Al-Jami' al-WajizAl‑Qamar · 54:1–47

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

القمر

Al-Qamar

The Moon · Meccan · 55 ayahs

54:1Page 528

ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١

The Hour has come near, and the moon has split [in two].1

١ - ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ﴾ أي: قربت القيامة جداً ودنت، والمراد: تحقّق وقوعها، كقوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)النحل(١) وقوله: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)الأنبياء(١).وفي الحديث عند أحمد والشيخين: عن سهل بن سعد الساعديّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى.وفي لفظ: «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، إن كادت لتسبقني» وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى.وعند البزّار عن أنس: أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه يوماً، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلاّ شفّ يسير، فقال: «والذي نفسي بيده، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها، إلاّ كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»، وما نرى من الشمس إلاّ يسيراً.﴿وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ﴾ أي: انفلق فلقتين، معجزة له ﷺ، وهو بمكّة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، حين سأله أهل مكّة أن يريهم آية تدلّ على صدقه، فأراهم القمر فلقتين بأمر الله تبارك و تعالى.ففي الصحيحين عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقّين، حتى رأوا حراء بينهما. وأخرجه الترمذيّ.وفي الصحيحين ومسند أحمد عن ابن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، و فرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ: «اشهدوا».وعند مسلم والترمذي – وقال: حسن صحيح - والبيهقي عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشقّ فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ: «اللهم اشهد».

54:2Page 528

وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ٢

And if they see a sign [i.e., miracle], they turn away and say, "Passing magic."1

٢ - ﴿وَإِن يَرَوۡاْ﴾ أي: كفار قريش ﴿ءَايَةٗ﴾ أي: معجزة له ﷺ، أو: دليلاً وحجّة وبرهاناً على صدق قوله و دعوته، ومنها: انشقاق القمر ﴿يُعۡرِضُواْ﴾ عن التأمّل فيها والإيمان بها وتصديقها ﴿وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ﴾ أي: دائم مطّرد، أو: محكم قويّ شديد.من المِرّة: بمعنى القوّة.وهي في الأصل: من إمرار الحبل، وهو شدّة فتله، ومنه قولهم: استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم.أو: سحر مارٌّ ذاهب زائل عمّا قريب، من قولهم: مرّ الشيء واستمرّ: إذا ذهب.روى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد.

54:3Page 528

وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ٣

And they denied and followed their inclinations. But for every matter is a [time of] settlement.

٣ - ﴿وَكَذَّبُوا﴾ بالحق الذي جاءهـم بـه محمـد ﷺ ﴿وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ﴾ في الباطل والضلال.﴿وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ﴾ [و في قراءة:بالجر (مستقرٍّ)] أي: كلّ أمر لابدّ أن يصير إلى غاية يستقرّ عليها لا محالة، وينتهي إليها، وكذلك أمره ﷺ سيصير إلى غاية ينتهي عندها أنه حقّ، كما أن أمر هؤلاء المكذّبين سيصير إلى وبال محقّق. وهو إقناط لهم ممّا أمّلوه من عدم استقرار أمره ﷺ، حيث قالوا:(سحر مستمر).أو: وكلّ أمر من الخير والشرّ مستقر بأهله، واقع بهم، فالخير يستقرّ بأهل الخير في الجنّة، والشر يستقرّ بأهل الشر في النار.أو: كل أمر له حقيقة يستقرّ عليها وينتهي إليها، فما كان منه في الدنيا، فسيظهر، وما كان منه في الآخرة، فسيعرف.

54:4Page 528

وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ٤

And there has already come to them of information that in which there is deterrence.

٤ - ﴿وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ﴾ أي: جاء كفّار مكّة من أخبار الأمم المكذّبة المهلكة في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ﴾ لهم، أي: ازدجار وانتهار لهم وردع عمّا هم عليه من الشرك والتكذيب.وأصله: مُزْتجر، من الزّجر بمعنى: المنع والانتهار. يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر، بمعنىً، فأبدلت تاء الافتعال دالا.

54:5Page 528

حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ٥

Extensive wisdom - but warning does not avail [them].

٥ - ﴿حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ﴾ أي: ذلك الذي جاءهم من الأنباء في القرآن، حكمة واصلة غاية الإحكام ونهايته.أو: حكمة بالغة في هدايته تعالى لمن هداه، وإضلاله لمن أضلّه.﴿فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾ أي: الرسل أو الأمور المخوّفة لهم، أي: فما تنفع فيهم الأمور التي أنذروا بها.أو: فأيّ غنىً تغني النّذر عنهم إذا استمروا على ما هم عليه من الكفر والتكذيب؟أو: فأي شيء تغني النذر عمّن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه؟ أي: ليست تغني عنهم شيئا.و «ما» نافية، أو: للاستفهام الإنكاري.والنذر: جمع نذير، كجُدد وجديد، بمعنى: مُنذر، أي: محذّر مخوّف من وقوع العذاب بهم.وهذه الآية كقوله: (وما تغني الآيات والنّذر عن قوم لا يؤمنون)يونس(١٠١).

54:6Page 528

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦

So leave them, [O Muḥammad]. The Day the Caller1 calls to something forbidding,

٦ - ﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ﴾ يا محمد، أي: أعرض عنهم، إذ لم يؤثر فيهم الإنذار.﴿يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ﴾ هو إسرافيل عليه السلام والجملة ظرف ل (يخرجون).وحُذفت الواو من «يدع» لفظاً لالتقاء الساكنين، ورسماً، تبعاً للفظ.وحذفت الياء من «الداع» تخفيفاً، [وفي قراءة بإثباتها وصلا و وقفا في الموضعين: (يوم يدع الداعي)] ﴿إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ﴾ – بضم الكاف وسكونها، قراءتان – أي: إلى أمر فظيع عظيم منكر، تنكره النفوس وتكرهه، لعدم العهد بمثله، وهو هول يوم القيامة، أو: لشدّته، وهو الحساب، وذلك حين ينفخ إسرافيل في الصّور نفخة البعث والنشور.والنكر – بضم الكاف وسكونها -: المنكر - كالنكراء – والأمر الشديد الذي يُنكر استعظاماً له.

54:7Page 529

خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧

Their eyes humbled, they will emerge from the graves as if they were locusts spreading,

٧ - ﴿خُشَّعًا﴾ [وفي قراءة:(خاشعاً)] ﴿أَبۡصَٰرُهُمۡ﴾ أي: ذليلةً خاضعةً كليلةً من شدّة الهول ﴿يَخۡرُجُونَ﴾ أي: الناس ﴿مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ﴾ أي: القبور ﴿كَأَنَّهُمۡ﴾ في الكثرة، والتموّج، والانتشار، وسرعة السير إلى موقف الحساب، إجابةً للداعي ﴿جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ﴾ أي: منبثّ مختلط بعضه ببعض. والجملة حال من فاعل (يخرجون)، وكذا قوله:

54:8Page 529

مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨

Racing ahead toward the Caller. The disbelievers will say, "This is a difficult Day."

٨ - ﴿مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ﴾ أي: مسـرعين مـادّي أعناقهم إليه.من الإهطاع: وهو الإسراع في المشي مع مدّ العنق إلى الأمام.يقال: أهطع في عَدْوه: أسرع، وأهطع: مدّ عنقه وصوّب رأسه، فهو مهطع.والداعي: هو إسرافيل عليه السلام.﴿يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ منهم: ﴿هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ﴾ أي: صعب شديد، لما يعانون من أهواله، ويتوقّعون فيه من سوء العاقبة، كقوله سبحانه و تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير ٩ على الكافرين غير يسير ١٠)المدّثر(٩ -١٠).

54:9Page 529

۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩

The people of Noah denied before them, and they denied Our servant and said, "A madman," and he was repelled.

٩ - ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ﴾ أي: قبل قريش ﴿قَوۡمُ نُوحٖ﴾ وأنّث الفعل لمعنى «قوم» ﴿فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا﴾ نوحاً عليه السلام ﴿وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ﴾ فصرّحوا له بالتكذيب، ونسبوه إلى الجنون، وهو يدعوهم إلى عبادة الله.﴿وَٱزۡدُجِرَ﴾ أي: وزجروه، وانتهروه، ومنعوه عن تبليغ رسالة ربّه، بأنواع الزّجر والأذى والتخويف.كقوله تعالى حكاية عنهم: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين)الشعراء(١١٦).أو: زُجر وانتُهر ومُنع عن تبليغ رسالته وإنذار قومه.

54:10Page 529

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠

So he invoked his Lord, "Indeed, I am overpowered, so help."

١٠ - ﴿فَدَعَا﴾ نوح ﴿رَبَّهُۥٓ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَغۡلُوبٞ﴾ أي: مقهور، ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم، لقلّة من آمن به من قومه ﴿فَٱنتَصِرۡ﴾ يا ربّ لدينك، أي: انتقم لي منهم.طلب النّصرة من الله عليهم، لما علم تمرّدهم وعتوّهم وإصرارهم على ضلالتهم، وقلة المؤمنين به من قومه.

54:11Page 529

فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١

Then We opened the gates of the heaven with rain pouring down

١١ - ﴿فَفَتَحۡنَآ﴾ [وفي قراءة: بالتشديد (ففتّحنا)] ﴿أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: السّحاب ﴿بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ﴾ أي: متدفق، منصبّ بقوّة وغزارة، في كثرة وتتابع.يقال: هَمَره يَهْمِرهُ ويهمُرُه: صبّه، فهَمَر هو وانهمر.

54:12Page 529

وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢

And caused the earth to burst with springs, and the waters met for a matter already predestined.

١٢ - ﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: شققناها ﴿عُيُونٗا﴾ – بضمّ العين وكسرها، قراءتان - أي: عيونا تنبع حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا ﴿فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ﴾ أي: اجتمع ماء السماء وماء الأرض ﴿عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ﴾ أي: قدّره الله وقضاه أزلاً، وهو هلاكهم بالطوفان. و «على» تعليليّة، أي: لأجل نفاذ أمر سبق قضاء الله به في اللّوح المحفوظ، وهو إغراقهم.

54:13Page 529

وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣

And We carried him on a [construction of] planks and nails,

١٣ - ﴿وَحَمَلۡنَٰهُ﴾ أي: نوحاً ومن آمن معه ﴿عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ﴾ أي: على سفينة ذات ألواح من الخشب، ومسامير تُشدّ بها ألواحها، وتُدسر بها.جمع دِسار أو دَسْر – كسَقْف وسُقُف – وهو المسمار. وأصل الدّسْر: الدفع الشديد بقهْر، فسُمّي به المسمار، لأنه يُدقّ فيدفع بقوة. أو: هي أضلاع السفينة أو حبالها التي تشدّ فيها.

54:14Page 529

تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤

Sailing under Our observation as reward for he who had been denied.

١٤ - ﴿تَجۡرِي﴾ أي: السفينة ﴿بِأَعۡيُنِنَا﴾ أي: بمرأىً ومنظر منّا، أو: بأمرنا، أو: تحت حفظنا وعنايتنا ورعايتنا وكلاءتنا. و فيه إثبات صفة العين لله تعالى على اللائق بكماله و جلاله.﴿جَزَآءٗ﴾ منصوب بفعل مقدّر، أي: أغرقوا انتصاراً ﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ به، أي: لنوح عليه السلام، فإنه كان قد كُذّب من قومه، وكُفر به.أو: أغرقوا عقاباً لهم على كفرهم بالله.

54:15Page 529

وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥

And We left it as a sign, so is there any who will remember?

١٥ - ﴿وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ﴾ أي: أبقينا هذه الفَعْلة التي فعلناها بهم ﴿ءَايَةٗ﴾ أي: عبرة وعظة لمن يعتبر ويتّعظ بها، أي: قد شاع خبرها واستمرّ.أو: (ولقد تركناها) أي: السفينة، والمراد: جنسها، أو: أبقينا ذكرها (آية) أي: عبرة وعظة، أي: أبقى الله جنس السفن عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين.﴿فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي: معتبر ومتّعظ، يعتبر ويتّعظ بهذه الآية؟ أو: من ذي تذكّر يتذكّر؟استفهام بمعنى النفي، أي: لا معتبر ولا متّعظ بها.وأصله: مُذْتكر من الذّكر، أُبدلت التاء دالاً مهملة، وكذا الذال المعجمة، وأدغمت فيها. ومنه قوله: (وادّكر بعد أمّة)يوسف(٤٥) أي: تذكّر بعد نسيان.

54:16Page 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦

And how [severe] were My punishment and warning.1

١٦ - ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي﴾ لمن كفر بي وكذّب رسلي ﴿وَنُذُرِ﴾ أي: و إنذاري إياهم؟ أي: كانا على كيفيّة هائلة لا يحيط بها الوصف.والاستفهام للتقرير.و «كيف» خبر «كان» وهي للسؤال عن الحال.والمعنى: حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذّبين لنوح موقعه.[وفي قراءة: بإثبات الياء (ونذُري) في المواضع الستة من هذه السورة].

54:17Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

١٧ - ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ﴾ أي: سهّلنا ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم، وهيأناه للتذكّر والتدبر و الاتعاظ.والمعنى: والله لقد سهلنا القرآن لقومك بالتبيين و التفصيل بأن أنزلناه بلغتهم عربيّا مبيناً، وشحنّاه بأنواع المواعظ والعبر، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد، لمن أراد أن يتذكر أو يعتبر به.﴿فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي: معتبر بعبره، متّعظ بمواعظه؟والاستفهام هنا بمعنى الأمر، أي: اعتبروا به، واتّعظوا بمواعظه، وأقبلوا على دراسته وتلاوته وحفظه وتعلّمه وتعليمه. وعن مطر الورّاق عند البخاري تعليقاً في قوله تعالى: (فهل من مدّكر) أي: هل من طالب علم فيعان عليه.قال العلامة حسنين مخلوف في تفسيره: وقد وردت هذه الجملة القسميّة في هذه السورة في آخر قصة قوم نوح، وقصّة عاد، وقصة ثمود، وقصة قوم لوط، تقريراً لمضمون ما سبق من قوله تعالى في الآية (٤): (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النّذر) وتنبيهاً على أن كل قصّة منها مستقلة بإيجاب الادّكار، كافية في الازدجار، ومع ذلك لم يحصل منهم اتعاظ ولا اعتبار.

54:18Page 529

كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨

ʿAad denied; and how [severe] were My punishment and warning.

١٨ - ﴿كَذَّبَتۡ عَادٞ﴾ هم قوم هود عليه السلام كذّبوا نبيهم هوداً، فأهلكناهم ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: إنذاري لهم بالعذاب قبل وقوعه؟ أي: وقع موقعه، والاستفهام للتقرير. وكرّر هذا الاستفهام في قصص السّورة لتفظيع أمر العذاب والإنذار به، ولتجديد الاتّعاظ عند سماع كل قصّة. ثم بيّن العذاب، فقال:

54:19Page 529

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩

Indeed, We sent upon them a screaming wind on a day of continuous misfortune,

١٩ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا﴾ أي: شديدة البرْد، أو: شديدة الصّوت، أو شديدة السّموم والعصوف، أو الهبوب ﴿فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ﴾ أي: شؤم وشرّ ﴿مُّسۡتَمِرّٖ﴾ أي: دائم الشؤم قويِّه، أو: محكم نحسه وشؤمه، استمرّ عليهم بنحوسته، واستمرّ فيه العذاب إلى هلاكهم جميعاً.

54:20Page 529

تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠

Extracting the people1 as if they were trunks of palm trees uprooted.

٢٠ - ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ﴾ أي: تقلعهم من أماكنهم، اقتلاع النخلة من أصلها وترمي بهم، وذلك أن الرّيح كانت ترفع أحدهم عن الأرض، ثم تنكّسه على أمّ رأسه، فتدقّ عنقه، وتثلغ رأسه، فيبين رأسه عن جسده.﴿كَأَنَّهُمۡ﴾ والحال ما ذكر ﴿أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ﴾ أي: أصول نخل منقلع عن قعره ومغرسه ساقط على الأرض.والأعجاز: جمع عَجُز، وهو مؤخّر الشيء. وأعجاز النخل: أصولها، والمراد بها: النخل بتمامه ما عدا الفروع.و «منقعر»: صفة ل «نخل»، أي: منقلع من أصله، يقال: قعر النخلة – كمنع -: قلعها من أصلها فانقعرت، وقعر البئر: وصل إلى قعرها. وأصل منقعر: ما أخرج من القعر.والمعنى: كأنهم حين تقلعهم الرّيح من أماكنهم وترميهم صرعى، أصول نخل منقلع من مغارسه، ساقط على الأرض.وشُبّهوا بها: لأن الريح كانت تقلع رؤوسهم، فتُبقيهم أجساداً بلا رؤوس، وكانوا ذوي أجساد عظام طوال.وفي الحاقّة، الآية (٧): (كأنهم أعجاز نخل خاوية)وذُكّر هنا، وأُنّث في الحاقّة مراعاة للفواصل في الموضعين.

54:21Page 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١

And how [severe] were My punishment and warning.

٢١ - ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: وإنذاري إيّاهم؟ أي: كان واقعاً موقعه. وكرّره للتهويل وللتنبيه على فرط عتوّهم.

54:22Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

٢٢ - ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ﴾ أي: سهّلنا لفظه ومعناه للتذكر والاتعاظ والاعتبار.﴿فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي: معتبر به، متّعظ بمواعظه؟ أي: أقبلوا عليه حفظاً وفهما، واتعاظاً واعتباراً.

54:23Page 529

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣

Thamūd denied the warning.

٢٣ - ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ أي: بالأمور التي أنذرهم بها نبيّهم صالح عليه السلام إن لم يؤمنوا به ويتّبعوه. جمع نذير، بمعنى منذر.أو: كذّبت ثمود بالرّسل، بتكذيبهم لرسولهم، فإن من كذّب واحداً منهم، فقد كذب سائرهم، لاتفاقهم في الدعوة إلى أصول الشرائع.

54:24Page 529

فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ ٢٤

And said, "Is it one human being1 among us that we should follow? Indeed, we would then be in error and madness.

٢٤ - ﴿فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ﴾ أي: كيف نتّبع بشراً كائناً من جنسنا لا ملَكاً، منفرداً وحده، لا متابع له على ما يدعو إليه، ونحن جماعة كثيرة؟ أي: لا نتّبعه.والاستفهام للنّفي.﴿إِنَّآ إِذٗا﴾ أي: إن اتّبعناه ﴿لَّفِي ضَلَٰلٖ﴾ أي: خطأ وذهاب عن الحقّ والصواب ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: جُنون. أو: عذاب وعناء، وشدّة وشقاء.يقال: ناقة مسعورة: إذا كانت تُفرط في سيرها كالمجنونة. أو: نيرانٍ، جمع سعير، وهو النّار.

54:25Page 529

أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ ٢٥

Has the message been sent down upon him from among us? Rather, he is an insolent liar."

٢٥ - ﴿أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ﴾ أي: الوحي ﴿عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا﴾ أي: كيف خُصّ من بيننا بالوحي والنبوّة؟ أي: لم يوح إليه. والاستفهام للنفي، أو للإنكار.﴿بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ﴾ في ادّعائه النبوّة والوحي ﴿أَشِرٞ﴾ أي: متكبّر بطر، يريد أن يتعظّم علينا بادعائه النبوّة وأنه يوحى إليه!والأشَر: البطر والتكبّر، وهو دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النّعمة، وقلّة القيام بحقّها وصرفها إلى غير وجهها.

54:26Page 529

سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ ٢٦

They will know tomorrow who is the insolent liar.

٢٦ - قال الله تعالى: ﴿سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا﴾ أي: في الآخرة، أو وقت نزول العذاب بهم في الدنيا [وفي قراءة: بالتاء (ستعلمون غدا)] ﴿مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ﴾ أي: المتكبّر البطر! والمراد: هم، أي: هم الكذّاب الأشر المتكبر عن الحقّ.

54:27Page 529

إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧

Indeed, We are sending the she-camel as trial for them, so watch them and be patient.1

٢٧ - ﴿إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ﴾ أي: مخرجوها لهم من صخرة صمّاء، على حسب ما اقترحوا وسألوا ﴿فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ﴾ أي: ابتلاءً وامتحاناً لهم واختباراً، أي: نعاملهم معاملة المختبر لهم -ونحن أعلم بهم - ليظهر للناس، هل يؤمنون أم يكفرون؟﴿فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ﴾ أي: فانتظر يا صالح ما هم صانعون،وما يُصنع بهم، وما يؤول إليه أمرهم ﴿وَٱصۡطَبِرۡ﴾ أي: اصبر على دعوتك لهم وعلى أذاهم ولا تعجل حتى يأتي أمر الله فيهم.والطاء بدل من تاء الافتعال.

54:28Page 530

وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨

And inform them that the water is shared between them,1 each [day of] drink attended [by turn].

٢٨ - ﴿وَنَبِّئۡهُمۡ﴾ أي: أخبرهم ﴿أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ أي: مقسوم بينهم وبين الناقة، فلهم يوم لا تشاركهم فيه،ولها يوم لا يشاركونها فيه، كقوله تعالى: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم)الشعراء(١٥٥) وكانوا يردون الماء لشربهم وشرب مواشيهم.﴿كُلُّ شِرۡبٖ﴾ أي: كلّ نصيبٍ وحصّة من الماء ﴿مُّحۡتَضَرٞ﴾ أي: يحضره صاحبه في نوبته، فالناقة تحضر الماء يوماً، وهم يحضرونه يوماً آخر.والشّرب: النصيب من الماء.

54:29Page 530

فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩

But they called their companion,1 and he dared2 and hamstrung [her].

٢٩ - ﴿فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ﴾ هو قدار بن سالف، عاقُر النّاقة ﴿فَتَعَاطَىٰ﴾ أي: فتناول السّيف، أو تناول الناقة بسيفه، أو تعاطى أسباب العقر اجتراءً منه ﴿فَعَقَرَ﴾ النّاقة، أي: نحرها، فأخذهم الله بالعذاب الشديد.

54:30Page 530

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٠

And how [severe] were My punishment and warning.

٣٠ - ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي﴾ لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي ﴿وَنُذُرِ﴾ أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله؟ أي: هو واقع موقعه. والاستفهام للتقرير.

54:31Page 530

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١

Indeed, We sent upon them one shriek [i.e., blast from the sky], and they became like the dry twig fragments of an [animal] pen.

٣١ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ من السماء، صاح بهم جبريل عليه السلام ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ﴾ أي: ما تهشّم وتفتّت من الشجر أو العشب اليابس عندما يعمل المحتظر -وهو صانع الحظيرة - حظيرة لماشيته منه. والمعنى: أنهم صاروا كالعشب اليابس في الحظيرة إذا داسته الماشية بعد سقوطه.والهشيم: يابس كلّ كلأ، وكلّ شجر، من الهشم: وهو كسر الشيء اليابس أو الأجوف. والمحتظِر: الذي يعمل الحظيرة، وهي الزّريبة التي تُصنع للمواشي وللسّكنى من يابس الأغصان والأشجار. من الحَظْر، وهو المنع.

54:32Page 530

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

٣٢ - ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ﴾ أي: سهّلنا لفظه ومعناه للحفظ والفهم، وللتذكير والاتعاظ ﴿فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي: معتبر بعبره، متعّظ بمواعظه؟والاستفهام بمعنى الأمر، أي: أقبلوا عليه حفظاً وفهماً، وعلماً وتعليماً.

54:33Page 530

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣

The people of Lot denied the warning.

٣٣ - ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ أي: بالأمور المنذرة إليهم على لسان نبيّهم لوط عليه السلام.جمع نذير بمعنى: منذر.أو: بالرسل جميعا، بتكذيبهم لرسولهم.

54:34Page 530

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤

Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.

٣٤ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا﴾ أي: ريحاً شديدة ترميهم بالحصباء، وهي الحصى أو صغار الحجارة،﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ﴾ أي: في سحر، وهو الوقت الذي يختلط فيه سواد آخر الليل ببياض أوّل النهار، وهو قبيل الصبح، عند انصداع الفجر.وآل لوط: هم أهل بيته، إلاّ امرأته، لقوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلاّ امرأته كانت من الغابرين)الأعراف(٨٣) و «الحاصب» في الأصل: هو الذي يرمي غيره بالحصباء.

54:35Page 530

نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥

As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.

٣٥ - ﴿نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ﴾ أي: إنعاماً منّا على لوط وأهل بيته. ونعمة: مصدر. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الجزاء ﴿نَجۡزِي مَن شَكَرَ﴾ نعمتنا بالإيمان والطاعة ولم يكفرها.

54:36Page 530

وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦

And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.

٣٦ - ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم﴾ أي: خوّفهم لوط ﴿بَطۡشَتَنَا﴾ أي: أخذتنا الشديدة لهم بالعذاب، فأنذرهم بأس الله وأليم عقابه ﴿فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ﴾ أي: فكذّبوا بإنذاره متشاكّين فيه، ولم يصدّقوه.

54:37Page 530

وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧

And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."

٣٧ - ﴿وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ﴾ أي: أرادوا منه تمكينهم من أضيافه – وكانوا ملائكة في صورة رجال - ليخبُثُوا بهم.يقال: راودته على كذا مُراودة وروَاداً: أي: أردته، وعُدّي ب «عن» لما فيه من معنى البُعد، أي: أن يبعد عن الأضياف بألاّ يمنعهم عنهم.﴿فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ﴾ أي: فحجبنا أبصارهم، أو أعميناهم، فدخلوا المنزل، فلم يروا شيئاً.وكُنّي عن ذلك بالطمس، وهو: المحو وإذهاب الأثر.أو: صيّرناها ممسوحة لا أثر لها بالكليّة.﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: وقلنا لهم: ذوقوا عذابي وإنذاري وتخويفي، أي:ثمرته وفائدته ونتيجته.

54:38Page 530

وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨

And there came upon them by morning an abiding punishment.

٣٨ - ﴿وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم﴾ أي: أتاهم وقت الصباح ﴿بُكۡرَةً﴾ أي: في البُكرة، وهي أوّل النهار، وهو كالتأكيد لما يُفيده «صبّحهم».﴿عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ﴾ أي: دائم لا ينفك عنهم، متصل بعذاب الآخرة.

54:39Page 530

فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩

So taste My punishment and warning.

٣٩ - ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: قلنا لهم: ذوقوا عذابي وإنذاري وتخويفي، أي: ثمرته وفائدته، وكرّره للتأكيد والتهويل.

54:40Page 530

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

٤٠ - ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ﴾ أي: سهلنا لفظه للحفظ، ومعناه للفهم، وهيأناه للتذكير والاتعاظ والاعتبار ﴿فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي: معتبر بعبره، متعظ بمواعظه؟.أي: أقبلوا على قراءته وتلاوته وحفظه وفهمه وتعلّمه وتعليمه. والاستفهام بمعنى الأمر، وكرّر عليهم آيات التذكير والإنذار لتمكين ذلك في نفوسهم.

54:41Page 530

وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١

And there certainly came to the people of Pharaoh warning.

٤١ - ﴿وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: فرعون وقومه ﴿ٱلنُّذُرُ﴾ أي: الإنذار على لسان موسى وهارون – عليهما السلام – فلم يؤمنوا. أو: جاءتهم الآيات التي أنذرهم بها موسى عليه السلام.

54:42Page 530

كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢

They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.

٤٢ - ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا﴾ أي: الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام ﴿فَأَخَذۡنَٰهُمۡ﴾ بالعـذاب ﴿أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ﴾ أي: أخذ غالب في انتقامه، قادر على إهلاكهم، لا يعجزه شيء.من العزّة بمعنى: الغلبة. أو: عاقبناهم عقوبة شديد لا يُغالب، عظيم القدرة على كلّ شيء.

54:43Page 530

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣

Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?

٤٣ - ﴿أَكُفَّارُكُمۡ﴾ يا أهل مكّة ﴿خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ﴾ الذين تقدّم ذكرهم ممّن أهلكوا بسبب تكذيبهم لرسلهم، كقوم نوح وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون؟أي: ءأنتم أقوى وأشدّ وأقدر، أو: أقلّ كفرا وعناداً، من أولئك الماضين، ليكون ذلك سبباً لأمْنكم من حلول مثل عذابهم بكم؟ ليس الأمر كذلك! فلم لا تخافون أن يحلّ بكم مثل ما حلّ بهم من العذاب!والخطاب لهم على ضربٍ من التجريد،فكأنه جُرِّد منهم كفّار، وأضيفوا إليهم، مبالغة في كفرهم. ﴿أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ﴾ من العذاب ﴿فِي ٱلزُّبُرِ﴾ أي: في الكتب المنزّلة، أي: بل ألكفّاركم، يا أهل مكة، براءة من العذاب على الكفر، فيما نَزَل من الكتب، فلذلك لا تخافون؟ ليس الأمر كذلك! والاستفهام في الموضعين بمعنى النّفي.

54:44Page 530

أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤

Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?

٤٤ - ﴿أَمۡ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقول هؤلاء الكفّار، من قريش وغيرهم، واثقين بشوكتهم: ﴿نَحۡنُ جَمِيعٞ﴾ أي: جمع، أو جماعة مجتمع أمرنا ﴿مُّنتَصِرٞ﴾ أي: ممتنع على من عادانا، فلا نُغلب، أو: نحن يد واحدة على من خالفنا، أو: أمرنا مجتمع فلا نُغلب.يقال: نصره الله فانتصر، أي: منعه فامتنع.أو: نحن جمع معان على عدوّه.من النّصر بمعنى: العَوْن.

54:45Page 530

سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1

٤٥ - قال تعالى: ﴿سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ﴾ أي: جمع كفّار قريش - أو كفار العرب عموماً - أي: سيتفرّق شملهم ويغلبون ﴿وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، أريد به الجنس، وأُفرد في اللفظ موافقة لرؤوس الآي.وقد كان ذلك يوم بدر، وهو من أعلام النبوّة، فإن الآية مكّية، وقد نزلت قبل فرض الجهاد، فوقع الأمر كما أخبر، هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدر، و ولّوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك، وأساطين الكفر.روى البخاري والنسائي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال – وهو في قبّة له يوم بدر -: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت، لم تُعبد بعد اليوم في الأرض أبداً ، فأخذ أبو بكر بيده، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج ﷺ وهو يثب في الدّرع، وهو يقول:(سيهزم الجمع ويولّون الدّبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ)».

54:46Page 530

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦

But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.

٤٦ - ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ﴾ للبعث والعقاب، أو: موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، هو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو مقدّمة من مقدّمات عذاب الآخرة.﴿وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ﴾ أي: وعذاب الساعة أعظم داهية و أفظع بلية ﴿وَأَمَرُّ﴾ أي: وأشدّ مرارة مما سيصيبهم من عذاب الدّنيا.و «أدهى»: من الدّاهية، وهي الأمر المنكر الفظيع الذي لا يُهتدى للخلاص منه، يقال: دهاه أمر كذا، أي: أصابه.و أمرّ: من مرّ الشيءُ: إذا صار مُراً.

54:47Page 530

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧

Indeed, the criminals are in error and madness.1.

٤٧ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ﴾ عن الحق ﴿وَسُعُرٖ﴾ أي: جنون ممّا هم فيه من الشكوك، والاضطراب في الآراء. وهذا يشمل كلّ من اتصف بذلك من كافر ومبتدع وظالم.أو: (إن المجرمين في ضلال) أي: في ذهاب عن الحق، أو: هلاك بالقتل وغيره في الدنيا (وسعر) أي: ونيران مسعّرة مهيّجة عليهم في الآخرة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском