At-Tafsir al-Ma'thur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:248–250, continued
٩٥٧ رَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٧٩-٤٨٠) قولَ مَن قال: إنّ الملائكة جاءت بالتابوت تحمِلُه. مستندًا في ذلك إلى الأَعْرَف في اللغة، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: حملتِ التابوتَ الملائكةُ، حتى وضَعَتْهُ نهارًا في دار طالوت بين أظْهُرِ بني إسرائيل. وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿تحمله الملائكة﴾. ولم يقل: تأتي به الملائكة. وما جَرَّته البَقَرُ على عجل -وإن كانت الملائكة هي سائِقَتُها- فهي غير حاملتِه؛ لأن الحَمْلَ المعروفَ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسه حَمْلَ ما حَمَل، فأما ما حَمَلَه على غيره -وإن كان جائزًا في اللغة أن يُقال في حمله بمعنى معونته الحامل، أو بأنّ حمله كان عن سببه- فليس سبيلُه سبيلَ ما باشر حملَه بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات أوْلى من توجيهه إلى الأنكر، ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ».
﴿إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَةࣰ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ ٢٤٨﴾ - تفسير
١٠٠٠٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿إن في ذلك لآية﴾، قال: علامة[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٢.]]. (٣/١٤٥)
١٠٠٠٣- عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿ذلك﴾ يعني: هذا، ﴿مؤمنين﴾ قال: مُصَدِّقين[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٢ (٢٤٩١، ٢٤٩٤).]]. (ز)
١٠٠٠٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ فِي ذلِكَ﴾ يعني: في رَدِّ التابوت ﴿لَآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: مُصَدِّقين بأنّ طالوت مُلْكُه مِن الله ﷿[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٦.]]. (ز)
١٠٠٠٥- قال محمد بن ِإسحاق -من طريق سلمة- ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: رسول الله إليكم، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٢ (٢٤٩٣).]]. (ز)
2:249Page 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ﴾ - تفسير
١٠٠٠٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج-: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ غازيًا إلى جالوت[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٤.]]. (٣/١٤٦)
١٠٠٠٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك- قالوا: كانوا مائةَ ألف وثلاث آلاف وثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤٢.]]. (ز)
١٠٠٠٨- عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: ... [خرج] بهم طالوتُ، وجَدُّوا في حَرْبِ عَدُوِّهم، ولم يتخلف عنه إلا كبيرٌ وضريرٌ ومعذورٌ، و[رجلٌ] في صَنْعةٍ لا بد له من التَّخَلُّفِ[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤١-٤٤٢ من طريق إسحاق بن بشر، وقال بعد أن عزاه إلى الضحاك: ولم يذكره عن ابن عباس.]]. (ز)
١٠٠٠٩- عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم- قال: خرج بهم طالوت حين اسْتَوْسَقُوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّة، أو ضريرٌ معذور، أو رجل في ضيْعة لا بُدَّ له من تَخَلُّفٍ فيها[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٢.]]. (ز)
١٠٠١٠- عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ -من طريق أبي مَعْشَر- قال: فسار طالوتُ بالجنود إلى جالوت، يعني: قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٢ (٢٤٩٧).]]. (ز)
١٠٠١١- عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفًا، وكان جالوتُ من أعظم الناس، وأشدِّهم بأْسًا، فخرج يسيرُ بين يَدَيِ الجُندِ، فلا يجتمع إليه أصحابُه حتى يهزم هو من لقي[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٢، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٢ (٢٤٩٦).]]٩٥٨. (٣/١٤٥)
٩٥٨ لم يذكر ابنُ جرير (٤/٤٨٢) في مبلغ عددهم غيرَ هذا القول.
وعَلَّقَ ابنُ عطية (٢/١١) على عددهم بقوله: «ولا مَحالَةَ أنّهم كان فيهم المؤمن، والمنافق، والمُجِدُّ، والكسلان».
١٠٠١٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾، وهم مائة ألف إنسان، فسار في حَرٍّ شديد[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
﴿قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِیكُم﴾ - تفسير
١٠٠١٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عن أبي مالك- ﴿إن الله مبتليكم﴾، يقول: بالعَطَش[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (٢٤٩٧).]]. (٣/١٤٦)
١٠٠١٤- عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قول الله تعالى: ﴿إن الله مبتليكم﴾، قال: إنّ الله يبتلي خلقَه بما يشاء، لِيعلمَ مَن يطيعُه مِمَّن يعصيه[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٣، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (٢٤٩٨).]]٩٥٩. (ز)
٩٥٩ ذَهَبَ ابنُ جرير (٤/٤٨٣) في معنى الابتلاء إلى أنّه: الاختبار. مستندًا إلى أقوال السلف.
﴿بِنَهَرࣲ﴾ - تفسير
١٠٠١٥- عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك- ﴿بنهر﴾: وهو نهر الأُرْدُنِّ[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (٢٥٠٠).]]. (٣/١٤٦)
١٠٠١٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾، قال: النَّهْرُ الذي ابْتُلِيَ به بنو إسرائيل: نَهْرُ فلسطين[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٤-٤٨٥، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣.]]. (٣/١٤٧)
١٠٠١٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج-: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ غازيًا إلى جالوت، قال طالوت لبني اسرائيل: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾. قال: بين فلسطين والأُرْدُنِّ، نَهْرٌ عَذْبُ الماء طيِّبُه[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٤.]]٩٦٠. (٣/١٤٦)
٩٦٠ عَلَّقَ ابنُ كثير (٢/٤٢٤) على هذا القول قائِلًا: «يعني: نهر الشريعة المشهور».
١٠٠١٨- عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: ... قالوا لبعضهم: إنّ الجِباب والآبار لا تَحْمِلُنا، فادعُ الله لنا أن يُجْرِي لنا نَهَرًا. فدعا ربَّه، فأجرى لهم نَهَرًا من الأُرْدُنِّ، يُقال له: سَهْمُ أشْمَوِيل[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤١-٤٤٢ من طريق إسحاق بن بشر، وقال بعد أن عزاه إلى الضحاك: ولم يذكره عن ابن عباس.]]. (ز)
١٠٠١٩- عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم- قال: لَمّا فَصَل طالوت بالجنود قالوا: إنّ المياه لا تَحْمِلُنا، فادع الله لنا يجري لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٣.]]٩٦١. (ز)
٩٦١ لم يذكر ابنُ جرير (٤/٤٨٤) في سبب قوله لهم: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ غير هذا القول.
١٠٠٢٠- عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قول الله تعالى: ﴿بنهر﴾، قال: هو نَهَرٌ بين الأُرْدُنِّ وفلسطين[[أخرجه عبد الرزاق ١/١٠١، وابن جرير ٤/٤٨٤، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (٢٥٠١)، كما أخرج ابن جرير نحوه من طريق سعيد.]]. (ز)
١٠٠٢١- عن عكرمة مولى ابن عباس، نحو ذلك[[علَّقه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (عقب ٢٥٠١).]]. (ز)
١٠٠٢٢- عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾: هو نهر فلسطين[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٤، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (٢٥٠٢).]]. (ز)
١٠٠٢٣- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾، قال: ذُكِر لنا -والله أعلم-: أنّه نَهَر بين الأُرْدُنِّ وفلسطين[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٤، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣ (عقب ٢٥٠١).]]. (ز)
١٠٠٢٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ بين الأُرْدُنِّ وفلسطين[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
١٠٠٢٥- عن أبي مُسْهِر، قال: سمعتُ سعيد بن عبد العزيز يقول في قول الله ﷿: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾، قال: هو النَّهَر الذي عند قَنطَرَةِ أُمِّ حكيم بنت الحارث بن هشام. قال: وسمعتُ سعيد بن عبد العزيز يقول: وفيه غَسَل يحيى لعيسى ﵉[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/٨٠-٨١.]]. (ز)
﴿فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَیۡسَ مِنِّی وَمَن لَّمۡ یَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّیۤ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِیَدِهِۦۚ﴾ - قراءات
١٠٠٢٦- عن عثمان بن عفان، أنّه قرأ: ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ بضم الغين[[أخرجه سعيد بن منصور (٤٢٣- تفسير).
وهي قراءة العشرة، ما عدا نافعًا وأبا جعفر، وابن كثير، وأبي عمرو، فإنهم قرؤوا: ‹غَرفة› بفتح العين. انظر: النشر ٢/٢٣٠.]]. (٣/١٤٧)
١٠٠٢٧- قال يحيى بن سلام: ﴿غرفة﴾ تقرأ بفتح الغين، ورفعها. فمن قرأها بالنصب يعني: غَرْفَتُه التي اغْتَرَفَ مَرَّةٌ واحدةٌ. ومَن قرأها بالرفع أراد: الغُرْفة مِلْءُ اليَدِ[[تفسير ابن أبي زمنين ١/٢٤٨.]]٩٦٢. (ز)
٩٦٢ اختلف القُرّاء في قراءة ﴿غرْفَة﴾؛ فقرأها بعضهم: ›غَرْفَة‹ بفتح الغين، بمعنى: الغرفة الواحدة. وقرأها بعضهم: ﴿غُرْفَة﴾ بضم الغين، بمعنى: الماء الذي يصير في كف المغترف.
واخْتار ابنُ جرير (٤/٤٨٦) قراءة الضم، وقال: «وأَعْجَبُ القراءتين في ذلك إلَيَّ ضَمُّ الغين في الغرفة، بمعنى: إلا مَنِ اغترف كفًّا من ماء؛ لاختلاف ›غَرْفَة‹ إذا فتحت غينها، وما هي له مصدرٌ؛ وذلك أنّ مصدر ﴿اغْتَرَف﴾: اغْتِرافة، وإنما ›غَرْفَة‹ مصدر غَرَفت، فلما كانت ›غَرْفَة‹ مخالفة مصدر ﴿اغترف﴾، كانت الغرفة التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا أشبه منها بالغرفة التي هي بمعنى الفعل».
وقال ابنُ عطية (١/٣٣٥): «وهذا على تَعْدِيَةِ الفعل إلى المفعول به؛ لأن الغرفة هي: العين المغترفة. فهذا بمنزلة: إلا من اغترف ماء».
﴿فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَیۡسَ مِنِّی وَمَن لَّمۡ یَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّیۤ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِیَدِهِۦۚ﴾ - تفسير الآية
١٠٠٢٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عن أبي مالك- ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾، قال: فلَمّا انتَهَوْا إلى النَّهَرِ -وهو نَهَرُ الأُرْدُنِّ- كَرَع[[كَرَع الماء يَكْرَع كَرْعًا: إذا تَناولَه بفيه من غير أن يَشْرب بكَفّه ولا بإناءٍ، كما تَشْرب البهائم. النهاية (كرع).]] فيه عامَّةُ الناس، فشربوا، فلم يَزِدْ مَن شَرِبَ إلا عَطَشًا، وأَجْزَأَ مَنِ اغترف غرفة بيده، وانقَطَعَ الظَّمَأُ عنه[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٣، ٤٧٤ (٢٥٠٠، ٢٥٠٤).]]. (٣/١٤٦)
١٠٠٢٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾، فشرب كُلُّ إنسان كقَدْرِ الذي في قَلْبِه، فمَنِ اغترف غرفة وأطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى، فلم يَرْوَ لمعصيته[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٨.]]. (٣/١٤٦)
١٠٠٣٠- عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: ... فدعا ربَّه، فأجرى لهم نَهَرًا مِن الأُرْدُنِّ، يُقال له: سَهْمُ أشْمَوِيل. اعلموا ﴿أن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه﴾ فاقتحم فيه ﴿فليس مني﴾ وقال لطالوت: ليس مِمَّن يُقاتل معك، فرُدَّهم عنك. ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ يقاتل معك، فامضِ بهم. فذلك قوله ﷿: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾، وكانت الغرفة للرجل ودوابه وعياله تملأ قُرَيْبَة. قال: ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤١-٤٤٢ من طريق إسحاق بن بشر، وقال بعد أن عزاه إلى الضحاك: ولم يذكره عن ابن عباس.]]. (ز)
١٠٠٣١- عن الحسن البصري -من طريق ابن شَوْذَب- قال: في تلك الغرفة ما شَرِبوا، وسَقَوْا دوابَّهم[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٤.]]. (٣/١٤٧)
١٠٠٣٢- عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم- في قوله: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾، يقول الله -تعالى ذكره-: ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾. وكان -فيما يزعمون- مَن تتابع منهم في الشُّرْب الذي نُهِي عنه لم يَرْوِه، ومن لم يَطْعَمْهُ إلا كما أمر غرفة بيده أجْزَأَهُ وكفاه[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٩.]]. (ز)
١٠٠٣٣- عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾، فشرب القوم على قدر يقينهم، أمّا الكفار فجعلوا يشربون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتَجْزيه وتَرْوِيه[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٧، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٤ (٢٥٠٣) الشطر الأول منه، كما أخرج ٢/٤٧٤ (٢٥٠٨) نحوه كاملًا من طريق شيبان، وفيه بلفظ: على قدر تعبهم. كذلك أخرج عبد الرزاق ١/١٠١ نحوه من طريق مَعْمَر، ومن طريقه ابن جرير ٤/٤٨٧، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٤ (٢٥٠٦)، بلفظ: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزيهم ذلك.]]. (٣/١٤٧)
١٠٠٣٤- عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: كان جالوتُ من أعظم الناس وأشدِّهم بأسًا، فخرج يسيرُ بين يَدَيِ الجُند، فلا تجتمع إليه أصحابُه حتى يهزم هو مَن لَقِيَ، فلمّا خرجوا قال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾. فشربوا منه هَيْبَةً مِن جالوت[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٨، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٢ (٢٤٩٥).]]. (٣/١٤٦)
١٠٠٣٥- عن أبي عمرو [ابن العلاء] -من طريق عبد الوهاب الخفاف وأبي زيد-، قال: الغرفة تكون من المَرَقَة، والغرفة باليد[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٤ (٢٥٠٧).]]. (ز)
١٠٠٣٦- قال الكَلْبِيُّ: لَمّا سار بهم طالوتُ اتَّخَذَ بهم مَفازَةً من الأرض، فعَطِشُوا، فقال لهم نبيهم: ﴿إن الله مبتليكم﴾ أي: مُخْتَبِرُكم ﴿بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه﴾ يعني: ومَن لم يشربه ﴿فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ جعلوا يشربون منه ولا يَرْوَوْن، وأمّا القليل فكفتهم الغرْفَة، ورجع الذين عَصَوْا وشَرِبُوا[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٢٤٧-.]]. (ز)
١٠٠٣٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ يقول: ليس معي على عَدُوِّي -كقول إبراهيم ﵇: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٥٦]، يعني: معي-، ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ فإنّه معي على عَدُوِّي. ثُمَّ اسْتَثْنى، فقال: ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. الغرفة: يشرب منها الرَّجُل وخَدَمُه ودابَّتُه، ويَمْلَأُ قِرْبَتَهُ. ووصلوا إلى النهر مِن مَفازَةٍ، وأصابهم العَطَش، فلَمّا رأى الناسُ الماءَ ابْتَدَرُوا، فوقعوا فيه، ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
١٠٠٣٨- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود، فقال: لا يصحبني أحدٌ إلا أحدٌ لَهُ نِيَّةٌ في الجهاد. فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يتبعه منافق، رجعوا كفارًا، فلمّا رأى قِلَّتَهم قالوا: لن نَمَسَّ هذا الماءَ؛ غرفة ولا غيرها. وذلك أنّه قال لهم: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ هذا؛ لا غرفة، ولا غير غرفة. قال: وأخذ البَقِيَّةُ الغرفة، فشربوا منه حتى كَفَتْهُم، وفضل منهم. قال: والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٨.]]. (ز)
﴿فَشَرِبُوا۟ مِنۡهُ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡۚ﴾ - تفسير
١٠٠٣٩- عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، قال: القليلُ ثلاثمائة وبضعة عشر، عِدَّةُ أهل بدر[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٥ (٢٥١٠). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وفي لفظ آخر عند ابن أبي حاتم ٢/٤٧٥ (٢٥١٤): عِدَّةُ أصحاب طالوت عَدَدُ أصحاب النبي ﷺ يوم بدر؛ ثلاثمائة وستون.]]. (٣/١٤٧)
١٠٠٤٠- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، يعني: المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرًا، ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ يعني: المؤمنين منهم، كان أحدُهم يَغْتَرِف الغرفة، فيُجْزِيه ذلك ويَرْوِيه[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٧، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٤ (عقب ٢٥٠٨)، و(٢٥٠٩).]]. (ز)
١٠٠٤١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾، والقليلُ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، عِدَّة أصحابِ النبي ﷺ يوم بدر[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ - تفسير
١٠٠٤٢- عن البراء [بن عازب]، قال: كُنّا -أصحابَ محمد- نتحدَّثُ أنَّ أصحاب بدر على عِدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر وثلاثمائة[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/٣٨٣، والبخاري (٣٩٥٨، ٣٩٥٩)، وابن جرير ٤/٤٩٠، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٥، والبيهقي في الدلائل ٣/٣٦-٣٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]٩٦٣. (٣/١٤٧)
٩٦٣ عَلَّقَ ابنُ جرير (٤/٤٩٥) على أثر البراء بقوله: «ويجب على القول الذي رُوِي عن البراء بن عازب: أنّه لم يُجاوِز النهرَ مع طالوت إلا عِدَّةُ أصحاب بدر. أن يكون كِلا الفريقين اللَّذَيْن وصفهما الله بما وصفهما به؛ أمرُهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد».
وعَلَّقَ ابنُ عطية (٢/١٤ بتصرف) على هذا القول قائلًا: «فعلى هذا القول قالت الجهلة: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ على جهة استكثار العدو. فقال أهل الصَّلابة منهم والتَّصْمِيم والاسْتِماتَة: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ...﴾ الآية. وظنُّ لقاءِ الله على هذا القول يَحْسُنُ أن يكون ظَنًّا على بابه، أي: يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم؛ لعَزْمِهم على صِدْق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره».
١٠٠٤٣- عن قتادة، قال: ذُكِر لنا: أنّ النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: «أنتم بعِدَّة أصحاب طالوت يوم لقي». وكان الصحابة يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا[[أخرجه ابن جرير في تاريخه ٢/٤٣٣، وفي تفسيره ٤/٤٩١، ٦/١٨-١٩، وابن أبي حاتم ٣/٧٥١ (٤٠٨٧) مرسلًا.
قتادة هو: ابن دعامة السدوسي البصري التابعي، ومراسيله من أوهى المراسيل، بل هي أوهى من مراسيل الحسن البصري، كما في الموقظة للذهبي ص٤٠.]]. (٣/١٤٨)
١٠٠٤٤- عن أبي موسى [الأشعريِّ]، قال: كان عِدَّةُ أصحاب طالوت يوم جالوت ثلاثمائة وبضعة عشر[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/٣٨٣.]]. (٣/١٤٨)
١٠٠٤٥- عن غُنَيْم بن قيس، قال لنا الأشعريُّ: أنتم اليوم على عِدَّة أصحاب طالوت يوم جالوت. قال: كم كُنتُم؟ قال: خمسين ومائتين، أو خمسين وثلاثمائة[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٥ (٢٥١٤).]]. (ز)
١٠٠٤٦- عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك- قال: كانوا ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فشربوا منه كلهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا؛ عِدَّةُ أصحاب النبي ﷺ يوم بدر، فرَدَّهم طالوت، ومضى في ثلاثمائة وثلاثة عشر[[أخرجه ابن عساكر ٢٤/٤٤٢-٤٤٣ من طريق إسحاق بن بشر. وعزاه السيوطي إلى إسحاق بن بشر في المبتدأ.]]. (٣/١٤٨)
١٠٠٤٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه؛ قال الذين شَرِبوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٢.]]. (ز)
١٠٠٤٨- عن عبيدة، قال: عِدَّةُ الذين شهدوا مع النبي ﷺ بدرًا كعِدَّة الذين جاوزوا مع طالوت النهر، عِدَّتُهم ثلاثمائة وثلاثة عشر[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة.]]. (٣/١٤٨)
١٠٠٤٩- عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: فعَبَرَ منهم أربعةُ آلاف٩٦٤، ورجع ستة وسبعون ألفًا، فمَن شَرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرب منه إلا غرفة رَوِي، ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾ فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضًا، وقالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخَلَص في ثلاثمائة وبضعة عشر، عِدَّةُ أهل بدر[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٨٨، ٤٩١، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٣، ٤٧٥، ٤٧٧ (٢٥٠٢، ٢٥١١، ٢٥٢٢).]]٩٦٥. (٣/١٤٦)
٩٦٤ عَلَّقَ ابنُ عطية (٢/١٤) على قول السدي بقوله: «على هذا القول؛ قال كثيرٌ من الأربعة الآلاف: لا طاقة لنا. على جهة الفَشَلِ، والفَزَعِ من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله -وهم عِدَّةُ أهل بدر-: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾. والظنُّ على هذا بمعنى: اليقين، وهو فيما لم يقع بعدُ، ولا خرج إلى الحِسِّ».
٩٦٥ اختلف أهلُ التأويل في الذين جاوزوا النهر مع طالوت على قولين: الأول: هم أهل الإيمان فقط؛ مَن لم يشرب مِن النهر، ومَن شرب منه غرفة. والثاني: هم أهل الإيمان، وأهل الكفر؛ الذين شربوا منه الكثير.
والظاهرُ مِن كلام ابن عطية (٢/١٥) ميلُه للقول الأول، حيث قال: «وما رُوِي عن ابن عباس مِن أنّ في الأربعة الآلاف من شَرِب؛ يَرِدُ عليه قولُه تعالى: ﴿هو والذين آمنوا معه﴾. وأكثرُ المفسرين على أنّه إنّما جاوز النَّهَر مَن لم يشرب إلا غرفة ومَن لم يشرب جُمْلَةً، ثم كانت بصائرُ هؤلاء مختلفةً؛ فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّمَ».
وقد رَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٩٢-٤٩٣ بتصرف) القولَ الثاني، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، استنادًا إلى السياق، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب: ما رُوِي عن ابن عباس، وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنّه جاوز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يشرب من النهر إلا الغرْفَة، والكافرُ الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التَّمْيِيزُ بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانخَزَلَ عنه أهلُ الشِّرك والنفاق. فإن ظَنَّ ذو غفلة أنّه غيرُ جائز أن يكون جاوز النَّهَرَ مع طالوت إلا أهلُ الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم، ومَن لم يشرب من النهر إلا الغرفة -لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾. فكان معلومًا أنّه لم يُجاوِز معه إلا أهل الإيمان، على ما روي به الخبرُ عن البراء بن عازب، ولأنّ أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهلُ الإيمان لَما خَصَّ اللهُ بالذكر في ذلك أهلَ الإيمان- فإنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ظَنَّ؛ وذلك أنّه غير مُسْتَنكر أن يكون الفريقان -أعني: فريق الإيمان، وفريق الكفر- جاوزوا النهر، وأخبر الله نبيَّه محمدًا ﷺ عن المؤمنين بالمجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملِكِهم، وترك ذكر أهل الكفر وإن كانوا قد جاوزوا النَّهَر مع المؤمنين. والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك قولُ الله -تعالى ذكره-: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. فأوجب اللهُ -تعالى ذكره- أنّ الذين يظنون أنّهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقو الله، وأنّ الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. وغيرُ جائز أن يُضاف الإيمانُ إلى مَن جَحَدَ أنّه مُلاقي اللهِ، أو شَكَّ فيه».
١٠٠٥٠- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: مَحَّص اللهُ الذين آمنوا عِند النهر، وكانوا ثلاثمائة وفوق العشرة ودون العشرين، فجاء داود ﵇ فأَكْمَلَ به العِدَّة[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩١، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٤ (عقب ٢٥٠٨)، و(٢٥٠٩).]]. (ز)
١٠٠٥١- قال الكلبي: وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، بِعِدَّةِ أهل بَدْر[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٢٤٨-.]]. (ز)
١٠٠٥٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أي: جاوز النهر ﴿هُوَ﴾ يعني: طالوت ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكلُّهُم مؤمنون[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
﴿قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡیَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ﴾ - تفسير
١٠٠٥٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه؛ قال الذين شربوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٢.]]. (٣/ ١٤٦)
١٠٠٥٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك- قالوا: فلَمّا جاوز النهر -يعني: طالوت، والذين آمنوا معه- قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤٢.]]. (ز)
١٠٠٥٥- عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط-: أنّ الذين قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ هم أهل كفرٍ بالله ونفاقٍ، وليسوا مِمَّن شَهِد قتالَ جالوت وجنوده؛ لأنهم انصرفوا عن طالوت، ومَن ثبت معه لقتال عدوِّ اللهِ جالوتُ ومَن معه، وهم الذين عَصَوْا أمرَ الله لِشُرْبِهِم من النَّهَر[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٣.]]. (ز)
١٠٠٥٦- قال مقاتل بن سليمان: قال العصاةُ الذين وقعوا في النهر: ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
﴿قَالَ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِیلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِیرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ ٢٤٩﴾ - تفسير
١٠٠٥٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾: الذين اغْتَرَفُوا[[عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وعند ابن جرير ٤/٤٩٤ موقوف على ابن جُرَيْج فيما يظهر.]]. (٣/ ١٤٧)
١٠٠٥٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عن أبي مالك-: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فأَثْبَتَ اللهُ الإيمان لهؤلاء الذين قالوا: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٦ (٢٥٢١).]]. (ز)
١٠٠٥٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك-: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ يعني: يُؤْمِنون ويُوقِنُون بالبَعْثِ: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/٤٤٢.]]. (ز)
١٠٠٦٠- عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو الله﴾، قال: الذين شَرَوْا أنفسَهم لله، ووَطَّنوها على الموت[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٦.]]. (٣/١٤٩)
١٠٠٦١- قيل للحسن: أليس القومُ جميعًا كانوا مؤمنين؛ الَّذين جاوَزُوا؟ قال: بلى، ولكن تَفاضَلُوا بما شحَّت أنفسُهم من الجهاد في سبيله[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٢٤٨-.]]. (ز)
١٠٠٦٢- عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، قال: ويكون -واللهِ- المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعض، وهم مؤمنون كلُّهم[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٤، وابن أبي حاتم ٢/٤٧٦ (٢٥٢٠) بنحوه من طريق شيبان.]]. (٣/١٤٩)
١٠٠٦٣- عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو الله﴾، قال: الذين يَسْتَيْقِنُون[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٦ (٢٥١٨).]]. (٣/١٤٩)
١٠٠٦٤- قال مقاتل بن سليمان: ... فرَدَّ عليهم أصحابُ الغرفة، ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يعني: الذين يعلمون -كقوله سبحانه: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة:٢٨]، يعني: وعلم، وكقوله ﷿: ﴿فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وكقوله ﷿: ﴿ألا يَظُنُّ أُولئِكَ﴾ [المطففين:٤]، أي: ألا يعلم- ﴿أنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّه﴾ لأنّهم قد طابت أنفسُهم بالموت: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ يعني: جند قَلِيلَةٍ عددُهم ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ عددُهم ﴿بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل في النَّصْرِ على عَدُوِّهِم. فرَدَّ طالوتُ العُصاةَ، وسار بأصحاب الغرفة، حَتّى عايَنُوا العَدُوَّ[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٨.]]. (ز)
١٠٠٦٥- عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾: الذين اغترفوا وأطاعوا. الَّذِين مَضَوْا مع طالوت المؤمنون، وجَلَسَ الذين شَكُّوا[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٤.]]. (ز)
١٠٠٦٦- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا، وهم الذين قالوا: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾[[أخرجه ابن جرير ٤/٤٩٥.]]٩٦٦. (ز)
٩٦٦ اختلف أهل التأويل في مَن قال: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ على قولين: الأول: هم أهل إيمان، ولكنَّهم أضعفُ يقينًا مِمَّن قالوا: ﴿كم مِن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. والثاني: هم أهل كفر بالله ونفاق، وليسوا مِمَّن شَهِد قتال جالوت وجنوده؛ لأنّهم انصرفوا عن طالوت ومَن ثَبَتَ معه لقتال عَدُوِّ الله جالُوتَ ومَن معه، وهم الذين عَصَوْا أمْرَ اللهِ لِشُرْبِهِم مِن النَّهَر.
وقد رَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٩٥) القولَ الثاني، كما ذكرنا آنفًا، استنادًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس، والسدي، وابن جريج.
2:250Page 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ٢٥٠﴾ - تفسير
١٠٠٦٧- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: فجاء جالوتُ في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَّةٍ، ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٨ (٢٥٢٧).]]. (ز)
١٠٠٦٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَمّا بَرَزُوا لقتال لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ قال أصحاب الغرفة ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يعني: ألْقِ؛ اصْبُب علينا صَبْرًا -كقوله سبحانه: ﴿أفْرِغْ﴾ يعني: اصْبُب ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف:٩٦]-، ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ عند القتال؛ حتّى لا تزول، ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ يعني: جالوت وجنوده، وكانوا يعبدون الأوثان، فاستجاب اللَّه لهم -وكانوا مؤمنين أصحاب الغرفة- في العصاة[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٢٠٩.]]. (ز)
١٠٠٦٩- عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ قال: سألوه أن يُثَبِّت أقدامَهم، ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ قال: اسْتَنصَرُوه على القوم الكافرين[[أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٤٧٨ (٢٥٢٩).]]. (ز)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences