Al-Jami' al-WajizAl‑Ma'idah · 5:79–91

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:79–91

5:79Page 121

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

٧٩ - ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿عَن﴾ ارتكاب أو معاودة ﴿مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ﴾ أو تهيئوا لفعله من المآثم والمحارم والمعاصي، فكان بعضهم يفعل المنكر أو يعاوده، فلا ينهى غير المباشر منهم، المباشر له، مع قدرته على ذلك.فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان أنبيائهم ﴿لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ أي: بئس الفعل فعلهم هذا من تركهم إنكار ما يجب إنكاره. فالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية. وفي الحديث عند أحمد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ :«لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، وكان متكئاً، فجلس وقال: لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطراً». وعند أبي داود والترمذي، عنه، قال: قال رسول الله ﷺ :«إن أول ما دخل النّقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل، فيقول له: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع- أي: من المنكر- فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم، ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...)- الآية، ثم قال: كلا والله، لتأمرُن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرونه على الحق قصراً». وعن حذيفة بن اليمان، عند أحمد والترمذي:«والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثمّ لتدعنّه فلا يستجيب لكم». وعن عائشة، عند ابن ماجه، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم». وفي الصحيح عند مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ :«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وعند أحمد بلفظ: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذّب الله الخاصة والعامة». وعند أبي داود بلفظ:«إذا عُملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها». وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قام خطيباً، فكان فيما قال:«ألا لا يمنعن رجلاً هيبةُ النّاس أن يقول الحق إذا علمه». وعند أبي داود والترمذي وابن ماجه:« أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وعن أنس بن مالك عند ابن ماجه، قال:«قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال:إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم من قبلكم، قالوا: وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رُذّالكم، أي: فسّاقكم».

5:80Page 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

٨٠ - ﴿تَرَىٰ﴾ يا محمد ﴿كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من اليهود ﴿يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ من المشركين والمنافقين، بالمحبة، و الموالاة والنّصرة، ويصافونهم لعداوتهم لك، ويتواطؤون معهم على محاربتك .﴿لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ﴾ من العمل في الدنيا- بموالاة الكافرين، ومعاداة المؤمنين- لمعادهم في الآخرة، ﴿أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ﴾ وغضب عليهم بما فعلوا، ﴿وَفِي ٱلۡعَذَابِ﴾ يوم القيامة ﴿هُمۡ خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها، لا يبغون عنها حولاً، فقد ظلمتهم أنفسهم، حيث قدّمت لهم سخط الله، والخلود في العذاب، وظلموا أنفسهم إذ فوّتوها رضا الله وحسن الثواب.

5:81Page 121

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

٨١ - ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ حقاً وصدقاً ﴿وَٱلنَّبِيِّ﴾ محمّد ﷺ . وقيل: موسى عليه السلام- كما يدّعون- ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ﴾ أي: إلى محمد من القرآن- أو: إلى موسى من التوراة- ﴿مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ﴾ أي: الكفار ﴿أَوۡلِيَآءَ﴾ وأنصاراً من دون الله والنّبي والمؤمنين، فإن الإيمان بالله و النبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد موالاة ربه، وموالاة نبيه وأوليائه، ومعاداة أعدائه، فشرط ولاية الله والإيمان به: أنّ لا يتّخذ أعداء الله أولياء له، وهؤلاء اليهود انتفى عنهم شرط ولاية الله والإيمان به، فدل هذا على انتفاء المشروط، فاتّخذوا أعداء الله أولياء ﴿وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، وولايتهما، والإيمان بهما.

5:82Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ يا محمد، ولكل من يصلحُ له الخطاب ﴿أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ﴾ و بغضاً، و بغياً وحسداً ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ﴾ لتضاعف كفرهم، وشدة شكيمتهم في عنادهم وجحودهم، وانهماكهم في اتباع أهوائهم، ومباهتتهم للحق، وغمطهم للنّاس، وتمرّنهم على التمرد والعصيان، والاستعصاء على أنبياء الله ورسله، وتمكن البغي والحسد من قلوبهم وطباعهم. واليهود أعرق في شدة العداوة للمؤمنين من المشركين، ولذا قُدّموا في الذكر عليهم. وفي الحديث عند ابن مردويه:«ما خلا يهودي بمسلم قطّ، إلا همّ بقتله». والمشركون : هم عبدة الأوثان. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ﴾ أي: محبة ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ﴾ أي: الذين زعموا أنهم من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فهم ألين عريكة، وأسلس انقياداً، وأقرب مودّة و محبة للإسلام وأهله من اليهود والمشركين. وهذه الآيات لا تشمل جميع النّصارى، فإن عداوتهم للمسلمين ظاهرة، بل تشير الآيات إلى جماعة موصوفة منهم، سمعوا القرآن، ففاضت أعينهم من الدمع لمعرفة الحق، ثم آمنوا، ففي هؤلاء نزلت الآيات. وقيل: نزلت في النّجاشي وأصحابه الذين سمعوا القرآن من جعفر بن أبي طالب، فبكوا وآمنوا، وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنيّة، وقصة جعفر مع النّجاشي كانت قبل الهجرة. وقيل: نزلت في الوفد الذي قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة مسلمين إلى المدينة. ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: قرب مودّتهم للمؤمنين، بخلاف اليهود والمشركين ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بسبب أن ﴿مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ﴾ أي: علماء، جمع قسِّيس، صيغة مبالغة من تقسَّس الشيء: إذا تتبعه بالليل، وسمّوا بذلك في الأصل لتتبعهم العلم بكثرة، ﴿وَرُهۡبَانٗا﴾ أي: عباداً زُهاداً، جمع راهب وهو العابد.من الرهبة: وهي المخافة، ومنه الترهّب: وهو التَّعبُّد، والرهبانية: وهي الغلو في تحمل التعبدّ من فرط الرَّهبة. ﴿وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ عن اتباع الحقّ وقبول الخير، والانقياد له، إذا فهموه. أو أنهم يتواضعون للحقّ ولا يتكبرون عنه، كاليهود. والآية تضمنت وصف النّصارى بأن فيهم علماء وعباداً متواضعين، لا يستكبرون عن اتباع الحقّ، والانقياد له، فالعلم والعبادة مما يلطّف القلب ويرقِّقه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وجفاء المشركين. ومثله قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة)الحديد(٢٧).

5:83Page 122

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

٨٣ - ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ محمّد ﷺ من القرآن ﴿تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ﴾ أي: تمتلئ أعينهم بالدمع فتصبّه، كناية عن شدة البكاء- عند سماع القرآن- بملء أعينهم، ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ﴾ أي: مما عندهم من البشارة في كتابهم ببعثة محمّد ﷺ، فهذا حالهم، وأما مقالهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا﴾ بك وصدَّقنا بنبيك وكتابك ﴿فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ بأنهما حق، المقرِّين بتصديقهما. أو : مع الشاهدين من أمّة محمّد ﷺ، الذين يشهدون يوم القيامة، لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة، وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب. وقد روى النّسائي عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النّجاشي وفي أصحابه.

5:84Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

٨٤ - ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ﴾ أي: وأي سبب يحول بيننا، أو مانع يمنعنا عن الإيمان بالله ﴿وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا﴾ الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو القرآن، أي: لا مانع لنا، ولا حائل بيننا وبين الإيمان بالله، والتصديق بكتابه ورسوله، مع وجود مقتضيه، وهو الطمع في إنعام الله علينا بدخول الجنّة، ولذا قال: (ونطمع أن يدخلنا ربنا) الجنّة بإيماننا به وتصديقنا لرسوله، واتباعنا لكتابه ﴿مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ من الأنبياء وأتباعهم المؤمنين بالله، المطيعين لرسوله، المتّبعين لكتابه. فالطمع في دخول الجنّة كان موجباً للمسارعة والانقياد للإيمان، وعدم التّخلف عنه. وهذا الصنف من النّصارى هم المذكورون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله)آل عمران(١٩٩)، وهم الذين قال الله فيهم: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنّا من قبله مسلمين)القصص(٥٣).

5:85Page 122

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

٨٥ - ﴿فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ أي: فجازاهم على إيمانهم، وتصديقهم، واعترافهم بالحقّ، مخلصين له، معتقدين لمضمونه ﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: ماكثين فيها، لا يحولون عنها، ولا يزولون .﴿وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في اتباعهم الحق، وانقيادهم له، المخلصين في إيمانهم، المحسنين القول والعمل. وهذه الآيات في مجموعها نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد ﷺ وتابعوه على دينه وكتابه كالنجاشي وغيره.

5:86Page 122

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

٨٦ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ أي: جحدوا بها، وخالفوها ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: هم أهلها الملازمون لها، لكفرهم بالله، وتكذيبهم بآياته المبيِّنة للحق. والجحيم: ما اشتد حره من النار.

5:87Page 122

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

٨٧ -أسباب نزول الآية: روى ابن أبي حاتم وابن مردويه بنحوه، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لهم:«لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني». و روى الترمذي وغيره عنه، قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني إذا أكلت من هذا اللحم، انتشرت للنساء، وإني حرمت عليَّ اللحم، فنزلت:(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)- الآية. وروى سفيان الثوري، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ، وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) - الآية. و كان هذا قبل تحريم نكاح المتعة. وروى ابن جريج عن عكرمة، أن جماعة من الصحابة هموا باعتزال النساء، والتبتل، ولبس المسوح، والاختصاء، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ فقال:«إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ مما لذَّ وطاب من المطاعم والمشارب، وغير ذلك من المستلذات التي أحلها الله لعباده، كاللباس ونحوه فلا ترُدُّوا نِعَمَ الله بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعوا بذلك بين قول الكذب على الله، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراماً خبيثاً، فإن هذا من الاعتداء المنهي عنه. وفي الآية: النهي عن أن يحرموا على أنفسهم شيئاً مما أحله الله، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقرباً إليه، أو أنه من الزهد في الدنيا، أو لقصد التحريم لذاته، كقول بعضهم: هذا حرام علي، أو حرمته على نفسي، أو نحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت عموم هذا النهي القرآني. ﴿وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ﴾ بتجاوز الحلال إلى الحرام، فلا تترخصوا بتحليل الحرام، ولا تتشددوا بتحريم الحلال. ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا الحلال، ولا تحلوا الحرام، فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه قدر كفايتكم وحاجتكم دون إسراف أو مغالاة، ولا تجاوزوا الحد فيه. وهذا كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)الأعراف(٣١)، وقوله: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً)الفرقان(٦٧)، فشرع الله عدل بين الغالي فيه، والجافي عنه، لا إفراط في دين الله، ولا تفريط، ولا إسراف ولا تقتير، و في الحديث:«إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبتَّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى» .﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين حدود الله وشرعه وحقوقه، بل يبغضهم ويمقتهم، ويعاقبهم على ذلك. والآية أصل في ترك التنطع والتشدد في العبادة، وكذا المبالغة في الزهد في الدنيا، والمغالاة في التقشف والعزوف عن متاعها. وفي الصحيحين عن عائشة: أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال:«ما بال أقوام يقول أحدهم: كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وفي رواية: أن بعضهم قال: أنا أقوم الليل ولا أنام، وقال بعضهم: وأنا أصوم الدهر أبدا، وقال الآخر: وأنا لا أتزوج النساء، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:«هذا أنتم، أما أنا، فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فائدةواختلف العلماء فيمن حرمّ على نفسه حلالاً من مأكل، أو مشرب، أو ملبس أو نحو ذلك، ثم تناوله بعد تحريمه، هل تلزمه كفارة اليمين أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب الشّافعي وغيره: إلى أن من حرمّ على نفسه مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء - ما عدا النساء- فإنه لا يحرم عليه، ولا تلزمه كفارة لذلك، واستدلوا عليه: بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم). وبحديث ابن عباس عند الترمذي، وفيه أن الذي حرّم اللحم على نفسه، لم يأمره النّبي ﷺ بكفّارة. الثاني: وذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى أن من حرم على نفسه مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء، ثم عاوده فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه، إلزاماً له بما التزمه، وبه قال ابن عباس. واستدلوا على ذلك: بقوله تعالى: (يا أيها النّبي لم تُحرِّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم)التحريم(١-٢). وكذلك هاهنا، لما ذكر هذا الحكم عقّبه بالآية المبيِّنة لتكفير اليمين. فدلّ هذا على أنه مُنزَّل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير. والحقّ:أن من حرّم حلالاً على نفسه من طعام، أو شراب، أو ملبس ونحو ذلك، فإنه لا يكون حراماً عليه بتحريمه له، لأن حق التّحريم والتحليل لله عز وجل، لكن لو فعل ما حرّم على نفسه، فعليه كفَّارة يمين، لقوله: (قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم)التحريم(٢). إلا أن تحريم الزوجة فيه كفَّارة ظهار- وهي عتق رقبة من قبل أن يتماسا، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، و«أو» هنا للاستطاعة لا للتخيير، وسيأتي بيانه في سورة المجادلة -إن شاء الله تعالى-.

5:88Page 122

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨

And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.

٨٨ - ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ﴾ أي: كلوا من رزقه حال كونه حلالاً: غير محرَّم- كالسرقة، والغصب، والربا، والرشوة، ونحو ذلك- طيباً: غير مستقذر ولا خبيث حسّاً ومعنى. فيخرج بذلك كل نوع من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حقّ، وكذا الخبائث من المطاعم والمشارب. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بامتثـال أوامـره، واجتنـاب نواهيـه ﴿ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ﴾ فإن إيمانكم بالله، يوجب عليكم تقواه والعمل الصالح، ومراعاة حقّه، وحفظ حدوده، وملازمة أوامره في الحلال والحرام.

5:89Page 122

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩

Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.

٨٩ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُــمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡـوِ﴾ الكائــن ﴿فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ من غير قصد الحلف ولا اعتقاد اليمين، كقول الحالف: لا والله، وبلى والله، مما يسبق إليه اللسان من غير نية ولا قصد ولا اعتقاد لليمين إذا حنثْتم فيها- روى ذلك البخاري عن عائشة في الصحيح- وقوله: «في» بمعنى: «من» أو متعلق باللغو.والمراد بالمؤاخذة: المؤاخذة الدنيوية بالإثم ووجوب الكفارة، فأيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها إذا حنث فيها، فلا إثم فيها، ولا تجب فيها الكفّارة. واختلف في طبيعة يمين اللغو وكيفيته و تعريفه على أقوال منها:اليمين الذي يسبق إليه اللسان في الكلام من غير قصد ولا نية، أي: ما يجري على اللسان مما لا يُقصد به اليمين. ك: «لا والله، وبلى والله» وهذا مذهب الإمام الشافعي.وقيل: اليمين في الهزل وقيل: اليمين في المعصية، وقيل: اليمين على غلبة الظن، كأن يعقد يميناً بالله يظن صدق نفسه فيه، فبان بخلاف ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد، وقيل: اليمين في الغضب،وقيل: اليمين في النّسيانوقيل: هو الحلف على ترك الحلال المباح من مأكل وملبس ومشرب ونحو ذلك، واستدلوا عليه بقوله: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)المائدة(٨٧) . والصّحيح: أن يمين اللغو: هو اليمين من غير قصد ولا نيّة للحلف، بدليل قوله: ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ﴾ عليه، ووثقتموها وعزمتم عليه منها بالقصد والنّية، إذا حنثتم ونكثتم فيها. [وفي قراءة: (عَقَدتم) بالتخفيف، وفي أخرى: (عاقدتم)]. وحُذف ذكر الحنث باليمين، للعلم به، والمراد بالمؤاخذة هنا: المؤاخذة الدنيوية بوجوب الكفارة، فالأيمان المعقودة الموثقة بالقصد والنّية، يؤاخذ الله الحالف بها، إذا حنث فيها، بالكفارة المذكورة في الآية في قوله: ﴿فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ﴾ أي: كفارة اليمين التي عقدتموها ووثقتموها بالقصد والنّية إذا حنثتم فيها : ﴿إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ﴾ أي: محاويج من الفقراء، ومن لا يجد ما يكفيه، لكل مسكين مُدّ أو مُدّان من بُر أو تمر، أو غالب قوت البلد. والكفّارة: اسم للفعلة التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة، أي: تسترها وتمحوها، إذ الممحوّ لا يُرى كالمستور. وذلك الإطعام يكون ﴿مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ﴾ منه ﴿أَهۡلِيكُمۡ﴾ أي: أقصده وأغلبه وأعدله وأمثله، لا أعلاه، ولا أدناه، من غير إسراف ولا تقتير.فائدةواختلف في كمية هذا الإطعام على أقوال: الأول: فذهب عمر وعلي وعائشة ومجاهد وسعيد بن جُبير والنّخعي والضّحاك: إلى إطعام كل واحد من العشرة مدّان أو نصف صاع من بُرّ أو تمر ونحوهما. (والصّاع:أربعة أمداد، ويساوي ٢٫٦٠٠ كيلو جرام تقريبا) . الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى إطعام نصف صاع من بر، وصاع مما عداه، لما رُوي عن ابن عباس قال: كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر النّاس به، ومن لم يجد فنصف صاع- أي: مدّان من بُرّ-.الثالث: وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين: مُدّ بمدّ النّبي ﷺ لكل مسكين من بر أو تمر أو غالب قوت أهل البلد. واحتجّ بأمر النّبي ﷺ للذي جامع في نهار رمضان بأن يطعم ستّين مسكيناً من مكتل يسع خمسة عشر صاعاً، والصاع: أربعة أمداد،فيكون لكل مسكين مُدٌّ- أي: ربع صاع-. الرابع: وقال أحمد، فيما رواه ابن مردويه وأخرجه ابن ماجه - وفي سنده ضعف-: مدّ من برّ أو مدّان من غيره.قلت: و في إخراج مُدٍّ أو مُدّان أو صاع، سعة. و الله تعالى أعلم. ﴿أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ﴾) أي: كسوة عشرة مساكين. والكسوة: ما يكسو البدن، ولو كان ثوباً واحداً، وقيل: المراد بالكسوة: ما تجزئ به الصلاة. واختلف فيه أيضاً على أقوال: الأول: قال الشافعي: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص، أو سراويل، أو إزار أو عمامة، أجزأه ذلك. الثاني: وقال مالك وأحمد: لا بد أن يدفع إلى كل واحد من العشرة من الكسوة ما يصح أن يصلى فيه، إن كان رجلاً أو امرأة، كل بحسبه. الثالث: وقال الحسن: ثوب لكل واحد من العشرة. وقال الثوري: عمامة يلُف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. ﴿أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ﴾ أي: عتق نسمة مملوكة من الرقّ، عبد أو أمة. وأصل التحرير: الفك من الأسر. و«أو» هنا للتخيير لا للاستطاعة، فالحالف مخيّر بين هذه الثلاثة المتقدمة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، يُخرج أيها شاء، فمتى فعل واحداً من هذه الثلاثة مخيراً، فقد انحلّت يمينه، وكفّر عنها. فائدةواختلف في عتق الرقبة: أهي على إطلاقها، أم مقيّدة بكونها «مؤمنة»؟ على قولين: الأول: فذهب أبو حنيفة إلى الأخذ بالإطلاق، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. الثاني: وذهب الشافعي وغيره: إلى القول بحمل المطلق على المقيّد، كما تقرر في الأصول، فقالوا بعتق رقبة مؤمنة، وأخذوا تقييدها بالإيمان:من كفّارة القتل والظهار، لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب ومن حديث معاوية بن الحكم السُّلمي، أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، فجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا»، قالت: رسول الله، قال:«أعتقها فإنها مؤمنة». رواه مسلم ومالك في «الموطّأ» والشّافعي في «مسنده». قلت: و هو الأظهر عندي دليلا. قال ابن كثير: فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين المنعقدة، أيها فعل الحانث مخيراً أجزأ عنه، بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فيرقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف الحانث في يمينه على واحد من هذه الخصال الثلاث، كفّر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ﴾ شيئاً من الأمور الثلاثة المذكورة، المخيّر بينها، أي: فإن لم يستطع إطعاماً أو كسوة أو عتقاً- وفسر بعضهم الاستطاعة: بأن يكون عنده ما يزيد على إطعام أهله يوماً وليلة-. ﴿فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ﴾ أي: فيكفيه عن الكفارة صيام ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات، وهو ظاهر الآية. فإن عجز عن ذلك كله استقر الحق في ذمته حتى يستطيع.فائدةواختلف في صيام الأيام الثلاثة: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ويجزئ التفريق؟ على قولين: الأول: لا يجب التتابع ولا يُشترط وهو قول مالك والشّافعي، بل يجوز التفريق في صيامها، واستدلوا بإطلاق قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام) وهو يصدق على المجموعة المتتابعة، والمفرّقة، كما في قضاء رمضان لقوله: (فعدة من أيام أُخر)البقرة(١٨٥). الثاني: وذهب أبو حنيفة وأحمد ورواية للشّافعي في «الأم»: إلى وجوب التتابع في صيامها، واستدلوا بما رُوي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وقد روى مجاهد والشعبي- أيضاً- أنها قراءة عبد الله بن مسعود، فهذا إن لم يثبت كونه قرآناً متواتراً، فلا أقل من أن يكون خبر واحد، أو تفسيراً من الصحابة، وهو في حكم المرفوع على الصحيح. قلت: والأول أوْلى عندي، لعدم الدليل على وجوب التتابع. ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور في الآية- من إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهـم، أو تحريـر رقبـة، أو صيام ثلاثـة أيـام- ﴿كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ المنعقدة ﴿إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ﴾ عليها ثم حنثتم فيها .﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ عن الحنث فيها، فبرُّوا بها، ولا تنكثوها ما لم يكن الحنث خيراً وأفضل، كأن تكون على ترك فعل خير، أو صلة رحم، أو إصلاح بين النّاس، فافعلوا الخير وكفّروا، فتمام الحفظ- حال كون الحنث أفضل: أن يفعل الخير، ولا يجعل يمينه عرضة لذلك الخير. وقيل: واحفظوا أيمانكم عن الحلف بالله كاذباً، أو عن كثرة الأيمان، أو عن المسارعة إليها. وقيل: واحفظوا أيمانكم فلا تتركوها بغير تكفير إذا حنثتم فيها، بل برُّوا بها إذا كانت في طاعة غير معصية. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثل ما بيّن لكم ما ذُكر ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ ومعالم شريعته المبيِّنة للحلال من الحرام، الموضحة للأحكام، المفسرة لها ﴿لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه، وإيضاح أحكامه. و نظير هذه الآية:آية(٢٢٥) سورة البقرة.فائدةواليمين أنواع ثلاثة: يمين اللغو: وهي التي تكون بغير قصد ولا نية، فهذه لا حنث فيها ولا مؤاخذة، ولا كفّارة. اليمين المنعقدة: وهي التي يحلف عليها الحالف، قاصداً فعل شيء أو عدم فعله بالمستقبل، ففي الحنث فيها- الكفّارة المذكورة في الآية: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو صيام ثلاثة أيام. واليمين الغموس: وهي التي يحلفها صاحبها كاذباً مجترئاً على الله، وهو يعلم بذلك، فيضيع بها حق امريء مسلم، أو يقصد بها غشا أو خيانه.وسميت «غموساً»: لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وهي من كبائر الذنوب، وفي وجوب الكفارة فيها قولان: أحدهما: تجب فيها كفّارة، والثاني: لا تجب، فلا يُكفِّرها عتق ولاصدقة و لا صيام، بل لا بد فيها من توبة نصوح و رجوع إلى الله، مع أداء الحقوق لأربابها. و هو الأولى. وعليه، فلا ينبغي للمسلم أن يحلف، أو يكثر الحلف بالله، إلا إذا استُحلف، فإذا أراد أن يحلف، فليحلف بالله تعالى أو ليدع، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال:«إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». فلا يجوز الحلف بمخلوق، كالأنبياء والملائكة والكعبة والشرف والعرض وحياة الابن والأب إلى غير ذلك من الأيمان المنهي عنها شرعاً.

5:90Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.

٩٠ - سبب نزول الآية: روى أحمد عن أبي هريرة قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس)البقرة(٢١٩)، فقال النّاس: ما حُرِّما علينا، إنما قال: (فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس) وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أشد منها: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)النساء(٤٣)، فكانوا يشربون الخمر- أي: إلا وقت الصلاة- ثم أنزل الله آية أشد منها: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر)- إلى قوله-: (فهل أنتم منتهون) قالوا: انتهينا ربنا. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ﴾ أي: المسكر الذي يخامر العقل- أي: يغطيه ويستره بسكره- وهو كل شراب يُسكر، قليله وكثيره في الحُرمة سواء، لما رواه مسلم في «صحيحه»:«كل مسكر خمر، وكل مسكر- وفي رواية: خمر- حرام». وعند أحمد وابن حبان وصححه و الترمذي وحسّنه وغيرهم:«ما أسكر كثيره، فقليله حرام».﴿وَٱلۡمَيۡسِرُ﴾ أي: القمار، وهو جميع المغالبات، أو المعاوضات، التي فيها عوض من الجانبين كالمراهنة ونحوها. ﴿وَٱلۡأَنصَابُ﴾ وهي الأصنام والأنداد التي كانت تُنصب في الجاهلية وتعبد من دون الله. وقال ابن عباس ومجاهد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، ويعظمونها من دون الله. ﴿وَٱلۡأَزۡلَٰمُ﴾ وهي قداح الاستقسام التي كانوا يستقسمون بها في الجاهلية. ﴿رِجۡسٞ﴾ أي: نجس وخبث مُستقذر، أو إثم، أو شر، والمراد بالنجاسة هنا: النّجاسة المعنوية لا الحسية.والرجس- كما قال الزجَّاج-: اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح حسّا ومعنى، يقال: رجس- بكسر الجيم وضمها، كفرح وكرُم- أي: عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرّجس: وهو شدة صوت الرعد، وهدير البعير، فسمّى العمل الشديد في القبح، رجساً. ﴿مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ بسبب تحسينه لذلك، وتزيينه ودعائه له ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾ أي: اتركوه وكونوا جانباً من هذا الرجس، بعيدين عنه، أن تفعلوه ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ بالاجتناب عنه. والأمر هنا للوجوب، وهو أبلغ في إفادة التحريم، فلفظ التحريم يقع على عين الشيء، ولفظ الاجتناب يفيد تحريم العين، وتحريم الطرق الموصلة إليها. والفلاح: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.

5:91Page 123

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?

٩١ - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ بتزيينه وتسويله ووسوسته ﴿أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ والشقاق والشحناء، أي: ما يؤدي إلى الشتم والسّب والضرب والقتال ونحو ذلك، وهما من المفاسد الدنيوية ﴿فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ﴾ إذا أتيتموهما، لما يحصل فيهما من الشر، والفتن، وذهاب العقل، وأخذ مال الغير في غير مقابلة أو عوض ﴿وَيَصُدَّكُمۡ﴾ بالاشتغال بهما ﴿عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ فيلهيكم عنه ﴿وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ ﴾ فيمنعكم مراعاة أوقاتها، فالصّد عنهما من المفاسد الدينية، وخصهما بالذكر تعظيماً لهما. وفي الصد عنهما إضاعة للدين والدنيا. ﴿فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ عن إتيانهما؟ أي: فهل أنتم تاركون لهما نهائياً؟ وهو استفهام إنكاري بمعنى: انتهوا! وهو من أبلغ ما يُنهى به، ولذا قالوا في جوابه: قد انتهينا يا رب! إذ فهموا التحريم المؤكد القاطع. وهذه الآية: أصل في تحريم الخمر، وكل مسكر يخامر العقل، قليلاً كان أو كثيراً، وأصل في تحريم القمار بأنواعه، وكافة المغالبات التي فيها عوض من الجانبين، كالمراهنة ونحوها. فائدة حديثيةو قد ورد في بيان تحريم الخمر، وتحريم بيعها والمتاجرة فيها، وبيان الحد على شاربها أحاديث:منها: ما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس، وكان قد سُئل عن بيع الخمر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لرجل جاءه براوية خمر يُهديها إليه:«أما علمت أن الله حرّمها» فقال الرجل لغلامه: اذهب فبعها، فقال رسول الله ﷺ:«إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها». وفي رواية عند أحمد:«إنها قد حُرمت وحُرِّم ثمنها». وعند أبي يعلى الموصلي من حديث تميم الداري، أنه كان يُهدى لرسول الله ﷺ راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فقال رسول الله ﷺ:«إنها قد حُرِّمت بعدك»، قال: فأبيعها وأنتفع بثمنها، فقال رسول الله ﷺ:«لعن الله اليهود، حُرمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله حرَّم الخمر وثمنها». وعند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله حرّم الخمر والميسر، وكل مسكر حرام» . وروى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:« لُعنت الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها، ومبتاعها ، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها ومعتصرها، وآكل ثمنها». وفي الصحيحين عن أنس: أن النّبي ﷺ أُتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال أنس: وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر، استشار النّاس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. وأخرج أبو داود والنّسائي: أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر:«إن النّاس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة»، وعند عمر المهاجرون والأنصار، فسألهم، فأجمعوا على أن يُضرب ثمانين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском