Al-Jami' al-WajizAl‑A'raf · 7:157–172

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:157–172

7:157Page 170

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

١٥٧ - ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ﴾ محمداً ﷺ. والأمِّي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم ذلك، أو: نسبة إلى الأم، كأن الذي لا يكتب ولا يقرأ باق على حالته التي ولد عليها. و وصفه ﷺ بالأُمِّية : إشارة إلى أن كمال علمه الذي علمه إياه ربه، مع أمِّيته، هو إحدى معجزاته. والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بمحمد ﷺ ومتابعته، شرط لدخول أهل الكتاب في رحمة الله التي وسعت كل شيء. ثم وصف رسوله ﷺ النبي الأمي بقوله: ﴿ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ﴾ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أي: يجدون نعمته وبشارته ﴿مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ﴾ باسمه وصفته.وعن عطاء بن يسار، عند البخاري في«صحيحه»قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال:«أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً». ﴿يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه ونفعه وصلاحه من الأقوال والأفعال شرعاً وعقلاً. ﴿وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ وهو كل ما عرف قبحه من الأقوال والأفعال شرعاً وعقلاً. وأعظم ما أمر به: عبادة الله وحده لا شريك له، وأعظم ما نهى عنه: عبادة ما سوى الله، وإشراك غيره من المخلوقات في عبادته. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ﴾ أي: المستلذات، وهي كل ما طاب في حكم الشرع، من المطاعم، والمشارب، والمناكح، والمعاملات، والأقوال والأفعال ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ﴾ أي: المستخبثات، لما فيها من القبح والضرر، وهي كل ما خبث في حكم الشرع، من المطاعم، والمشارب، والمناكح، والمعاملات، والأقوال والأفعال. فالمدار إذن على حكم الشرع في حلّ الأشياء وحرمتها، لا على الرأي والفكر، فكل ما أحل الله، طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرم، فهو خبيث ضار في البدن والدين. ﴿وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ﴾ [و في قراءة: بالجمع : (آصارهم)] أي: ويسقط عنهم ثقْلهم، والمراد به: التشديد الذي كان عليهم ﴿وَٱلۡأَغۡلَٰلَ﴾ أي: والتكاليف الشاقة الشديدة ﴿ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ في التوراة - مما لم يكن فيه مصلحة لذاته، بل كُلِّفوا بها عقوبة لهم على سيء أعمالهم- والمعنى: يُخفف عنهم ما أُلزموا العمل به من التكاليف الشاقة في التوراة، كقطع موضع النجاسة من الثوب، وعدم طهارته بالغسل، وإحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقتل النفس في التوبة، وتعيُّن القصاص في القتل مطلقاً، دون شرع الدية، ونحو ذلك من الإصر والأغلال. والإصْر في الأصل: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه عن الحراك لثقله. والأغلال: جمع غُلّ، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، وتسمى: الجامعة، والمراد بهما ما ذكر. وفي الآية: بيان أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحنيفية السمحة، كما ورد في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ، أنه قال:«بُعثت بالحنيفية السمحة»، وقال ﷺ لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما أرسلهما إلى اليمن:«بشِّرا ولا تُنفِّرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا». وعند البخاري،أنه ﷺ قال :«إن الدين يسر ولن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا». وعند مسلم أنه ﷺ قال:«هلك المتنطعون، ثلاثاً»، وهم المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد. ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ منكم يا بني إسرائيل، ومن غيركـم ﴿بِهِۦ﴾ أي: بمحمد ﷺ، وتابعوه على دينه ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: وعظموه ووقروه. وللتعزير في اللغة معنيان متضادان. يقال: عزّره، أي: لامه، وعزّر الجاني: إذا ضربه مؤدباً دون الحد، ومنه: التعزير الموكول إلى الحاكم، أي: التأديب على ما لا عقوبة دنيوية محددة فيه. ويقال أيضاً: عزَّره: أجلَّه وعظمه و وقَّره، وأعانه وقواه، ونصره بلسانه وسيفه، وهذا هو المعنى المراد من التعزير في هذه الآية وكذا في قوله تعالى خطاباً لبني إسرائيل: (وآمنتم برسلي وعزرتموهم)المائدة(١٢)، وقوله: (لتؤمنوا بالله و رسوله وتعزروه وتوقروه)الفتح(٩). ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائـه في الدين. وإذا أُخـذ في معنى التعزير: النصرة، يكون عطف «نصروه» على «عزّروه» من عطف اللازم على ملزومه. ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ﴾ أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغاً عن ربه، مع العمل بسنَّته فيما يأمر به، وينهى عنه، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما.

7:158Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

١٥٨ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ أمر من الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس جميعا، لا كما كان غيره من الرسل عليهم السلام يُبعثون إلى قومهم خاصة ﴿ٱلَّذِي﴾ أي: أرسلني الذي ﴿لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ تدبيراً وتصريفاً، بأحكامه الكونية القدرية، والدينية الشرعية. ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ وحـده لا شريـك له، ولا معبـود بحق في الوجود سواه ﴿يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ﴾ المتفرد وحده بالإحياء والإماتة، المستحق لكمال الألوهية، وجلال الربوبية، ونفي الشركاء عنه. ﴿فَـَٔامِنُواْ﴾ إيماناً متضمناً لأعمال القلـوب والجوارح ﴿بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ﴾ الذي وُعدتم به وبُشّرتم بمجيئه في كتبكم المتقدّمة. والخطاب بالإيمان بالله ورسوله يعمّ النّاس جميعاً، وفيه إعلام بعموم رسالته ﷺ إلى النّاس كافة، ردّاً على زعم اليهود أنّه مرسل للعرب خاصّة. ﴿ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول الذي يؤمن بالله، وبما أُنزل إليه من ربّه وبما أنزل إلى رسل الله جميعهم، ويصدّق قوله عمله. ﴿وَٱتَّبِعُوهُ﴾ أي: اسلكوا طريقه، واقتفوا أثره، وتابعوه على دينه في كل ما يأتي ويذر﴿لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ إلى الصراط المستقيم، وترشدون إلى الطريق القويم، فإنّ الهداية في الدين والدنيا، تكون في اتّباعه،وسعادة الدّاريْن تكون في الإيمان به وبما جاء به من ربّه. والآية- وإن سيقت في أحوال بني إسرائيل- دالة على عموم رسالته ﷺ للنّاس جميعاً، وأنّه لا يُقبل من أحد دينٌ بعد مبعثه ﷺ إلا دينه وشرعه. وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله مرفوعاً، قال رسول الله ﷺ:«أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلت لي الغنائم، ولم تَحل لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبي يُبعث إلى قومه خاصّة، و بُعثت إلى النّاس عامّة». وعند أحمد في«مسنده»، ومسلم في «صحيحه»، واللّفظ لأحمد: عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال:«والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهودي أو نصراني ثمّ يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النّار».

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

١٥٩ - ﴿وَ﴾ كـان ﴿مِــن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ﴾ و في عهـده ﴿أُمَّةٞ﴾ أي: جماعة، أو طائفة كانوا على خير وصلاح، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه ﴿يَهۡدُونَ﴾ النّاس متلبّسين ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ يدعــونهم إليــه ﴿وَبِهِۦ﴾ أي: و بالحـقّ ﴿يَعۡدِلُونَ﴾ أي: يحكمون بينهم في الأقضية والحكومات والخصومات بالعدل. والإتيان بهذه الآية فيه نوع احتراز ممّا تقدّم ذكره من مساوئ بني إسرائيل المنافية للحقّ والهداية، فربّما توهّم متوهّم أنّ هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة، هادية مهديّة، كقوله: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)السّجدة(٢٤).ثمّ رجع السّياق القرآني إلى بيان أحوال بني إسرائيل، وكيف كانوا يقابلون نعم الله بالكفران والجحود، وقد تقدّم مثله في سورة البقرة الآيات: (٥٧-٥٩)، فقال:

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

١٦٠ - ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ﴾ أي: قوم موسى ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ﴾ أي: صيّرناهم، أو قسمناهم وفرّقناهم اثنتي عشرة أمّة، أو قبيلة أو جماعة، لتتميّز كلّ أمّة عن الأخرى، ويقال لكل واحدة: سبط. والأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في العرب. والسّبط: ولد الولد، أو الولد. والأسباط: هم أولاد يعقوب عليه السّلام- يوسف وإخوته الأحد عشر وذرياتهم- ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ﴾ أي: طلبوا منه السّقيا في التيه ﴿أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ ﴾ فضربــه ﴿فَٱنۢبَجَسَتۡ﴾ أي: فانفجـرت ﴿مِنۡهُ﴾ أي: من ذلك الحجر ﴿ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ﴾ من الماء، لكل سبط عين. يُقال: بجسْتُ الماء، أبجسه فانبجس، بمعنى: فجّرته فانفجر. ﴿قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ﴾ أي:كل سبط منهم ﴿مَّشۡرَبَهُمۡۚ﴾ أي: العين المختصة بهم التي يشربون منها. ﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ﴾ أي: جعلناه مظلّلا عليهم في التيه، يقيهم حرّ الشّمس.والغمام: السّحاب الأبيض الرّقيق. ﴿وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ﴾ وهو مادّة صمغية حلوة كالعسل (والسّلوى) وهو الطائر المعروف بالسُّمانى، فجمع الله لهم في التيه: الظلال والشّراب والطعام الطيب، على وجه الرّاحة والطمأنينة. وقلنا لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ﴾ فأكلوا، ولم يشكروا الله على ذلك ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بكفران النّعم وعدم شكرها، وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم، وعدم تقدير الله حقّ قدره. ﴿وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ حيث فوّتوا عليها كلّ خير، وعرضوها لكل نقمة وشر، وكان ذلك مدّة لبثهم في التّيه. و نظير هذه الآية: آية(٥٧)، البقرة.

7:161Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

١٦١ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ﴾ هي بيت المقدس، أو أريحا، أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً. و قال في سورة البقرة، آية(٥٨):(ادخلوا هذه القرية) و السكنى أخص من الدخول، فمن يسكن يدخل قطعا ، و ليس كل من يدخل يسكن. ﴿وَكُلُواْ مِنۡهَا﴾ أي: ممّا فيها من الخيرات من ثمارها وزروعها ﴿حَيۡثُ شِئۡتُمۡ﴾ أي: في أيِّ مكان من أمكنتها شئتم. ﴿وَقُولُواْ﴾ أمْرُنا، أو طلبُنا، أو مسألتُنا ﴿حِطَّةٞ﴾ أي: أن تحطّ عنّا ذنوبنا وخطايانا. ﴿وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ﴾ أي: باب القرية ﴿سُجَّدٗا﴾ أي: ساجدين لربّكم، خاضعين له، مستكينين لعزّته، شاكرين لنعمته ﴿نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ﴾ أي: متى دخلتم بيت المقدس منتصرين على عدوّكم، متذللين لله، خاشعين له، مطيعين لأمره، يكون ذلك مغفرة لذنوبكم وخطاياكم. ﴿سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ بالطّاعة ثواباً في العاجل والآجل. [وفي قراءة: (نَغْفِر لكم خطاياكم) وفي أخرى: (تُغْفَر لكم خطيئتكم) بالتاء مبنياً للمفعول، وبإفراد«خطيئاتكم»وفي ثالثة : (تُغفر لكم خطيئاتكم) بالتاء مبنياً للمفعول أيضاً، وبالجمع].و نظير هذه الآية:آية(٥٨)، البقرة.

7:162Page 171

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

١٦٢ - ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ﴾ فقالوا مستهزئين - بدل طلب المغفرة وقولهم:«حطّة» - : حبة في شَعرَة، ودخلوا - بدل السجود - يزحفون على أستاههم - جمع سَتَه، أي: أوراكهم - وفي الحديث عند البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:«قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا، وقولوا: حطّة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا، وقالوا: حبة في شعرة». وفي رواية: أنهم قالوا:«حنطة بدل حطّة»، استهزاءً منهم بذلك. ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ﴾ حين خالفوا أمر الله واستهانوا به ﴿رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً من السماء أهلكهم، قيل: هو الطاعون. وقال في سورة البقرة، آية(٥٩):(فأنزلنا) و الإرسال كالإنزال في المعنى العام، و إن أفاد الإرسال كثرة و زيادة. ﴿بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ﴾ أي: بسبب ظلمهم أنفسهم، ومخالفتهم أوامر الله . وقال في سورة البقرة،آية(٥٩):(بما كانوا يفسقون) و الظلم و الفسق شيء واحد، و إن أفاد الأول: الاعتداء على الغير، و الثاني: الخروج عن طاعة الله.و نظير هذه الآية: آية(٥٩)، البقرة.

7:163Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

١٦٣ - ﴿وَسۡـَٔلۡهُمۡ﴾ [وفي قراءة: (وَسَلْهم)] يا محمد توبيخاً لهم وتقريعاً، أي: اسأل اليهود الذين بحضرتك في المدينة، المعاصرين لك: ﴿عَنِ﴾ قصة أهل ﴿ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ﴾ أي: قريبة منه، مشرفة على شاطئه. قيل: هي«أيلة» (أو إيلات الآن) على شاطئ البحر الأحمر، عند خليج العقبة. وهذا السياق هو بسط لقوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين)البقرة(٦٥). ﴿إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ﴾ أي: يعتدون في يوم السبت، ويتجاوزون حدود الله، بصيد الأسماك فيه، وقد نُهوا عنه وعن العمل فيه، ويخالفون أمر الله بالوصاة لهم بتعظيمه، واحترامه، وعدم الصيد أو العمل فيه. يُقال: عدى فلان الأمر واعتدى، إذا تجاوزه. فابتلاهم الله تعالى وامتحنهم بالصيد فيه ﴿إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ﴾ أي: رزقهم من السمك ﴿يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ﴾ أي: يوم تعظيمهم أمر السبت ﴿شُرَّعٗا﴾ أي: شارعة، ظاهرة على وجه الماء من كل ناحية، كشوارع الطرق، دانية من الساحل، قريبة المأخذ منه. وشُرَّعا :جمع شارع، من شَرَع عليه، إذا دنا وأشرف، وكل شيء دنا من شيء فهو شارع، ودار شارعة: إذا دنت من الطريق. ﴿وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ﴾ أي: و يوم لا يعظمونه تعظيم السبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت. يقال: سبت فلان - كنصر وضرب- إذا عظّم السبت. ﴿لَا تَأۡتِيهِمۡۚ﴾ حيتانهـم - أي: أسماكهم - شُرّعا، بل تذهب في البحر بعيدة عنهم، فلا يقدرون على صيدها ﴿كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم﴾ أي: نمتحنهم ونختبرهم-ونحن أعلم بهم- بالشدة بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في يوم السبت، المحرم عليهم صيده، وإخفائها عنهم في غيره من الأيام، الحلال لهم صيده. ﴿بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله. فكان ابتلاء الله لهم بسبب ظهور الفسوق فيهم. وفيه امتحان لمدى قدرتهم على الصبر عن محارم الله. ولكنهم تحيّلوا على أمر الله، فكانوا يحفرون لصيدهم حفراً، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت، وقع الصيد في تلك الحفر والشباك، فلم يأخذوها في سبتهم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، فاحتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة، والتي معناها في الأصل تعاطي الحرام. وفي الحديث: عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:«لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». قال ابن كثير: إسناده جيد، ورجاله مشهورون ثقات.فلمّا استحلّوا محارم الله بصيد السّمك في يوم السّبت، افترق أهل القرية في أمرهم ثلاث فرق: فرقة اعتدت بالصيد معهم يوم السّبت. وفرقة نهت عنه، وأنكرت عليهم. وفرقة سكتت، فأمسكت عن الصّيد، ولكن لم تنه عنه.

7:164Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

١٦٤ - ﴿وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: جماعة منهم، وهم الذين أمسكوا عن الصّيد ولم ينهوا عنه، لمن نهى عنه: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ أي: تنهون وتذكّرون ﴿قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ﴾ أي: مستأصلٌ لهم بالعقوبة ﴿أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ﴾ بما انتهكوا من محارم الله، وفعلوا من المعصية بالاعتداء في السّبت. والمعنى: قالت الفرقة الممسكة عن الصّيد للفرقة النّاهية عنه: لم تنهون هؤلاء- أي: الفرقة المعتدية في السّبت- وقد علمتم أنّهم هالكون مستحقون العقوبة من الله؟ ﴿قَالُواْ﴾ أي: الفرقة النّاهية: نعظهم ﴿مَعۡذِرَةً﴾ أي: اعتذاراً نعتذر بها ﴿إِلَىٰ رَبِّكُمۡ﴾ لنُعذر فيهم، ولئلا نؤاخذ بترك ما أوجب علينا من الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. [وفي قراءة: بالرفع: (معذرةٌ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا الوعظ معذرةٌ]. وقوله: (معذرةً) بالنّصب: منصوب على المفعول لأجله، والمراد: نعظهم لأجل المعذرة إلى الله، وطلب عفوه ومغفرته. والمعذرة: مصدر، كالمغفرة. يقال: عذره يعذره عُذراً ومعذِرة: وهي التنصّل من الذّنب. ﴿وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله، فيقلعون بهذا الإنكار عمّا هم فيه من المعصية، ويرجعون إلى الله نادمين تائبين.

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

١٦٥ - ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ﴾ أي: فلما تركوا- أي: الفرقة المعتدية- ما وُعظوا به- من قِبل الفرقة النّاهية- واستمروا على غيّهم واعتدائهم في السّبت ﴿أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ﴾ وهم الآمرون لهم بالمعروف والنّاهون لهم عن المنكر، ﴿وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالاعتداء في السّبت ﴿بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ﴾ أي: شديد وجيع. من بؤُس يبؤُس بأساً: إذا اشتد. وفيه دلالة بالمفهوم على أنّ الذين بقوْا، نجوْا، وهما: الطائفتان النّاهية والسّاكتة. ﴿بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله. [وفي قراءة: بحذف الهمزة: (بعذاب بيس)، وبإثباتها وحذف الياء: (بعذاب بِئْسٍ)، وبتقديم الياء على الهمزة: (بعذاب بَيْئَس)]. قال ابن كثير: وقد نص الله في الآية على نجاة النّاهين عن السّوء، وهلاك المعتدين في السبت، وسكت عن السّاكتين الذين لم يفعلوا، ولم ينهوا، لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيُمدحوا، ولا ارتكبوا عظيماً فيُذمّوا. واختلف فيهم: هل كانوا من الهالكين أو من النّاجين؟ على قولين، والظاهر أنهم كانوا من النّاجين، لأنّ الله خصّ الهلاك بالظالمين، فدلّ على أنّ العقوبة مختصّة بالمعتدين في السّبت، ولأنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

7:166Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

١٦٦ - ﴿فَلَمَّا عَتَوۡاْ﴾ أي: تكبروا،أو استكبروا و استعصوْا ﴿عَن﴾ ترك ﴿مَّا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ وأبوْا أن يرجعوا عن المعصية. أو جاوزوا الحدّ في معصية الله تمرداً وتكبراً. يُقال: عتا يعتوا عُتوّاً وعتيّاً: استكبر وجاوز الحدّ. ﴿قُلۡنَا لَهُمۡ﴾ قولاً قدرياً: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ﴾ أي: صاغرين أذلاء، مبعدين مطرودين عن كلّ خير، فكانوا كذلك. و قد تقدم ذكرهم في سورة البقرة، آية(٦٥).

7:167Page 172

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

١٦٧ - ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ أي: أمر وحكم وأعلم إعلاماً ظاهراً صريحاً. أو: عزم وقضى. وتأذن: بمعنى: آذن، أي: أعلم. يُقال: آذنه الأمر وبالأمر: أعلمه. وأذّن تأذيناً: أكثر الإعلام. ﴿لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: ليسلّطن على اليهـود، إن هم غيّروا، وبدّلوا، ولم يؤمنوا بأنبيائهم ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ﴾ أي: يذيقهم ويكلّفهم ما يسوؤهم ويغمهم من أنواع العذاب، كالقتل، والسّبي، والقهر والذّل، والمهانة، والمسكنة، وأخذ الجزية، فكانوا كذلك أذلاء مستضعفين مهانين معذّبين بأيدي أهل الملل، يؤدون الخراج والجزية، وذلك بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على محارم الله. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ﴾ لمن عصاه، وخالف شرعه، حتى إنه ليعجّل لهم العقوبة في الدنيا، مع ما ادّخر لهم من العذاب في الآخرة. ﴿وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ﴾ لأهل طاعته ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم وبمن تاب إليه وأناب وآمن وعمل صالحاً. وفيه: أنّ الله يفرّق بين الترغيب والترهيب، لتبقى النّفوس بين الرجاء والخوف. وفي الحديث عند مسلم في «صحيحه»، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم السّاعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشّجر، فيقول الحجر والشّجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنّه من شجر اليهود». والغرقد: نوع من الشجر له شوك.

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

١٦٨ - ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ﴾ أي: فرّقناهم في الأرض طوائف وفرقاً، فليس قطر من أقطار الأرض إلاّ وفيه منهم طائفة. ﴿مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ وهم الذين آمنوا بمحمّد ﷺ، وحسن إسلامهم، أو: هم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، أو: هم المؤمنون برسالة موسى أو عيسى عليهما السّلام، قبل بعثة محمّد ﷺ. ﴿وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ﴾ في الصّلاح، فإمّا مقتصدون، أو ظالمون لأنفسهم. ﴿وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ أي: امتحنّاهم واختبرناهم، و نحن أعلم بهم. أو: عاملناهم معاملة المُبتلى والمختبَر بالنّعم و النّقم، كالرّخاء والشّدة، والرّغبة و الرّهبة، والخصب والجدب، والعافية والبلاء، واليسر والعسر، والسّعة والضّيق، والأمن والخوف، ﴿لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ إلى ربّهم، ويتوبون إليه عمّا هم فيه من الكفر والمعاصي، ويرجعون إلى طاعة الله. يُقال: بلاه يبلوه بلواً، وابتلاه ابتلاءً: إذا جرّبه واختبره.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾ أي: فجاء من بعد أولئك الذين فيهم الصّالح وغير الصّالح ﴿خَلۡفٞ﴾ آخر لا خير فيهم، وهم الأولاد والذّرية الذين خلفوا أولئك، والأجيال التي نشأت بعدهم. والخلْف- بسكون اللاّم-: القرن يجيء بعد القرن،وهو بسكون اللاّم: شائع فيمن يخلف بالسّوء، وبفتحها: فيمن يخلف بالخير. ﴿وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة عن آبائهم وأسلافهم، يقرأونها ولا يعملون بما فيها من أحكام وشرائع. ﴿يَأۡخُذُونَ﴾ عِوضـاً عن قـول الحقّ، وبذله، ونشـره ﴿عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ﴾ أي: متاع هذه الحياة الدنيا،أو:ما يعرض لهم من حطامها الفاني، وهو الرّشوة في الأحكام، والرّشوة على التحريف، فيعتاضون عن الحقّ وبذله، بعرض الحياة الدنيا وحطامها ومتاعها الزائل، ويتعجّلون مصالحها بالرّشاء والسّحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وكتمهم لما يكتمونه منها. والعرض: متاع الدنيا وحطامها الفاني. والأدنى: الأقرب، والمراد به: الدنيا، وهي من الدنوّ، للقرب بالنّسبة إلى الآخرة. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا﴾ ما فعلنا، تمنيّاً على الله، أي: يعللّون أنفسهم بالمغفرة، ويعدونها بالتّوبة، مع تماديهم في ضلالهم وباطلهم، إذ لو كان حقّاً طلبهم للمغفرة، لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا لمثلها ﴿وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ﴾ أي: ولكن إن أتاهم شيء من حطام الدنيا ومتاعها، أخذوه، حلالاً كان أو حراماً. والجملة حال، أي: يتمنون على الله المغفرة، ويتعللون بها، وكلما لاح لهم عرض آخر أو رشوة أخرى أو ذنب آخر يأخذوه، وذلك لشدة حرصهم على الدنيا، وإصرارهم على المعاصي، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. والوعد بالمغفرة لا يكون مع الإصرار على المعاصي. قال الله تعالى منكراً عليهم صنيعهم هذا: ﴿أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: ميثاق التوراة والعهد الذي فيه، ليُبيننَّ الحق للناس ولا يكتمونه - كقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونـه)آل عمران(٨١)-وذلك ﴿أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ﴾ دون تحريف أو تبديل، رغبةً أو رهبةً، فما بالهم يقولون عليه غير الحق، بنسبة المغفرة إليه، مع الإصرار منهم على الذنوب، اتباعا لأهوائهم وميلاً مع شهواتهم؟ويجوز أن يكون قوله: (ألم يؤخذ) استفهام تقرير، أي: قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، فَلِم كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإصرار على الذنب؟ ﴿وَ﴾ الحال أنهم قد ﴿دَرَسُواْ مَا فِيهِۗ﴾ أي: قرأوا ما في الكتاب -وهو التوراة - وعلموه وتدبروه مراراً، ولكنهم تركوا العمل بالميثاق، مع دراستهم ما في الكتاب وعلمهم به، فكان الترك منهم عن علم، لا عن جهل، وذلك أشد ذنباً، وأعظم جرماً.﴿وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ﴾ من ذلك العرض الفـاني ﴿لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ﴾ الله، ويجتنبون معاصيه، ويحذرون من تحريف كلامه، والتحايل على محارمه. ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ ذلك عن الله، فتؤثرون الباقي على الفاني، والآجل الدائم على العاجل المنقطع؟ [وفي قراءة: (أفلا يعقلون) - بالياء - أن الآخرة خير، فيؤثرونها على الدنيا؟]

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

١٧٠ - ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ﴾ علماً وعملاً، أي: يتمسّكون بالكتاب الأول- وهو التّوراة- فلم يحرّفوه ولم يغيّروه أو يبدّلوه، بل علموه، وعملوا بما فيه، واعتصموا به، فاقتدوا بأوامره، وانتهوا بنواهيه، فأدّاهم ذلك إلى الإيمان بالكتاب التالي، والعمل به، وهو القرآن، فأسلموا ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ ظاهراً وباطناً، وخصّها بالذكر، لشرفها وفضلها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات، ولكونها عماد الدّين، وفارقة بين الكفر والإيمان، [وفي قراءة: (يُمْسِكُونَ) بالتخفيف].يقال: مسّكت ومسَكت بالشيء، وتمسّكت به، و استمسكت به، وأمسكت به، بمعنىً. ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ﴾لأنفسهم ولغيرهم، المحسنين في أقوالهم وأعمالهم ونيّاتهم . والآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وفيها دليل على أنّ الله بعث رسله بالصلاح و الإصلاح لا بالفساد و الإفساد، وبالمنافع لا بالمضارّ، ولخير الدارين، وسعادة الثّقلين.

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

١٧١ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ﴾ أي: زعزعنا جبل الطّور ورفعناه وقلعناه- من أصله- فوق رؤوسهم ﴿كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ﴾ أي: كأنّه سحابة، أو غمامة أو سقيفة تظلّهم. وذلك حين امتنعوا عن قبول التّوراة والعمل بما فيها من أحكام وشرائع وحدود وفرائض. وهو كقوله: (ورفعنا فوقكم الطّور)البقرة(٦٣). من النّتق: وهو الزّعزعة والرفع والجذب بشدّة، يقال: نتق الشيء يَنْتُقه و يَنْتِقه نتْقاً: جذبه واقتلعه. والظّلّة في الأصل: كل ما أظلّك من سقف أو غيره. ﴿وَظَنُّوٓاْ﴾ أي: وأيقنوا ﴿أَنَّهُۥ﴾ أي: الجبل ﴿وَاقِعُۢ بِهِمۡ﴾ أي: ساقط عليهم، بوعد الله إيّاهم بوقوعه عليهم، إن لم يقبلوا أحكام التوراة. وكانوا أبَوا ذلك، لثقلها، فقبلوها، وقلنا لهم: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم﴾ من أحكام التوراة ﴿بِقُوَّةٖ﴾ أي: بجد وعزم واجتهاد، أي: اقبلوها ولا تردّوها ﴿وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ من الأحكام والشرائع، علماً وعملاً. ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن فعلتم ذلك وقبلتم حكم الله وشرعه.

7:172Page 173

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

١٧٢ - ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ أي: واذكر حـين أخذ ربـك ﴿مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ﴾ أي: أخرج من أصلابهم ﴿ذُرِّيَّتَهُمۡ﴾ أي: نسلهم [و في قراءة: بالجمع:(ذرياتهم)] بأن أخرج من صلب آدم ذريّته، ثمّ أخرج الذرية من أصلاب بعضهم بعضاً، وجعلهم يتناسلون، ويتوالدون، نسلاً بعد نسل، وجيلاً بعد جيل، كقوله: (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين)الأنعام(١٣٣).و عبّر عن إخراج الذرية من الأصلاب ب«الأخذ»لأنه يدل على الاصطفاء و التمييز.﴿وَأَشۡهَدَهُمۡ﴾ أي: وقرّرهم ﴿عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ حين أخرجهم من بطون أمّهاتهم، وأصلاب آبائهم، قائلاً لهم قول إرادة و تكوين- لا بالوحي-: ﴿أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ﴾؟ فقرّرهم جميعاً بربوبيته لهم، بما أودعه في فطرهم، وأصل جبلّتهم من الإقرار بوحدانيّته، وأنّه ربّهم، وخالقهم، ومليكهم، والمراد بهذا الإشهاد: فطرهم على التوحيد. ﴿قَالُواْ﴾- بلسان الحال أو المقال:- ﴿بَلَىٰ﴾ أنت ربّنا ﴿شَهِدۡنَآۚ﴾ على أنفسنا، وأقررنا بربوبيّتك ووحدانيّتك. قال ابن كثير في تفسيره : فالله أوجدهم شاهدين بوحدانيّته حالاً، قائلين له ذلك مقالاً، فالشّهادة تكون تارة بالقول، كقوله: (قالوا شهدنا على أنفسنا) وتارة تكون حالاً، كقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر)التوبة(١٧) أي: حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنّهم قائلون ذلك. وهذا الإشهاد ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي: لئلا تقولوا- أي: الكفار منكم- [وفي قراءة بالياء: (أن يقولوا)] ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا﴾ التوحيد ﴿غَٰفِلِينَ﴾ لا نعرفه ولا نعلم به.و قيل:إن قوله:(شهدنا أن تقولوا): معناه: قالت الملائكة: شهدنا عليكم بإقراركم أن الله ربكم، كي لا تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) فلا عذر لكم بالجهل بعد نصب الأدلة ووجود العقل والفطرة. وفي الحديث عند أحمد والشّيخين عن أنس بن مالك عن النّبي ﷺ قال:«يقال للرجل من أهل النّار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تُشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском