Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
النجم
An-Najm
The Star · Meccan · 62 ayahs
١ - ﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ قسم من الله تبارك وتعالى بالنجم وقت غروبه وسقوطه على أن محمداً ﷺ منزّه عن شائبة الضلال والغواية.والنجم: اسم جنس لكل كوكب، فالمقسم به: جنس النجم المعروف، إذا هوى، أي: سقط وغرب.يقال: هوى يهوي هُوِيًّا: سقط من فوق إلى أسفل.وقيل: المصدر بالضمّ إذا سقط، أي: هُويًّا، وبالفتح إذا صعد، أي: هَويًّا، وقيل بالعكس.وتقييد المقسم به – وهو جنس النجم - بوقت هويّه، لأنه إذا كان في وسط السماء، يكون بعيداً عن الأرض، فلا يهتدي به السّاري، لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب، ولا الجنوب من الشمال، فإذا هبط من وسط السماء، تبيّن بهبوطه جانب المغرب من المشرق، والجنوب من الشمال.أو: هو قسم بالنجم إذا سقط، وذهب ضوؤه يوم القيامة. وقيل: فيه تنبيه على أن هويّها ينبغي أن يدلّ على بطلان عبادتها.وجواب القسم قوله:
53:2Page 526
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,
٢ - ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ﴾ أي: ما عدل محمد ﷺ عن طريق الحقّ والهداية في أقواله وأفعاله،وما حاد عن الاستقامة ولا زال عنها.﴿وَمَا غَوَىٰ﴾ أي: ما اعتقد باطلاً قطّ، ولا لابسه.والغيّ: جهل ناشئ عن اعتقاد فاسد. ويقابله: الرّشد.وقوله: «صاحبكم»، أي: هو من تعرفون، لطول صحبتكم له، اتّصافه بغاية الهدى والرشاد، والاستقامة والسّداد.
٣ - ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ﴾ أي: لا يصدر نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه.
٤ - ﴿إِنۡ هُوَ﴾ أي: ما الذي ينطق به من ذلك ﴿إِلَّا وَحۡيٞ﴾ من الله تعالى ﴿يُوحَىٰ﴾ به إليه. والجملة صفة مؤكّدة ل (وحيٌ) رافعة لاحتمال التجوّز به.وفي الحديث عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ، فنهته قريش وقالت: إن رسول الله ﷺ بشر يتكلّم في الرّضى والغضب، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده، ما خرج مني إلاّ الحق». وأخرج الحافظ البزّار: أن رسول الله ﷺ قال: «ما أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الحق الذي لا شكّ فيه».وعند أحمد من حديث أبي هريرة: أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: إنك تداعبنا يا رسول الله، قال: «إني لا أقول إلاّ حقاً». وفي الآية: دليل على أن السنّة وحي من الله تعالى لرسوله ﷺ، كما قال تعالى:(وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة)النساء(١١٣) أي: السنّة، وأنه معصوم فيما يُخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما عن وحي الله تعالى إليه.
53:5Page 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -
٥ - ﴿عَلَّمَهُۥ﴾ أي: علّم النبي ﷺ الوحيَ أو القرآن ﴿شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ﴾ هو جبريل – عليه السلام – أمين الوحي، كما قال تعالى: (إنه لقول رسول كريم ١٩ ذي قوة عند ذي العرش مكين ٢٠)التكوير(١٩ -٢٠). والقوى: جمع قوّة.
٦ - ﴿ذُو مِرَّةٖ﴾ أي: ذو قوّة وشدّة، أو: ذو حصافة واستحكام في عقله ورأيه، وهو كناية عن ظهور آثاره البديعة وأفعاله العجيبة. أو: ذو منظر حسن أو خَلْق حسن.﴿فَٱسۡتَوَىٰ﴾ أي: جبريل عليه السلام، أي: استقام وظهر في صورته الملائكية التي خلقه الله عليها، فسدّ الأفق، عندما جاء بالوحي إلى رسول الله ﷺ عند حراء في مبادئ النبوّة.والمِرّة: القوة والشدّة في الخَلْق،أو حصافة العقل ومتانة الرأي، أو المنظر الحسن.و عند أبي داود و الترمذي: «لا تحل الصّدقة لغنيّ، ولا لذي مِرَّة سويّ».
٧ - ﴿وَهُوَ﴾ أي: جبريل عليه السلام ﴿بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ أي: بالجهة العليا من السماء، المقابلة للناظر، وكان النبي ﷺ قد رأى جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها، مرّتين: الأولى: في أوائل البعثة.والثانية: عند سدرة المنتهى، ليلة الإسراء، وله ستمائة جناح. فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود: «أن محمداً ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح».
٨ - ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ أي: قَرُب جبريل عليه السلام من النبي ﷺ ﴿فَتَدَلَّىٰ﴾ إليه، أي: فزاد في القرب منه، حتى كان أقرب شيء إليه. وأمّا ما جاء في حديث الإسراء: «ثم دنا الجبار ربّ العزّة فتدلّى» فهو محمول على وقت آخر، وقصّة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، كما قال ابن كثير.
53:9Page 526
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
And was at a distance of two bow lengths or nearer.
٩ - ﴿فَكَانَ﴾ أي: جبريل عليه السلام ﴿قَابَ﴾ أي: قدْر ﴿قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ﴾ أي: بل أقرب من ذلك إلى النبي ﷺ. أو: فكان جبريل من النبي ﷺ قَدْر قوسين من الأقواس العربية، بل أقرب إليه من ذلك. روى ابن جرير في تفسير هذه الآية عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت جبريل له ستمائة جناح». ورواه البخاري أيضاً – كما تقدّم -.والقاب: القدْر.والقوس: تقدير للطول، كالذراع والباع والرّمح والسّوط، وربّما يسمّى الذراع قوسا، فيكون المعنى عليه: كمقدار قوسين أو ذراعين، بل أقرب.وقيل: القاب: ما بين وتر القوس ومقبضها، وكان العرب في الجاهلية إذا تحالفوا يخرجون قوسين ويُلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون قاب أحدهما ملاصقاً للآخر، حتى كأنهما قاب واحدة، ثم ينزعونهما معاً، ويرمون بهما سهماً واحداً، فيكون ذلك رمزاً إلى أن رضاءَ أحدهم رضاءُ الآخر، وسخطَه سخطُه. فيكون المعنى على هذا: فكان جبريل ملاصقاً له ﷺ كما يلاصق القابُ القابَ من القوسين.وقوله: (أو أدنى) أي: بل أقرب، وهي لإثبات المخبر عنه، ونفي ما زاد عليه، كما في قوله: (فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة)البقرة(٧٤) أي: بل تزيد عليها في الشدّة والقسوة، وكقوله: (يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية)النساء(٧٧)، وكقوله: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)الصافات(١٤٧) أي: بل يزيدون.
53:10Page 526
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
١٠ - ﴿فَأَوۡحَىٰٓ﴾ أي: جبريل بأمر الله تعالى ﴿إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ﴾ أي: إلى عبد الله ورسوله محمد ﷺ ﴿مَآ أَوۡحَىٰ﴾ إليه ربّه من القرآن العظيم، والشرع القويم، في تلك النّزلة.وأبهم الموحَى به: للتفخيم لشأنه، كما في قوله تعالى: (فغشيهم من اليمّ ما غشيهم)طه(٧٨).أو: (فأوحى) الله تعالى بواسطة جبريل (إلى عبده) محمد ﷺ (ما أوحى) من القرآن والشّرع.أو: (فأوحى) الله تعالى (إلى عبده) جبريل (ما أوحى) به جبريل إلى النبي ﷺ.
١١ - ﴿مَا كَذَبَ – بالتخفيف والتشديد: (ما كذّب﴾، قراءتان - ﴿ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ ولا أنكر ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام.أو: ما كذّب فؤاد محمد محمداً الذي رأى، ولكنه صدّقه. أي: ما قال فؤاده ﷺ لمّا رآه ببصره: لم أعرفْك، ولا يمكن أن يقول ذلك! لأنه عرف جبريل بقلبه، كما رآه ببصره.
١٢ - ﴿أَفَتُمَٰرُونَهُۥ﴾ [وفي قراءة (أفَتَمْرونه)] ﴿عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ أي: أتكذّبونه، فتجادلونه وتغلبونه فيما يراه من الصّور التي يأتي بها إليه جبريل عليه السّلام بعدما رآه قبل وحقّقه، بحيث لا يشتبه عليه بأي صورة أتى.أو: فيما رآه من صورة جبريل عليه السلام على خلقته الأصلية.والخطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي ﷺ لجبريل عليه السلام.يقال: مَا راه، يُماريه، مُماراة، ومراءً: جادله، مشتقّ من مرى النّاقة يمريها: إذا مسح ضرعها ليخرج لبنها وتدرّ به، فشُبّه به الجدال، لأن كلاّ من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يسعى لاستخراجه ليلزمه الحجّة. وعُدّي الفعل ب «على» لتضمّنه معنى المغالبة.
١٣ - ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ﴾ أي: رأى النبيُّ ﷺ جبريلَ -عليه السلام - في صورته التي خلقه الله عليها نازلاً من السماء ﴿نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ﴾ أي: مرّة أخرى.
١٤ - ﴿عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ﴾ قيل: التي ينتهي إليها علم الخلائق، وذلك ليلة المعراج، لمّا عُرج برسول الله ﷺ إلى السماوات.وهذه هي المرّة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خُلق عليها.وكانت قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر، وقيل: بثلاث سنين، فكان بين الرؤيتين نحو عشر سنين.روى الإمام أحمد في مسنده، عن مسروق قال: سألت عائشة: هل رأى محمد ﷺ ربّه عزّ وجلّ؟، قالت: سبحان الله، لقد قَفّ شعري لما قلت! أين أنت من ثلاث، من حدثكهن فقد كذب! من حدّثك أن محمداً رأى ربّه فقد كذب، ثم قرأت: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)الأنعام(١٠٣) ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب)الشورى(٥١)، ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت: (إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام)لقمان(٣٤)، ومن أخبرك أن محمداً قد كتم فقد كذب، ثم قرأت: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك)المائدة(٦٧) ولكنه رأى جبريل في صورته مرّتين.وأخرج الترمذي في سننه عن مسروق قال: دخلت على عائشة، فقلت: هل رأى محمد ربّه؟ قالت: لقد تكلّمت بشيء، قفّ له شعري، ثم قالت: «إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمداً رأى ربه، أو كتم شيئاً مما أُمر به، أو يعلم الخَمْس التي قال الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث)لقمان(٣٤)، فقد أعظم الفرية على الله، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلاّ مرتين: مرّة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد، وله ستمائة جناح، قد سدّ الأفق».وفي الصحيحين أيضاً، وفي المسند عند أحمد: عن مسروق، قال: كنت عند عائشة، فقلت: أليس الله يقول: (ولقد رآه بالأفق المبين)التكوير(٢٣)، (ولقد رآه نزلة أخرى)النجم(١٣)، فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: «إنما ذاك جبريل» لم يره في صورته التي خُلق عليها إلاّ مرتين: رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض سادّاً عِظمُ خَلْقِه ما بين السماء والأرض.والسّدرة في الأصل: شجرة النبْق، وخَلْق شجرة في السماء، كخَلْق شجرة الزّقوم في أصل الجحيم.وقيل: إطلاق السِّدرة عليها مجاز، لأن الملائكة تجتمع عندها، كما يجتمع الناس في ظل السدرة المعروفة.والأوّل أوْلى، فهذه السدرة في السماء السابعة عن يمين العرش - كما في الصّحيح – لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم.والمنتهى: اسم مكان، أو مصدر ميميّ بمعنى: الانتهاء، وإضافة السّدرة إليه، من إضافة الشيء إلى مكانه، كأشجار البستان. وقيل لها: سدرة المنتهى، لانتهاء علوم الخلائق إليها، وما وراءها لا يعلمه إلاّ الله تعالى.
١٥ - ﴿عِندَهَا﴾ أي: عند تلك الشجرة ﴿جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ﴾ التي يأوي إليها المتقون يوم القيامة، أو: هي جنّة تأوي إليها أرواح الشهداء، أو الملائكة.
53:16Page 526
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
١٦ - ﴿إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ﴾ أي: حين يغطيها ويسترها ﴿مَا يَغۡشَىٰ﴾ من أمر الله تعالى.وأبهم ما يغشاها، تفخيماً لشأنه.وقد تقدّم في أحاديث الإسراء – في سورة الإسراء -: «أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان، وغشيها نور الربّ تبارك وتعالى، وغشيها ألوان ما أدري ما هي».وعند أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود، قال: «لمّا أُسري برسول الله ﷺ، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض، فيُقبض فيها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها، فيُقبض منها، (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال: فراش من ذهب، قال: وأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته، المقحمات».
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
١٧ - ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ﴾ من النبي ﷺ، أي: ما مال بصره عمّا أُذن له في رؤيته، في تلك الليلة ﴿وَمَا طَغَىٰ﴾ أي: وما تجاوزه إلى ما لم يؤذن له فيه، بل أثبته إثباتاً صحيحاً مستيقناً. وفيه دليل على أن ما رآه ﷺ ليلة الإسراء، هو رؤية عين ويقين.من الزيغ: وهو الميل عن الاستقامة، والطغيان: وهو تجاوز الحدّ.
53:18Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
١٨ - ﴿لَقَدۡ رَأَىٰ﴾ أي: محمد ﷺ في تلك الليلة، ليلة المعراج ﴿مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ﴾ أي: العظام، مالا يحيط به الوصف، كقوله في سورة الإسراء، الآية ١: (لنريه من آياتنا) أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا.فائدة أما ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) وقوله: (ولقد رآه نزلة أخرى) قال: «رأى محمد ربّه بفؤاده مرّتين».وما رواه النسائي عنه أيضاً أنه قال: «أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد عليهم الصّلاة والسلام؟».فقد خالفه فيه ابن مسعود وعائشة – كما تقدّم – وأبو ذرّ، كما في صحيح مسلم أيضاً، أنه قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربّك؟ فقال: «نور أنّى أراه». وفي رواية: «رأيت نوراً».فالحق أن الآيات في رؤية جبريل على صورته التي خُلق عليها، وليست في رؤية الله تبارك وتعالى، على أن رؤيته تعالى ثابتة متحقّقة للمؤمنين من أهل الجنّة يوم القيامة، كما في قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)القيامة(٢٣).
١٩ -﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ﴾ أي: أخبروني عنهما.واللاّت: صخرة لثقيف بالطائف، كان المشركون يعبدونها، وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللاّت، يعنون مؤنّثة منه – تعالى الله عن قولهم علوّا كبيراً –. وعند البخاري عن ابن عباس في قوله: (اللات والعزّى)، قال: «كان اللاّت رجلاً يلتّ السويق، سويق الحاجّ».والعزّى: سَمُرات بنخلة - بين مكة والطائف – لغطفان.قال ابن جرير: والعزّى من العزيز، وكانت شجرة بنخلة، تعظّمها قريش، كما قال أبو سفيان يوم أحد: «لنا العزّى ولا عزّى لكم» فقال النبي ﷺ: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم».وكان النبي ﷺ قد بعث إليها خالد ابن الوليد، فقطعها.
٢٠ - ﴿وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ﴾؟ومناة: صخرة كانت بالمشلّل بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظّمونها ويهلّون منها للحجّ إلى الكعبة.وقيل: إن الثلاثة كانت أصناماً بالكعبة، يعظّمها أهل الجاهلية، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله.وأفرد «مناة» بالذكر لأنها أشهر من غيرها. وقوله: (الثالثة) وصفٌ للتأكيد، و قوله: (الأخرى) صفة ذمّ للثالثة بأنها متأخرة في الرتبة، وضيعة القدر، وكانت عندهم أعظم الثلاثة، وتتضمّن الذمّ والتحقير للسابقتين أيضاً.والمعنى: أخبروني ألهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله قدرة على شيء، فكيف تعبدونها، وتعظّمونها، وتسألونها، دون الله القادر على كلّ شيء؟
٢١ - ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ﴾؟ أي: أتجعلون لله البنات بزعمكم، ولكم البنون؟أو: أخبروني عن هذه الآلهة الإناث، اللاتي جعلتموهنّ بناتٍ لله، كيف تجعلون لله ما تكرهون؟
٢٢ - ﴿تِلۡكَ﴾ القسمة ﴿إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ﴾ أي: جائرة عن الحقّ، خارجة عن الصواب، عوجاء غير مستوية.أو: منقوصة، حيث جعلتم له تعالى ما تستنكفون منه. [وفي قراءة: (ضئزى) بالهمزة ].يقال: ضاز في حكمه: جار، وضازه حقّه يَضيزُه ويضوُزه ضيزاً: نقصه وبخسه، أو ظلمه وجار عليه، وضأزه – بالهمزة، كمَنَعه – بمعناه.
53:23Page 526
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
٢٣ - ﴿إِنۡ هِيَ﴾ أي: ما المذكورات من الأصنام والأنداد، من اللاّت والعزّى ومناة ﴿إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ﴾ آلهةً ﴿أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم﴾ بمقتضى أهوائكم ﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا﴾ أي: بعبادتها ﴿مِن سُلۡطَٰنٍۚ﴾ أي: من حجّة وبرهان على أنها آلهة. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ أي: ما يتّبعون في عبادتها ﴿إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ بقولهم ممّا لا دليل عليه ﴿وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ﴾ أي: ما تميل إليه وتشتهيه، ممّا زيّن لهم الشيطان، من أنّها تنفع وتشفع لهم عند الله.﴿وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ أي: البيان الواضح الظاهر، بأنها ليست بآلهة، وهو هذا القرآن والحجّة والبرهان من عند الله، على لسان رسوله الذي بعثه الله إليهم، وجعله من أنفسهم، فلم يرجعوا عمّا هم عليه.
٢٤ - ﴿أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ أي: بل أللإنسان كلّ ما يتمنّاه وتشتهيه نفسه؟ والمراد: أنه ليس له كلّ ما يتمنّاه ومنه: شفاعة الآلهة لهم، والظفر بالحسنى عند الله يوم القيامة.والآية إنكار عليهم أن يكون لهم ما يتمنّون، من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم.
53:25Page 526
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
٢٥ - ﴿فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ﴾ أي: الدنيا، أي: إنما الأمر كلّه لله، مالك الدنيا والآخرة،والمتصرّف فيهما بما يشاء، فلا يقع فيهما إلاّ ما يريده تعالى، فهو سبحانه لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد، ولكنه تعالى يعطي فيها ما يشاء لمن يريد، وليس لأحد أن يتحكّم عليه في شيء منها.
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
٢٦ - ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٖ﴾ أي: وكثير من الملائكة ﴿فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ أي: مع قُربهم، وعلوّ منزلتهم، وكرامتهم عند الله ﴿لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا ﴾ أي: لا تنفع شفاعتهم أحداً ﴿إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ﴾ لهم في الشفاعة ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ الشفاعة له من عباده ﴿وَيَرۡضَىٰٓ﴾ عنه، فيراه أهلاً لأن يُشفع له، فكيف تشفع هذه الأصنام لكم؟!أي: فإذا كان هذا في حق الملائكة المقرّبين، فكيف ترجون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله؟ وهو تعالى لم يشرع عبادتها، ولا أذن فيها!وفي الآية بيان شرطي الشفاعة يوم القيامة وهما:إذنه تعالى في الشفاعة، لقوله: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)البقرة(٢٥٥).ورضاه تعالى عن المشفوع له، لقوله: (ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨).فأين هم من هذين الشرطين!
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
٢٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ﴾أي: لا يصدّقون بالبعث ﴿لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ﴾ حيث زعموا: أن الملائكة بنات الله، فجعلوهم إناثاً، وسمّوهم بنات الله، تعالى الله عن زعمهم وقولهم علواً كبيراً.والآية كقوله سبحانه:(وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون)الزخرف(١٩).
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
٢٨ - ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ﴾ أي: بهذا الزّعم والقول ﴿مِنۡ عِلۡمٍۖ﴾ صحيح عن الله، ولا عن رسوله ﷺ ﴿إِن﴾ أي: ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فيه ﴿إِلَّا ٱلظَّنَّۖ﴾ الذي توهموه وتخيّلوه.﴿وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا﴾ أي: لا يُجدي عنه شيئاً، ولا يقوم مقامه.وفي صحيح البخاري: «إياكم والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث».
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
٢٩ - ﴿فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا﴾ أي: القرآن، أي: أعرض يا محمد عمّن أعرض عن القرآن وأدبر عنه واترك مجادلته، واهجرهم هجراً جميلاً ﴿وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾ لأنها أكثر همّه، ومبلغ علمه وعمله.وكان الأمر بالإعراض عنهم قبل الأمر بالجهاد.
53:30Page 527
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
٣٠ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: طلب الدنيا، والسّعي لها، وقصر الإرادة عليها، هو ﴿مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ﴾ أي: منتهى علمهم وغايته، فلا يلتفتون إلى ما سواه من أمر الدّين.﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ لكونه لا يستحق الهداية ﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ﴾ لكونه يستحق ذلك، أي: هو تعالى عالم بهما، فيجازيهما بعدله وفضله.وفي الصحيحين ومسند أحمد من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له،ولها يجمع من لا عقل له».و عند الترمذي: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا».
53:31Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
٣١ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ مِلْكاً وخلقاً وعبيداً، وتصريفاً وتدبيرا، وقد خلق ما فيهما ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: بسببه ﴿وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ﴾ في طاعة الله وعبادته ﴿بِٱلۡحُسۡنَى﴾ أي: بسبب الأعمال الحسنى، أو: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنّة.
53:32Page 527
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
٣٢ - ثم بيّن تعالى المحسنين فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ﴾ [وفي قراءة:(كبير)] ﴿الإثم﴾ أي: ما كبُر عقابه من الذنوب. وقيل: كبائر الإثم: كل ذنب توعّد الله عليه بالنّار، كترك الفرائض والواجبات. وفي سورة النساء:(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)النساء(٣١).﴿وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ وهي ما عظُم قُبحه من الكبائر. وقيل: كلّ ذنب فيه الحدّ، كالزنى، وشرب الخمر، والقتل، وأكل الربا، ونحوها.﴿إِلَّا ٱللَّمَمَۚ﴾ وهو ما صغُر من الذّنوب، كالنظرة والقبلة والغمزة ونحوها، دون إصرار عليها.من قولهم: ألمّ بالمكان: إذا قلّ لبثُه فيه، وألمّ بالطعام: إذا قلّ أكله منه.وقيل: هو مقاربة الذنب من غير مواقعته، فهو الهمّ به دون أن يفعله، من قولهم: ألمّ الشيءُ: قَرُب، وألمّ بكذا: قاربه ولم يخالطه. وقيل: أن يُلمّ بالذنب ثم ينزع عنه ويتوب.والاستثناء منقطع، أي: لكن الّلمم يُغفر باجتناب الكبائر، وتكفّره الصّلوات الخمس.﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ﴾ أي: باجتناب الكبائر، وبقبول التوبة والإنابة، كقوله:(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً)النساء(٣١)، وقوله سبحانه:(إن الله يغفر الذنوب جميعاً)الزمر(٥٣).وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس، قال: ما رأيت شيئاً أشبه بالّلمم، ممّا قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: النطق، والنفس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه».قال العلامة حسنين مخلوف في تفسيره: والجمهور على أن الذنوب منقسمة إلى كبائر وصغائر، وضابط الكبيرة: ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد في الكتاب أو السنّة.وقيل: كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدّين ورقّة الديانة، وقيل غير ذلك.واعتمد الواحديّ: أنه لا حدّ لها يحصرها، ويعرفها العباد به، وقد أخفى الله أمرها ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه، رجاء أن تُجْتنب الكبائر.وعرّفها بعضهم بالعدّ، ومنها الموبقات السبع: الإشراك بالله، والسحر، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.﴿هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ﴾ أي: هو تعالى عالم بأحوالكم وما جبلكم عليه من الضعف والقوّة ﴿إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: حين خلقكم منها، في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب، فكان بطباعكم وأحوالكم عالماً.﴿وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ﴾ أي: وهو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنّة ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ﴾ فيعلم أطواركم وأحوالكم فيها، وما أنتم عليه من الضّعف عن كثير ممّا أمركم به، ونهاكم عنه.وأجنّة: جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن.﴿فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ﴾ أي: لا تمدحوها وتشكروها وتُثنوا عليها على سبيل الإعجاب والتمنيّ بأعمالكم، وأمّا على سبيل الاعتراف بالنعمة، فحسن.والمعنى: إذا كان عدم المؤاخذة بالّلمم، مع كونه من الذنوب، إنما هو لمحض مغفرته تعالى وسعة رحمته، مع علمه بصدوره منكم، فلا تمدحوا أنفسكم بالطهارة من الذنوب بالكلّية، بل اشكروه تعالى على فضله وواسع مغفرته.﴿هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ أي: عالم به وبحاله، فإن التقوى محلها القلب، والله مطّلع عليه، ومجاز على ما فيه، من برّ وتقوى.وفي الحديث عند مسلم في صحيحه عن زينب بنت أبي سلمة: أن رسول الله ﷺ نهى عن اسم: برّة، قالت: وسُمّيتُ برّة، فقال رسول الله ﷺ: «لا تزكّوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البرّ منكم» قالوا: بم نسمّيها؟ قال: «سموها زينب».وعند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً، والله حسيبُه، ولا أزكّي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك».
٣٣ - ﴿أَفَرَءَيۡتَ﴾ أي: أخبرني عن حال ﴿ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ عن طاعة الله وعبادته، وأعرض عن اتباع الحقّ. ومفعول«أفرأيت» الأول: جملة الموصول (الذي تولّى..)، والثاني: جملة (أعنده علم الغيب).
٣٤ - ﴿وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا﴾ أي: شيئـا قليـلاً مـن المال ﴿وَأَكۡدَىٰٓ﴾ أي: قطع العطاء ومنعه وأمسك عنه، خشية الإنفاق، بخلا به وشحاً. من قولهم: أكدى الحافرُ: إذا بلغ حَفْرُه إلى الكُدْية – وهي حجر صلب – فلم يمكنه الحفر، فانقطع عنه.وكَدِيَتْ أصابعه: إذا كلّت من الحفر، فلم تعمـل شيئاً.
53:35Page 527
أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥
Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1
٣٥ - ﴿أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: أعند هذا الذي تولّى عن طاعة الله، وأمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، علم ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿فَهُوَ يَرَىٰٓ﴾ أي: يعلم ذلك؟
53:36Page 527
أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦
Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses
٣٦ - ﴿أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ﴾ أي: بل ألم يُنبأ ويُخبر هذا المتولّي المكديّ ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ﴾ أي: الأسفار التي أوتيها، وهي التوراة!
٣٧ - ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ﴾ أي: وبما في صحف إبراهيم ﴿ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ﴾ أي:أتمّ وأكمل ما أُمر به طاعة لله تعالى؟ثم شرع تعالى يبيّن ما أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، فقال:
53:38Page 527
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨
That no bearer of burdens will bear the burden of another
٣٨ - ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ أي: أنه لا تحمل نفس آثمة ذنب غيرها، ولا تؤخذ به.
53:39Page 527
وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩
And that there is not for man except that [good] for which he strives
٣٩ - ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ أي: ليس له إلاّ أجر سعيه وثواب عمله وكسبه، فلا يثاب بعمل غيره، كما لا يؤاخذ بذنب غيره.
٤٠ - ﴿وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ﴾ أي: سيراه ويُعرض عليه، ويُكشف له يوم القيامة في صحيفة أعماله.أو: يُرى للخلق وللملائكة، ففيه بشارة للمؤمن، وإنذار للكافر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences