At-Tafsir al-Ma'thur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:66
8:66Page 185
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
﴿ٱلۡـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِیكُمۡ ضَعۡفࣰاۚ فَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةࣱ صَابِرَةࣱ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفࣱ یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفَیۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ ٦٦﴾ - قراءات
٣١٣٢٨- عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قرأ: ‹الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا› رفَع[[أخرجه الحاكم ٢/٢٦١ (٢٩٤١).
وفيه سلام بن سليمان. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «سلام بن سليمان نزل دمشق، واهٍ».
وهذه قراءة متواترة، قرأ العشرة، ما عدا عاصمًا، وحمزة، وخلفًا العاشر، فإنهم قرؤوا: ﴿ضُعْفًا﴾ بضم الضاء، وإسكان العين، وما عدا أبا جعفر، فإنه قرأ: ‹ضُعَفَآءَ› جمع ضعيف. انظر: النشر ٢/٢٧٧، والإتحاف ص٢٩٩.]]. (٧/١٩٦)
٣١٣٢٩- عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ أنَّه قرَأ: ‹وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا›[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (٧/١٩٦)
٣١٣٣٠- عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ أنّهُ قرأ: ‹وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا›، وقرَأ كلَّ شيءٍ في القرآن ضُعفٌ[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]٢٨٦٧. (٧/١٩٦)
٢٨٦٧ اختلف في قراءة قوله: ﴿ضعفا﴾؛ فقرأ قوم بضم الضاد، وقرأ آخرون بفتحها، وقرأ غيرهم ‹ضُعَفَآءَ›.
وذكر ابنُ جرير (١١/٢٦٩) أن قراءة الضم من المصدر من ضَعُف الرجل ضُعفان، وأن قراءة الفتح على المصدر أيضًا من ضَعُف، وأن قراءة ‹ضُعَفَآءَ› إنما هي على تقدير: فُعَلاء، فجُمع ضعيف على ضعفاء، كما يُجمع الشريك شركاء.
وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/٢٣٧-٢٣٨).
ورجَّح ابنُ جرير (١١/٢٧٠) قراءة الضم والفتح مستندًا إلى اشتهارهما في اللغة، فقال: «لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب». وانتقد قراءة ‹ضُعَفَآءَ›، فقال: «فإنها عن قراءة القرآء شاذة، وإن كان لها في الصحة مخرج، فلا أُحِبُّ لقارئ القراءةَ بها».
﴿ٱلۡـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِیكُمۡ ضَعۡفࣰاۚ فَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةࣱ صَابِرَةࣱ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفࣱ یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفَیۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ ٦٦﴾ - نزول الآية، والنسخ فيها
٣١٣٣١- عن ابن عباس -مِن طريق سفيان، عن عمرو بن دينار- قال: لَمّا نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾ فكتب عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ مِن عشرة، وأن لا يَفِرَّ عشرون مِن مائتين. ثم نزَلت: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية، فكتَب أن لا يَفِرَّ مائةٌ مِن مائتين. قال سفيان، وقال ابن شُبْرُمة: وأُرى الأمرَ بالمعروف، والنهي عن المنكر مثلَ هذا؛ إن كانا رجلين أمَرهما، وإن كانوا ثلاثةً فهو في سَعَةٍ مِن تَرْكِهم[[أخرجه البخاري ٦/٦٣ (٤٦٥٢)، وابن أبي حاتم ٥/١٧٢٨ (٩١٣٨، ٩١٣٩).]]. (٧/١٩٣). (ز)
٣١٣٣٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: افْتَرَض أن يُقاتِلَ كلُّ رجلٍ عشرة، فثَقُل ذلك عليهم، وشَقَّ عليهم، فوضَع عنهم، ورَدَّ عنهم إلى أن يقاتِلَ الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ إلى آخر الآيات[[أخرجه إسحاق بن راهويه -كما في المطالب (٣٩٩٣، ٤٧٢٤/١)-، وابن جرير ١١/٢٦٣، وابن أبي حاتم ٥/١٧٢٨، والطبراني في الأوسط (٨١٠٧) واللفظ له، وابن مروديه -كما في المطالب (٤٧٢٤/٢)-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.]]. (٧/١٩٤)
٣١٣٣٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شَقَّ ذلك على المسلمين حينَ فُرِض عليهم ألا يَفِرَّ واحدٌ مِن عشرة، فجاء التخفيف: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾. قال: فلما خَفَّف اللهُ عنهم مِن العِدَّةِ نَقَص مِن الصبر بقَدْرِ ما خفَّف عنهم[[أخرجه البخاري (٤٦٥٣)، وابن جرير ١١/٢٦٧، والنحاس في ناسخه ص٤٧٠، وابن مردويه -كما في الفتح ٨/٣١٢-، والبيهقي في سننه ٩/٧٦.]]. (٧/١٩٤)
٣١٣٣٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن أبي رباح- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النَّبِيّ حرض المؤمنين على القتال﴾ ثَقُلَت على المسلمين، فأعْظَموا أن يُقاتِلَ عشرون مائتين، ومائةٌ ألفًا، فخفَّف الله عنهم، فنسَخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ الآية. قال: فكانوا إذا كانوا على الشَّطْرِ من عدوِّهم لم يَنبَغِ لهم أن يَفِرُّوا منهم، وإذا كانوا دونَ ذلك لم يجبْ عليهم قتالُهم، وجازَ لهم أن يَتَحرَّزوا عنهم. ثم عاتَبهم في الأُسارى وأَخْذِ المغانم، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه مِن الأنبياء ﵈ يأكُلُ مَغْنمًا من عدوٍّ، هو لله[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٣، وابن أبي حاتم ٥/١٧٢٨، ١٧٢٩، وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.]]. (٧/١٩٤)
٣١٣٣٥- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾: وذلك أنه كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يُؤشِّبهم -يعني: يُغْرِيهم- بذلك، لِيُوَطِّنُوا أنفسهم على الغزو، وإنّ الله ناصرهم على العدو، ولم يكن أمرًا عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضًا ووصية أمر الله بها نبيه. ثم خَفَّف عنهم، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾، فجعل على كل رجل رجلين بعد ذلك تخفيفًا، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا، ولو كان عليهم واجبًا، كفَّروا إذن كل رجل من المسلمين [نَكَلَ][[[ذكره محققوه أنها زيادة يقتضيها السياق. ونحوه في تحقيق الشيخ شاكر. ونَكَل: أي نَكَص وجَبُن. لسان العرب (نكل).]]] عمَّن لَقِي مِن الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم. فلا يَغُرَّنَّك قول رجال، فإني قد سمعت رجالًا يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عِدَّة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عِدَّة أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد﴾ [البقرة:٢٠٧]، وقال الله: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين﴾ [النساء:٨٤]، فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في «الأنفال»، فلا تعجزنَّ، قاتِلْ، قد سقَطْتَ بين ظهري أناس كما شاء الله أن يكونوا[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٤.]]. (ز)
٣١٣٣٦- عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء- في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون﴾ الآية، قال: كان يومَ بدرٍ، جعل الله على المسلمين أن يُقاتِلَ الرجلُ الواحدُ منهم عشرةً من المشركين؛ لِيَقْطَعَ دابَرهم، فلما هزَم الله المشركين وقطَع دابرَهم خفَّف على المسلمين بعدَ ذلك، فنزَلت: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، يعني: بعد قتالِ بدر[[أخرجه ابن أبي حاتم ٥/١٧٢٩.]]. (٧/١٩٥)
٣١٣٣٧- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: هذا لأصحاب محمد ﷺ يوم بدر، جُعِل على كلِّ رجل منهم قتالُ عشرة من الكفار، فضَجُّوا مِن ذلك، فجُعِل على كلِّ رجل منهم قتالُ رَجُلَين؛ فنزل التخفيف من الله ﷿، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾[[تفسير مجاهد ص٣٥٧. وعلَّق ابن أبي حاتم ٥/١٧٢٩ نحوه. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.]]. (٧/١٩٦)
٣١٣٣٨- عن عكرمة مولى ابن عباس= (ز)
٣١٣٣٩- والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال في سورة الأنفال: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾، ثم نسخ، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ إلى قوله: ﴿والله مع الصابرين﴾[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٥. وعلَّق ابن أبي حاتم ٥/١٧٢٩ نحوه.]]. (ز)
٣١٣٤٠- عن الضحاك بن مزاحم= (ز)
٣١٣٤١- وعطاء [بن أبي رباح]= (ز)
٣١٣٤٢- وعطاء الخراساني، نحو ذلك[[علَّقه ابن أبي حاتم ٥/١٧٢٨، ١٧٢٩.]]. (ز)
٣١٣٤٣- عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾: جعل الله على كل رجل رجلين، بعد ما كان على كل رجل عشرة. وهذا الحديث عن ابن عباس[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٦.]]. (ز)
٣١٣٤٤- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾، يقول: يُقاتِلُوا مائتين، فكانوا أضعفَ من ذلك، فنسخها الله عنهم، فخَفَّف، فقال: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾، فجعل أولَ مرة الرجل لعشرة، ثم جعل الرجل لاثنين[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٧.]]. (ز)
٣١٣٤٥- عن عبد الله بن أبي نجيح -من طريق معمر- ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مائتين أن لا يفروا؛ فإنّهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبُوا، ثم خَفَّف الله عنهم، وقال: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾، فيقول: لا ينبغي أن يَفِرَّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٦. كما أخرجه عبد الرزاق ١/٢٦١، وابن جرير ١١/٢٦٧ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وسيأتي.]]. (ز)
٣١٣٤٦- عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنّه قال: وقال في سورة الأنفال: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾، ثم نُسخت بالآية التي تليها، فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكُمْ ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣/٧٣ (١٦٠). وعلَّق ابن أبي حاتم ٥/١٧٢٩ نحوه.]]٢٨٦٨. (ز)
٢٨٦٨ رجَّح ابنُ جرير (١١/٢٦٨-٢٦٩) القول بالنسخ مستندًا إلى دلالة العقل، ووجود التعارض، فقال: «وهذه الآية، وإن كان مخرجها مخرج الخبر، فإن معناها الأمر، يدل على ذلك قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل، ولو كان ثبوت العشرة منهم للمائة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف وكان ندْبا لم يكن للتخفيف وجْه؛ لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوت للعشرة من العدو، وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدمًا لم يكن للترخيص وجه؛ إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أنّ حكم قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ناسخ لحكم قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾، وقد بَيَّنّا أنّ كل خبر من الله وعَدَ فيه عباده على عملٍ ثوابًا وجزاءً، وعلى تركه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكن خارجًا ظاهره مخرج الأمر، ففي معنى الأمر».
وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/٢٣٦)، وذكر أنّه رُوِي عن ابن عباس أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندْب المؤمنين إليه، ثم حُطَّ ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وأن كثيرًا من المفسرين قال: وهذا تخفيف لا نسخ؛ إذ لم يستقر لفرض العَشرة حكم شرعي، وذكر قولًا لمكي بأن قوله: ﴿الآن خفف...﴾ إنما هو كتخفيف الفطر في السفر، وهو لو صام لم يأثم وأجزأه. ثم انتقد القول بعدم النسخ مستندًا إلى النظائر، فقال: «وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحًا من أن يقال: نُسخ، واعْتبر ذلك في صدقة النّجوى، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضًا أو ندبًا هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أنّ الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال له نسخ؛ لأنه حينئذ ليس بالأول، وهو غيره، وذكر في ذلك خلافًا. والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على الحكم الأول مقيدًا لا بإطلاق، واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس».
﴿ٱلۡـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِیكُمۡ ضَعۡفࣰاۚ فَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةࣱ صَابِرَةࣱ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفࣱ یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفَیۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ - تفسير
٣١٣٤٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ الآية، قال: فرَض عليهم ألا يَفِرَّ رجل من عشرة، ولا قومٌ من عشرة أمثالهم، فجهَد الناسَ ذلك، وشقَّ عليهم، فنزلت الآية الأخرى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ إلى قوله: ﴿ألفين﴾، ففرض عليهم ألا يَفِرَّ رجل من رجلين، ولا قومٌ من مِثْلَيْهم، ونَقَص مِن النصرِ بِقَدْرِ ما خَفَّف عنهم مِن العِدَّة[[أخرجه ابن جرير ١١/٢٦٣ بنحوه، وابن أبي حاتم ٥/١٧٢٨-١٧٢٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (٧/١٩٥)
٣١٣٤٨- عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا﴾ يعني: يقتلوا مائتين من المشركين، ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ يعني: ألف رجل يغلبوا -يعني: يقتلوا- ألفين من المشركين -بإذن الله-[[أخرجه ابن أبي حاتم ٥/١٧٣٠.]]. (ز)
٣١٣٤٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق مَعْمَر، عن ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنّهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبُوا، ثم خَفَّف الله عنهم، فقال: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾، فيقول: لا ينبغي أن يَفِرَّ ألفٌ من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غَلَبُوهم[[أخرجه عبد الرزاق ١/٢٦١، وابن جرير ١١/٢٦٧.]]. (ز)
٣١٣٥٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ يعني: بعد قتال بدر، ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكُمْ﴾ عِدَّة ﴿مِائَةٌ﴾ رجل ﴿صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ يعني: يقاتلوا مائتين، ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكُمْ ألْفٌ﴾ رجل ﴿يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٢/١٢٥.]]. (ز)
﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ ٦٦﴾ - تفسير
٣١٣٥١- عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿والله مع الصابرين﴾، يعني: من المسلمين في النصر لهم[[أخرجه ابن أبي حاتم ٥/١٧٣٠.]]. (ز)
٣١٣٥٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ في النصر لهم على عدوهم، فأمر الله أن يقاتل الرجل المسلم وحدَه رجلين من المشركين، فمن أسَرَه المشركون بعد التخفيف فإنه لا يُفادى من بيت المال إذا كان المشركون مثل المؤمنين، وإن كان المشركون أكثر من الضعف فإنه يُفادى من بيت المال. فينبغي للمسلمين أن يُقاتِلُوا الضعف من المشركين إلى أن تقوم الساعة، وكانت المنزلة قبل التخفيف لا يفتدى الأسير إلا على نحو ذلك[[تفسير مقاتل بن سليمان ٢/١٢٥.]]. (ز)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences