Al-Jami' al-WajizAl‑A'raf · 7:173–188

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:173–188

7:173Page 173

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

١٧٣ - ﴿أَوۡ تَقُولُوٓاْ﴾ أي: و لئلا تقولوا، محتجين بحجّة أخرى:[وفي قراءة بالياء أيضاً: (أو يقولوا)] ﴿إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبلنا ، أو : من قبل زماننا. ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ﴾ فاقتدينا بهم، وحذونا حذوهم، واقتفينا آثارهم، واتّبعنا مناهجهم ﴿أَفَتُهۡلِكُنَا﴾ أي: أتعذّبنا، أو: أتؤاخذنا ﴿بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ المدعون غير الحق من آبائنا، بتأسيس الشّرك أو بإشراك من أشرك منهم؟ ولا ذنب لنا، لجهلنا عن الحقّ، وعجزنا عن النّظر في آيات الله، ودلائل وحدانيّته، واقتفائنا آثار من سلفنا واتّباعنا مناهجهم؟ والمعنى: أنّه لا يمكنهم الاحتجاج بشيء من ذلك، لا بغفلتهم، ولا باقتدائهم بآبائهم، مع إشهادهم على أنفسهم بالتّوحيد وفطرهم عليه، ثمّ إن التذكير به على ألسنة الأنبياء والرّسل، قائم مقام ذكره في النّفوس.فائدةواختلف في معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم) على قولين: الأول: ذهب جمع من المفسّرين: إلى أن الله تعالى نصب للنّاس في كل شيء من مخلوقاته- ومنها أنفسهم- دلائل توحيده وربوبيّته، وركّز فيهم عقولاً وبصائر يتمكنون بها من معرفتها، والاستدلال بها، على التوحيد والربوبية: حتى صاروا بمنزلة من إذا دُعي إلى الاعتراف بها، سارع إليه دون شكّ أو تردّد. فالكلام هنا على سبيل المجاز التمثيلي، فلا إخراج للذرية، ولا قول، ولا إشهاد بالفعل. ولكن الله فطرهم وجبلهم على التوحيد، والدين القيم، فهم في مبدأ الفطرة، مستعدون جميعاً للنظر المؤدي إلى التوحيد، كقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)الروم(٣٠). وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«كل مولود يولد على الفطرة». وعند أحمد والنسائي من حديث الأسود بن سريع بلفظ:«ألا إنها ليست نسمة ولد تولد إلا ولدت على الفطرة».فنزّل تمكينهم من العلم و تمكنهم منهم منزلة الشهادة و الاعتراف، و مثله قوله تعالى : (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)فصلت(١١). الثاني: وذهب جمع من السلف: إلى أن الله تعالى أخرج من ظهر آدم ذريته كهيئة الذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار وأخذ عليهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. واستدلوا على ذلك: بما رواه أحمد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم في «المستدرك»عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:«إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ب «نعمان»- مكان بجنب عرفة - يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قُبُلاً: قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) - إلى قوله :- (المبطلون)». وبما رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: (وإذ أخذ ربك من بني آدم ..) فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال:«إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون» الحديث. وبما رواه الترمذي عند تفسير هذه الآية، وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة»الحديث. و بما رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن هشام بن حكيم، أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم»الحديث. فهذه الأحاديث دالة على أن الله تعالى استخرج ذرية آدم من صلبه، وميَّز بين أهل الجنة وأهل النار. وأما الإشهاد عليهم في عالم الذر بأنه ربهم، فقد ورد في حديث كلثوم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وهما موقوفان لا مرفوعان، قاله ابن كثير. والجمهور:على ما ذهب إليه أهل القول الأول، من أن المراد بالإشهاد: فطرهم على التوحيد، فإن الله جعل هذا الإشهاد حجة على الناس في الإشراك، فلو كان هذا الإشهاد واقعاً في عالم الذر، لكان كل أحد يذكره، ليكون حجة عليه. ولكن هذا الإشهاد لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال أحد، فكيف يحتج الله عليهم بأمر، ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟! فدل هذا على أن الإشهاد: هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها من الإقرار بالتوحيد.قلت: على أن المعنى الثاني - وهو إخراج الذرية حقيقة من صلب آدم، والإشهاد عليهم في عالم الذر- لا يمتنع عقلاً مع ما تقدم من الأحاديث الدالة على ذلك. والله تعالى أعلم.

7:174Page 173

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1

١٧٤ - ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نبين الأدلة والحجج ونوضحها ﴿وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾إلى الحق، وإلى ما أودع الله في فطرهم، وما عاهدوا الله عليه، فيرتدعوا عن كفرهم وباطلهم وشركهم. و الآيات تفيد أنه لا عذر لأحد في الإشراك بالله تعالى.

7:175Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

١٧٥ - ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: واذكر لهم يا محمد. والمخاطبون: هم قومه أو اليهود، ﴿نَبَأَ﴾ أي: خبر ﴿ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا﴾ أي: علمناه كتاب الله، أو علم الكتاب. قيل: هو رجل من بني إسرائيل، أوتي علماً ببعض كتب الله، ثم كفر بها، ونبذها وراء ظهره. والظاهر: أن المراد: الوصف لا الشخص. ﴿فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا﴾ أي: فانخلع منها بالكلية، وخرج منها، بكفره بها، علماً وعملاً ﴿فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي: لحقه وأدركه، فصار قدوة ومتبوعاً للشيطان. أو: فأتبعه الشيطان خطواته، وجعله تابعاً لها. وقيل: استحوذ عليه الشيطان وعلى أمره، فمهما أمره امتثل وأطاع. ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ﴾ أي : الهالكين الحائرين البائرين، أو: فصار في زمرة الضالين، الراسخين في الغواية، المتمكنين فيها، بعد أن كان مهتدياً بكتاب الله. وفي الحديث في معنى هذه الآية، عند الحافظ أبي يعلى الموصلي، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ:«إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال:بل الرامي». وإسناده جيد، قاله ابن كثير.

7:176Page 173

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

١٧٦ - ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ﴾ في الدنيا والآخرة، أي: لأكرمناه، ورفعنا قدره وجعلناه في عداد الأبرار الصالحين ﴿بِهَا﴾ أي: بسبب تلك الآيات التي آتيناه إياها، وتوفيقه للعمل بما فيها. ﴿وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ركن إلى الدنيا، واطمأن بها، ومال إليها، ورغب فيها ورضي بها، وآثرها على الآخرة. يقال: خلد إلى كذا، وأخلد إليه: إذا ركن وسكن.و في الآية: أن مشيئة الله تابعة لعلمه و تقديره، فما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن، و أن الله جعل للعبد اختيارا، وجعل اختياره مناط الثواب و العقاب، و مشيئة الله تابعة لما يعلمه تعالى أزلا من اختيار العبد في الدنيا. ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ﴾ أي: وأصبح تابعاً لهوى نفسه، تاركاً أمر ربه وطاعته. ﴿فَمَثَلُهُۥ﴾ في شدة حرصه على الدنيا وزينتها، وصفتُه في انقطاع قلبه إليها، وإقباله على نعيمـها وزهرتهـا ﴿كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ﴾ أي: كصفته ﴿إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ﴾ أي: تشدد عليه بالزجر والطرد ﴿يَلۡهَثۡ﴾ أي: يدلع لسانه أو يخرجه بالنفس الشديد ﴿أَوۡ﴾ إن ﴿تَتۡرُكۡهُ﴾ على حاله ﴿يَلۡهَثۚ﴾ كذلك. والمعنى: إن شددت عليه وأجهدته لهث، وإن تركته على حاله لهث، فهو دائم اللهث في الحالين، لأن اللهث طبيعة فيه، فكذلك حال الحريص على الدنيا وشهواتها، التارك للعمل بآيات الله، إن وعظته ودعوته إلى الإيمان، فهو لحرصه عليها لا يقبل الوعظ، وإن تركت وعظه، فهو حريص عليها، لأن الحرص طبيعة فيه، كما أن اللهث طبيعة في الكلب، فهو مثل ضربه الله لمن عُرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله. ومثله قوله تعالى: (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)البقرة(٦). واللهث: إدلاع اللسان بالنفَس الشديد. يقال لهث - بفتح الهاء وكسرها -الكلب، يلهث لَهْثاً ولُهاثاً: إذا أخرج لسانه في التنفس. ﴿ذَّٰلِكَ﴾ المثل في الخسة والوضاعة ﴿مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ﴾ بعد العلم بها ومعرفتها، أي: كفروا بها، ونبذوها وراء ظهورهم، واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، فحرفوا وبدلوا، وغيَّروا أحكام الله. ﴿فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ﴾ على اليهود وغيرهم، من ضرب الأمثال والآيات والعبر. ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، فيتدبرونها، ويؤمنون بما فيها، علماً وعملاً، فيرتدعون عن الضلال، ويُقبلون على الحق والصواب.

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

١٧٧ - ﴿سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: بئس المثل مثلهم، وقبُح بقبح أفعالهم: أن شُبِّهوا بالكلاب التي لا همَّة لها، إلا في تحصيل نزوة أو شهوة، فكل من نبذ العلم والهدى وراء ظهره، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيهاً بالكلب، وبئس المثل مثله. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال:«ليس لنا مثل السوْء، العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه». ﴿وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ﴾ بالتكذيب، والإعراض عن الحق، وموافقة الهدى، واتباع الردى. وفي الآيات: الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة له من الشيطان، والترهيب من ترك العمل بالعلم، وأنه نزول بصاحبه إلى الدرك الأسفل، وتسليط للشيطان عليه. وفيها أيضا: أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكونان سبباً للخذلان.

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

١٧٨ - ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ﴾ أي: من يهده الله بتوفيقه للخيرات، وعصمته من الآثام والمنكرات ﴿فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ﴾ لما أمر الله به، وشرعه لعباده ﴿وَمَن يُضۡلِلۡ﴾ أي: و من يضلله بخذلانه وعدم توفيقه للخير ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ لأنفسهم، وأهليهم يوم القيامة. وفي الحديث عند أحمد وأهل السّنن، عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ كان يقول:«إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله».

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

١٧٩ - ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ﴾ أي: خلقنا وأنشأنا وأوجدنا لها. يُقال: ذرأ الله خلقه، يذرؤهم ذرءاً: خلقهم. واللاّم في «لجهنّم» للعاقبة والصّيرورة. ﴿كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ﴾ هيأناهم لها، و بعمل أهلها يعملون. وهم الكفّار من الفريقين.﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا﴾ الحقّ ولا يفهمونه، ولا ينتفعون به، علماً وعملاً. ﴿وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا﴾ الهدى وآيات الله ودلائل قدرته، إبصار تفكر واعتبار، وإن كانت مبصرة في غير ذلك.﴿وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ﴾ الآيات والمواعظ، سماع تدبّر واتّعاظ، وإن كانت تسمع في غير ذلك. والمعنى: أنّهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سبباً للهداية، لأنّهم يستعملونها في غير ما خُلقت له، استعمالاً حسّياً، لا معنويا، كقوله تعالى: (وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله)الأحقاف(٢٦)، وكقوله في حقّ المنافقين: (صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون)البقرة(١٨)، وفي حقّ الكافرين: (صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون) البقرة(١٧١)، ولم يكونوا صمّاً ولا بكماً ولا عُمياً إلاّ عن الحقّ والهدى، وكذلك قوله: (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون)الأنفال(٢٣)، وقوله: (فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور)الحجّ(٤٦). ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتّصفون بهذه الأوصاف ﴿كَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ في انتفاء انتفاعهم بهذه الجوارح، أي: في عدم فقه الحقّ، وإبصار الهدى، وسماع المواعظ ﴿بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ ﴾ من الأنعام، لأنّها تدرك ما ينفعها، وما يضرها، فتنتفع بما ينفعها، وتجتنب ما يضرّها، بخلاف أولئك، فإنّهم لا ينتفعون بشيء من جوارحهم، إلاّ في الحسّيات دون المعنويات، ولا يميّزون بين ما ينفع من طاعة الله، وما يضرّ من معصيته ومخالفة أمره. ثمّ إن الأنعام تفعل ما خُلقت له بطبعها أو بتسخيرها، بخلاف الكافر، فإنّه إنّما خُلق لعبادة الله وحده، فكفر به، وأشرك معه غيره. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ عن الإيمان بالله، وطاعته، وذكره، و عن استعمال عقولهم فيما خلقت لأجله، السّاهون عن آيات الله وحججه، الذين خُلقت لهم الأفئدة، والأسماع والأبصار، ليستعينوا بها على القيام بأوامر الله وحقوقه، فاستعانوا بها على ضدّها، فهم حقيقون بأن يكونوا ممّن ذرأ الله لجهنّم، وبعمل أهلها يعملون. ومن استعان بهذه الجوارح على عبادة الله وطاعته، فهو حقيق بأن يكون من أهل الجنّة، وبعمل أهلها من العاملين. وفي الآية: إخبار من الله تعالى أنّه خلق كثيراً من الثّقلين لجهنّم، وهم الكفّار المعرضون عن آيات الله وتدبّرها، الذين علم الله منهم أزلاً اختيارهم الكفر، فشاءه منهم، وخلقه فيهم، وجعل مصيرهم النّار لذلك. فإنّه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق، علم ما هم عاملون، قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة: ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال:«إنّ الله قدّر مقادير الخلق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وفيه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النّار، وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم». وفي الصّحيحين من حديث ابن مسعود:«ثمّ يبعث الله إليك الملك، فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد». وفي الحديث: أنّ الله لمّا استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، قال الله تعالى:«هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنّار ولا أبالي».

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

١٨٠ - ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ التي هي أحسن الأسماء وأجلها الدالة على أكمل الصفات وأشرفها، لدلالتها على أحسن مسمى، وأشرف مدلول، من الرحمة، والحكمة، والقدرة، والغلبة، والعزة، والعلم، وغير ذلك. والحسنى: مؤنث الأحسن. ﴿فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ دعاء مسألة وعبادة، أي: سموه بها، فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه، كان ذلك من أسباب الإجابة. وفي الآية: بيان لعظمة جلال الله، وسعة أوصافه، فله كل اسم حسن. وضابطه: أنه كل اسم ورد به الكتاب و السنة الصحيحة، دال على صفة كمال مطلقة عظيمة، مستغرق لجميع معناها، ك«العليم»: الدال على أن له علماً محيطاً عاماً شاملاً لجميع الأشياء، و «الرحيم»: الدال على أن له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء، و«القدير»: الدال على أن له قدرة عامة شاملة كاملة لا يعجزها شيء، ونحو ذلك. فأسماؤه تعالى توقيفية مأخوذة من كتاب الله و صحيح سنة رسوله ﷺ. ﴿وَذَرُواْ﴾ أي: واتركوا ﴿ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ﴾ أي: يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل، فيحرفون لفظها أو معناها ويجحدونها [وفي قراءة: (يَلْحَدون) - بفتح الياء والحاء - من «لَحَدَ»، وأما بضم الياء وكسر الحاء، فمن «ألْحَد»].وأصل الإلحاد: العدول عن القصد، والميل والجور، والانحراف عن الاستقامة. يقال: ألحد إلحاداً، إذا مال عن القصد والاستقامة. وألحد في دين الله: حاد عنه، ومنه: اللحد في القبر: لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر، ثم استُعمل في كل معوج غير مستقيم. والإلحاد في أسمائه تعالى يكون على ثلاثة أوجه: تسمية أصنامهم بأسماء مشتقة منها، كاللات: من الله، والعزّى: من العزيز، ومناة: من المنان. أو بالزيادة عليها، باختراع أسماء لم يأذن الله ولا رسوله بها مما يوهم معنىً فاسداً كقولهم له: يا أبيض الوجه. أو بالنقصان منها، بإنكار بعضها، أو تشبيه غيره بها، أو نفي معانيها وتحريفها، أو منافاة الكمال المطلق فيها بالتجسيم والتعطيل والتشبيه والتأويل. ﴿سَيُجۡزَوۡنَ﴾ في الآخرة، جزاء﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا عقوبة لهم على إلحادهم في أسماء الله تعالى. و في الصحيحين و الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها - أي: حفظها وعمل بها- دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر». وزاد الترمذي في روايته:«هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن ...»وذكر أسماء الله الحسنى. فائدةقال الحافظ ابن حجر: واختُلف في سردها - أي: الأسماء الحسنى -هل هو من مدرجات الراوي- أي: مدرج في الخبر- من بعض الرواة الذين جمعوها من القرآن الكريم، أو هو مرفوع من كلامه ﷺ؟ ورُجِّح الأوّل، بأنه مدرج في الخبر، فليس تعدادها من قوله ﷺ ولا من قول الصحابي أبي هريرة - راوي الحديث - قال الداودي: لم يثبت أن النبي ﷺ عيّن الأسماء المذكورة في رواية الترمذي. وليست أسماؤه تعالى منحصرةً في التسعة والتسعين المشار إليها في حديث الشيخين، بدليل ما رواه أحمد في«مسنده»، وابن حبان في «صحيحه»، من حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ وفيه:«أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي».و أسماء الله تعالى و صفاته تشترك في جواز الاستعاذة و الحلف بها، و تفترق في أمور: منها:جواز التعبيد و الدعاء بأسماء الله دون صفاته: كعبدالكريم دون عبد الكرم، و يا «كريم» دون يا «كرم الله».أن أسماء الله يُشتق منها صفات دون عكس: كاسم «الرحمن» يُشتق منه صفة الرحمة، دون صفة الاستواء، فلا يُشتق منها اسم «المستوي».

7:181Page 174

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

١٨١ - ﴿وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ﴾ أي: ومن جملة من خلقنا من الأمم ﴿أُمَّةٞ﴾ قائمة بالحق قولاً وفعلاً ﴿يَهۡدُونَ ﴾ أي: يُرشدون أنفسهم وغيرهم ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ فيعلمونه، ويقولونه، ويعملون به، و يعلِّمونه غيرهم، فيدعون إليه وإلى العمل به. ﴿وَبِهِۦ﴾ أي: وبالحق ﴿يَعۡدِلُونَ﴾ بين الناس في أقضيتهم وأحكامهم وخصوماتهم، فبالحق يقضون ويحكمون و يأخذون و يُعطون، ويُنصفون الناس. والمراد بهذه الأمة - كما قال قتادة - : أمة محمد ﷺ، لما ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ:«لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة». وفي رواية:«حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». وفي الحديث:«إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم».

7:182Page 174

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.

١٨٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ الدالة على صحة ما جاء به محمد ﷺ من الهدى، فردوها، ولم يقبلوها سَنَسۡتَدۡرِجُهُم﴾ أي: سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بالإمهال وإدرار النعم وتواترها عليهم، مع إنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية، حتى يفاجئهم الهلاك أو العذاب ﴿مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: وهم غافلون. وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال، درجة بعد درجة، وهو استفعال من الدرجة، بمعنى النقل درجةً بعد أخرى، من سفل إلى علو، أو بالعكس. وهو أخذ المستدرَج برفق حتى يورط في المكروه. والمراد منه: الأخذ بالتدريج، منزلة بعد منزلة، بفتح أبواب الرزق، وإدرار النعم، و وجوه المعاش في الدنيا والإمهال فيها، حتى يغتروا بما هم فيه، ويعتقدوا أنهم على شيء، كقوله: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون)الأنعام(٤٤).

7:183Page 174

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

١٨٣ - ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ﴾ أي: وأطوِّل لهم ما هم فيه، وأمهلهم ملاوة من الدهر - أي: مدة طويلة منه - وأؤخر عنهم العقوبة، حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون، ولا يُعاقبون، فيزدادوا بذلك كفراً إلى كفرهم، وطغياناً إلى طغيانهم، وشراً إلى شرهم، فتزيد بذلك عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، ويضرون أنفسهم من حيث لا يعلمون. من الإملاء: وهو الإمهال، وإطالة المدة. ﴿إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾ أي: تدبيري قوي شديد، لأنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان. والكيد: التدبير الخفي الذي يقصد به غير ظاهره. وقيل: إن أخذي قوي شديد. و في الآية: إثبات صفة الكيد لله تعالى على اللائق بجلاله و كماله و عظمته.

7:184Page 174

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤

Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.

١٨٤ -﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ﴾ أي: هؤلاء المكذبون بآياتنا و يُعملوا أفكارهم وينظروا بعين البصيرة نظر تدبر وتفكر، أو يتأملوا، في شأن محمد ﷺ، وفيما جاء به، فيعلموا ﴿مَا بِصَاحِبِهِم﴾ محمد ﷺ ﴿مِّن جِنَّةٍۚ﴾ أي: من خبل وجنون، أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقاً وصدقاً. من الجِن: وهو الستر عن الحاسة. والمراد : ما يجنّ العقل ويستره. و «ما» نافية، والمقصود: تنزيهه ﷺ عما نسبوه إليه من الجنون. وقيل: هي استفهامية إنكارية، أي: أيّ شيء بصاحبهم من الجنون؟ ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ أي: رسولٌ بيِّن، ظاهر الإنذار، يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويكفل لهم الثواب. ومثله قوله سبحانه: (وما صاحبكم بمجنون)التكوير(٢٢)، وقوله تعالى: (ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد)سبأ(٤٦).

7:185Page 174

أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?

١٨٥ - ﴿أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ﴾ أي: هؤلاء المكذبون بآياتنا، نظر تفكر واعتبار، وتدبر واتعاظ، ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾ أي: في ملك ﴿ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَ﴾ في ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ﴾ فيهما، فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويستدلوا به على قدرة صانعه، وعظيم حكمته، وسعة رحمته، ونفوذ مشيئته، وجلال فضله وإحسانه، وكمال صفاته، ووحدانيته، فيؤمنوا بالله، ويصدقوا رسوله؟ ﴿وَ﴾ في ﴿أَنۡ﴾ أي: أنه، أي: الشأن أو الأمر ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ﴾ أي: قرب ﴿أَجَلُهُمۡۖ﴾ فيموتوا على كفرهم وطغيانهم، فيصيروا إلى عذاب الله، وأليم عقابه؟ و المعنى: فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به وينتفعون، فيبادروا إلى الإيمان، قبل انتهاء المدة الممنوحة لهم للنظر والإيمان والعبادة، بانتهاء آجالهم؟و ملكوت: هو الملك العظيم، زيدت فيه الواو والتاء للمبالغة، كما في جبروت.و«أنْ»:مخففة من الثقيلة «أنّه»و هي ضمير الشأن. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ﴾ أي: كلام ﴿بَعۡدَهُۥ﴾ أي: بعد القرآن ﴿يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: يصدّقون، إن لم يصدّقوا به؟ والمعنى: إن لم يؤمنوا بهذا القرآن، فليس هناك حديث خير منه، ولا أدعى منه للنظر والتّفكر والتدبّر والاعتبار.

7:186Page 174

مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦

Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

١٨٦ - ﴿مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ﴾ فإنّ من كتب الله له الضّلالة، لا يهديه أحد، كقوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً)المائدة(٤١).﴿وَيَذَرُهُمۡ﴾ [وفي قراءة: بالنون: (ونذرُهم)] ﴿فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ﴾ أي: ويتركهم في تجاوزهم الحدّ في الكفر، وتمرّدهم [وفي أخرى: بسكون الرّاء: (ونذرْهم في طغيانهم)] ﴿يَعۡمَهُونَ﴾ أي: يعموْن عن الرّشد أو يتردّدون متحيّرين، لا يهتدون إلى حقّ.

7:187Page 174

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."

١٨٧ - ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ﴾ يا محمّد ﴿عَنِ ٱلسَّاعَةِ﴾ أي: القيامة. والسّائلون هم: المكذّبون من أهل مكّة، وقيل: هم اليهود، والأول أشبه، لأنّ الآية مكّية، فقد كانوا يسألون محمّداً ﷺ عن وقت السّاعة، استبعاداً لوقوعها، وتكذيباً بوجودها، كقوله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)يس(٤٨)، وقوله عن السّاعة: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنّها الحقّ)الشّورى(١٨). ﴿أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ﴾ أي: متى إرساؤها، أي: إثباتها و استقرارها و منتهاها، والمراد: متى قيامها ووقوعها؟ و أيّان: ظرف زمان متضمن معنى الاستفهام، بمعنى: متى، في محل رفع خبر مقدّم. ومرساها: مبتدأ مؤخّر، وهو مصدر ميمي، من أرساه: إذا أثبته وأقرّه.و في التعبير بالإرساء: إشارة إلى أن قيام الساعة إنهاء لهذه الحركة الدائبة في السماوات و الأرض، كما ترسو السفينة في الميناء بعد انتهاء حركتها. ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ﴾ لا يعلمها غيره. و في الصحيحين، من حديث عمر بن الخطّاب أنّ جبريل سأل النّبي ﷺ عن السّاعة فقال:«أخبرني عن السّاعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السّائل». وفيه: ردّ علمها إلى الله تعالى، فهو الذي يظهر أمرها، ويعلم وقت قيامها. ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ﴾ المقـدّر لهـا في عـلم الله، أي: لا يُظهرُها، ولا يكشف عنها، ولا يأتي بها ﴿إِلَّا هُوَۚ﴾ سبحانه وتعالى ﴿ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: عظُمت فيهما، لأنها إذا جاءت انشقت السماء و انتثرت النجوم و كُوِّرت الشمس و سُيِّرت الجبال. أو: شقَّت، وعظُمت على أهل السموات والأرض، فاشتد وكبر أمرها عليهم، لهولها، وشدة وقعها، ولخوفهم وإشفاقهم من شدائدها. أو: ثقُل علمها على أهلهما، فخفي علم وقتها ومجيئها عليهم. من الثقل: ضدّ الخفَّة. و«في»بمعنى:«على». والآية كقوله: (فهم من الساعة مشفقون)الشورى(١٨)، أي: مشفقون من أمرها، وعلم وقتها. ﴿لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ﴾ أي: فجأة، على حين غفلة منكم. وفي الحديث عند البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:«ولَتَقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته-أي:ناقته- فلا يطعمه، ولتقومن الساعة، وهو يُليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة، والرجل قد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ﴾ أي: كأنك عالم بها، باحث عنها، مبالغ في السؤال عنها. من حفي عن الشيء: إذا بحث عن تعرُّف حاله، واستقصى السؤال عنه، ومَنْ بحث عن شيء، وسأل عنه، استحكم علمه به، فأُريد به لازم معناه، مجازاً، أو كناية. وعُدِّي «حفيٌّ» ب «عن» : اعتباراً لأصل معناه، وهو السؤال والبحث. ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ استأثر به سبحانه، فلم يُطلع الله عليها أحداً من خلقه. وفي بعض ألفاظ الصحيح من حديث جبريل: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال:«ما المسئول عنها بأعلم من السائل» فسأله عن أشراطها، فبيَّن له أشراطها، ثم قال ﷺ:«في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)لقمان(٣٤)». وفي الحديث عند أحمد في«مسنده»، عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال:«علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشارطها، وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنةً وهرجاً، قالوا: يا رسول الله، الفتنة قد عرفناها، فما الهرج؟ قال: القتل». ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن علمها عنده تعالى، لكونهم ليسوا بمؤمنين، فهم حريصون على ما ينبغي الحرص عليه من السؤال عما لا مصلحة فيه، ولا يُدرك علمه. أو: لا يعلمون الحكمة في إخفائها.

7:188Page 175

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

١٨٨ - ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا و﴾ أجلبه ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أدفعه ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ﴾ وحده بتوفيقه وإلهامه. والآية تأكيد لما تقدم من عدم علمه ﷺ بالساعة، فليس له من العلم إلا ما علمه الله وأطلعه عليه، كقوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً)الجن(٢٦). ﴿وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡـبَ﴾ أي: مـا غـاب عنـي علمـه ﴿لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ﴾ بالتعرض له، والأخذ بالأسباب المفضية إلى جلب المصالح والمنافع. والخير: كل ما يُرغب فيه، سواء كان مادياً، كالمال، أو معنوياً، كالعلم. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ﴾ من فقر ومرض وغيره، لاحترازي عنه باجتناب المضار، والأخذ بالأسباب المفضية إلى دفع المكاره وتوقّي الشرور. والسوء: كل ما يُرغب عنه. ﴿إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ﴾ بالعذاب للكافرين ﴿وَبَشِيرٞ﴾ بالجنة والثواب ﴿لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعون بالبشارة والنذارة عن رب العالمين. وهذا كقوله: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً)مريم(٩٧). وفي الآية: بيان مهمة رسول الله ﷺ، وأنه مبلغ عن ربه لأحكامه وشرائعه، يُنذر بها قوماً، ويُبشر بها آخرين، فليس الإخبار بالغيب من مهمته، ولا العلم به من صفته.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском