهيته وربوبيته. يقال: أفكه عن الشيء يأفِكه أفكاً، أي: صرفه عنه وقلبه، فأنا آفكُه، وهو مأفوك، أي: مصروف عن الشيء. وقد أُفكَت الأرض أفكاً: صُرف عنها المطر.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
٧٦ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد- لهؤلاء العابدين غير الله، المشركين معه في العبادة غيره، من سائر فرق بني آدم، ويدخل في ذلك، بطريق الظهور، النّصارى و غيرهم-: ﴿أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: غيره تعالى من المخلوقين، والاستفهام للإنكـار ، ﴿مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ﴾ ولا لهـم ﴿ضَرّٗا﴾ من البلايـا والمصائب في الأنفس والأمـوال ﴿وَلَا نَفۡعٗاۚ﴾ من صحة الأبدان وسعة الرزق وخصب الأرض، أي: ما لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا عنهم ولا إيصال نفع إليكم ولا إليهم. ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بأموركم وأحوالكم. ومن كان كذلك فهو وحده القادر على الضر والنّفع، والعطاء والمنع، لإحاطة علمه بكل مسموع ومعلوم، فهو الإله الحق، الذي لا رب غيره، ولا معبود بحق في الوجود سواه.
5:77Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
٧٧ - ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ من اليهود والنّصارى ﴿لَا تَغۡلُواْ﴾ أي: تجاوزوا الحدّ ولا تُفرطوا ولا تُسرفوا ﴿فِي دِينِكُمۡ﴾ غلواً وإفراطاً باطلاً ﴿فِي دِينِكُمۡ﴾ فترفعوا عيسى عن رتبة الرسالة، وأمّه عن رتبة الصّديقية إلى الألوهية، كما فعلت النّصارى، أو تنقصوهما عن رتبتهما، وتضعوا من مقامهما، كما فعل اليهود.و في الحديث عند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي ﷺقال:«إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» .﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ ﴾ وأراءهم وشهواتهم تقليداً دون حجة أو برهان ﴿قَدۡ ضَلُّواْ﴾ أنفسهم ﴿مِن قَبۡلُ﴾ بغلوهم، إفراطاً وتفريطاً، وهم أسلافهم الذين كانوا قبل البعثة المحمدية. ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا﴾ من الناس إذ ذاك، بدعوتهم إلى طريق الغواية والضلال.﴿وَضَلُّواْ﴾ كذلك بعد البعثة المحمدية ﴿عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن قصد طريق الحق، وهو الإسلام، بسبب حسدهم وبغيهم، وتكذيبهم رسول الله ﷺ ، فجمعوا بين الضلال لأنفسهم، والإضلال لغيرهم، وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى الغواية والضلال. والسواء في الأصل: الوسط المعتدل، والمراد به: الدين الحق.
5:78Page 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
٧٨ - ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: طُردوا وأبعدوا عن رحمة الله ومغفرته ﴿عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ﴾ فيما أنزله الله عليهما في الزّبور والإنجيل، أي: أن داود وعيسى عليهما السّلام- لعنا الكفرة من بني إسرائيل فيما أنزل الله عليهما، ثمّ بيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ذَٰلِكَ﴾ اللّعن والطرد والإبعاد عن رحمة الله ﴿بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ أي: بسبب عصيانهم لله واستحلالهم لذلك، وعدوانهم وظلمهم لأنفسهم ولعباد الله، وقتلهم الأنبياء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences