Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
١ - ﴿وَٱلطُّورِ﴾ قسم من الله تبارك وتعالى بالطّور، وهو جبل طور سيناء الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام تشريفاً له وتكريماً، وتذكيراً بما فيه من الآيات.
٢ - ﴿وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ﴾ أي: مكتوب متّسق الكتابة على وجه الانتظام، بسطور مصفوفة في حروفٍ مرتّبةٍ جامعةٍ لكلماتٍ متّفقة.قيل: هو اللوح المحفوظ، أو: الكتب المنزّلة المكتوبة، كالتوراة والقرآن، أو: صحائف الأعمال.
٣ - ﴿فِي رَقّٖ﴾ أي: مكتوبٍ في رقّ، وهو كلّ ما يُكتب فيه من ألواح وغيرها. وأصل الرقّ: الجلد الرقيق الذي يكتب فيه.﴿مَّنشُورٖ﴾ أي: مفتوح أو مبسوط غير مطويّ. أو غير مختوم عليه.والمراد: أنه معرّض لكلّ ناظر، وفيه إشارة إلى سلامته من العيوب، شأنُ ما يُعرض للناس عامّة.وكانت الرقوق أكثر ما يكتب فيه، قبل معرفة القراطيس الورقية.
٤ - ﴿وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ﴾ هو البيت الحرام، المعمور بالطائفين والقائمين والركع السّجود، الذي جعله الله للناس مثابة وأمناً. وسمّي معموراً لأنه يُعمر بكثرة غاشيته من الحجّاج والعمّار وغيرهم.أو: هو البيت المعمور في السماء السابعة بحيال كعبة الأرض مُسامت لها، تطوف به الملائكة، كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثم رُفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألفاً – أي: من الملائكة- ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم».أي: إنهم يتعبدون فيه ويطوفون به، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم.وعن قتادة قال: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوماً لأصحابه: «هل تدرون ما البيت المعمور؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خرّ، لخرّ عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه، لم يعودوا آخر ما عليهم».
٥ - ﴿وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ﴾ أي: السماء، كقوله: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً)الأنبياء(٣٢)، وسّماها سقفاً: لكونها كالسقف للأرض.
٦ - ﴿وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ﴾ أي: المملوء ماءً. يُقال: سَجَر النّهر: ملأه، وهو البحر المحيط ؛ والمراد: الجنس.وقيل: المسجور: الموقد ناراً يوم القيامة، كما قال تعالى: (وإذا البحار سجّرت)التكوير(٦) أي: أوقدت ناراً، من سَجَر التَنّور يَسْجُره سَجْراً: أحماه.وُصف البحر بذلك: إعلاماً بأن البحار عند فناء الدنيا وقيام الساعة، تُحمى بنار مِن تحتها، فتتبخّر مياهها، وتندلع النار في تجاويفها، وتصير كلّها حُمماً. وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها، فيغرق أهلها. ويدلّ عليه حديث رواه أحمد في المسند عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ، قال: «ليس من ليلة إلاّ والبحر يُشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضح عليهم، فيكفّه الله عزّ وجل».والآيات (١ -٦): قسم من الله تعالى بخمسة من مخلوقاته، دلالة على عظيم قدرته وبديع صنعته، وكمال وحدانيته، لتأكيد وقوع العذاب بالكافرين يوم البعث والجزاء، فأقسم بجبل طور سيناء الذي كلّم عليه موسى، وبكتبه المنزّلة على أنبيائه بالحق والهدى، وببيته المعمور – في الأرض أو في السماء – بالطائفين والقائمين والركع السّجود، وبالسماء المرفوعة بلا عمد، وفيها من عجائب الصّنعة مالا يُقادر قَدْره، وبالبحار المحيطة التي تسير فيها السفن كالأعلام، وفيها عجائب شتّى، وجواب القسم:
٧ - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ﴾ بالكافرين، أي: نازل بهم، كائن لا محالة لمن يستحقّه.
٨ - ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ﴾ يدفعه أو يردّه عنهم، ولا مانع يمنعه منهم، إذا أراد الله بهم ذلك.
52:9Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
٩ - ﴿يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا﴾ أي: تتحرك وتضطرب، وتدور دوراً، ويموج بعضها في بعض. و «يوم» متعلّق بقوله: «لواقع»، أي: إن هذا العذاب لواقع يوم تضطرب السماء وتتحرك وتدور كالرّحى، وتتداخل وتختلف أجزاؤها،وتتكفّأ بأهلها، وذلك عند خراب العالم وانقضاء الدنيا.والموْر: الحركة و الاضطراب والدّوران والمجيء والذّهاب، والتموّج والتكفّؤ.
١٠ - ﴿وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا﴾ أي: تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها، كسير السّحاب، ثم تتفتّت كالرّمل، ثم تصير كالعهن المنفوش، ثم تطيّرها الرياح، فتكون هباء منبثّا، وذلك في يوم القيامة.
١١ - ﴿فَوَيۡلٞ﴾ أي: هلاك أو حسرة، أو: شدّة عذاب ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: إذا وقع ما ذُكر من موْر السماء، وسيْر الجبال ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ رسلهم، أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله، وأليم عقابه، ثم وصفهم بقوله:
52:12Page 523
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
١٢ - ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ﴾ أي: اندفاع في الباطل ﴿يَلۡعَبُونَ﴾ أي: يلهون، لا يذكرون حساباً، ولا يخافون عقاباً.أو: كانوا في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزواً ولعباً.
52:13Page 523
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
١٣ - ﴿يَوۡمَ يُدَعُّونَ﴾ أي: يُدفعون ويُساقون ﴿إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: دفعاً وسوْقاً عنيفاً شديداً مزعجاً، فيُطرحون فيها.من الدّعّ: وهو الدفع العنيف، يقال: دَعَّه يدعُّه دَعّاً: دفعه في جَفْوة، و منه:(فذلك الذي يدعّ اليتيم)الماعون(٢). و «يوم» بدل من قوله: (يوم تمور السماء موراً).ويقال لهم تبكيتاً وتوبيخاً وتقريعاً:
52:14Page 523
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
١٤ - ﴿هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.
52:15Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
١٥ - ﴿أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ﴾ الذي ترون وتشاهدون من النّار أو العذاب، كما كنتم تقولون في الدنيا لرسل الله، ولكتبه المنزّلة؟ ﴿أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ﴾ ذلك، كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقّ والهدى؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع.
52:16Page 524
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
١٦ - ﴿ٱصۡلَوۡهَا﴾ أي: ادخلوها أو قاسوا حرّها. أي: إذا لم يمكنكم إنكارها، وتحقّقتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فاصلوها، وقاسوا شدّتها، وذوقوا حرّها ﴿فَٱصۡبِرُوٓاْ﴾ عليها ﴿أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ﴾ في عدم النّفع، صبُركم عليها وعدمه، فإنه لا محيد لكم عنها، ولا خلاص لكم منها ﴿إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ﴾ في الآخرة ﴿مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا، أي: جزاءه.وإذا كان الجزاء واقعا لا محالة، كان الصّبر على النّار وعدمه، سواء.
52:17Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
١٧ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ لربّهـم، الذيـن اتقـوا سخطـه وعذابه، بفعل أسبابه، من امتثال ما أمر واجتناب ما نهى ﴿فِي جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين ﴿وَنَعِيمٖ﴾ دائم لا يزول ولا يحول، هو نعيم الجنّة.
52:18Page 524
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
١٨ - ﴿فَٰكِهِينَ﴾ [وفي قراءة:(فكهين)] أي: متلذّذين ناعمين، أو: مسرورين ﴿بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ﴾ أي: بما أعطاهم من النّعيم، من أصناف الملاذّ، من مآكل ومشارب ونحوها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.﴿وَوَقَىٰهُمۡ﴾ عطفاً على «آتاهم» ﴿رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: نجّاهم من عذاب النّار.يقال: رجل فاكه، أي: عنده فاكهة كثيرة، نظير قولهم: رجل تامر، أي: عنده تمر كثير.
52:19Page 524
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
١٩ - ويقال لهم: ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ﴾ ممّا تشتهيه أنفسكم، وتلذّ أعينكم ﴿هَنِيٓـَٔۢا﴾ حال، أي: مهنّئين ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، تفضلاً من الله وإحساناً.كقوله تعالى:(كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية)الحاقة(٢٤). والهنيء: الذي لا تنغيص فيه،ولا نكد، ولا كدر.
52:20Page 524
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
٢٠ - ﴿مُتَّكِـِٔينَ﴾ أي: في الجنة ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ﴾ أي: موضوعة على صفّ وخطٍ مستوٍ، متّصلٍ بعضها ببعض كقوله تعالى:(على سرر متقابلين)الصافات(٤٤).والاتكاء: الجلوس على وجه التمكين والراحة والاستقرار.والسّرر: هي الأرائك المزيّنة بأنواع الزينة والفخار.﴿وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ﴾ أي: قرنّاهم في الجنّة بزوجات حسان صالحاتٍ من الحور العين، بيضٍ نُجلِ العيون حسانها.والحوراء: المرأة إذا كانت شديدة بياض العين، شديدة سوادها. والعِين: واسعة العيْن حسناؤها.
52:21Page 524
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١
And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2
٢١ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ مبتدأ ﴿وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ﴾ عطف على «آمنوا» ﴿ذُرِّيَّتُهُم﴾ [وفي قراءة: (ذريّاتُهم)] ﴿بِإِيمَٰنٍ﴾ متعلّق به، والباء للسببيّة أو الظرفيّة، أي: اتّبعتهم ذرّيتهم بسبب الإيمان، أو فيه، فاقتفت آثارهم في الإيمان والعمل الصالح.[و قرأ أبو عمرو البصري (و أتبعناهم ذرياتِهم)].وخبر المبتدأ: ﴿أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ﴾ [وفي قراءة (ذرياتِهم)] أي: في الدرجة والمنزلة في الجنّة، فيكونون معهم، وإن لم يعملوا في الدنيا بعملهم، تكرمةً لهم، وفضلاً من الله ونعمة.والآية: بيانٌ لحال طائفة من أهل الجنّة، وهم الذين شاركتهم ذرّيتهم – الأقلّ منهم عملاً – في الإيمان.والذرّية: تصدق على الأبناء والآباء، أي: أن المؤمن إذا كان عملُه أكثر، أُلحق به من دونه في العمل من ذرّيته، ابناً كان أو أباً، سواء كان الأبناء صغاراً أم كباراً.والمعنى: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرّيتهم في الإيمان أو بسببه، ألحق الله تعالى ذرّيتهم بهم في المنزلة والدرجة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقرّ أعين الآباء بالأبناء، وتطيب نفوسهم بذلك، فيُلحق ناقص العمل بكامل العمل، فضلاً منه ونعمةً.﴿وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم﴾ – بفتح اللام وكسرها، قراءتان – أي: ما نقصناهم ﴿مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ﴾ أي: ما نقصنا المتبوعين من ثواب أعمالهم شيئاً بإلحاق التابعين من ذرّيتهم بهم في الدرجة والمنزلة، بل أعطيناهم ثوابهم كاملاً غير منقوص، ورفعنا ذرّيتهم إلى درجتهم، فضلاً وإحساناً.يقال: أَلَته حقّه يأْلِته – من باب: ضرب -: نقصه.وعن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرّية المؤمن معه في درجته في الجنّة، وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه، ثم قـرأ:(والذيـن آمنـوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)الطور(٢١).أخرجه ابن جرير والحاكم والبيهقي عن ابن عباس موقوفاً، ورواه البزّار عنه مرفوعاً.وعن ابن عباس مرفوعاً - عند البزّار والطبراني -: «إذا دخل الرجل الجنّة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا ربّ، قد عملت لي ولهم، فيُؤمر بإلحاقهم به»، وقرأ: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)الطور(٢١).﴿كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ﴾ أي: كـل امـرئ يـوم القيامة مرهون عند الله بكسبه وعمله، فإن كان عمله صالحاً، فكّ نفسه وخلّصها، كما يَخْلُص المرهون من يده مرتهنه، وإلاّ أهلكها وأوبقها، كقوله: (كل نفس بما كسبت رهينة)المدثر(٣٨).والآية: إخبار عن مقام العدل، وأن كل إنسان مرهون بعمله، لا يُحمل عليه ذنب غيره، سواء كان أباً أو ابناً، وذلك بعد الإخبار عن مقام الفضل، وهو رفع ذرّية المؤمن إلى منزلته، من غير عمل يقتضي ذلك.
52:22Page 524
وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢
And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.
٢٢ - ﴿وَأَمۡدَدۡنَٰهُم﴾ أي: أهل الجنة، أي: زدناهم على ما هم فيه من النّعيم ﴿بِفَٰكِهَةٖ﴾ متنوّعة ﴿وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ﴾ ويطلبون.
52:23Page 524
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
٢٣ - ﴿يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّة ﴿كَأۡسٗا﴾ أي: خمراً، أو: إناءً من خمرٍ، أي: يتجاذبون للمداعبة، ويتعاورون، أو: يتعاطوْن فيها كأساً من خمر.﴿لَّا لَغۡوٞ فِيهَا﴾ أي: لا يصدر منهم في الجنّة، بسبب شربها، كلام باطل، ساقط لا خير فيه ﴿وَلَا تَأۡثِيمٞ﴾ أي: ولا يأتون ما يؤثّم به فاعلُه. أو: لا يفعلون فيها ما يوجب الإثم، وإنما يتحدّثون بأحاسن الكلام وأطايبه، لا كما يحصل بين ندامى الخمر في الدنيا.[و في قراءة (لا لغوَ فيها و لا تأثيمَ)].
52:24Page 524
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
٢٤ - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ﴾ للخدمة ﴿غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ﴾ أي: فتيان يخدمونهم، في الجنة ﴿كَأَنَّهُمۡ﴾ أي: في الحسن والبهاء، والبياض والصّفاء: ﴿لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ﴾ أي: مصون مستور محفوظ في الصّدَف، لم تمسّه الأيدي أو تنله.يقال: كنَنْتُ الشيء كَنّاً وكُنوناً: جعلتُه في كِنّ، وسترتُه بنحو بيت أوثوب، فهو مكنون، كما قال تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون ١٧ بأكواب وأباريق وكأس من معين ١٨)الواقعة(١٧ -١٨).
52:25Page 524
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
٢٥ - ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضاً، في الجنة، عن أمور الدنيا وأحوالها، وعمّا كانوا عليه، وصاروا إليه، اعترافاً بنعمة الله تعالى عليهم.
52:26Page 524
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
٢٦ - ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: في ذكر بيان الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسّرور: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ﴾ أي: في دار الدنيا ﴿فِيٓ أَهۡلِنَا﴾ أي: بينهم ﴿مُشۡفِقِينَ﴾ أي: مُعْتنين بطاعته تعالى، خائفين وجلين من عصيانه. والإشفاق: عناية مختلطة بخوف، وإذا عُدّي ب «مِنْ» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عُدّي ب «في» – كما هو الحال هنا – فمعنى العناية فيه أظهر.
52:27Page 524
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
٢٧ - ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا﴾ بالمغفرة والرحمة، أو: بالهداية والتوفيق لطاعتـه، أي: تفضّـل علينـا بذلك ﴿وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: دفع عنا عذاب النّار، النافذة في المسامّ نفوذَ السموم، وهي: الريح الحارّة التي تتخلّل المسام، وتؤثر في الأجسام تأثير السمّ.
52:28Page 524
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
٢٨ - ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ﴾ أي: في دار الدنيا ﴿نَدۡعُوهُۖ﴾ دعاء عبادة وسؤال، أي: نوحّده، ونعبده، ونتقرب إليه بأنواع العبادات، وندعوه في سائر الأوقات، مخلصين له العبادة والدّين.﴿إِنَّهُۥ﴾ –بالكسر، استئنافاً، وبالفتح: (أنه) تعليلاً لفظاً، قراءتان – ﴿هُوَ ٱلۡبَرُّ﴾ أي: المحسن على عباده، اللطيف بهم الصادق في وعده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: العظيم الرّحمة بهم، العطوف عليهم.
52:29Page 524
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
٢٩ - ﴿فَذَكِّرۡ﴾ يا محمد،أي: دُم واثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير لهم، ولا تكترث بما يصفونك به من الأوصاف القبيحة ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ﴾ أي: بسبب إنعام الله عليك من النبوّة والوحي ﴿بِكَاهِنٖ﴾ تخبر بالغيب من غير وحي من الله ﴿وَلَا مَجۡنُونٍ﴾ تقول مـا لا تقصد، بل أنت تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه، وأنت أكمل الناس عقلاً، وأعظمهم صدقاً.
52:30Page 524
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
٣٠ - ﴿أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ﴾ أي: بل أيقولون: هو شاعر ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾ أي: ننتظر به حوادث الدّهر وصروفه المهلكة، فيهلك كما هلك غيره من الشّعراء، فينقضي أمره وما جاء به من هذا الدين!وعن ابن عباس عند الطبري قال: إن قريشاً اجتمعوا في دار النّدوة ينظرون في أمر النبي ﷺ، قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، وتربّصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، فإنما هو كأحدهم، فأنزل الله ذلك من قولهم: (أم يقولون شاعر) الآية.والرّيب: مصدر رابه: إذا أقلقه. والمنون: الدّهر، من المنّ بمعنى: القطع، لأنه يقطع الأعمار وغيرها، وأريد به حوادث الدّهر مجازاً، لأنها تُقلق النّفوس كما يُقلقها الشكّ، وعُبِّر عنها بالمصدر مبالغة.أو: ننتظر به نزول المنيّة، أي: الموت.فالمنون هنا: المنيّة: لأنها تَنْقُص العدد وتَقْطع المدد.والرّيب: النزول: من راب عليه الدّهر، أي: نزل، والمراد بنزولها: الهلاك.وقد ذُكرت «أَمْ» في هذه السورة خمس عشرة مرّة، وكلّها إلزامات للمخاطبين ليس لهم عنها جواب.وقال الخليل: إن كلّ ما في سورة الطّور من «أم» فهو استفهام لا عطف، وإنما استفهم تعالى مع علمه بهم، توبيخاً لهم، على نمط قول الإنسان لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله.أفاده حسنين مخلوف.
52:31Page 524
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
٣١ - ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿تَرَبَّصُواْ﴾ أي: انتظروا موتي أو هلاكي ﴿فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: المنتظرين لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. والتربّص: الانتظار. والأمر للتهكّم بهم والتهديد لهم.
52:32Page 525
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
٣٢ - ﴿أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ﴾ أي: بل أتأمرهم عقولهم بهذا الذي يقولونه فيك وفي القرآن من الأقاويل الباطلة، كقولهم: سحر وساحر، وشعر وشاعر، وكهانة وكاهن، أو مجنون؟جمع حِلْم – بالكسر - وهو في الأصل: ضبط النفس عن هيجان الغضب. وإطلاقه على العقل لكونه مَنْشئاً له.﴿أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ﴾ أي: بل هو قوم مجاوزون الحدّ في المكابرة والعناد، فلهذا قالوا ما قالوا. أو: بل أطغوْا و بغوْا و جاوزوا الحد في العناد، فقالوا ما قالوا؟
52:33Page 525
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
٣٣ - ﴿أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ﴾ أي: بل أيقولون تقوّل محمد القرآن، واختلقه، وافتراه من تلقاء نفسه؟والتقوّل: تكلّف القول، ويُستعمل غالباً في الكذب، يقال: تقوّل عليه، أي: كذب، وقوّلتني ما لم أقل: ادّعيته عليّ.﴿بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: بل كفرهم وعدم إيمانهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة الباطلة.
52:34Page 525
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
٣٤ - ﴿فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ﴾ أي: مثل القرآن في نظمه وحسن بيانه، وبديع أسلوبه ﴿إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ﴾ في قولهم: إن محمدا تقوّله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد ﷺ من هذا القرآن، فإنهم رؤوس البلاغة، وأساطين الفصاحة.
52:35Page 525
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
٣٥ - ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ﴾ أي: بل أخُلقوا وأوجدوا على هذه الكيفية البديعة والصّنعة العجيبة، من غير خالق ولا موجد لهم؟﴿أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ أنفسهم الموجودون لها؟ أي: لا هذا ولا ذاك، فإن أقرّوا بأنهم لم يُخلقوا في هذا الكون من غير خالق، وأقرّوا بأنهم ليسوا هم الذين خلقوا أنفسهم، لزمهم وتعّين عليهم أن يقرّوا بأن لهم خالقاً خلقهم، هو الله تعالى، المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة، ولا تصلح إلاّ له وحده.روى البخاري عن جبير بن مطعم – وكان قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى، وكان إذ ذاك مشركاً – قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ٣٥ أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ٣٦ أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ٣٧) كاد قلبي أن يطير.فكان سماعه هذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام.
52:36Page 525
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
٣٦ - ﴿أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ﴾ أي: بل أخلقوا السماوات والأرض؟ لا، فإنه لا يقدر على خلقهما إلاّ الله وحده. فالاستفهام يدلّ على تقرير النفي، والإنكار عليهم في شركهم ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ بأنه الخالق حقيقة، وإلاّ لما أعرضوا عن عبادته تعالى وحده لا شريك له،فإيقانهم به كالعدم.
52:37Page 525
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
٣٧ - ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ﴾ أي: بل أعندهم مقدورات ربّك، أو: خزائن رحمته، من النبوّة والرسالة، والرّزق، ونحوها، فيضعوها حيث شاءوا، ويخصّوا بها من شاءوا؟﴿أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ﴾ أي:بل أَهُم الأرباب القاهرون المتسلّطون على خلق الله وملكه، الغالبون لهم، حتى يدبّروا أمر الربوبيّة على إرادتهم ومشيئتهم؟والمسيطر: القاهر الغالب، من سيطر عليه: إذا قهره وغلبه، والمسلّط على الشيء، ليُشرف عليه، ويتعهد أحواله ويكتب أعماله.
52:38Page 525
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
٣٨ - ﴿أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ﴾ أي: بل ألهم مرقى إلى السماء، أو إلى الملأ الأعلى، يصعدون به ﴿يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ﴾ أي: عليه كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من الأمور المتّصلة بعلم الغيب، كما يوحى إلى محمد ﷺ؟﴿فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم﴾ أي: الذي يستمع لهم ﴿بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ﴾ أي: بحجة بيّنة، واضحة ظاهرة، على صحّة ما هم فيه من الفعال والمقال؟
٣٩ - ﴿أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ﴾ كما زعمتم، أي: بل أتجعلون له البنات ﴿وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ﴾؟ تعالى الله عن زعمكم وادّعائكم، وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم معه. وهذا تهديد شديد، و وعيد أكيد.
52:40Page 525
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
٤٠ - ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا﴾ أي: بل أتسألهم يا محمد أجراً وثواباً أو جُعلاً على تبليغ رسالة الله إليهم؟ ﴿فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ﴾ أي: من ثِقَل ما حمّلتهم من الغُرم، أو من التزام غُرم ذلك ومسؤوليته ﴿مُّثۡقَلُونَ﴾ أي: مُتعبون مُجهدون، فلذلك لا يتّبعونك ولا يسلمون؟والمغْرم والغُرم: ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه أو خيانة.و«مثقلون»: يقال: أثقله الحِمْل: أتبعه وأجهده.
52:41Page 525
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
٤١ - ﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ﴾ أي: بل أعندهم علم الغيب ﴿فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ للناس ذلك، حتى يمكنهم منازعة النبي ﷺ في البعث وأمور الآخرة، بزعمهم؟
52:42Page 525
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
٤٢ - ﴿أَمۡ يُرِيدُونَ﴾ بقولهـم في الرسـول وفي الدّيـن﴿كَيۡدٗاۖ﴾ أي: مكراً به ﷺ وأصحابه، فيهلكونهم بهذا المكر؟ ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ﴾ أي: الممكور بهم، المجزيّون بكيدهم ومكرهم، المغلوبون المهلكون، الذين يحيق بهم كيدهم ومكرهم، ويعود على أنفسهم وباله.اسم مفعول من الكيد: وهو المكر والخُبث والحيلة والحرب.قال العلامة مخلوف في تفسيره: وهو إشارة إلى ما دبّروه في دار الندوة بمكة من الفتك به ﷺ، فعصمه الله منهم، وردّهم خائبين، وقتلوا في بدر في السنة الخامسة عشر من البعثة، وقد تقدّم أن «أم» كُرّرت في هذه السورة خمس عشرة مرّة، بعدد هذه السنين!
52:43Page 525
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
٤٣ - ﴿أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ﴾ أي: بل ألهم إله يُدعى ويُرجى غير الله؟!﴿سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ﴾ أي: تنزيها له تعالى وتقديسا ﴿عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ به من الآلهة والأصنام والأنداد. تعالى الله عمّا يقولون ويفترون ويشركون علواً كبيراً.
52:44Page 525
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
٤٤ - ﴿وَإِن يَرَوۡاْ﴾ أي: المشركون المكذّبون لرسول الله ﷺ ﴿كِسۡفٗا﴾ –بسكون السين وفتحها، قراءتان – أي: قطعة عظيمة، أو قطعاً.﴿مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا﴾ عليهم، أي: لعذابهم، لم ينتهوا عن كفرهم !.أو: إنهم لفرط طغيانهم وعنادهم، إن عاينوا ذلك العذاب واقعاً بهم ﴿يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ﴾ أي: هو سحاب متراكم، مُلقى بعضه على بعض، يسقينا ويمطرنا، ولم يصدّقوا أنه كِسْف عذاب، فلا يبالون بما رأوْا من الآيات، ولا يعتبرون بها.
52:45Page 525
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
٤٥ - ﴿فَذَرۡهُمۡ﴾ يا محمد، أي: دعهم وشأنهم ﴿حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ﴾ -بضم الياء وفتحها - أي: يهلكون ويموتون، وهو يوم بدر، أو يوم القيامة الذي يصيبهم فيه من العذاب مالا يُقادر قدْره، ولا يوصف أمره.والصّعقة: الهلاك السريع.
52:46Page 525
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦
The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.
٤٦ - ﴿يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ أي: لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي كادوا به الإسلام وأهله، في الدنيا، ولا يدفع عنهم، ولا يُجزي عنهم يوم القيامة شيئاً.والجملة بدل من قوله:(يومهم).﴿وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ أي: لا يُمنعون من عذاب الله، في الدنيا ولا في الآخرة.
52:47Page 525
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧
And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.
٤٧ - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بكفرهم ﴿عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ ﴾ أي: قبل ذلك، أي: قبل عذاب الآخرة، في الدار الدنيا، وهو العذاب الذي وقع يوم بدر، أو: عذاب القبر، أو: مصائب الدنيا، من الأوجاع والأسقام وذهاب الأموال والأولاد، والبلايا والرزايا.أو: عذاباً غير ذلك الذي وقع لهم يوم بدر، وهو عذاب القبر وعذاب الآخرة.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ما يُراد بهـم مـن عذاب الدنيا، أو أنه نازل بهم في الآخرة، فلا يرجعون إلى الله ولا ينيبون، كما جاء في بعض الأحاديث: «أن المنافق إذا مرض وعوفي، مَثَله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه، ولا فيما أرسلوه». أو: لا يعلمون سنّة الله في أمثالهم ونظرائهم.قال تعالى: (ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون)السجدة(٢١).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences