At-Tafsir al-Ma'thurAl‑Kahf · 18:10

At-Tafsir al-Ma'thur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:10

18:10Page 294

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

﴿إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ﴾ الآيات - قصة أصحاب الكهف

٤٤٤٤١- عن عبد الله بن عباس، قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية: لو كُشِف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم. فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منعَ اللهُ ذلك مَن هو خير منك، فقال: ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا﴾. فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم عِلْمَهم. فبعث رجالًا، فقال: اذهبوا، فادخلوا الكهف، فانظروا. فذهبوا، فلمّا دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحًا، فأخرجتهم، فبلغ ذلك ابنَ عباس، فأنشأ يُحَدِّث عنهم، فقال: إنهم كانوا في مملكةِ مَلِك مِن الجبابرة، فجعلوا يعبدون حتى عبدوا الأوثان، وهؤلاء الفتية في المدينة، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة، فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضُهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضُهم يخفي من بعض؛ لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا، ولا يدري هذا علام خرج هذا، فأخذوا العهود والمواثيق أن يُخبر بعضُهم بعضًا، فإن اجتمعوا على شيء، وإلا كتم بعضهم بعضًا، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ﴿ربنا رب السماوات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿مرفقا﴾. قال: فقعدوا، فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا، فرفع أمرهم إلى الملك، فقال: لَيكونن لِهؤلاء القومِ بعد اليوم شأن! ناسٌ خرجوا لا يُدرى أين ذهبوا في غير جناية ولا شيء يعرف! فدعا بلوح مِن رصاص، فكُتب فيه أسماؤهم، ثم طُرِح في خزانته، فذلك قول الله: ﴿أصحاب الكهف والرقيم﴾. والرقيم: هو اللوح الذي كتبوا. فانطلقوا حتى دخلوا الكهف، فضرب الله على آذانهم، فناموا، فلو أنّ الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يُقَلَّبون لأكلتهم الأرض، ذلك قول الله: ﴿وترى الشمس﴾ الآية. قال: ثم إنّ ذلك الملك ذَهَب، وجاء ملِك آخر، فعبد الله، وكسر تلك الأوثان، وعدل بين الناس، فبعثهم الله لما يريد، فقال قائل منهم: كم لبثتم؟ فقال بعضهم: يومًا. وقال بعضهم: يومين. وقال بعضهم: أكثر من ذلك. فقال كبيرهم: لا تختلفوا؛ فإنه لم يختلف قومٌ قطُّ إلا هلكوا، ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾. يعني بـ﴿أزكى﴾: بأطهر؛ إنهم كانوا يذبحون الخنازير. قال: فجاء إلى المدينة، فرأى شارةً أنكرها، ورأى بنيانًا أنكره، ثم دنا إلى خبّاز فرمى إليه بدرهم، وكانت دراهمُهم كخفاف الربع -يعني: ولد الناقة-، فأنكر الخباز الدرهم، فقال: مِن أين لك الدرهم؟ لقد وجدت كنزًا، لَتَدُلَّني عليه أو لأرفْعَنَّك إلى الأمير. فقال: أتخوفني بالأمير وأبي دهقان الأمير؟ قال: من أبوك؟ قال: فلان. فلم يعرفه، فقال: فمن الملك؟ قال: فلان. فلم يعرفه، فاجتمع عليهم الناس، فرفع إلى عالمهم، فسأله، فأخبره، فقال: عَلَيَّ باللوح. فجيء به، فسمى أصحابه فلانًا وفلانًا، وهم مكتوبون في اللوح، فقال للناس: إنّ الله قد دلَّكم على إخوانكم. وانطلقوا، وركبوا حتى أتوا إلى الكهف، فلما دنوا من الكهف قال الفتى: مكانكم أنتم، حتى أدخل أنا على أصحابي، ولا تهجموا فيفزعون منكم وهم لا يعلمون أنّ الله قد أقبل بكم وتاب عليكم. فقالوا: لتخرجن علينا. قال: نعم، إن شاء الله. فدخل، فلم يدروا أين ذهب، وعمي عليهم المكان، فطلبوا وحرصوا، فلم يقدروا على الدخول عليهم، فقالوا: أكرموا إخوانكم. فنظروا في أمرهم، فقالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا. فاتخذوا عليهم مسجدًا، فجعلوا يصلون عليهم، ويستغفرون لهم[[أخرجه ابن أبي شيبة -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢/٣١٠ ولم يذكر لفظه-، وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٤/٢٤٤-٢٤٦-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (٩/٤٩٥-٤٩٨)

٤٤٤٤٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن أبي نجيح- قال: لقد حُدِّثْتُ: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكون إلى الله، ويستغيثونه، وكانوا ثمانية نفر: مَكْسَلْمِينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ومحسيميلنينا، ويَمليخا، ومَرْطُوس، وكشطونس، وبَيرونس، ودَينموس، وبطونس، وقالوس، فلما أجمع دَقيانوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت بكوا إلى الله، وتضرعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهم رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونك إلهًا، ﴿لقد قلنا إذا شططا﴾، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِم على عبادك الذين آمنوا بك، ومُنِعوا عبادتك إلا سِرًّا، مستخفين بذلك، حتى يعبدوك علانية. فبينما هم على ذلك عرفهم عُرفاؤهم من الكفار مِمَّن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خلوا في مصلًّى لهم يعبدون الله فيه، ويتضرعون إليه، ويتوقعون أن يُذكروا لدَقْيَنوس، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مصلاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم يتضرعون، ويبكون، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته، فلما رآهم أولئك الكفرة مِن عرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس، وقالوا: تَجَمَّع الناسُ للذبح لآلهتك، وهؤلاء فتية من أهل بيتك يسخرون منك، ويستهزئون بك، ويعصون أمرك، ويتركون آلهتك، يعمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه، ويتضرعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تتركهم يصنعون هذا وهم بين ظهراني سلطانك وملكك؟ وهم ثمانية نفر، رأسهم مكسلمينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلما قالوا ذلك لدقيانوس بعث إليهم، فأُتي بهم من المصلى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدمع، مُعَفَّرةً وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أسوة لسَراة أهل مدينتكم، ولمن حضرها من الناس؟ اختاروا مني: إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس، وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا: إنّ لنا إلهًا نعبده ملأ السماوات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنّا نعبد الله ربنا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصًا أبدًا، إياه نعبد، وإياه نسأل النجاة والخير، فأمّا الطواغيت وعبادتها فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكّائنين عُبّادًا للشياطين، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عُبّادًا لها بعد إذ هدانا الله له؛ رهبتَك، أو فَرَقًا من عُبُودتك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلما قالوا ذلك له أمر بهم، فنُزِع عنهم لبوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي وأهل بلاطي، وسأفرُغ لكم، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجِّل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانًا حديثة أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أهلككم حتى أستأني بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذكرون فيه، وتراجعون عقولكم. ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة، فنزعت عنهم، ثم أمر بهم، فأُخْرِجوا من عنده، وانطلق دقيانوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها لبعض ما يريد من أمره، فلما رأى الفتية دقيانوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّرَ بهم، فأتمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجل منهم نفقة من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يُقال له: بنجلوس، فيمكثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كلُّ فتًى منهم فأخذ من بيت أبيه نفقة، فتصدّقوا منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلْب لهم، حتى أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله تعالى والحياة التي لا تنقطع، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى منهم يقال له: يمليخا، فكان على طعامهم، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سِرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم، فكان يمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابًا كانت عليه حسانًا، ويأخذ ثيابًا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقه، فينطلق إلى المدينة، فيشتري لهم طعامًا وشرابًا، ويتسمع ويتجسس لهم الخبر؛ هل ذُكر هو وأصحابه بشيء في بلاط المدينة، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة التي منها خرج إلى مدينته، وهي مدينة أُفسوس، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، فتخبئوا في كل مخبأ، وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذُكروا وافْتُقِدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت، فلما أخبرهم بذلك فزعوا فزعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعون الله، ويتضرعون إليه، ويَتَعَوَّذون به من الفتنة، ثم إن يمليخا قال لهم: يا إخوتاه، ارفعوا رؤوسكم، فاطعموا من هذا الطعام الذي جئتكم به، وتوكلوا على ربكم. فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع حذرًا وتَخَوُّفًا على أنفسهم، فطعموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويُذَكِّر بعضهم بعضًا على حزن منهم، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون مصدقون بالوعد، ونفقتهم موضوعة عندهم، فلما كان الغد فقدهم دقيانوس، فالتمسهم، فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءني شأنُ هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا يظنون أن بي غضبًا عليهم فيما صنعوا في أول شأنهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسي، ولا أُؤاخذ أحدًا منهم بشيء إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، ولو فعلوا لتركتهم، وما عاقبتهم بشيء سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قومًا فَجَرَة مَرَدَة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنت أجَّلْتَهم أجلًا، وأخَّرْتَهم عن العقوبة التي أصبت بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا ولم ينزعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلقت يُبَذِّرون أموالهم بالمدينة، فلما علموا بقدومك فرُّوا فلم يُرَوْا بعد، فإن أحببت أن تُؤتى بهم فأرسِل إلى آبائهم فامتحِنهم، واشدد عليهم يَدُلُّوك عليهم؛ فإنهم مختبئون منك. فلما قالوا ذلك لدقيانوس الجبار غضب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأتى بهم، فسألهم عنهم، وقال: أخبِروني عن أبنائكم المَرَدة الذين عصوا أمري، وتركوا آلهتي، ائتوني بهم، وأنبئوني بمكانهم. فقال له آباؤهم: أما نحن فلم نعصِ أمرك، ولم نخالفك، قد عبدنا آلهتك، وذبحنا لهم، فلِمَ تقتلنا في قوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتقوا في جبل يدعى: بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرض بعيدة هربًا منك؟! فلما قالوا ذلك خلّى سبيلهم، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية، فألقى الله ﷿ في نفسه أن يأمر بالكهف فيُسَدَّ عليهم كرامة مِن الله، أراد أن يكرمهم، ويكرم أجساد الفتية، فلا يجول ولا يطوف بها شيء، وأراد أن يحييهم ويجعلهم آيةً لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فأمر دقينوس بالكهف أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دعوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم٣٩٦٥، ففعل بهم ذلك عدوُّ الله، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشّاه الله ما غشاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما؛ اسم أحدهما: يندروس، واسم الآخر: روناس، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم، وأسماءهم، وأسماء آبائهم، وقصة خبرهم في لوحين من رصاص، ثم يصنعا لهما تابوتا من نحاس، ثم يجعلا اللوحين فيه، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان، ويختما على التابوت بخاتمهما، وقالا: لعل الله أن يُظهر على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم مَن فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرَهم. ففعلا، ثم بنيا عليه في البنيان، فبقي دقيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يبقوا، ثم هلك دقيانوس والقرن الذي كانوا معه وقرون بعده كثيرة، وخلفت الخُلُوف بعد الخُلوف[[أخرجه ابن جرير ١٥/١٦٥-١٧٢.]]. (ز)

٣٩٦٥ انتقد ابنُ كثير (٩/١١٢-١١٣) أن يكون الكهف ُردِم على أصحابه مستندًا إلى القرآن، فقال: «وفي هذا نظر، والله أعلم؛ فإنّ الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشية، كما قال تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه﴾ [الكهف:١٧]».

٤٤٤٤٣- وعن وهب بن منبه، نحو ذلك[[تفسير الثعلبي ٦/١٤٧، وتفسير البغوي ٥/١٤٦-١٤٨.]]. (ز)

٤٤٤٤٤- عن مجاهد بن جبر، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عظماء أهلِ مدينتهم وأهل شرفهم، خرجوا، فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أشبههم: إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أحدًا يجده. قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. فقاموا جميعًا، فقالوا: ﴿ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾. وكان مع ذلك من حديثهم وأمرهم ما قد ذكر الله في القرآن، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبّار يقال له: دقيوس، فلبثوا في الكهف ما شاء الله رقودًا، ثم بعثهم الله، فبعثوا أحدهم ليبتاع لهم طعامًا، فلما خرج إذا هم بحظيرة على باب الكهف، فقال: ما كانت هذه هاهنا عشية أمس. فسمع كلامًا من كلام المسلمين بذكر الله، وكان الناس قد أسلموا بعدهم، وملك عليهم رجل صالح، فظن أنه أخطأ الطريق، فجعل ينظر إلى مدينته التي خرج منها وإلى مدينتين وجاهها، أسماؤهن: أفسوس، وأيدبوس، وشاموس. فيقول: ما أخطأت الطريق، هذه أفسوس، وأيديوس، وشاموس. فعمد إلى مدينته التي خرج منها، ثم عمد حتى جاء السوق، فوضع ورقة في يد رجل، فنظر، فإذا ورق ليست بورق الناس، فانطلق به إلى الملك وهو خائف، فسأله، وقال: لعل هذا مِن الفتية الذين خرجوا على عهد دقيوس، فإني قد كنت أدعو الله أن يرينيهم وأن يعلمني مكانهم. ودعا مشيخة أهل القرية، وكان رجل منهم قد كان عنده أسماؤهم وأنسابهم، فسألهم، فأخبروه، فسأل الفتى، فقال: صدق. وانطلق الملك وأهل المدينة معه لأن يدلهم على أصحابه، حتى إذا دنوا من الكهف سمع الفتية حسَّ الناس، فقالوا: أُتيتم، ظُهِرَ على صاحبكم. فاعتنق بعضهم بعضًا، وجعل يُوصِي بعضُهم بعضًا بدينهم، فلما دنا الفتى منهم أرسلوه، فلما قدم إلى أصحابه ماتوا عند ذلك ميتة الحق، فلما نظر إليهم الملك شقَّ عليه؛ إذ لم يقدر عليهم أحياء، وقال: لأدفنهم إذ فاتوني في صندوق من ذهب. فأتاه آتٍ منهم في المنام، فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل، ودعنا في كهفنا، فمِن التراب خُلِقنا، وإليه نعود. فتركهم في كهفهم، وبنى على كهفهم مسجدًا[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. (٩/٥٠٠-٥٠٢)

٤٤٤٤٥- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق قتادة- قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك، رزقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على صماخاتهم، فلبثوا دهرًا طويلًا حتى هلكت أُمَّتُهم، وجاءت أُمَّةٌ مُسْلِمة، وكان ملِكُهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعًا. وقال قائل: يبعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض ولا يكون شيئًا. فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوحَ، وجلس على الرماد، ثم دعا الله، فقال: أي ربِّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةً تبين لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكِر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإيمان ظاهرًا بالمدينة، فانطلق وهو مُسْتَخْفٍ حتى أتى رجلًا يشتري منه طعامًا، فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها -حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربع. يعني: الإبل الصغار-، فقال الفتى: أليس مَلِكُكم فلان؟ فقال الرجل: بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فنادى في الناس، فجمعهم، فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد، وإنّ الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان. يعني: ملكهم الذي قبله. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي. فركب الملِك، وركب معه الناس، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا ينكر منها شيئًا غير أنّها لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف. فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامُهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنة[[أخرجه يحيى بن سلام ١/١٧٧-١٧٨، وعبد الرزاق ١/٣٩٥-٣٩٦. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (٩/٤٩٨-٥٠٠)

٤٤٤٤٦- عن عبد الله بن عبيد بن عمير -من طريق عبد العزيز بن أبي رواد- قال: كان أصحاب الكهف فتيانًا ملوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين ذوي ذوائِب، وكان معهم كلب صيدهم، فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدون، وقذف الله في قلوب الفتية الإيمان، فآمنوا، وأخفى كلُّ واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم مِن غير أن يظهر إيمانُ بعضِهم لبعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم؛ لا يصيبنا عقابٌ بِجُرمهم. فخرج شابٌّ منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ، فرآه جالسًا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضهم: ما جَمَعَكم؟ وقال آخر: بل ما جَمَّعكم؟ وكل يكتم إيمانه مِن صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج منكم فَتَيان، فيخلوا، فيتواثقا أن لا يُفشي واحد منهما على صاحبه، ثم يُفشي كل واحد منهما لصاحبه أمره، فإنا نرجو أن نكون على أمر واحد. فخرج فتيان منهم، فتواثقا، ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقا على أمر واحد. فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: ائْؤُوا إلى الكهف ﴿ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾٣٩٦٦، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم، فناموا، فجعله الله عليهم رقدة واحدة، فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا. قال: وفقدهم قومُهم، فطلبوهم، وبعثوا البُرُد، فعمّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءَهم وأنسابهم في لوح: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في عيد كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في سنة كذا وكذا، في مملكة فلان ابن فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة. فمات ذلك الملك، وغلب عليهم مَلِك مسلم مع المسلمين، وجاء قرن بعد قرن، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا[[أخرجه ابن جرير ١٥/١٧٣.]]. (ز)

٣٩٦٦ علَّق ابنُ كثير (٩/١١١) على حدَث اجتماعهم هذا بقوله: «كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا، من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. والناس يقولون: الجنسية علة الضم».

٤٤٤٤٧- عن عمرو بن قيس الملائي -من طريق الحكم بن بَشير- في قوله: ﴿أصحاب الكهف والرقيم﴾: كانت الفتية على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبوا، وقالوا: ﴿ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾. قال: فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله، فقال أحدهم: إنّه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه، فانطلقوا بنا نكن فيه. فدخلوه، وفُقِدوا في ذلك الزمان، فطُلِبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومهم: لا نريد لهم عقوبة ولا عذابًا أشد من أن نردم عليهم هذا الكهف. فبنوه عليهم، ثم ردموه، ثم إنّ الله بعث عليهم ملِكًا على دين عيسى، ووقع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾؟ فـقالوا: ﴿لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ حتى بلغ ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾، وكان ورِق ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام وشراب، فلما ذهب ليخرج رأى على باب الكهف شيئًا أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه، فأنكروه، وأنكروا الدرهم، وقالوا: مِن أين لك هذا؟ هذا مِن ورِق غير هذا الزمان. واجتمعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكون، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فُقِدوا، فاستبشروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلِق بنا، فأرِنا أصحابك. فانطلَق، وانطلقوا معه ليريهم، فدخل قبل القوم، فضُرِب على آذانهم، فقال الذين غلبوا على أمرهم: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾[[أخرجه ابن جرير ١٥/١٦٢.]]. (ز)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском