Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:92–99
5:92Page 123
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢
And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.
٩٢ - ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ في كل أمر ونهي، أي: في جميع ما أمرا به ونهيا عنه، ظاهراً و باطـناً ﴿وَٱحۡذَرُواْۚ﴾ معصية الله ورسوله، و مخالفة أمرهما في السر والعلن.﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ أي: أعرضتم عن طاعة الله و رسوله وعمّا أُمرتم به ونُهيتم عنه، ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: الإبلاغ البيِّن الواضح، فقد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، فإن اهتديتم فلأنفسكم، وإن أسأتم فعليها، وعلى الله الحساب والجزاء والانتقام. و المعنى: إن خالفتم الشرع الذي أمرتم باتباعه، فالحجة عليكم، ولا عُذر لكم.
5:93Page 123
لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣
There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.
٩٣ - سبب نزول الآية:روى البخاري ومسلم عن أنس: أنه بعد تحريم الخمر- أي: بعد نزول الآيتين (٩٠-٩١) من هذه السورة- قال بعض النّاس: قُتل فلان، وقُتل فلان، وهي في بطونهم، فأنزل الله الآية.وفي رواية أنهم قالوا: يا رسول الله، ما ترى فيمن مات وهو يشربها، فأنزل الله الآية.وفي رواية عند البيهقي والنسائي أن أُناساً من المتكلّفين قالوا بعد تحريمها: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان، وقد قُتلوا يوم أحد، فنزلت الآية. وفي رواية أحمد عن أبي هريرة: أن النّاس قالوا- بعد نزول آية التحريم-: يا رسول الله، ناس ماتوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان، فنزلت الآية، فقال رسول الله ﷺ:«لو حُرِّم عليهم لتركوه كما تركتم». ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ﴾ أي: إثم ولا حرج ﴿فِيمَا طَعِمُوٓاْ﴾ أي: شربوا وأكلوا من الخمر والميسر قبل تحريمهما، ثم قيد نفي الإثم والجناح بقوله: ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾ الشرك، أو المعاصي والمحرمات، أو ما حُرِّم عليهم قبل ذلك- أي: قبل تحريم الخمر والميسر- ﴿وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ﴿ثُمَّ ٱتَّقَواْ﴾ ما حُرِّم عليهم بعد ذلك، أي: اتقوا الخمر والميسر بعد التحريم ﴿وَّءَامَنُواْ﴾ بتحريمهما ﴿ثُمَّ ٱتَّقَواْ﴾ جميع ما شُرع تحريمه في شرع الله، وثبتوا على ذلك ﴿وَّأَحۡسَنُواْۚ﴾ العمل لله، وأخلصوا له القصد والتوجه. فتكرير الاتقاء باعتبار الأوقات الثلاثة: قبل تحريم الخمر والميسر، وبعد تحريمهما، ثم اتقاء جميع ما شُرِعَ تحريمه بعد ذلك في شرع الإسلام. والآية نزلت في بيان من مات من الصحابة قبل تحريم الخمر والميسر وقد طعموهما، فبيّنت حال من مات قبل التحريم وحال من يموت بعده. والمراد: أنه لا جناح عليهم إذا كان من شأنهم أنهم كلما أُمروا بشيء أو نُهوا عن شيء، سارعوا إلى الطاعة والامتثال.وظاهرٌ أن انتفاء الجناح مقيد باتقاء المحرمات، ولا دخل فيه لباقي الصفات الحميدة المذكورة في الآية، من مثل قوله: (آمنوا وعملوا الصالحات) وقوله: (آمنوا) وقوله: (أحسنوا) وإنما ذكرت شهادة باتصاف هؤلاء الصحابة بها. ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ لۡمُحۡسِنِينَ﴾ ويرضى عنهم ويثيبهم. ومما يدل على سرعة امتثال الصحابة لأمر الله ورسوله: ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس: أنه كان يسقي نفراً من الصحابة عند أبي طلحة، إذ أتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حُرمت؟ فقالوا: يا أنس، اسكب ما بقي في إنائك، قال: فو الله ما عادوا فيها. وفي رواية عنه: أنه كان يسقي القوم، إذ نادى مناد: إلا إن الخمر قد حُرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، اخرج فأهرقها، قال: فهرقتها. وفي رواية أنه قال: فما دخل علينا داخل، ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال.
5:94Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤
O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.
٩٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ﴾ أي: ليختبرنكم ويمتحننّكم ﴿ٱللَّهُ﴾ وهو أعلم بكم ﴿بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ﴾ أي: بنوع من البلايا: وهو تحريم مصيد البر، صغيره وكبيره، عليكم حال إحرامكم، أو في الحرم. فقد كان الصيد أحد معايش العرب، فابتلاهم الله بتحريمه عليهم، في حال إحرامهم، وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت.وعن مقاتل بن حيان، قال: أنزلت هذه الآية في عمرة الحُديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون. ﴿تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ﴾ أي: دون حاجة إلى السهام والجوارح والطرائد، ابتلاءً من الله تعالى لكم، فيكون في متناول الأيدي والرماح، تتمكنون من صيده، ليتمّ بذلك الابتلاء. ﴿لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ﴾ علم ظهور وتمييز- يترتب عليه الثواب والعقاب- ﴿مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾ أي: من يخاف الله في سرِّه- حال كون العبد لم ير الله- كما يخافه في جهره، فيكفّ عما نهى الله عنه من الصيد، مع قدرته عليه، وتمكنه منه، ممن لا يخافه في سره أو جهره. وهذا كقوله تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)الملك(١٢). والمعنى: ليبلونكم الله بالصيد، وأنتم محرمون، أو في الحرم، يغشاكم في رحالكم، تتمكنون من أخذه سهلاً هيناً، بالأيدي والرماح، ليتميّز من يخاف الله بالغيب، ممن لا يخافه، وليظهر من يطيع الله في سره وجهره ممن لا يطيعه. ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: بعد هذا الإعلام والإنذار، والنهي عن الصيد حال الإحرام، أو في الحرم، فاصطاده منكم و استحله بعد تحريمه ﴿فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع، لاعتدائه وعدم مبالاته بطاعة ربّه، ومخالفته أمر الله وشرعه. وفي الآية: سرٌّ من أسرار الابتلاء، وهو أن من لم يتعود كبح نفسه، وطاعة ربّه، في الهيّن من هذه البلايا، لا يكاد يكبحها عن العظائم والمزالق.
5:95Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2
٩٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ ﴾ أي: وأنتم محرمون بحج أو عمرة- ولو كنتم خارج الحرم- ومثله ولو كنتم في الحرم وأنتم حلال- أي: غير محرمين بحج أو عمرة-. والمراد بالصيد هنا: صيد البر، وهو ما توالده ومثواه في البر، مما هو ممتنع لتوحُّشه خِلقة وطبعاً. وقوله: (حُرم): جمع حرام، وهو يقع على المحرم بحج أو عمرة، وإن كان في الحل، وعلى من في الحرم وإن كان حلالاً غير محرم بحج أو عمرة. فهما سواء في النّهي عن قتل صيد البر. فائدةهذا التحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، والنّهي عن تعاطيه فيه، إنما يتناول من حيث المعنى: المأكول، ولو ما تولد منه ومن غيره، كالبغل: فإنه متولد من حمار غير مأكول وحصان مأكول، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعلى قولين: الأول: ذهب الشافعي: إلى جواز قتل غير المأكول من الصيد. الثاني: وذهب الجمهور: إلى تحريم قتل الصيد جميعه، المأكول منه وغير المأكول. قلت: وهو الصحيح عندي، لعموم الآية و لحديث جابر مرفوعا:«و في الضبع إذا أصابه المحرم، كبش» والضبع غير مأكول. أما ما استُثني جوازه من قتل الصيد: فالحدأة والغراب، والعقرب والفأرة والكلب العقور، لما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال:«خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب والفأرة، والكلب العقور». وعند مالك في «الموطأ»، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال:«خمس من الدّواب ليس على المحرم في قتلهن جُناح- وكذا قتلهن في الحرم-: الغراب والحدأة، والعقرب والفأرة، والكلب العقور». وفي رواية: «الحية» بدل «العقرب». ولا شيء على المحرم في قتل السبُع والنمر والفهد و الذئب و نحو ذلك ، إذا ابتدأت بالأذى والتعدي. و قيل: مطلقا. فقد ألحق مالك و أحمد بالكلب العقور: الذئب و السبُع و الفهد، لأنها أشد ضرراً منه. وقال زيد بن أسلم: الكلب العقور يشمل هذه السّباع كلها، واستأنس من قال بهذا: بما روي أن رسول الله ﷺ دعا على عُتبة بن أبي لهب، فقال:«اللهم سلط عليه كلبك بالشّام». فأكله السّبعوسُئل نافع عن قتل الحية في الحرم، فقال: الحية لا يُختلف في قتلها. وقد وردت بها رواية في حديث ابن عمر عند مالك في «الموطأ». والنّهي عن قتل الصيد حال الإحرام أو في الحرم- يشمل النّهي عن مقدمات القتل ودواعيه، وعن المشاركة فيه، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، ومن تمام ذلك: أن يُنهى المحرم عن أكل ما قُتل، أو صيد لأجله. وهذا كله من باب تعظيم شعائر الله ومناسكه.﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا﴾ أي: ومن قتل الصيد- حال الإحرام، أو فـي الحرم- عامـداً ذاكراً لإحرامـه، ﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ﴾ أي: فعليه جزاءٌ من النّعم- وهو: الإبل أو البقر أو الغنم- مماثل لما قتله من الصيد في الخِلقة والمنظر، يذبحه في الحرم ويتصدّق به على مساكينه. وقوله: (من النّعم): حال من (مثل) أو صفة له. [ وفي قراءة بإضافة «جزاء»: (فجزاءُ مِثلِ ما قتل من النَّعم)].فائدةو اختلف في وجوب الكفارة في غير العمد ، على قولين: الأول: لا كفارة على غير المتعمد، فالخطأ والغلط والنّسيان لا كفارة فيه، ولا جزاء عليه، ولا إثم، كما صرحت به الآية، و لحديث:«إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه». الثاني: وذهب الجمهور: إلى وجوب الجزاء والكفارة على العامد والنّاسي والمخطئ، حيث دلّ الكتاب على وجوب الجزاء على العامد في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النّعم) وعلى تأثيمه في قوله: (ليذوق وبال أمره). وجاءت السنة بوجوب الجزاء في الخطأ- كما دل عليه الكتاب في العمد- وأيضاً فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النّسيان. - حسب القاعدة الشرعية: أن المتلف للنّفوس والأموال المحترمة، يضمنها على أي حال كان إتلافه في العمد والنّسيان- لكن المتعمد مع وجوب الكفارة مأثوم، والمخطئ النّاسي مع وجوبها غير ملوم. قلت: وهذا القول أولى عندي، لأن تجاوز الخطأ والنسيان عن الأمة لا يستلزم عدم الكفارة ،و الله أعلم.واختلف في وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، أو إيجاب قيمته، على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي- أي: الأهلي- وكلا القراءتين دليل لما ذهب إليه الجمهور، وإلى وجوب القيمة في غير المثل. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى إيجاب القيمة فيما قتله المحرم من الصيد، سواء كان الصيد المقتول مثلياً، أو غير مثلي. قلت: وقول الجمهور أولى عندي، لظاهر الآية.﴿يَحۡكُمُ بِهِۦ﴾ أي: بالجزاء في المثل، أو بالقيمة في غير المثل ﴿ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين يعرفان الحكم، ووجه الشبه بين المقتول من الصيد ومثله، فيميزان بالفطنة والمعرفة والخبرة أشبه الأشياء به. فقد حكم عمر وعلي وابن عباس في النّعامة ببدنة، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره، ببقرة، وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف في الظبي بشاة، وحكم عمر وابن عباس في الحمامة- كما في النّعامة- ببدنة، لأنها تشبهها في العبّ- أي: في شرب الماء بلا مصٍّ- وحكم غيرهم في الحمامة بشاة، وقضوا في الأرنب بسخل.فقد روى جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي ﷺ:«وفي الظبي شاة، و في الأرنب عناق-وهي الأنثى من المعز لم تبلغ سنة-» . وهكذا فكل ما يشبه من الصيد شيئاً من النّعم، ففيه مثله، فإن لم يشبه شيئاً من النّعم ولم يكن له مثل، كالعصفور والجراد، ففيه قيمته- كما هي القاعدة في المتلفات- وحكم الحكمين إذا حكما بشيء ملزم شرعاً.فائدةواختلف في قاتل الصيد: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين: الأول: لا، لأنه قد يُتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك. الثاني: نعم، يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين، لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد. قلت: وهو كذلك، لعدم الدليل على ما ذهب إليه مالك. واختلف: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم من الصيد، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصّحابة، أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين: الأول: فذهب الشافعي وأحمد: إلى القول باتباع ما حكمت في مثله الصحابة ، وجعله شرعا مقررا لا يعدل عنه إلى غيره ،وما لم يحكم فيه الصحابة ، يُرجع فيه إلى حكم عدلين من المسلمين .الثاني: وذهب أبو حنيفة ومالك: إلى القول بعدم اتباع أحكام الصحابة، وإلى وجوب الحكم في كل فرد، سواء وُجد للصحابة فيه حكم، أم لا، لعموم قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم). قلت: والأول أولى عندي. ذلك الحكم بالجزاء لا بد أن يكون ﴿هَدۡيَۢا﴾ يُهدى إلى الحرم، أي: يُفعل بالجزاء مثل ما يفعل بالهدي ﴿بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ﴾ أي: واصلاً إليها.والمراد بوصول الهدي وبلوغه الكعبة: أي: الحرم، فيُذبح فيه، ويُفرق لحمه، ويُتصدق به على مساكين الحرم ، وهذا أمر متفق عليه. ولا يجوز أن يذبح الهدي حيث كان، إذ لا يجزئ الذبح في غير الحرم. وخُصت الكعبة بالذكر للتعظيم، إذ هي الأصل - أي: أصل الحرم -وعليه فلم يُرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، وإنما أراد الحرم ولا خلاف فيه. والهدي: ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم، فيذبح في الحرم ويتصدق به على مساكينه. فإن لم يكن للصيد مثلٌ من النعم، كالعصفور والجراد، فعليه قيمته -كما تقدم - والله تعالى أعلم. ﴿أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ﴾ أي: أو على المحرم الذي قتل صيداً، كفارةٌ، غير الجزاء، هي: طعام مساكين من غالب قوت البلد، أي: ما يساوي قيمة الجزاء طعاماً، لكل مسكين مُدٌّ أو مُدَّان. [وفي قراءة بالإضافة: (أو كفارةُ طعامِ مساكين) وهي للبيان]. وقوله: (أو كفارةٌ) معطوف على (جزاءٌ). و«أو» للتخيير عند الجمهور، وللترتيب عند الشافعي في أحد قوليه، والأول أولى. وصورة الحكم: أنه إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، كالعصفور ونحوه، أو قلنا بالتخيير فيعدل إلى القيمة:فيُقوَّم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه. أو يُقوَّم مثله من النعم لو كان موجوداً، عند الشافعي، ثم يُشترى به طعام، فيُتصدق به، فيُصرف لكل مسكين منه: مُدّ من غالب قوت البلد، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير. أو مُدّان لكل مسكين ، عند أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول مجاهد.أو مُدّ من البر، أو مدان - أي: نصف صاع - من غيره، عند أحمد. فائدةواختلف في لفظ «أو»: أهو للتخيير، أم للترتيب؟ على قولين: الأول: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه - والمشهور عن أحمد: إلى القول بالتخيير في هذا المقام لمن قتل صيداً وهو محرم أو قتله في الحرم، فهو مخير بين الجزاء، والإطعام، والصيام، لظاهر «أو» بأنها للتخيير. الثاني: وذهب الشافعي- في القول الثاني -: إلى أن «أو» على الترتيب لا التخيير، فمن قتل صيداً وهو محرم أو قتله في الحرم، فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يهدى إلى البيت فيذبح في الحرم ويوزع على مساكينه، فإن لم يجد مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، عدل من الجزاء إلى القيمة والإطعام، فيُقوَّم الصيد المقتول ويشترى بثمنه طعام، فيعطى لكل مسكين منه مُدّ أو مُدّان، فإن لم يجد، عدل إلى الصيام، فيصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.قلت: و الأول أوْلى و أظهر. واختلف في مكان هذا الإطعام على أقوال ثلاثة: الأول: قال الشافعي: مكان الإطعام : الحرم، وبه قال عطاء. الثاني: وقال مالك: يطعم في المكان الذي أصاب به الصيد، أو أقرب الأماكن إليه. الثالث: وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.قلت : و هو كذلك، ففي الأمر سعة، و الله تعالى أعلم. ﴿أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا﴾ أي: فإن لم يجد المحرم الذي قتل صيداً - الجزاء أو الإطعام - أو قلنا بالتخيير- فعليه ما يعادل مثل هذا الطعام ويقابله صياماً، فيصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، أو يصوم عن كل مد يوماً. والعدل - بالفتح-: ما عادل الشيء من غير جنسه، وأما بالكسر: فما عادله من جنسه، وقيل: هما سواء، ومعناهما: المثل مطلقاً. فائدةوذهب آخرون إلى تفصيل مغاير وهو: أن المماثلة إنما تعتبر ابتداءً بحسب القيمة، فيُقوَّم الصيد المقتول من حيث هو :فإن بلغت قيمته قيمة هدي، يُخير الجاني بين أن يشترى بها هدياً، يُهدى إلى الكعبة، ويُذبح في الحرم، ويتصدق بلحمه على من يشاء من مساكين الحرم، وبين أن يشترى بها طعاماً للمساكين، لكل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاع من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. وإن لم تبلغ قيمته قيمة هدي، يُخيّر الجاني بين إعطائها لمسكين، وصوم يوم كامل. فيكون قوله: (من النعم) تفسير للهدي المشترى بالقيمة على أحد وجوه التخيير الثلاثة: الهدي، أو الإطعام، أو الصيام.﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ﴾ أي: نكال ﴿أَمۡرِهِۦۗ﴾ أي: أوجبنا على المحرم الذي قتل صيداً - حال إحرامه أو في الحرم - هذا الجزاء من الهدي أو الإطعام أو الصيام، ليذوق جزاء ذنبه، وسوء عاقبة فعله، الذي ارتكب فيه المخالفة. والوبال في الأصل: الثقل والشدة والوخامة. يقال: وَبُل المطر: إذا اشتد، فهو وبيل. ووبُل المرتع وبالاً ووبالةً، بمعنى: وخم. ثم قيل في سوء العاقبة: وبال، وفي العمل السيء: هو وبال على صاحبه. ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ﴾ من قتل الصيد - حال الإحرام، أو في الحرم - قبل تحريمه، أو قبل نزول الكفارة، وقال عطاء: عما كان في الجاهلية، أي: لمن كان في زمن الجاهلية، ثم أحسن في الإسلام واتبع أمر الله وشرعه.﴿وَمَنۡ عَادَ﴾ إلى قتل الصيد بعد تحريمه، أو بعد هذا البيان والحُكم، فقتله وهو محرم أو في الحرم. أو من فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه. ﴿فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ﴾ في الآخرة، فيعذبه بذنبه ويأخذه بجريرته. وقيل: ينتقم منه بالكفارة.فائدةواختلف في العوْد: هل عليه كفارة أم لا؟ على قولين: الأول: ذهب الجمهور من السلف والخلف: إلى أنه متى قتل المحرم الصيد، وجب الجزاء - بأنواعه الثلاثة المذكورة - ولا فرق بين المرة الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر، سواء في ذلك الخطأ أو العمد. الثاني: وذهب ابن عباس، فيما رواه عنه ابن جرير، وكذا شريح القاضي ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري: إلى أنه من أصاب صيداً، يُحكم عليه في أول مرة، فإن عاد وتكررت منه المعصية، لا يحكم عليه، بل يقال له: اذهب ينتقم الله منك، أي: ذنبك أعظم من أن يُكفَّر. قلت: والأول أولى عندي، لأن انتقام الله منه قد يكون بتكرر الكفارة عليه.﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٞ﴾ أي: غالب في ملكه وعلى أمره، منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام من انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. ﴿ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ أي: ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.
5:96Page 124
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
٩٦ - ولما كان الصيد يشمل البري والبحري منه، استثنى الله الصيد البحري، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ﴾ أيها الناس، حلالاً كنتم أو محرمين بحج أو عمرة -. ﴿صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ﴾ أن تأكلوه، وهو: ما يصطاد منه حياً طرياً، وما لا يعيش إلا فيه، كالسمك والحوت ونحو ذلك، بخلاف ما يعيش فيه وفي البر، كالسرطعان ونحوه. ﴿وَطَعَامُهُۥ﴾ أي: ما يقذفه البحر ميتاً أو مات فيه، فدل ذلك على حل ميتة البحر، بخلاف ميتة البر. والمراد بصيد البحر: صيد ما توالده ومثواه في الماء، والمراد بالبحر: جميع المياه، بحراً، أو نهراً، أو غديراً، أو جدولاً، أو بركة. والمراد بالصيد: الاصطياد أو الصيد منه حياً طرياً، والمراد بطعام البحر: ما يقذفه البحر من حيواناته ميتا، وقيل: ما يؤكل من صيده. والمعنى: أحل لكم - في حال حلكم وإحرامكم - صيد البحر وأكل ما يؤكل من حيوانه، حيه وميتته، والانتفاع بما يصاد منه ﴿مَتَٰعٗا لَّكُمۡ﴾ أي: تمتيعاً، ومنفعة، وقوتاً لكم، تأكلونه طرياً، لمن كان منكم مقيماً أو بحضرة البحر ﴿وَلِلسَّيَّارَةِۖ﴾أي: وللمسافرين منكم يتزودونه قديداً. جمع سيار: أي مسافر. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ﴾ أي: اصطياده وهو ما يعيش فيه من الوحش المأكول، فيؤخذ من لفظ «الصيد»: كونه وحشياً لا إنسياً، لأن الإنسي ليس بصيد، وكونه مأكولاً، فإن غير المأكول لا يصاد، ولا يطلق عليه اسم الصيد. ﴿مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ﴾ أي: حرم عليكم اصطياد المأكول من صيد البر ما دمتم محرمين - أي: في حال إحرامكم - وكذا الأكل منه على التفصيل التالي: لو صاده حلال - أي: غير محرم- لنفسه فأهداه للمحرم، فللمحرم أكله، لما رواه أصحاب السنن، من قوله ﷺ:«صيد البر حلال لكم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم». ولو صاد غير المحرم الصيد لأجل المحرم، حَرُم على المحرم أكله، لكونه صيد لأجله. وسيأتي دليله في فائدة (٤) إن شاء الله تعالى. و في الآية: دلالة على تحريم صيد البر وأكله للمحرم، وعليه فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً: أثم وغرم وحرُم عليه أكله. وإن صاده مخطئاً: غرم، ويحرُم عليه أكله أيضاً، لأنه في حقه كالميتة. واختلف في حق غيره من المحرمين والمحلين، على قولين: فعند مالك والشافعي في أحد قوليه : أن المحرم إذا صاد عامداً أو مخطئاً حرم أكل الصيد على غيره من المحرمين والمحلّين. وعند الشافعي في القول الثاني لا يحرم أكله على غيره من المحرمين والمحلّين.قلت: و هو المتعيّن، لعدم الدليل على القول الأول. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بفعـل ما أمر به، وتـرك مـا نهى عنـه ﴿ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ في الآخرة، فيجازيكم على الخير خيراً وعلى الشر شراً.فائدةاستدل الجمهور بهذه الآية على حل ميتة البحر، و استدلوا أيضاً: بما في الصحيحين وعند مالك في «الموطأ» من حديث جابر بن عبد الله قال:« بعث رسول الله ﷺ بعثاً قِبل الساحل، قال: فخرجنا، حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظّرب - أي: الجبل الصغير- فأكل منه الجيش ثماني عشرة ليلة».والحديث له طرق كثيرة عن جابر منها ما جاء في «صحيح مسلم» بلفظ :«فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: فقال أبو عبيدة ابن الجراح - أمير الجيش يومئذ -: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﷺ، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنّا، وقد رأيتُنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، وتزودنا من لحمه وشائق - أي: شرائح - فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال:هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. وعند مالك وأصحاب السنن وصححه البخاري والترمذي، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ:«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». واختُلف في ميتة البحر: هل تؤكل أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد: إلى جواز أكل ميتة البحر، سواءٌ ما مات فيه أم لفظه البحرُ ميتاً، واستدلوا: بحديث العنبر- المتقدم ذكره- عن جابر في الصحيحين وعند مالك في «الموطأ»، وفيه أن رسول الله ﷺ قال:«هو رزق أخرجه الله لكم» وفي رواية:«أن رسول الله ﷺ أكل منه». وبحديث:«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». عند مالك وأصحاب السنن. وبحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عند الشافعي، قال: قال رسول الله ﷺ:«أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال». رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وله شواهد تؤيده. الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى القول بأنه لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر، واستدل: بعموم قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة)المائدة(٣). وبما رواه ابن مردويه عن جابر ابن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:«ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه». قلت: والأول أولى وأظهر لقوة دليله، والله تعالى أعلم. واختلف: هل تؤكل دواب البحر جميعها، أم يستثنى منها بعضها؟ على أقوال: الأول: فذهب البعض من الفقهاء: إلى أنه تؤكل دواب البحر جميعها، ولا يُستثنى من ذلك شيءٌ، واحتجوا:بعموم هذه الآية .وبما رواه سفيان بن عيينة عن أبي بكر الصديق أنه قال: (طعامه) كل ما فيه، وهذا القول قول مالك وابن أبي ليلى. الثاني: وذهب غيرهم إلى استثناء الضفادع وإباحة ما سواها، واستدلوا: بما رواه أحمد وأبو داود والنّسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي:«أنّ رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع». وبما رواه النّسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:«نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: نقيقُها تسبيح». وهذا القول قول أحمد. الثالث: وقالت الحنفية: يؤكل من صيد البحر السمك فقط، ويحرم ما عداه ولا يؤكل الضفدع واستدلوا بحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عند الشافعي: «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد...». الحديث. الرابع: واختلف الشافعية فيما سوى السمك والضفدع على أقوال: فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البرّ، أُكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه في البر، لا يؤكل مثله في البحر. وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي. قلت: والصواب عندي: ما ذهب إليه الأولون من إباحة أكل دوّاب البحر جميعها، لعموم قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه)، ولعموم قوله ﷺ:«الحل ميتته». واختلف فيما إذا صاد حلالٌ- أي: شخص غير محرم- صيداً فأهداه إلى محرم: هل يجوز للمحرم أكله أم لا؟ على أقوال: الأول: فذهب قوم: إلى إباحة أكله مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون. وروى ابن جرير عن أبي هريرة أنه سُئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم، قال: نعم، ثمّ لقي عمر بن الخطاب، فأخبره بما كان من أمره، فوافقه عليه. الثاني: وذهب آخرون: إلى أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد بالكلية سواء صِيد لأجله أم لا- أي: أُهدي إليه- واستدلوا على المنع مطلقاً بعموم الآية: (وحرّم عليكم صيد البر ما دمتم حُرماً). والمراد بعدم الجواز هنا: الحُرمة. الثالث: وذهب ابن عباس: إلى كراهة أكل الصيد للمحرم، وحمل التحريم في الآية على معنى الكراهة. وكذا رُوي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أكل الصيد على كل حال، وكذا كرهه مطلقاً علي بن أبي طالب ، وبه قال طاووس، وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري. الرابع: وذهب مالك والشّافعي وأحمد والجمهور: إلى التفصيل فقالوا: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد- أي: إن كان غير المحرم قد صاد الصيد لأجل المحرم- لم يجُز للمحرم أكله، لحديث الصّعب بن جثّامة أنه أهدى النّبي ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال:«إنا لم نردَّه عليك إلا أنّا حُرُم». والحديث في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة. قالوا: فوجهه: أنّ النّبي ﷺ ظنّ أنّ هذا إنما صاده من أجله وأهداه إليه، فردّه لذلك. فأما إذا لم يقصد الحلال بالاصطياد كونه لأجل المحرم: فإنه يجوز للمحرم الأكل منه، لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالاً غير مُحرم، وكان أصحابه مُحرمين، فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ عنه فقال:«هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا، وأكل منها رسول الله ﷺ». والحديث ثابت في الصحيحين أيضاً بألفاظ كثيرة. قلت: وهو المتعين عندي، لقوة دليله، و الله تعالى أعلم. واختُلف فيما إذا صاد المحرم الصيد عامداً أو مخطئاً ثم أكله أو شيئاً منه: هل يلزمه جزاء ثان، أم لا؟ على أقوال: الأول: نعم، يلزمه جزاء ثان غير جزاء الصيد، وإليه ذهبت طائفة من العلماء. الثاني: لا جزاء عليه في أكله، أو أكل شيء منه، ويبقى عليه جزاء الصيد، وقد نصّ عليه مالك، قال ابن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء. الثالث: وذهب أبو حنيفة: إلى أن عليه قيمة ما أكل من الصيد غير جزاء الصيد. قلت: والقول الثاني أولى عندي، لعدم الدليل على هذا الجزاء المدّعى.
5:97Page 124
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
٩٧ - ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ﴾ أي: صيّر الله تعالى البيت الحرام للنّاس قِواماً لمصالحهم و مداراً لقيام شؤونهم، وسبباً لصلاح أمورهم الدينية والدنيوية، حيث جعله محجاً للنّاس، ومنسكاً لهم، وسبباً لتكفير الخطيئات، وزيادة المثوبات، كما جعله مثابة للنّاس وأمناً وملجأ، ومجمعاً للتجارات والمنافع، وجبي ثمرات كل شيء إليه، ومداراً للتعارف والتشاور.وفي الصحيح: أن الله حرّمه إلى يوم القيامة، لا يُعضد شجره- أي: لا يُقطع- ولا يُنفَّر صيده- أي: لا يُشرد ولا يُزعج- ولا تُلتقط لقطته، إلا من عرّفها- أي: لا يحل الانتفاع باللقطة إلا بعد التعريف عنها- ولا يُختلى خلاه- أي: لا يُقطع نباته الرّطب الرّقيق ما دام رطباً، فالاختلاء: القطع، والخلا: النّبات الرّطب الرّقيق-.والجعْل: التصيير. و«البيت الحرام» بدل من «الكعبة»، والمراد به: الحرم كله. والقيام والقوام: ما به صلاح الشيء، كما يُقال: الملك العادل قوام رعيته، لأنه يُدبر أمرهم، ويردع ظالمهم، ويدفع أعداءهم. [وفي قراءة: (قيماً) بلا ألف، مصدر«قام» غير معلّ]. ﴿وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ﴾ بمعنى: الأشهر الحُرم، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، جعلها الله قياماً للنّاس وقواماً لهم، يأمنون فيها القتل والقتال، ويسافرون فيها في أمن، لتحصيل قدر ما يكفيهم من الأقوات طول عامهم. ﴿وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ﴾ جعلهما الله قياماً للنّاس، بأمن صاحبهما من التعرض له بأذى أو سوء، كما جعلهما قواماً لمعايش الفقراء. فكان في كل ذلك الجعْل، تيسير لحياتهم وأسفارهم، وقيامٌ لمصالحهم الدينية والدنيوية. والهدي: ما يُهدى من الأنعام للكعبة. والقلائد: ما يُقلَّد به الهدي علامة له. وكان الرجل إذا قلّد هديه عُلم أنه حاج أو معتمر، فلا يتعرض له أحد بأذى أو سوء. ﴿ذَٰلِكَ﴾ الجعْل أو التصيير المذكور ﴿لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ فلا تخفى عليه خافية ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ فإنّ جعْله ذلك، لجلب المصالح لكم، ودفع المضار عنكم، قبل وقوعها، دليل على علمه بما كان في الوجود، وبما هو كائن إلى قيام الساعة.
5:98Page 124
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
٩٨ - ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ﴾ - يقيناً- ﴿أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ في العاجل والآجل لمن عصاه، وخالف أمره، وانتهك محارمه ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ لمن تاب إليه وأناب، وأطاع أمره، واجتنب محارمه. وفي الآية: بيان لثمرة هذا العلم اليقيني: وهو الخوف من عقاب الله، والرجاء في مغفرته وثوابه. و فيها أيضا : مقابلة الوعد بالوعيد، وأن وعد الله ووعيده حق لا ريب فيه.
5:99Page 124
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩
Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.
٩٩ - ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ أي: الإبلاغ لكم بالبشارة والنذارة وإقامة الحجة والبيان، وقد بلَّغ كما أمره الله ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ﴾ أي: تظهرون من القول والعمل ﴿وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ أي: تخفون منهما، أو من النيات والمقاصد، فيجازيكم به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences